تحقيقات الجيش الإسرائيلي الداخلية غير كافية
أغسطس 13, 2009
الجيش الإسرائيلي لا يلقي بالاً بالمرة للأدلة على أن جنوده قتلوا مدنيين كانوا يلوحون بأعلام بيضاء في مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي ولم يكن بها مقاتلين فلسطينيين. وهذه الحوادث تحتاج إلى تحقيقات مستفيضة ومستقلة.
جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش

 

(القدس) - قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن أثناء الحملة العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في غزة، أطلق الجنود الإسرائيليون النار- على نحو غير قانوني - على 11 مدنياً فلسطينياً فقتلوهم، ومنهم خمس نساء وأربعة أطفال، وكانوا يسيرون في جماعات ويلوحون بالأعلام البيضاء للكشف عن وضعهم كمدنيين. وعلى الجيش الإسرائيلي أن يجري تحقيقاً مستفيضاً يتمتع بالمصداقية في وقائع القتل هذه من أجل التصدي لأجواء الإفلات من العقاب السائدة، حسبما قالت هيومن رايتس ووتش.

وتقرير "قتلى الأعلام البيضاء: استهداف بعض المدنيين الفلسطينيين بالقتل أثناء عملية الرصاص المصبوب" - الذي جاء في 56 صفحة - يستند إلى تحقيقات ميدانية في مواقع سبع حوادث وقعت في غزة، وتم العثور أثناء التحقيقات على أدلة منها بقايا وآثار رصاصات في مواقع الحوادث، وسجلات طبية للضحايا، وشملت التحقيقات مقابلات مطولة مع عدة شهود؛ على الأقل ثلاثة أشخاص في كل حادث على حدة.

وقد رفض الجيش الإسرائيلي طلبات متكررة من هيومن رايتس ووتش بالاجتماع بمسؤولين منه لمناقشة الحوادث ولم يرد على أسئلة تم تقديمها إليه كتابةً.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "الجيش الإسرائيلي لا يلقي بالاً بالمرة للأدلة على أن جنوده قتلوا مدنيين كانوا يلوحون بأعلام بيضاء في مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي ولم يكن بها مقاتلين فلسطينيين". وتابع قائلاً: "وهذه الحوادث تحتاج إلى تحقيقات مستفيضة ومستقلة".

والإحدى عشر قتيلاً من المدنيين بالإضافة إلى 8 جرحى على الأقل، يشكلون النذر اليسير من أكثر من 1100 مدني ومقاتل فلسطيني قُتلوا أثناء ما أسمته إسرائيل عملية الرصاص المصبوب، في ديسمبر/كانون الأول 2008 ويناير/كانون الثاني 2009. إلا أن حوادث القتل هذه هامة وخطيرة لأنها بحق مدنيين كانوا ضمن جماعات تلوح بقطع قماش أو قمصان بيضاء، ولم يكن هنالك أي مقاتلين فلسطينيين في الجوار وقت وقوعها، حسبما قالت هيومن رايتس ووتش.

وتكرر لوم إسرائيل لحماس على مقتل المدنيين الفلسطينيين أثناء عملية غزة، لأن - حسبما قالت إسرائيل - قاتلت حماس من مناطق مأهولة بالسكان واستخدمت المدنيين كـ "دروع بشرية"، أي تعمدت استخدام المدنيين لدرء الهجمات عن القوات الفلسطينية. وزعم قائدان بالجيش الإسرائيلي إن المقاتلين الفلسطينيين استخدموا الأعلام البيضاء لحماية أنفسهم من الهجمات، لكن لم يعرض أي منهما التفاصيل الكافية للتحقيق في هذه المزاعم. ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلبات هيومن رايتس ووتش بمناقشة هذه المزاعم.

وفي حوادث القتل الإحدي عشر الموثقة في هذا التقرير، لم تعثر هيومن رايتس ووتش على أية أدلة على أن المقاتلين الفلسطينيين استخدموا ضحايا من المدنيين كدروع بشرية أو أن الضحايا سقطوا أثناء تبادل لإطلاق النار بين قوات الطرفين. وكان الضحايا المدنيون على مرأى من الجنود ولم يمثلوا أي تهديد أمني ظاهر لهم.

وفي كل من الحوادث الموثقة، تشير الأدلة بقوة إلى أن الجنود الإسرائيليين - على أقل تقدير - أخفقوا في اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة للتمييز بين المدنيين والمقاتلين قبل فتح النار، حسبما تتطلب قوانين الحرب. وعلى الأسوأ، تعمد الجنود إطلاق النار على أشخاص يعرفون أنهم مدنيون.

وبموجب قوانين الحرب، فإن الأفراد الذين ينفذون أو يأمرون بتنفيذ هجمات تستهدف المدنيين عمداً هم مسؤولون عن ارتكاب جرائم حرب.

وفي إحدى الوقائع الموثقة في هذا التقرير، في 7 يناير/كانون الثاني شرقي جباليا، كانت امرأتان وثلاث طفلات من أسرة خالد عبد ربه يقفن أمام منزلهن بعد أن أمرهن الجنود الإسرائيليون بالخروج... وكانت ثلاث منهن على الأقل يحملن قطع مقاش بيضاء، حين فتح جندي من دبابة إسرائيلية النار، ليقتل فتاتين، 2 و7 أعوام، ويصيب الفتاة الثالثة وجدة الفتيات.

وقالت الجدة التي أصيبت برصاصتين: "أمضينا سبع إلى تسع دقائق نلوح بالأعلام، وكنا ننظر نحوهم [الجنود]. ثم فجأة أطلقوا الرصاص وسقطت الفتيات على الأرض". وتشير روايات الشهود وآثار عجلات الدبابة وصندوق رصاصات ومظاريف فارغة تم العثور عليها في موقع الحادث، وفحص إصابات الجدة بواسطة خبراء الطب الشرعي، تشير جميعاً إلى أن الجندي الإسرائيلي أطلق النار على نساء وأطفال يعرف أنهم كذلك ويعرف أنهم عُزّل.

وفي خمس من الوقائع السبع التي يغطيها التقرير تفصيلاً، أطلق الجنود الإسرائيليون النار على مدنيين كانوا يسيرون في الطرقات رافعين الأعلام البيضاء، وهم يحاولون مغادرة مناطق القتال.

وفي 13 يناير/كانون الثاني في بلدة خزاعة، أطلق جندي إسرائيلي النار على راوية النجار، 47 عاماً، ليرديها قتيلة، ويصيب قريبتها جاسمين النجار، 23 عاماً. وكانت المرأتان تسيران ضمن مجموعة صغيرة في شارع مستقيم في وضح النهار، فيما كانت راوية النجار ترفع علماً أبيض، بناء على أوامر عسكرية إسرائيلية بمغادرة الحي بعد أن خضع للسيطرة الإسرائيلية. وكان الجنود قد احتلوا منزلاً على مسافة 230 متراً في نفس الشارع، لكن يبدو أنهم لم يطلقوا رصاصات تحذيرية لردع المجموعة عن التقدم.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في 29 يوليو/تموز أنه يحقق في خمس وقائع يُزعم أن الجنود الإسرائيليين قتلوا فيها مدنيين يحملون أعلاماً بيضاء، ومنها واقعتين على الأقل مما يغطيها التقرير، وهما حادثا عبد ربه والنجار. وقد أعربت هيومن رايتس ووتش عن أملها في أن يجري الجيش الإسرائيلي تحقيقاً كاملاً ومحايداً في هذه الوقائع، لكن قالت إن سجل إسرائيل المتواضع في التحقيقات يجعل التقصي الموضوعي في الحوادث من جانبه أمر غير مرجح.

وقال الجيش إنه يجري "تحقيقاً ميدانياً" في نحو 100 حادث فيها مزاعم بانتهاكات لقوانين الحرب، أثناء عملية غزة. وتتكون التحقيقات الميدانية الإسرائيلية عادة من استجواب جنود لجنود آخرين، دون سعي للحصول على الشهادات من شهود عيان خارج الجيش، مع الأخذ بأي مزاعم يقولها الجنود دون تقييم مدى صحتها.

وحتى 10 أغسطس/آب على سبيل المثال، لم يكن الجيش قد اتصل بأي من أفراد عائلتي عبد ربه أو النجار، لسؤالهم عن مقتل أقاربهم.

وقال جو ستورك: "الجيش الإسرائيلي يسمح منذ سنوات بتفشي أجواء الإفلات من العقاب فيما يخص مقتل الفلسطينيين على نحو غير قانوني". وأضاف: "والتحقيقات الميدانية قد تخدم أغراض عسكرية معينة، لكنها غير كافية لتحديد ما إذا كان الجنود قد انتهكوا قوانين الحرب. إن هذه التحقيقات الميدانية ليست إلا إيحاء صوري بوجود تحقيق جدّي في الموضوع".

ونظراً لسجل الإخفاقات الإسرائيلية السابق، وكذلك إخفاقات حماس، في التحقيق في مسلك قواتها، فإن هيومن رايتس ووتش دعت إلى إجراء تحقيق دولي في مزاعم انتهاكات قوانين الحرب التي يُفترض أن الطرفين ارتكبوها. وقد شكل مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بعثة تقصي حقائق، برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون، ومن المقرر أن تعرض البعثة تقريرها الخاص بإساءات كافة الأطراف، على مجلس حقوق الإنسان، في سبتمبر/أيلول المقبل.

وقال جو ستورك: "تحقيق الأمم المتحدة يتمتع بولاية شاملة ويعكف عليه فريق محترف". وتابع قائلاً: "وعلى إسرائيل وحماس وجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تأخذ توصياته على محمل الجد وأن تنظر في كيفية تنفيذها".

ودعت هيومن رايتس ووتش الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى تشكيل آلية أممية مخصصة لمراقبة الخطوات التي تتخذها إسرائيل وحركة حماس نحو إجراء تحقيقات شفافة ونزيهة في مزاعم الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب المرتكبة أثناء أعمال القتال في ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني في غزة وإسرائيل، ومقاضاة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. وفي حال لم تتمكن السلطات الإسرائيلية وحماس من التحقيق والمقاضاة في محاكمات عادلة المسؤولين عن جرائم الحرب - أو كانت غير مستعدة لذلك - فإن على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تضغط من أجل بدء المقاضاة الدولية بحق المشتبهين بارتكاب الانتهاكات، حسبما قالت هيومن رايتس ووتش.

تقرير "قتلى الأعلام البيضاء" هو سادس تقرير تُصدره هيومن رايتس ووتش عن إساءات إسرائيل والجماعات المسلحة الفلسطينية منذ عملية الرصاص المصبوب، التي بدأت في 27 ديسمبر/كانون الأول 2008. وسبق إصدار تقرير في 6 أغسطس/آب يوثق الهجمات الصاروخية غير القانونية التي تستهدف مناطق مأهولة بالمدنيين في إسرائيل، من قبل حماس وجماعات مسلحة أخرى.