يجب إعطاء الأولوية للسيطرة على المجموعات المسلحة ووقف انتهاك حقوق المحتجزين وإرساء سيادة القانون
فبراير 6, 2013
لقد خطت ليبيا خطوات هامة للأمام طيلة السنة الماضية، بما في ذلك تنظيم انتخابات وتشكيل حكومة جديدة أعلنت التزامها بدعم حقوق الإنسان، ولكن على السلطات أن تلجأ على وجه السرعة للتصدي للتحديات الكبيرة التي ما زالت قائمة، كي تكون ليبيا المستقبل أفضل من ليبيا الماضي. مازال العديد من الليبيين يعانون من انتهاكات ترتكبها الحكومة ومجموعات مسلحة تعمل خارج إطار القانون.
جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

(طرابلس) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم، في مؤتمر صحفي بمناسبة إصدار التقرير العالمي لسنة 2013، إن ليبيا مازالت تعاني من انتهاكاتجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والوفاة أثناء الاحتجاز بعد مُضيّ قرابة عام ونصف على الإطاحة بـ معمر القذافي.

كما قالت هيومن رايتس ووتش إن الحكومة الجديدة في ليبيا قدمت التزامات وتعهدات قوية بكفالة حقوق الإنسان، وعليها الآن اتخاذ خطوات إضافية لإرساء سيادة القانون بعد أكثر من أربعين سنة من الدكتاتورية والقمع. وتتمثل أهم الأولويات في إبعاد جميع المعتقلين عن أيدي المجموعات المسلحة وإخضاعهم لسيطرة الدولة مع إجراء مراجعة قضائية لاحتجازهم، وتشكيل قوات أمن خاضعة للمحاسبة، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها أطراف كثيرة، وذلك بإخضاع جميع من ارتكبوا أخطر الجرائم لمحاكمات وعقوبات.

وقال جو ستورك، نائب المدير  التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "لقد خطت ليبيا خطوات هامة للأمام طيلة السنة الماضية، بما في ذلك تنظيم انتخابات وتشكيل حكومة جديدة أعلنت التزامها بدعم حقوق الإنسان، ولكن على السلطات أن تلجأ على وجه السرعة للتصدي للتحديات الكبيرة التي ما زالت قائمة، كي تكون ليبيا المستقبل أفضل من ليبيا الماضي. مازال العديد من الليبيين يعانون من انتهاكات ترتكبها الحكومة ومجموعات مسلحة تعمل خارج إطار القانون".


قامت هيومن رايتس ووتش في تقريرها المكون من 665 صفحة، بتقييم التقدم في مجال حقوق الإنسان خلال العام الماضي في أكثر من 90 بلداً، ويشمل هذا تحليلاً لتداعيات الانتفاضات العربية. قالت هيومن رايتس ووتش إن استعداد الحكومات الجديدة لاحترام حقوق الإنسان من شأنه أن يحدد ما إذا كانت الانتفاضات العربية ستتمخض عن ديمقراطية حقيقية أم أنها تعيد ببساطة إفراز السلطوية في ثياب جديدة.

كما قالت هيومن رايتس ووتش إن السيطرة على العدد الكبير من المجموعات المسلّحة التي تشكلت سنة 2011 لمواجهة قوات القذافي تُعتبر مهمة ملحة وضرورية. رفضت هذه المجموعات تسليم أسلحتها وتتصرف وكأنها تمثل القانون، وترتكب بعضها جرائم خطيرة، مثل الاعتقالات غير القانونية وأعمال التعذيب.

مازالت قوات الأمن الليبية ضعيفة وغير قادرة على فرض السيطرة الشرطية على جزء كبير من البلاد، رغم وجود بعض الجهود الحكومية. فيما تنتشر الفوضى بشكل خاص في الشرق والجنوب، حيث تنشط المجموعات المسلحة وجماعات إجرامية دون محاسبة. وقامت هذه المجموعات بمهاجمة بعثات دبلوماسية أجنبية، وممثلين عن الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأهداف أخرى.

تقر الحكومة بأن حوالي 8 آلاف شخص محتجزون في كامل أنحاء ليبيا، وأن حوالي 5600 معتقل منهم في أماكن احتجاز خاضعة بدرجة معينة إلى الجيش ووزارتي الداخلية والعدل. هناك الآلاف غيرهم محتجزون بشكل غير قانوني لدى عدة مجموعات مسلحة. وقالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب أن يخضع جميع المعتقلين لسيطرة الحكومة، وأن يُسمح لهم بالاتصال بمحامين، مع الإسراع بعرضهم على قضاة.

في 2012، وقعت حالات وفاة في صفوف المعتقلين بمراكز احتجاز تابعة لمجموعات مسلحة وعدة لجان أمنية عليا، التابعة من حيث التسمية إلى وزارة الداخلية. وليس عدد حالات الوفاة معروفاً بشكل دقيق.

وقال جو ستورك: "على المجموعات المسلحة التي ما زالت تحتجز أفراداً أن تعرف أن سلوكها هذا خرق واضح للقانون الليبي وأنها يمكن أن تُحاسب عليه. كما أن مجلس الأمن أعطى المحكمة الجنائية الدولية صلاحية الاختصاص القضائي القائم بشأن ليبيا للتحقيق في الجرائم الخطيرة التي ترتكبها جميع الأطراف".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة أن تتحرك فوراً من أجل تشغيل جميع مكاتب النيابة والمحاكم حتى يتم التحقيق بشكل فوري وعادل في جميع الجرائم وملاحقة المتسببين فيها أمام القضاء.


وقالت هيومن رايتس ووتش إن محاسبة عناصر من حكومة القذافي على الجرائم الخطيرة التي ارتكبوها أمر أساسي، ولكن لن تتحقق العدالة إلا بتمكين المدعى عليهم من محاكمات عادلة تحترم أفضل الممارسات الدولية.

ويواجه سيف الإسلام القذافي، نجل معمر القذافي، وعبد الله السنوسي، رئيس المخابرات السابق، تهمًا بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية وجهتها لهما المحكمة الجنائية الدولية على صلة بادعاءات بانتهاكات ارتكبوها أثناء نزاع سنة 2011. ويقبع سيف الإسلام القذافي رهن الاعتقال في الزنتان وعبد الله السنوسي في طرابلس، في حين مازالت المحكمة الجنائية تنظر في طلب السلطات الليبية بمحاكمة الأول في ليبيا وفيما تعد الحكومة الليبية طلبًا مماثلا بشأن الثاني.

في نوفمبر/تشرين الثاني، شنت القوات الحكومية وقوات مساندة لها حملة عسكرية دامت شهرًا واحدًا على مسلحين في مدينة بني وليد، متهمين بمساندة القذافي وبإيواء أشخاص مطلوبين. وقامت القوات التي شنت الهجوم بنهب الممتلكات وتدميرها بعد العمليات القتالية، ويُعتقد أنها اعتقلت عدة مئات من السكان الذين ما زالت ملابسات اعتقالهم غير واضحة؛ الأمر الذي يثير مخاوف على سلامتهم.

ومازال هناك أكثر من 50 ألف شخص مبعدين بشكل قسري عن مناطق كان من المتصور في الماضي أنها مناطق مساندة لـ القذافي، وخاصة مدينة تاورغاء التي مُنع حوالي 40 ألف شخص من العودة إليها. كما تم استهداف سكان تاورغاء واعتقالهم ومهاجمتهم، خاصة من طرف ميليشيات مدينة مصراتة المجاورة، الذين يتهمون أبناء تاورغاء بارتكاب جرائم خطيرة ضدهم أثناء الحرب. وبصفة إجمالية، مازال يوجد 1300 شخص من تاورغاء رهن الاحتجاز أو مختفين، أو قُتلوا. وقالت هيومن رايتس ووتش إن الانتهاكات التي مورست في حق سكان تاورغاء قد ترقى إلى  مستوى الجرائم ضدّ الإنسانية وربما تتم ملاحقة المتسببين فيها أمام المحكمة الجنائية الدولية.

كما قالت هيومن رايتس ووتش إن الهجمات التي استهدفت مزارات دينية صوفية على يد مجموعات مسلحة تتحرك بأجندات دينية معلنة يثير تساؤلات حول استعداد الحكومة وقدرتها على حماية حقوق الأقليات الدينية. وفي 2012، دمرت هذه المجموعات بعض المساجد ودنست أضرحة وأتلفت مكتبات، ووقع معظم تلك الأعمال في طرابلس وبنغازي وزليتن، وأحيانا على مرأى من قوات الأمن الحكومية التي عجزت عن التدخل.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة الليبية والمؤتمر الوطني العام اتخاذ خطوات عاجلة للشروع في تنفيذ برنامج طموح يتعلق بالإصلاح القضائي. ويجب أن تُرسّخ هذه الإصلاحات حرية التعبير والتجمع، وأن تُدعم حقوق المرأة، وتُلغي التمييز ضدّ الأقليات بما يتناسب مع التزامات ليبيا الدولية في مجال حقوق الإنسان. كما يجب أن تكون صياغة الدستور الجديد، وهي من أهم المهام لسنة 2013، شفافة وشاملة، وأن تأخذ في الاعتبار جميع الآراء المتعلقة بالمرأة والأقليات، مثل الأمازيغ والتبو والطوارق.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن القرار الصادر عن المحكمة العليا في ليبيا في يونيو/حزيران بإلغاء القانون رقم 37 لأنه غير دستوري، رغم أنه تم تبنيه قبل ذلك بشهر واحد، هو خطوة ايجابية. وكان القانون يُجرّم بعض أشكال التعبير السياسي، بما في ذلك التعبير الذي "يُمجّد الطاغية [معمر القذافي]".

كما قالت هيومن رايتس ووتش إن أنشطة هيئة النزاهة والوطنية في ليبيا تعتورها مشاكل بسبب معايير فضفاضة وغامضة. وقامت الهيئة، التي تُحدد من بإمكانه العمل كمسؤول حكومي أو تقلد منصب عام، بإقصاء العشرات من مناصب مختلفة، بينهم 11عضوًا منتخباً من المؤتمر الوطني العام بدعوى وجود صلات غير واضحة كانت تربطهم بإدارة وعائلة القذافي، رغم أن بعض هؤلاء الأفراد طعنوا  على قرار الإقصاء أمام المحكمة.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب أن تعتمد قرارات إقصاء الأشخاص من المناصب العامة  والمناصب العليا على معايير محددة بشكل واضح، مع السماح لكل شخص تشمله هذه القرارات بمحاكمة عادلة للطعن في الأدلة الموجهة ضدّه.

يبحث أعضاء المؤتمر الوطني في أمر مشروع جديد لـ "قانون العزل السياسي" لتحديد من بإمكانه تقلد مناصب عامة ومناصب عليا، وقالت هيومن رايتس ووتش إن على المؤتمر الوطني أن يأخذ الوقت الكافي لضمان استيفاء القانون للمعايير الدولية وأن يتسق مع عملية العدالة الانتقالية الليبية بعيدة المدى.

كما عبرت هيومن رايتس ووتش عن قلقها إزاء استمرار امتناع حلف شمال الأطلسي (الناتو) عن الاعتراف، بمقتل عشرات المدنيين أثناء الغارات الجوية التي شنها سنة 2011، ناهيك عن التحقيق فيها. وقامت هيومن رايتس ووتش بتوثيق 72 حالة وفاة، ومنها 20 امرأة و24 طفلا.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن أصدقاء ليبيا وحلفاءها، وكذلك الدول التي شاركت في حملة حلف شمال الأطلسي ضدّ القذافي، يتقاسمون مسؤولية ثقيلة تتمثل في ضرورة دعم التحول الديمقراطي في ليبيا، بما في ذلك الإسراع في إنشاء منظومة قضائية عادلة تعمل بشكل كامل.

وقال جو ستورك: "على كل الدول التي تريد دعم ليبيا ألا تفترض أن الديمقراطية ستتوفر بمجرد رحيل القذافي". وتابع: "بل على النقيض، فالعمل الشاق الآن يتمثل في المساعدة على بناء المؤسسات وتشكيل قوات شرطة خاضعة للمحاسبة وفرض سيادة القانون".