الآباء يحبسون البنات البالغات ويمنعون الزيجات وينالون حق الوصاية على الأحفاد
أكتوبر 18, 2010

لقد رفع القضاة السعوديون سلطة الآباء إلى مرتبة كلمة القانون. النتيجة هي سلطة أبوية مطلقة تسببت في أحيان كثيرة في مشاكل عانت منها الأسر وتعرض بسببها الأبناء البالغون لمعاناة لا ضرورة لها.

كريستوف ويلكى، باحث أول بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش

 

(نيويورك) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إنه قد تكرر منح القضاة السعوديين الآباء الحق في التدخل بشكل متعسف في حياة بناتهن البالغات الخاصة، في مخالفة جسيمة للحق في الخصوصية والحق في حرية إنشاء الأسرة. وقد قام بعض الآباء بحبس بناتهن البالغات بتهمة "العقوق"، ومنعوهن من الزواج، ثم حصلوا على حق الوصاية على الأحفاد دون سبب واضح، وكل هذا بدعم من المحاكم.

وقد دأبت هيومن رايتس ووتش على دراسة عدة قضايا حصل فيها الأقارب الرجال من المحكمة على الموافقة على منع الزيجات وإتمام زيجات أخرى جبراً أو الفصل بين الزوجين، على مدار السنوات الأربع الماضية.

وقال كريستوف ويلكى، باحث أول بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "لقد رفع القضاة السعوديون سلطة الآباء إلى مرتبة كلمة القانون. النتيجة هي سلطة أبوية مطلقة تسببت في أحيان كثيرة في مشاكل عانت منها الأسر وتعرض بسببها الأبناء البالغون لمعاناة لا ضرورة لها".

هذه الأحكام القضائية لم تراع حقوق الأفراد في الخصوصية، وحق المرء في اختيار شريك الحياة بحرية، وحق الآباء في جلسات قضاء عادلة تُنظم قدرتهم على رعاية أطفالهم. كما عرّضت النساء للإساءات، بحملهن على الاختيار ما بين البقاء حبيسات دار الحماية، أو العودة إلى بيوت آباء وأخوة مسيئين.

تعتبر الحكومة السعودية "عصيان" الأبناء للآباء جريمة وتحرم المرأة البالغة من الحق في الحياة بالشكل الذي تحدده لنفسها ومن الحق في الزواج بحرية.

تجربة سمر بدوي، 29 عاماً، تعتبر مثالاً حياً على هذه المقولة، على حد قول هيومن رايتس ووتش. ففي يوليو/تموز 2010 حكمت محكمة جدة العامة لصالحها بعد أن رفعت قضية على أبيها بعد أن رفض السماح لها بالزواج، والقضية معروفة باسم "العضل". إلا أن سمر بدوي رهن الاحتجاز على ذمة المحاكمة، لأن والدها رفع عليها قضية بتهمة "العقوق" بعد أن هربت من بيته إلى دار رعاية.

سمر بدوي، ولديها طفل في التاسعة من عمره اسمه براء، من زيجة سابقة، كانت قد هربت في مارس/آذار 2008 مما قالت إنه - وبتأكيد من المسؤولين السعوديين - اعتداء بدني من والدها عليها، إلى دار حماية في جدة، وهي عبارة عن ملجأ لضحايا العنف الأسري. حاول والدها أن ينسب إليها تهمة "العقوق"، لكن مكتب الادعاء والتحقيق العام قرر ألا يلاحقها قضائياً.   

ثم رفع والدها عليها قضية أخرى في عام 2009 بتهمة "العقوق"، وأصدر قاضي محكمة جدة الجزئية عبد الله العثيم في أواخر يونيو/حزيران 2009، أمر توقيف بحقها بعد أن غابت عن عدة جلسات محاكمة. وقال العثيم إن العقوق من الجرائم الجسيمة الموجبة للتوقيف، قائلاً بأن هذا وارد في قرار وزير الداخلية رقم 1900. وفي واقع الأمر، فإن هذا القرار المُعرّف للجرائم الجسيمة ويعود تاريخه إلى 14 أغسطس/آب 2007 لا يذكر إلا الاعتداء على الآباء بالضرب كجريمة ما بين الآباء والأبناء، من بين 15 جريمة جسيمة تستدعي التوقيف على ذمة المحاكمة.

وغادرت سمر بدوي الدار في يوليو/تموز 2009 بتصريح من حاكم جدة، الأمير مشعل بن عبد الماجد، على أن تقيم مع أخيها، وكانت تعتقد أن هذا كفيل بحمايتها من التوقيف والحبس على صلة بقضية العقوق التي لم يتم البت فيها. وعندما وجدت رجلاً أرادت أن تتزوجه، ورفض والدها، رفعت قضية عضل ضد والدها. وفي 4 أبريل/نيسان 2010، ذهبت إلى الجلسة الأولى في قضية العضل، فتم توقيفها على ذمة قضية "العقوق" التي لم يتم البت فيها. وتركت أبنها في أيدي آمنة، إذ كانت قد توقعت القبض عليها.

وفي تقرير قصير بتاريخ 18 يوليو/تموز 2010، من قبل لجنة بالإمارة للنظر في قضيتها، قال أمير مكة، الأمير خالد بن فيصل، إن البدوي سبق لها الزواج وعندها ابن وهي مطلقة، مما اضطرها للعودة إلى بيت أبيها، الذي استخدم العنف ضدها. واقترح تشكيل لجنة للمصالحة بين الأب والابنة وأن يعد الأب بعدم استخدام العنف معها، وأن يسمح لها بالزواج، وألا يرفع قضايا عليها لا يمكنه إثبات صحتها، طبقاً لنسخة من التقرير. محامي سمر بدوي - وليد أبو الخير - الناشط الحقوقي، أكد صحة الوثيقة.

جاء عرض الحاكم بعد عام من التحقيقات غير القضائية في دار الحماية، تبين منها أن والد بدوي ضربها وأساء إليها شفهياً، وأنه اعتاد تعاطي المواد المخدرة وسبق له الزواج من 14 امرأة، وأنه استنفد موارده المالية، وغير وظيفته عدة مرات، وأصبح مقرباً لـ "أصدقاء معروفين بسوء الطوية".

وأصدرت دار الحماية تقييماً نفسياً لسمر بدوي ولأبيها. وفي "تقرير طبي" بتاريخ 17 مايو/أيار 2008، خلص مدير مستشفى جدة للصحة النفسية إلى أن بدوي "في حالة مستقرة". وفي تقرير بلا تاريخ، ذكرت الجمعية الخيرية لحماية الأسرة، الناشطة بدار الحماية، أن الطبيب النفسي المقيم في الدار قام بتقييم والدها في 20 مايو/أيار 2008 وانتهى إلى "انطباع عام" بأنه يعاني من "مظاهر الاضطراب النفسي السلوكي".

ولم يتم إحراز أي تقدم فيما يخص تهمة "العقوق"، ولم تُعقد لها جلسات بالمحكمة. وطعن والد سمر بدوي في الحُكم الصادر بحقه في قضية العضل. وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول أخطر مجلس القضاء الأعلى بالمملكة أبو الخير، محامي بدوي، بأن المجلس سيفتح التحقيق في عدم مراعاة الإجراءات القانونية في القضيتين اللتين تُعد سمر بدوي طرفاً فيهما.

وفي قضية أخرى، فإن لولوة عبد الرحمن، التي يزيد عمرها عن الثلاثين عاماً، ما زالت في دار الحماية في جدة منذ ثلاثة أعوام، على حد قول خطيبها لـ هيومن رايتس ووتش. وكانت قد فرّت من والدها المسيئ، الذي رفض السماح لها بالزواج قبل أربعة أعوام بسبب الزعم بتواضع نسب قبيلة الخطيب.

وعندما أصرّت على الزواج رغم اعتراضات والدها، وضعها في مستشفى نفسي. وبعد أن تبين الأطباء خلوها من أية أمراض نفسية تستلزم الحجز أو العلاج، حبسها أبوها في بيتهم في الإحساء، على حد قول عبد الرحمن لصحيفة الحياة في مارس/آذار. وفرّت أثناء زيارة إلى مكة ودخلت دار الحماية، على حد قولها.

لولوة عبد الرحمن، مثل سمر بدوي، ربحت قضية العضل ضد والدها في محكمة جدة العامة، والتي جرّدت الوالد أيضاً من صفته كولي أمرها، لكن محكمة النقض أيدت طعن الأب وأعادت القضية إلى المحكمة الأدنى درجة لتعيد النظر فيها. وأكد القاضي عبد الله المطوع من المحكمة العامة الحُكم من جديد، ومرة أخرى أعادت محكمة النقض الحُكم، واصفة أعمال لولوة عبد الرحمن بأنها "تمرد" على أبيها.

وبعد إصدار مطوع الحُكم للمرة الثالثة، نقلت محكمة النقض القضية إلى قاضٍ جديد بمحكمة أدنى درجة، هو القاضي فهد العمري، والذي أيد الحُكم من جديد إثر عدم مثول والدها أمام المحكمة. وعندما طعن الوالد مرة أخرى، أحالت محكمة النقض القضية إلى الادعاء العام لاتهامها بـ "الخلوة غير الشرعية" بخطيبها، بناء على زعم الأب.

ولم تتم لا إجراءات المحكمة الخاصة بقضية العضل التي رفعتها أو انتهت التحقيقات في الخلوة غير الشرعية المزعومة. وما زالت لولوة عبد الرحمن في دار الحماية، ولا يمكنها المغادرة. وتحتاج لتصريح من ولي أمرها - أبيها - للإفراج عنها.

وفي قضية ثالثة، قام والد عادل المطرودي - موظف سعودي ببنك - بنيل الوصاية القانونية على طفلة ابنه البالغة من العمر 9 سنوات وزوجته رامينياتون آسمين، إندونيسية الجنسية. تزوج الاثنان في يناير/كانون الثاني 2000 وفي وقت لاحق من العام نفسه، جاءت ابنتهما ثريا. لم يوافق والدا مطرودي على الزواج، وعلى حد قوله لـ هيومن رايتس ووتش، واتهما آسمين بعمل السحر وقاما بسب كلاهما.

وعندما تصاعد الخلاف، على حد قول المطرودي، أكرهه والده على أن يُطلق آسمين، وهو ما فعله في 19 يوليو/تموز 2003. لكنه تراجع عن طلاقه في محكمة شريعة أندونيسية بعد ستة أسابيع، مما أبطل الطلاق، بموجب الشريعة الإسلامية. يزعم المطرودي إن بعد 11 يوماً من الطلاق في السعودية، أرسل والده عاملته المنزلية، ترتدي حجاباً كاملاً، إلى المحكمة ومعها بطاقة هوية آسمين، للتخلي عن حضانتها لثريا. سحبت المحكمة الوصاية من آسمين دون التأكد من هوية المرأة المُنقبة.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول 2008، أخذ المطرودي حفيدته ثريا إلى بيته، ومنع أبويها من الاتصال بها. وخشية أن يأخذ المطرودي ابنته وهي تغادر المدرسة، منعها الجد من الذهاب إلى المدرسة بدءاً من 14 ديسمبر/كانون الأول، كما يظهر من رسالة من وزارة التعليم.

ولجأ المطرودي إلى هيئة حقوق الإنسان، وهي هيئة حكومية سعودية، وذكر قسمها القانوني، في مذكرة بتاريخ 4 يونيو/حزيران 2009، أن الهيئة تعتبر القضية انتهاك لحق الآباء في الوصاية، نظراً لأن لا الأب ولا الأم ثبت عدم قدرتهما على توفير ما تحتاجه الطفلة، وأن منعها من الذهاب إلى المدرسة هو تعد على حقها في التعليم.

إلا أن وجهة نظر القاضي محمد العنيزان من محكمة الرياض العامة كانت مختلفة، وفي 7 أكتوبر/تشرين الأول 2009، منح والد المطرودي حق الوصاية على الحفيدة. وحضر عادل المطرودي الجلسة وقدم دفاعه، وأوضح أن الطلاق وقع بالإكراه وأنه تراجع عنه وما زال متزوجاً من آسمين. ومنذ ذلك الحين لم تر آسمين ثريا، التي ظلت حبيسة بيت جدّها. ولدى المطرودي وآسمين ابنتين آخريين، يعيشان الآن مع الأم في أندونيسيا.  وقد غادرت المملكة خشية فقدان طفلتيها الآخريين بدورهما.

وقال كريستوف ويلكى: "التماس الحماية من الإساءات، أو زواج المرء بحرية بناء على اختياره، أو الرغبة في الدفاع عن الأبناء، هي جميعاً حقوق أساسية". وأضاف: "على القضاة السعوديين أن يتولوا حماية هذه الحقوق وليس خرقها باسم نظام السلطة الأبوية".

وكانت هيومن رايتس ووتش قد كتبت في نوفمبر/تشرين الثاني 2009 وفي أغسطس/آب 2010 إلى هيئة حقوق الإنسان السعودية بشأن قضايا امرأتين سعوديتين أجبرهما أشقاء لهما على الزواج عدة مرات من عدة رجال ضد إرادتهما، وتعرضتا أثناء ذلك للعنف البدني والجنسي والشفهي فيما كانتا في بيت الأسرة.