ذكرت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" اليوم أنه يتعين على الحكومة السعودية اتخاذ إجراءات فورية للتحقيق مع أفراد قوات الأمن الداخلي المسؤولين عن تعذيب المعتقلين والسجناء، وتقديمهم للمحاكمة.

وقالت المنظمة إن أي تحقيق تقوم به السلطات السعودية ينبغي أن يشمل مرتكبي التعذيب، إلى جانب المسؤولين الحكوميين الذين حرضوا على هذا الأفعال، أو وافقوا عليها، أو تغاضوا عنها.

وقد جاءت آخر ادعاءات التعذيب وغيره من صور المعاملة القاسية أو اللاإنسانية في السعودية من ثلاثة مواطنين بريطانيين أفرج عنهم في ديسمبر/كانون الأول 2001، بعد أن ظلوا رهن الاعتقال لأكثر من اثني عشر شهراً؛ فقد وصف اثنان منهم صنوف التعذيب التي قاسوها أثناء استجوابهم في أحد مقار وزارة الداخلية في مقالة نشرتها صحيفة "ذي غارديان" اللندنية في عددها الصادر يوم 30 يناير/كانون الثاني.
ورد وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز على ما نشر في الصحيفة زاعماً أن هذه الادعاءات غير صحيحة، وأنها "جزء من حملة إعلامية ضد السعودية".
ويقول هاني مجلي، المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان":
"إن هذا النفي الشامل من جانب كبار المسؤولين السعوديين إنما يزيد الطين بلة، ويديم الشعور السائد لدى أفراد قوات الأمن بأنهم في حرز من أي مساءلة أو عقاب؛ وهناك من الأدلة الموثقة ما يثبت ممارسة التعذيب في السعودية، والحكومة ملزمة قانوناً بالتحقيق في هذه الادعاءات الأخيرة".
ويحرِّم كل من القانون السعودي والقانون الدولي لحقوق الإنسان ممارسة التعذيب؛ وفي أكتوبر/تشرين الأول 1997، أصبحت السعودية في عداد الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛ وصارت أحكام هذه الاتفاقية جزءاً من القوانين السعودية المحلية.
خلفية عامة
اعتُقل البريطانيون الثلاثة بول موس، وديفيد مورنين، وكلفين هوكينز في أعقاب سلسلة من التفجيرات التي شهدته الرياض والخبر بدءاً من نوفمبر/تشرين الثاني 2000، وأدت إلى مقتل مواطن بريطاني وجرح آخرين. وأكدت السلطات السعودية أن أحداث العنف وقعت في إطار تنافس وتصفية حسابات بين غربيين منخرطين في تجارة الخمور في السعودية، وهي تجارة غير مشروعة وإن كانت تدر أرباحاً طائلة. ولا يزال ستة أجانب، كندي وبلجيكي وأربعة بريطانيين، محتجزين للاشتباه في تورطهم في هذه الحوادث، ولكن لم توجه السلطات إليهم أي تهم رسمياً ولم تقدمهم للمحاكمة بعد. وفي الرابع من فبراير/شباط 2001، ظهر ثلاثة منهم على شاشة التليفزيون السعودي الحكومي وهم "يعترفون" بمسؤوليتهم عن التفجيرات؛ وكان الثلاثة الآخرون قد أدلوا بـ"اعترافات" مماثلة بثتها وسائل الإعلام السعودية في 13 أغسطس/آب 2001.
ووصف موس ومورنين لصحيفة "ذي غارديان" ما كابداه من الإيذاء البدني الشديد، وقال البريطانيون الثلاثة إنهم تعرضوا للحرمان من النوم إبان التحقيق معهم.

أما بول موس، الذي اعتقل في ديسمبر/كانون الأول 2000، فقد وصف المعاملة التي تلقاها أثناء احتجازه في مقر لوزارة الداخلية بالعاصمة السعودية الرياض، حيث قال إنه ظل رهن الحبس الانفرادي لمدة سبعة أسابيع. ووصف موس معاناته في الحجز قائلاً: "كنت أُعامل وكأنني شخص لا اسم له؛ فقد ظل المحقق الذي كان يستجوبني، والذي بدا من الواضح أنه متعلم تعليماً راقياً، يناديني برقم طوال فترة اعتقالي؛ وكانوا يعصبون عيني ويقيدونني بالأغلال كلما اقتادوني من زنزانتي الخالية من النوافذ وصعدوا بي طابقين للتحقيق معي". ووصف موس لصحيفة "ذي غارديان" كيف تعرض للحرمان من النوم والضرب أربع مرات منفصلة، إذ قال: "كان يضربونني بعصا في خصيتي، ثم يضربونني في ذقني كلما سقطت على الأرض من شدة الضرب". كما ادعى موس أنه تعرض للتخويف والتهديد، قائلاً: "أخذوني إلى السطح، وقالوا إنهم سيلقون بي من المبنى، ويقولون إنني حاولت الهرب؛ وقالوا إنهم فعلوا ذلك من قبل؛ وهددوا بوضع المخدرات في منزلي خفية لإدانة زوجتي وابني وإعدامهما بقطع رأسيهما".
وأما ديفيد مورنين، الذي اعتُقل في نوفمبر/تشرين الثاني 2000، فقد قال إنه ظل قيد الحبس الانفرادي في زنزانة عقاب لمدة ثمانية أسابيع حيث "كان الضوء متوهجاً على الدوام". وقال مورنين لصحيفة "ذي غارديان" إنه هو الآخر قد تعرض للإيذاء البدني والتهديدات أثناء احتجازه لدى وزارة الداخلية، في محاولة لانتزاع اعتراف منه؛ وأضاف قائلاً: "لقد طوَّحوا بي بين الحيطان، ولكموني في بطني، وركلوني في صدري... وظلوا يستجوبونني بعنف وإلحاح لا هوادة فيهما؛ وهددوا باغتصاب زوجتي بالتناوب، ودس المخدرات في ثيابها، وقالوا إنهم سيقتادونني إلى الصحراء حيث يذبحونني ويتركونني هناك". ومضى مورنين قائلاً: "كانوا يركلونني من حين لآخر حتى استيقظ، ويرغمونني على الجلوس، ثم الوقوف كل 15 دقيقة"؛ كما وصف مورنين كيف علقوه بقوله: "علقوني من قضبان فوق الباب من القيود في يدي، بحيث ظللت واقفاً على أصابع قدمي طوال 24 ساعة في كل مرة؛ فعلوا ذلك أربع مرات"؛ وقال مورنين إنه قد فرض عليه بعد الإفراج عنه أن يكتب خطاب شكر للملك، ويوقع على بيان يقول فيه إنه لم يتعرض لسوء المعاملة.

وقال كلفين هوكينز، الذي اعتقل في نوفمبر/تشرين الثاني 2000، لصحيفة "ذي غارديان"، إنه لم يتعرض لأي إيذاء بدني، ربما لأن زوجته قالت للسلطات السعودية إنه قد أجريت له عملية تحويل رباعية في القلب؛ وأضاف قائلاً: "ما حدث لي هو الحرمان من النوم؛ فقد كنت مقيد اليدين والقدمين ومعصوب العينين، وبقيت في الحبس الانفرادي لمدة ثلاثة أشهر؛ وحاولوا أول الأمر حملي على الاعتراف بالقيام بالتفجيرات؛ وبعد أن اعترفت بإدارة حانة، كفوا عن السؤال عن التفجيرات".

***
ذكرت المملكة العربية السعودية في تقريرها إلى لجنة مناهضة التعذيب في فبراير/شباط 2001 أن أنظمة المملكة تحظر كافة أشكال التعذيب؛ وأشارت الحكومة إلى المادة 28 من أنظمة السجون والمعتقلات التي تنص على حظر جميع أشكال الاعتداء على السجناء أو المعتقلين، وعلى اتخاذ إجراءات تأديبية ضد المسؤولين المدنيين أو العسكريين التي يرتكبون أي اعتداء على السجناء أو المعتقلين، دون الإخلال بأي عقوبات جنائية قد يكونون عرضة لها في الحالات التي يشكل فيها مثل هذا الاعتداء جرماً جنائياً. كما أشارت الحكومة إلى المادة 100 من قانون إدارة الأمن العام الذي يستوجب من ضباط التحقيق توخي اليقظة والحذر، والسعي بشتى السبل القضائية للوقوف على السبب الأساسي لإصرار المتهم على الصمت دون اللجوء للإكراه أو التعذيب. وإلى جانب ما تقدم، أشارت الحكومة إلى المادة 231 من القانون المذكور، التي تنص على معاقبة كل من تثبت مسؤوليته عن اعتقال أي شخص دون وجه حق، أو إلحاق أي أذى به، بحبسه لنفس الفترة وإلزامه بتعويض المتضرر عن أي ضرر ألحقه به.

كما أبلغت الحكومة السعودية لجنة مناهضة التعذيب في فبراير/شباط 2001 بأن اتفاقية مناهضة التعذيب أصبحت، بموجب التصديق عليها بمرسوم ملكي، تشكل جزءاً من القوانين الوطنية، الأمر الذي يجيز الاستشهاد بأحكامها أمام المحاكم وغيرها من السلطات القضائية والإدارية في المملكة. ويتوجب على السعودية، بمقتضى المادة 12 من الاتفاقية، أن تضمن "قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملاً من أعمال التعذيب قد ارتكب في أي من الأقاليم الخاضعة لولايتها القضائية". أما المادة 4 من الاتفاقية فتستوجب اعتبار التواطؤ والمشاركة في التعذيب من الجرائم التي تقع تحت طائلة القانون الجنائي، وتقضي بأن "تجعل كل دولة طرف هذه الجرائم مستوجبة للعقاب بعقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار طبيعتها الخطيرة".