على قادة الدولة الجديدة إرساء أسس احترام الحقوق وحكم القانون
فبراير 8, 2011
إن القادة السودانيين يستحقون التهنئة على إجراء الاستفتاء بصورة سلمية. وأضاف بيكيل في نفس السياق إن الجنوب يجب أن يتحرك على وجه السرعة لإثبات التزامه بالحكم الديمقراطي والشفافية واحترام حقوق الإنسان.
دانيال بيكيل، مدير قسم أفريقيا في منظمة هيومان رايتس ووتش

 

(جوبا) -  قالت منظمة  هيومن رايتس ووتش إن  جنوب السودان يجب  أن  يركز على تحسين مستوى احترام حقوق الإنسان و النهوض بحكم  القانون وقد  أصبح الآن دولة مستقلة. وكانت السلطات السودانية قد  أعلنت  يوم الاثنين الماضي، 7 فبراير 2011، النتائج النهائية للاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان، مؤكدة التصويت لصالح انفصال الجنوب عن الشمال بنسبة أقرب إلى الإجماع.

وقال دانيال بيكيل، مدير القسم الافريقي في  هيومن  رايتس ووتش "إن القادة السودانيين يستحقون التهنئة على إجراء الاستفتاء بصورة سلمية." وأضاف بيكيل في نفس السياق ." إن الجنوب يجب  أن  يتحرك على وجه السرعة لإثبات التزامه بالحكم الديمقراطي والشفافية واحترام حقوق الإنسان."

وتنتظر الدولة الجديدة في الجنوب مهام كبيرة، وقد  بقيعلى إعلان استقلالها رسمياً في 9 يوليو المقبل بضعة شهور فقط. إذ من المفترض  أن تنظر الجهات المعنيّة في الدستور والقوانين، فضلا عن إصلاح المؤسسات وصياغة أحكام وقوانين لاستيعاب المعارضة السياسية. إلا  أنبعض أحزاب المعارضة الجنوبيةواشتكت مسبقا  من  استبعادها بواسطة الحركة الشعبية لتحرير السودان من عملية المراجعة الدستورية المرتقبة.  

وقالت  هيومنرايتس ووتش  إن  تحديات هائلة تواجه جنوب السودان في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك النزاعات وسط المجموعات القبلية والانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن وضعف حكم القانون واتساع دائرة ثقافة الإفلات من المحاسبة. 

الانتهاكات التي تشارك فيها القوات العسكرية لحكومة جنوب السودان وتلك التي تشير تقارير إلى ارتكابها بواسطة ضباط الشرطة تشكل بعض التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة في الجنوب والجهات المانحة على حد سواء. وكانت ولاية أعالي النيل قد شهدت بعضاً من  أسوإ الانتهاكات التي تم رصدها في الفترة السابقة، حيث أسفرت اشتباكات في الآونة الأخيرة وسط جنود تابعين للقوات المسلحة الشمالية الموجودة هناك عن مقتل عشرات من المدنيين في مدينة ملكال.

وتناشد  هيومن رايتس ووتش الحكومة الجديدة في جنوب السودان بالإبقاء على كافة الحقوق في الدستورالانتقالي وتعزيز نظام التحقيق في الانتهاكات التي يرتكبها أفراد الجيش ومحاكمة المتهمين بارتكابها، وإقامة نظام إشراف أكثر فعالية على قوات الشرطة. كما  أن الجهات المانحة التي تقدم المساعدات لتعزيز القوات الأمنية يجب  أن تحرص على معالجة برامجها لهذه الاحتياجات. 

وفي هذا السياق قال بيكيل "إن قوات الشرطة والجيش تُعتبر وجهاً للحكومة ومن المفترض   أن توفر الحماية للمواطنين، لا أن تتسبّب في إيذائهم." وأضاف قائلا : "إن حكومة جنوب السودان الجديدة في حاجة للسيطرة على هذه القوات وتوجيه رسالة قوية تؤكد  أن الانتهاكات ضد السكان أمر لن تتساهل معه. "

وكانت  هيومن رايتس ووتش قد سجّلت في السودان العديد من الانتهاكات لحقوق المدنيين من جانب قوات الأمن الجنوبية. وتتضمن هذه الانتهاكات استيلاء على أراض بصورة غير قانونية في جوبا ومدن أخرى، فضلا عن الاستخدام المفرط للقوة خلال عمليات عسكرية وخلال عمليات نزع سلاح من المدنيين، وتنفيذ اعتقالات بصورة غير قانونية، بالإضافة إلى عمليات تهديد وتخويف لقمع معارضي الحزب الحاكم، خصوصا خلال فترة الانتخابات في أبريل من العام الماضي.

اعتداءات ولاية أعالي النيل

في واحد من نماذج العمليات العسكرية التعسفيّة التي وثّقتها  هيومن رايتس ووتش، توجّهت مجموعة من الجنود إلى كل من بانيكانج وفشودة، بولاية أعالي النيل، عقب الانتخابات في  أبريل 2010 لنزع سلاح بعض الأفراد وعناصر ميليشيات محلية يَشتبه في ارتباطها بحزب سياسي معارض (الحركة الشعبية لتحرير السودان - التغيير الديمقراطي)

نظرأهالي المنطقة إلى عملية نزع سلاح عناصر الميليشيات كونها عقوبة على تأييدهم للفصيل المعارض للحركة الشعبية لتحرير السودان، وقال قادة محليون  إن جنود الحركة الشعبية استخدموا قوة مفرطة وتسببوا في إصابة كثير من الأشخاص. وفي 22 مايو 2010 لقي زعيم محلي وعدد من المدنيين،  الذين أيّدوا عملية نزع السلاح، مصرعهم على يد مسلحين مجهولين.

وخلال الأيام التي أعقبت تلك الحادثة اعتقل جنود تابعون لقوات حكومة جنوب السودان خمسة على الأقل من أعضاء الحزب المعارض للحركة الشعبية في برلمان الولاية إثر اتهامهم بالضلوع في قتل الزعيم المحلي. وتم حبس هؤلاء في معتقل عسكري لما يزيد على ستة شهور ثم أُطلق سراحهم دون  أن توجّه لهم أي تُهم.

وفي يونيو 2010، اتسع نطاق الحملة الأمنية ووصلت إلى فشودة إثر كمين نصبه مسلحون لقارب، مما أدى إلى مقتل جندي. وعند التحقيق الذي أجراه أفراد من الجيش والشرطة حول الحادثة حدث اشتباك بينهم وأفراد ميليشيا محلية، مما أسفر عن مقتل المزيد من الجنود، وجرى بعد ذلك نشر المزيد من الجنود في منطقة فشودة عقب المواجهات المسلحة.

وقال شهود لمنظمة  هيومن رايتس ووتش  إن ما يزيد على 100 جندي وصلوا إلى المنطقة في 7 يوليو 2010 بحثاً عن السلاح وتسببوا في مضايقات للمدنيين، الذين تعرض بعضهم للضرب. وبقي الجنود في المنطقة عدة أيام نهبوا خلالها وحرقوا ممتلكات المدنيين، الذين اشتبهوا الجنود في ارتباطهم بالميليشيا المحلية، وجرى إعدام خمسة أشخاص على الأقل خارج نطاق القضاء.

وأبلغ رجل يبلغ من العمر 26 عاماً  هيومن رايتس ووتش في اغسطس 2010  أن هؤلاء الجنود ألقوا القبض عليه إلى جانب مجموعة من 10 أشخاص آخرين وحبسوهم في مركز اعتقال عسكري  في ظروف سيئة لمدة أربعة شهور. وأفاد المذكور أيضاً بأنهم قضوا الشهر الأول من الاعتقال موثقين بحبل مع بعضهم بعضاً.

وأفادت سيدة تبلغ من العمر 50 عاماً فرّت من المنطقة عقب تدمير منزلها خلال عمليات التفتيش والمواجهات المسلحة بأن الجنود قتلوا  إبنها وأربعة شبّان آخرين بالرصاص بإطلاق النار عليهم من مسافة قريبة. وقالت السيدة: "كان إبني يستجدي [الجنود] ويقول لهم  إنه لا يعرف مكان السلاح و إنه مدني". وقالت أيضاً: "ثم أطلقوا الرصاص على رقبته وأطلقوا وابلا من الرصاص من بنادقهم".

استبدل العسكريون قائد المجموعة بعد الشكاوى التي أعقبت الاعتداءات، ولكن طبقاً للمعلومات التي تمكّنت  هيومن رايتس ووتش من جمعها لم تُوجَّه مسؤولية لأي من الذين شاركوا في العملية على أي من انتهاكات حقوق الإنسان الذي اقترفها الجنود في فشودة.

احتمالات حدوث مزيد من الانتهاكات

تراجعت وتيرة العنف والتوتر السياسي في المنطقة خلال الأسابيع التي سبقت الاستفتاء في يناير الماضي. إلا  أن النزاع العالق بين الشلك والدينكا حول الأرض لم يتم بعد التوصل إلى حل بشأنه، وهو خلاف كان له أثره في التوتر السياسي بين مؤيدي الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكمة في الجنوب، ومؤيدي الحزب المعارض لها.

يُضاف إلى ما سبق، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، الموقّع في 5 يناير 2011، فإن الاشتباكات قد استمرت بين جنود حكوميين وعناصر فصيل متمرد بقيادة الجنرال جورج آتور في منطقة جونقلي وولاية الوحدة، الأمر الذي تسبب في تعريض حياة المدنيين في المنطقة للخطر. ولم يتضح بعد ما إذا سيستمر وقف إطلاق النار.

أعلنت حكومة الجنوب أيضاً  أنها تعتزم استئناف عمليات نزع سلاح المدنيين خلال الشهورالمقبلة. وتبيّن  لهيومن رايتس ووتش  أن الجنود المشاركين في هذه العمليات قد اقترفوا في السابق انتهاكات لحقوق الإنسان.

وقالت المنظمة  إن حكومة الجنوب يجب أن تتأكد من إدراك جنودها لواجباتهم تجاه احترام حقوق الإنسان والمحافظة عليها، وإدراك  أنهم سيكونوا عرضة للمساءلة في حال حدوث أي انتهاكات من جانبهم. فالجنود لا يحق لهم  إلقاء القبض على المدنيين بصورة غير قانونية وحبسهم في منشآت عسكرية. كما  أن عمليات نزع السلاح يجب أن يُراعى خلالها احترام حقوق الإنسان، تمشياً مع سياسيات الحكومة نفسها تجاه نزع السلاح.

 اعتداءات الشرطة في مدينة جوبا

تخرج  منتصف ديسمبر ما يزيد على 6000 من أفراد الشرطة الجدد ضمن برنامج تدريبي تابع لحكومة الجنوب بدأ مطلع عام 2010 بهدف إنشاء قوة شرطة تتألف من مختلف المجموعات الإثنية وتتشكّل من الأفراد الذين لم يسبق أن شاركوا في الحرب ولم يتأثروا بتجربة الحرب الأهلية بصورة عامة. إلا أن  هيومن رايتس ووتش علمت أن البرنامج التدريبي، الذي أثنت عليه بشدة منظمة الأمم المتحدة والجهات المانحة، صحبته انتهاكات كثيرة لحقوق المجندين.

ففي أواخر ديسمبر الماضي وقعت سلسلة من الأحداث التي كان مجندو الشرطة طرفاً فيها بمدينة جوبا ومدن أخرى في الجنوب. إذ تسبب هؤلاء في مضايقة مدنيين والاعتداء عليهم بسبب ملابس كانوا يرتدونها أو بسبب قصات شعر لم ترق للمجندين. فقد  أبلغت إمرأة تبلغ من العمر 29 عاما، وتسكن مدينة جوبا،  هيومن رايتس ووتش بأن الشرطة أوقفتها عندما كانت في طريقها للعمل كمراقبة في الاستفتاء وأمرها أفراد الشرطة بالعودة إلى منزلها واستبدال سروال الجينز الذي كانت ترتديه. وعندما رفضت ذلك أحاط بها أفراد الشرطة وضربوها وألقوها أرضا واستخدم واحد منهم شفرة وقص سروال الجينز من الجانبين إلى أعلى حتى منطقة مفصل الورك.  

وقعت عدة حوادث أخرى مشابهة خلال الفترة من 24 إلى 26 ديسمبر، واُبلِغت الأمم المتحدة ومجموعة من منظمات المجتمع المدني بهذه الحوادث، التي ينظر إليها كثيرون كونها جزءاً من حملة ضد الشبان الذين يرتدون سراويل الجينز ذات الخصر المنخفض ويفضلون الشعر الطويل المضفّر على طريقة "الراستا". كما ان الحملة استهدفتا أيضا النساء والفتيات اللائي يرتدين تنورات وسروايل الجينز المحذّقة.

وكان وزير الشؤون الداخلية قد صرّح علنا بأن الشرطة ليست لديها أية أوامر باستهداف العامة بسبب مظهرهم. إلا  أن بعض مسؤولي الشرطة قالوا  لهيومن رايتس ووتش  إن أفراد الشرطة حديثي التخرج، المسؤولين عن هذه الاعتداءات، وجدوا تشجيعاً من قادتهم ومن المحتمل  أن يكونوا قد تأثروا بكلمة الرئيس سلفا كير بمناسبة تخرجهم منتصف ديسمبر الماضي، مشجعاً الشرطة على مواجهة العصابات الإجرامية.

وقالت  هيومن رايتس ووتش  إن هذه الحوادث تسلّط الضوء على الحاجة إلى تحسين مستوى الإشراف والتدريب في صفوف الشرطة.

وقال بعض المجندين لصحفيين ولعاملين في منظمة الأمم المتحدة و هيومن رايتس ووتش في ديسمبر ويناير الماضيين إنهم تلقوا خلال فترتهم التدريبية تمرينات قاسية، على نمط التدريبات العسكرية، في ظل ظروف عيش قاسية. وقالوا أيضاً إنهم اُخضعوا للعقاب الجماعي -مثل الضرب المتكرر والإجبار على الوقوف لفترات طويلة في الشمس- بعد أن شكوا بشأن مستحقاتهم المالية وعجزهم عن التصويت في انتخابات أبريل  2010. وقال كثيرون منهم إن زميلاً لهم توفي متأثراً بالضرب الذي تعرض له خلال التدريبات.

مصادر الشرطة قالت من جانبها إن مجندين توفوا متأثرين بأمراض وبسبب حوادث متعلقة بالطقس، لكنهم لم ينسبوا موتهم لأي نوع من سوء المعاملة. إلا أن  هيومن رايتس ووتش لم تستطع التحقُّق من مصدر مستقل بشأن عدد الذين توفوا، أو أسباب وفاتهم.

يُضاف إلى ما سبق ان هناك ادعاءات من العديد من المجنّدات في الشرطة بتعرضهن لمضايقات جنسية، وأفاد بعضهن بتعرضهن للاغتصاب من جانب المدرِّبين خلال المراحل الأولى من التدريب. وقالت إمرأة لهيومن رايتس ووتش إنها فُصلت من العمل في الشرطة بسبب إبلاغها صحفيين أجانب زاروا معسكر التدريب مطلع ديسمبر الماضي بتفاصيل هذه الادعاءات. وخوفا من التعرض للمزيد من الانتقام آثرت هذه السيدة الفرار من مدينة جوبا.

وقال مجندون لهيومن رايتس ووتش  إنه حسب علمهم لا توجد إجراءات لتسجيل الشكاوى الرسمية لدى السلطات المختصة، كما أفادوا أيضا بأنه لا توجد آليات إشراف. 

تناشد  هيومان رايتس ووتش سلطات الشرطة بضمان  أن يكون احترام حقوق الإنسان والمساءلة جزء رئيسيا من عمليات تدريب الشرطة. ويجب على هذه السلطات ان تجري تحقيقا في ظروف كل حالات الوفاة التي حدثت، ومحاسبة المسؤولين عنها ووضع آليات لضمان عدم تكرار أي انتهاكات.

تناشد  هيومان رايتس ووتش أيضاً كل الجهات المانحة بتقديم مساعداتها اعتماداً على مدى تحسّن المعايير وممارسات التدريب