يجب على روسيا وغيرها أن يدعموا الجهود المبذولة لضمان وصول المساعدات للجميع
فبراير 11, 2013
يواجه آلاف السوريون ظروفاً معيشية مروعة لمجرد عدم وصول المعونات إليهم. وبوسع الحكومة السورية بكلمة منها أن تسهل الوصول إلى المحتاجين ـ لكن حتى بدون هذا، ما زال هناك المزيد مما يمكن للمانحين القيام به
سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

(نيويورك) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على سوريا الموافقة بشكل عاجل على دخول المساعدات الإنسانية إلى البلاد من سائر حدودها، بما فيها الحدود مع تركيا. وعلى حلفاء سوريا بمن فيهم روسيا أن يمارسوا الضغط على سوريا للموافقة على عمليات نقل المساعدات، بحسب هيومن رايتس ووتش. يجب على المانحين ألا ينتظروا الموافقة السورية، بل عليهم التوسع فوراً في دعم المنظمات غير الحكومية القادرة حالياً على توصيل المساعدات من تركيا إلى المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

رغم وجود عقبات تعترض توصيل المساعدات إلى كافة أرجاء سوريا إلا أن الوصول إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة أمر بالغ الصعوبة. في 31 يناير/كانون الثاني 2013 صرح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية علناً بعجزه "عن بلوغ الأغلبية الساحقة المحتاجة إلى المساعدة في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة"، ودعا بشكل عاجل إلى الموافقة على السماح بعمليات النقل عبر الحدود، لافتا إلى أنه "لا يوجد وقت نضيعه".

قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يواجه آلاف السوريون ظروفاً معيشية مروعة لمجرد عدم وصول المعونات إليهم. وبوسع الحكومة السورية بكلمة منها أن تسهل الوصول إلى المحتاجين ـ لكن حتى بدون هذا، ما زال هناك المزيد مما يمكن للمانحين القيام به".

سمحت سوريا ببعض عمليات توصيل المساعدات "عبر خطوط المواجهة"، انطلاقاً من دمشق إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، لكنها لم توافق على إرسال المساعدات الإنسانية مباشرة إلى مناطق المعارضة من البلدان المجاورة. ورغم قيام منظمات مستقلة بتوصيل بعض المعونات من تركيا إلى شمال سوريا، بموجب قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أن هيئات الأمم المتحدة لا تملك صلاحية العمل عبر الحدود بدون موافقة سوريا، ما لم يصدر عن مجلس الأمن تصريح للقيام بهذه الجهود. وبإمكان عمليات الأمم المتحدة عبر الحدود أن تزيد من مستوى فعالية وتنسيق الجهود الإنسانية،  بحسب مسؤولي الشؤون الإنسانية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على مجلس الأمن أن يدعو سوريا إلى الموافقة على نقل المساعدات عبر الحدود، وهي الخطوة التي يرجح أن تلقى قبولا  أكثر لدى حلفاء سوريا من قرار للتصريح بهذه المساعدات أن تعبر دون موافقة سوريا.

وقالت سارة ليا ويتسن: "كيف نشرح للعائلات المنكوبة أن المساعدات تأخرت لأنها لا تستطيع أخذ طرق أسرع ؟ لا ينبغي لأصدقاء سوريا، بمن فيهم روسيا، أن يلتزموا الصمت حيال هذه الأزمة الإنسانية".

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب أيضاً على تركيا اتخاذ خطوات فورية لتسهيل توصيل المساعدات، بما فيها الغذاء والوقود، عبر حدودها.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن هناك عقبات كثيرة تعوق توصيل المساعدات بفعالية إلى كافة أرجاء سوريا. وضعت سوريا عراقيل إدارية أمام الهيئات الدولية، منها تحديد عدد تأشيرات الدخول الممنوحة للأفراد الأجانب، وقامت بالتضييق على مقدمي المساعدات واستهدفتهم وأوقفتهم تعسفاً في بعض الحالات، لمجرد قيامهم بعملهم، وهو ما وثقته هيومن رايتس ووتش مرات عديدة. كما وثقت هيومن رايتس ووتش اعتداءات من جانب القوات الحكومية السورية على المنشآت الصحية والعاملين بالقطاع الصحي.

أصرَّت الحكومة السورية أيضاً على توصيل كافة المساعدات تحت إشرافها أو من خلال منظمات متفق عليها. تقوم هيئات الأمم المتحدة حالياً بالتحري عن المنظمات التي رشحتها سوريا، لكن مؤيدي المعارضة انتقدوا بشدة التعامل مع بعض هذه الجمعيات، ومنها الأمانة السورية للتنمية التي أسستها أسماء الأسد، حرم الرئيس بشار الأسد. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على الأمم المتحدة إجراء تحر دقيق عن المنظمات التي تعمل معها، وعليها أن تتحلى بالشفافية بشأن المنظمات التي تستعين بها كشركاء.

بموجب القانون الدولي الإنساني، ينبغي لكافة أطراف النزاع منح الأفراد المدنيين العاملين في الإغاثة الإنسانية حرية التنقل، وحمايتهم من الاعتداء والتضييق والترهيب والاحتجاز التعسفي. ويجب على أطراف النزاع إتاحة وتسهيل عبور الإغاثة الإنسانية، بسرعة ودون عوائق، إلى المدنيين المحتاجين إليها.

كما تتعرض جهود الإغاثة الإنسانية بالمناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة للتقويض نتيجة تعدد الجماعات المسلحة وغياب الضمانات الأمنية. على الائتلاف السوري لقوى المعارضة أن يشجع جماعات المعارضة المسلحة على منح المرور الآمن لقوافل الإغاثة وأفرادها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها. وعلى المجلس أيضاً الإسراع في توسعة قدرات وحدة تنسيق المساعدات التابعة له بحيث يتسنى لها تقديم المزيد من العون للمحتاجين في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة. وعلى المانحين والمنظمات الدولية أن يدعموا هذه الجهود، وأن يجروا عمليات التوصيل بالتنسيق مع هياكل الحكم المدنية التي تم إنشاؤها في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

قامت هيومن رايتس ووتش، أثناء تحقيقاتها الميدانية في شمال سوريا في ديسمبر/كانون الأول، بتوثيق ظروف إنسانية متدهورة في المناطق السكانية الواقعة تحت سيطرة المعارضة. في كثير من القرى الـ18 التي تمت زيارتها في محافظات إدلب واللاذقية وحلب، قال السكان لـ هيومن رايتس ووتش إن الظروف الإنسانية تدهورت على نحو ملموس، فكانت بعض القرى تحظى بالكهرباء لبضع ساعات فقط من الليل، بينما انقطعت الكهرباء عن الكثير منها تماماً. ارتفعت أسعار الوقود والغاز كثيراً، كما قال السكان، مما حدا بالكثيرين لإقامة أفران الحطب في منازلهم، رغم ارتفاع أسعار الأخشاب بدورها. في اللاذقية كان العشرات من النازحين داخلياً يعيشون في خيام لا تناسب ظروف الشتاء.

إلا أن مصدر القلق الرئيسي للسكان المحليين ممن أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات، كان النقص المتزايد في الغذاء، وبخاصة الخبز. لقد أدت هجمات القوات النظامية المتكررة على طوابير الخبز والمخابز إلى إغلاق العديد من المخابز أو عملها لساعات محدودة. وفاقم من خطورة الوضع نقص الطحين، ونقص الوقود اللازم لتشغيل الصوامع. قال أحد سكان بلدة من بلدات ريف حلب لـ هيومن رايتس ووتش:

كان هناك ستة مخابز فيما مضى، أما الآن فلم يبق سوى واحد. بسبب الهجمات، يخشى الناس الوقوف في الطابور ويقوم المخبز بالتوصيل بدلاً من هذا. لكننا لا ننال أكثر من رغيف أو اثنين يومياً، فليس لدى المخبز طحين كاف.

وثقت هيومن رايتس ووتش أيضاً محدودية إتاحة المساعدة الطبية في المناطق التي زارتها. في ثلاثة أماكن، قال السكان إن القوات الحكومية قصفت المنشآت الصحية، عدة مرات في بعض الحالات، وتركت بعضها في حالة لا تصلح للاستخدام.تقوم سلطات المعارضة في معظم البلدات  بإجلاء المصابين بجروح خطيرة إلى تركيا للعلاج، بسبب نقص العلاج المتاح في المنطقة.

وقد بلغت الأوضاع أسوأ درجاتها في محافظة اللاذقية، حيث اجتمعت الهجمات الحكومية مع مخاوف العنف الطائفي والظروف الإنسانية القاسية لتدفع السكان إلى الفرار، تاركين القرى والبلدات مهجورة تقريباً في بعض الحالات، كما قال سكان آخرون لـ هيومن رايتس ووتش.

في الجديدة بمحافظة اللاذقية قال أحد السكان ممن تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش إن الباقين من أصل 1300 نسمة كانوا يسكنون القرية في الأحوال العادية هم الآن 375 فقط. وقد رحل الآخرون مخافة القصف وبسبب الظروف الإنسانية القاسية في القرية. كانت القرية تعاني من انقطاع الكهرباء ونقص موارد المياه، ونقص أو انعدام الديزل اللازم للتدفئة والمولدات، ونقص إمدادات الطحين أو تعذر الوصول إلى مخابز عاملة، ونقص أو انعدام الأطباء والمستشفيات.

لم يبد أن ثمة منظمات إنسانية تعمل في المنطقة باستثناء منظمتين غير حكوميتين تركيتين، تقدمان المستلزمات الطبية لأحد المستشفيات الميدانية، وهيئة دولية واحدة.

في حمص، تقدر منظمة الصحة العالمية أن حوالي 550 ألف شخص يعيشون في ظروف إنسانية قاسية، بينما قال العاملون بالمستشفيات والمراكز الصحية إن حجم العمل يفوق قدراتهم وأعدادهم، وإنهم يفتقرون للموارد الكافية لمعالجة المرضى المحتاجين.