(بروكسيل، 23 يونيو/حزيران 2015) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن أعداداً كبيرة من الأطفال من بلدان تمزقها الحروب يسافرون بمفردهم فراراً من الانتهاكات في بلدانهم الأصلية وسعياً إلى الأمان في الاتحاد الأوروبي. ويفر الكثيرون من تجنيدهم كجنود، ومن زواج الأطفال والاعتداء على المنشآت التعليمية، أو هرباً من آثار أخرى للحرب في سوريا وأفغانستان، أو من التمييز بحق اللاجئين الأفغال في إيران.

A Syrian woman embraces her daughter on the dock side after being escorted into the harbor by the Greek Coastguard who found them drifting offshore on June 4, 2015 in Kos, Greece.

© 2015 Getty Images

وفي 2014 تم تسجيل ما يزيد على 6100 طفل من المهاجرين أو طالبي اللجوء في اليونان، وقد وصلت أغلبيتهم العظمى بطريق البحر، وهذا بحسب إحصائيات قدمها مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين للشرطة وحرس السواحل في اليونان. وتم تسجيل نحو 1100 من هؤلاء على أنهم غير مصحوبين ببالغين أو مسافرين بدون أقارب. وفي حكم المؤكد أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى، حيث يزعم العديد من الأطفال المسافرين بمفردهم أنهم في الثامنة عشرة أو أكبر لتجنب الاحتجاز المطول ريثما تجد لهم السلطات أماكن في الملاجئ المخصصة للأطفال غير المصحوبين ببالغين.

 

وقال جو بيكر، مدير برنامج المناصرة لحقوق الأطفال في هيومن رايتس ووتش: "يخاطر آلاف الأطفال في رحلات خطيرة بمفردهم لأنهم يعتقدون أنهم لا يملكون اختياراً آخر. وأقل ما يجب على الدول المجاورة والاتحاد الأوروبي هو أن يضمنوا عدم تعرضهم للانتهاك أو حرمانهم من حقوقهم عند الوصول".

يخاطر آلاف الأطفال في رحلات خطيرة بمفردهم لأنهم يعتقدون أنهم لا يملكون اختياراً آخر. وأقل ما يجب على الدول المجاورة والاتحاد الأوروبي هو أن يضمنوا عدم تعرضهم للانتهاك أو حرمانهم من حقوقهم عند الوصول.

جو بيكر، مدير برنامج المناصرة لحقوق الأطفال

في مايو/أيار 2015 أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع أكثر من 100 من طالبي اللجوء والمهاجرين حديثي الوصول في جزر لسبوس وخيوس وساموس وليروس وكوس اليونانية. وكانوا جميعاً قد وصلوا بالقوارب من تركيا خلال الشهر السابق. كما كانت أغلبية الأطفال الـ41 الذين أجريت معهم المقابلات من سوريا وأفغانستان. وكان 24 منهم، ومعظمهم من الصبية بأعمار تترواح بين 15 و17 عاماً، يسافرون بدون أقارب.

 

وبحسب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، تم تسجيل 42160 من المهاجرين وطالبي اللجوء على أنهم دخلوا اليونان خلال الشهور الخمسة الأولى من العام، وهو العدد المقارب للعدد الكلي في 2014 بأسره. وبحسب البيانات الرسمية للحكومة اليونانية، شكل السوريون إلى حد بعيد أكبر مجموعة قومية في 2015، ويليهم الأفغان. وقد تزايدت خسائر الأطفال في أفغانستان بما يقرب من 50 بالمائة في 2014 مقارنة بالعام السابق، بحسب تقرير جديد للأمم المتحدة.

 

وقال بعض الأطفال والآباء الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش المقابلات إنهم فروا لتجنب التجنيد بأيدي حركة طالبان في أفغانستان، أو التجنيد في الجيش السوري، أو التجنيد من قبل الجماعات المتمردة. وقال هاني، وهو صبي عمره 17 عاماً كان يسافر بمفرده من إدلب في شمال غرب سوريا، قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه فر للهرب من الخدمة في الجيش. وقال: "ربما تبقى حتى تموت أو حتى تنتهي الحرب".

 

وقال الكثير من الأطفال وعائلاتهم إنهم فروا بسبب اعتداءات على المدارس أو غير ذلك من موانع التعليم. وبحسب منظمة "أنقذوا الأطفال" فإن 3465 من المدارس في سوريا تعرضت لدمار كلي أو جزئي منذ بدء الحرب في 2011.

 

وكان 14 من الأطفال الذين أجريت معهم المقابلات من الأفغان الفارين من إيران، البلد الذي يعمل بشكل ممنهج على حرمان الأفغان حديثي الوصول من فرصة تقديم طلبات اللجوء أو التسجيل كلاجئين. كما حُرم الكثيرون من المدارس أو عجزوا عن تدبير تكاليفها، فحوصروا في أوضاع عمالية استغلالية.

.شاب أفغاني يستريح بميناء جزيرة لسبوس بعد مسيرة 30 ساعة من نقطة إبرار القارب الذي وصلوا به 

2015(c) جو بيكير/هيومن رايتس ووتش.

وقالت عائلتان ممن أجريت معهم المقابلات إنهم فروا من أفغانستان لتجنب زواج الأطفال. فقالت أسرة أفغانية من زوجين كانا قد فرا من هرات في أبريل/نيسان 2015 لـ هيومن رايتس ووتش إن رجلاً عمره 65 عاماً على صلة بطالبان اقترح عليهما أن يتزوج ابنتهما التي تبلغ من العمر 10 أعوام. وقالت الأم: "إذا لم نقبل فإنهم سيقتلوننا. لقد فررنا أثناء الليل".

 

وقال بعض الأطفال إنهم تركوا أوطانهم بمبادرة منهم ولكن بدعم من عائلاتهم. والمعتاد أن يدفع الأطفال أو عائلاتهم للمهربين أموالاً كانوا قد ادخروها أو اقترضوها. وقال البعض إن عائلاتهم باعت منزلها لتمويل الرحلة.

 

ويشرع الأطفال في رحلة خطيرة للوصول إلى اليونان. وقد وصف بعض الأفغان السير لمدة 12-14 ساعة عبر الجبال في ثلج يبلغ الخصور لعبور الحدود الإيرانية-التركية، وإطلاق النار عليهم من جانب شرطة الحدود الإيرانية. وقال كثيرون إن أشق أجزاء الرحلة هو عبور بحر إيجة في قوارب مطاطية مكتظة، بتدبير من المهربين الذين يقتضون 800-2000 دولار أمريكي من الشخص الواحد.

 

وعند الوصول إلى اليونان يتعرض الأطفال غير المصحوبين ببالغين للاحتجاز مدداً أطول بكثير من الكبار، ريثما تبحث السلطات عن أماكن في ملاجئ الأطفال عبر اليونان. ورغم أن الهدف من الملاجئ هو حماية الأطفال إلا أن العديد من الأطفال يعتبرون الاحتجاز المطول عقاباً، ونتيجة لهذا يدعي الكثيرون أن عمرهم 18 أو 19 عاماً بحيث يتسنى إخلاء سبيلهم لمواصلة رحلتهم إلى أثينا وسائر بلدان الاتحاد الأوروبي.

 

وقد وجدت لجنة حقوق الطفل أن احتجاز الأطفال استناداً إلى وضعهم المتعلق بالهجرة يشكل انتهاكاً لحقوق الأطفال في جميع الحالات، ودعت البلدان إلى "التوقف العاجل والتام" عن احتجاز الأطفال على أساس وضعهم من حيث الهجرة.

في جزيرة كوس ينام الأطفال والكبار على السواء في خيام قدمتها منظمة "أطباء بلا حدود"، في انتظار التعامل مع طلباتهم، الذي قد يستغرق 3 أسابيع أو أكثر

 

(c) 2015 جو بيكير/هيومن رايتس ووتش.

وعلى اليونان أن تضمن كفاية ظروف الاستقبال على الجزر، مع إيلاء عناية خاصة لاحتياجات الأطفال ومصالحهم الفضلى، بمن فيهم المسافرين وحدهم. كما يجب على السلطات اليونانية تشهيل التعامل مع العائلات ذات الأطفال والأطفال غير المصحوبين ببالغين، وتجنب احتجاز الأطفال تماشياً مع توصيات لجنة حقوق الطفل.

 

ويجب على الحكومة اليونانية ضمان كفاية القدرات الاستيعابية في الملاجئ المخصصة للأطفال المهاجرين وطالبي اللجوء غير المصحوبين ببالغين للحد بقدر الإمكان من الاحتجاز في انتظار النقل إلى الملاجئ. وعلى الاتحاد الأوروبي تقديم المساعدات المالية للحكومة اليونانية لتحقيق هذه الأهداف.

 

وعلى بلدان الاتحاد الأوروبي تأييد المقترحات الرامية إلى تخفيف العبء عن اليونان من خلال إعادة تسكين الأشخاص المحتاجين إلى حماية دولية، وضمان مراعاة تلك البرامج للمصالح الفضلى للأطفال المسافرين مع عائلاتهم أو غير المصحوبين ببالغين. وينبغي في الإجراءات الرامية لزيادة السبل الآمنة والقانونية لبلوغ الاتحاد الأوروبي أن تتضمن العناية بالاحتياجات الخاصة للأطفال المهاجرين وطالبي اللجوء.

A Syrian family sit on the dock side after being escorted into the harbor by the Greek Coastguard who found them drifting offshore on June 4, 2015 in Kos, Greece. 

© 2015 Getty Images

أما حكومتا سوريا وأفغانستان فعليهما حماية الأطفال من العنف في النزاع المسلح، ومن غيره من الانتهاكات مثل تزويج الأطفال. وعلى إيران أن تضمن للأطفال الأفغان الحق في التعليم، وأن تتخذ إجراءات لإنهاء عمالة الأطفال الاستغلالية وعنف الشرطة. وعلى المانحين تأييد تقوية الأنظمة المخصصة لحماية الأطفال في بلدان المنشأ التي يأتي منها الأطفال المهاجرون وطالبو اللجوء، وفي البلدان التي تستضيف تجمعات اللاجئين.

 

قال جو بيكر: "لا يصح أن يضطر الأطفال الفارون من الانتهاكات أو الخطر المهدد للحياة، الذين يواجهون المزيد من الخطر على الطريق، إلى مواجهة المزيد من الانتهاكات والإهمال عند وصولهم. وعلى بلدانهم الأصلية، والبلدان التي يحلون بها، وغيرها من البلدان، أن تبذل جهداً أكبر بكثير لحمايتهم ومساعدتهم".

 

الحرمان من التعليم

غادر محمد دير الزور في سوريا في مايو/أيار 2015 مع زوجته وابنين، في عمري الثالثة والعاشرة. ووصف لنا اعتداءً على مدرسة ابنه في 2012 توفي فيه 22 شخصاً، معظمهم من الأطفال. وكان يعتقد أن الحكومة السورية تستهدف المدارس بالاعتداء:

 

يرسل الأسد الطائرات للهجوم، ويختار أماكن محددة للهجوم مثل المدارس والمساجد، لوجود أعداد كبيرة من الناس هناك. إن جميع الأشخاص [الذين تعرضت منازلهم للهجوم] يذهبون إلى المدرسة لأن المفروض أنها مكان آمن. لكنه يفعل العكس ويعتدي عليها.

 

وقال ابنه حسين الذي يبلغ من العمر 10 سنوات إنه عندما دمرت مدرسته "شعرت بأن مستقبلي قد دمر".

 

وقال عدنان، 16 سنة، من دمشق:

 

لا يمكنني العيش في سوريا. لا يمكنني مواصلة دراستي. لا يمكننا المشي بأمان في الشارع. لا يمكننا أن نضمن حياتنا. إنهم يهاجمون المدارس ويهاجمون المساجد. تعرضت مدرستي للقصف. هاجمت الطائرة في الليل. وبعد شهر انتقلنا إلى القنيطرة. وبعد عام من وصولنا دمرت تلك المدرسة بدورها.

 

وقال فراس، القادم من حلب وعمره 16 عاماً، وكان يسافر مع شقيقه وشقيقته الأكبر، إن أبويهم قتلا في 2012 عند قصف منزلهم. وقال إنه ظل يذهب إلى المدرسة طوال 8 سنوات، لكنه توقف لأن السلطات أغلقت المدرسة. وقال: "في حلب دمرت بعض المدارس وأغلقت بعضها أبوابها لأنها لا تستطيع أن تضمن سلامتنا".

 

وقال طارق، وهو أفغاني عمره 16 عاماً من ولاية هلمند التي كان بها وجود عسكري أجنبي كثيف حتى 2014:

 

هناك مدارس، لكن عدد الطلبة قليل لأن الناس يخافون إرسال أبناءهم بسبب طالبان. وتفتح إحدى المدارس أبوابها يوماً واحداً في الأسبوع. الأطفال لا يذهبون، فطالبان لا يسمحون للأطفال بالذهاب إلى المدارس. وإذا تركت العائلات أطفالها يذهبون فإن طالبان يقتلونهم لأنهم ربما يعملون لحساب الأجانب في المستقبل.

 

 ويتعين على اللاجئين الأفغان في إيران دفع أتعاب المدارس وتقديم وثائق الإقامة لقبولهم في المدارس. وقال علي، الذي ذهبت عائلته إلى إيران حين كان في سن صغيرة جدا، إنه ذهب إلى المدرسة حتى الصف الثامن، لكن ارتفاع الأتعاب أبعد مواصلة التعليم عن متناوله: "كان على الأفغان فقط أن يدفعوا، وليس الإيرانيين"، كما قال. وقال إنه كان ليبقى في إيران إذا استطاع مواصلة تعليمه.

 

وقال أحمد، الأفغاني الذي يبلغ من العمر 16 عاماً والذي تربى في إيران:

 

كنت أذهب إلى المدرسة لكن كان على أبويّ أن يدفعا تكاليفي أنا وشقيقي وشقيقتي لأننا لسنا إيرانيين. لا يضطر الأطفال الإيرانيون للدفع. وفي مرتين أو ثلاث كان أدائي مرتفعا بحيث يؤهلني لبرنامج تعليمي خاص، لكنني لم أستطع الذهاب لأنني أفغاني. كما لا يسمح للاجئين بالدراسة الجامعية في إيران، ولذا قررت من أجل مستقبلي أن أذهب إلى مكان آخر. لم أشأ العودة إلى أفغانستان. كنا نسمع يومياً عن تفجيرات انتحارية وفقدان شخص ما أو مجموعة ما لحياتهم، حتى في كابل. هناك تفجير كل يوم. وإذا عدت إلى هناك فإنني أتخيل مستقبلاً مظلماً. لا أريد سوى فرصة لمواصلة دراستي، لا شيء سوى هذا.

 

وقد فرت سيدة أفغانية في العشرينات من عمرها إلى إيران مع زوجها بسبب الحرب. ولم تكن معهما أوراق إقامة فعجزا، عند وصول ابنهما إلى سن الدراسة، عن إلحاقه بالمدارس الإيرانية الحكومية. وقررا العودة إلى أفغانستان، لكنهما وجداً أن الوضع لم يتحسن. "رأينا أن التفجيرات الانتحارية تقع كل يوم. ولم تواتني الشجاعة لإرسال الأطفال إلى المدرسة، فاضطررت لاستبقائهم في المنزل. ولهذا السبب رحلنا من جديد. بسبب أطفالي في الأغلب".

 

التجنيد العسكري

في أفغانستان تقوم طالبان وغيرها من الجماعات المسلحة بتجنيد الأطفال في أعمار تصل إلى الثامنة للخدمة كمقاتلين وانتحاريين، ولتصنيع وزرع الأدوات التفجيرية. وقد قال بعض الأطفال أو آبائهم إن احتمالات التجنيد لدى الطالبان كانت من أسباب مغادرتهم لأفغانستان.

 

فقال أكبر، وهو صبي أفغاني عمره 17 عاماً أجريت معه مقابلة على جزيرة لسبوس: "فررت من الطالبان، لأن الكثيرين من الأطفال في عمري يأخذهم الطالبان كانتحاريين".

 

وقد أجريت مقابلة مع مبارك، وهو أفغاني لديه ثلاثة أبناء في أعمار 5 و9 و12 عاماً، وكان قد غادر بروان في أفغانستان في مارس/آذار، في مركز الاحتجاز بجزيرة لسبوس:

 

في كل يوم يأخذ طالبان أشخاصاً.. عن نفسي، كنت قلقاً على أطفالي، أبنائي، أن يضطروا للتحول إلى انتحاريين... تركت أفغانستان بسبب أطفالي وعائلتي.

 

وفي سوريا يتعين على الرجال إتمام الخدمة العسكرية الإلزامية لمدة 18 شهراً، بدءاً من سن 18 سنة، ومنذ بدأت الحرب تزايد استدعاء الحكومة لمن أتموا خدمتهم العسكرية. وقال سوريون رفضوا الخدمة إنهم إذا اعتقلوا فقد يتم إرسالهم إلى خطوط الجبهة، أو سجنهم وتعذيبهم. وقال هاني، 17 سنة من إدلب، إن احتمالات الخدمة العسكرية كانت سبب رحيله:

 

لا أريد حمل السلاح. لم أحمل السلاح قط ولن أحمله. لا من أجل الحكومة، ولا من أجل جماعة مسلحة... لقد رأيت ما كان يحدث ورأيت أنه سيحدث لي فقررت الرحيل. [إذا أخذوك] فربما تبقى حتى تموت أو حتى تنتهي الحرب.

 

ورغم أن قوات الحكومة لا تقوم بصفة عامة بتجنيد أطفال دون الثامنة عشرة إلا أن العديد من الجماعات المسلحة تفعل هذا. وقال فراس، 16 سنة من حلب، إنه لو بقي في سوريا "فربما يأخذونني إلى الجيش، وربما أموت، أو ربما تأخذني جماعة مسلحة للقتال معهم وحمل السلاح".

 

عمالة الأطفال

يلتمس كثيرون من الأفغان الفارين من بلدهم المأوى في إيران، التي تستضيف ما يقدر بثلاثة ملايين أفغاني. ومليون من هؤلاء هم لاجئون معترف بهم، أما الباقون فيعاملون معاملة العمالة الوافدة ويحملون تأشيرات مؤقتة أو لا يحملون أية وثائق. والأطفال الذين يرجون مواصلة دراستهم يكتشفون في أحيان كثيرة أن أتعاب التعليم وتصاريح الإقامة باهظة الكلفة، فينتهي بهم الأمر في أوضاع استغلالية لعمالة الأطفال بدلاً من هذا، والعمل لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة في مواقع البناء أو في الزراعة أو مصانع الملابس.

 

وقد بدأ نصر، 16 سنة، العمل في موقع بناء في إيران حينما كان في عمر 14 سنة، كبنّاء للحوائط بالحجارة والإسمنت. وكان يعمل 12ساعة يومياً لسبعة أيام أسبوعياً. وقال: "إذا أخذت يوم إجازة فإنك تخسر أجرك كله". ولم يكن راتبه يكفي لإعالته أو يتيح له تجديد تصريح الإقامة. وقال: "في النهاية لم يكن معي نقود".

 

وبدأ بكير، 16 سنة، العمل في مصنع للملابس بطهران في سن 14 سنة مع سبعة أفغان آخرين. وكان في السنة الأولى يعمل بدون راتب، من الثامنة صباحاً حتى منتصف الليل يومياً، بل ولمدد أطول في فترات الرواج. وقال له صاحب الشركة: "إذا لم تعمل على هذا النحو فلن تنال أجراً".

 

وبدأ وليد العمل في إيران في سن التاسعة، حينما توقفت عمته عن دفع مصاريف مدرسته. وقال إنه كان يعمل حتى يتيح لأخيه البقاء في المدرسة. فبدأ العمل في ورشة صغيرة للملابس، من السابعة صباحاً إلى السابعة مساءً، بيوم إجازة واحد في الشهر. وفيما بعد اشتغل في مطعم لكنه اكتشف أن أجره الزهيد لا يكفي لإعالته هو وشقيقه. وقال: "لم أكن أعيش، كنت على قيد الحياة فقط". وغادر إيران إلى اليونان في مايو/أيار.

 

وحاول أطفال آخرون العمل في تركيا. ففر سيد، 18 سنة، من العنف في حلب في سن 16 سنة، ووجد عملاً في أحد المصانع التركية. وقال: "كانت الساعات طويلة والنقود قليلة. كنت أعمل من الثامنة صباحاً إلى السابعة والنصف مساءً. وكانوا أحياناً يشغلونني حتى الحادية عشرة مساءً. لم نكن نملك الاختيار".

 

وغادر فراس، وهو صبي عمره 16 عاماً من حلب، غادر سوريا في أوائل 2015 بعد أن أغلقت السلطات مدرسته. وذهب في البداية إلى تركيا حيث كان يعمل لمدة 12 ساعة يومياً في مصنع للملابس. "حاولت ادخار المال لكنني كنت مضطراً لتناول الطعام في أوقات أخرى. غادرت تركيا منذ شهر، إذ لم أستطع تحمل المزيد من العمل".

 

انتهاكات الشرطة في إيران

تعرض الأطفال الأفغان في إيران أيضاً للتوقيف التعسفي والابتزاز والتشغيل القسري من جانب الشرطة الإيرانية، تحت التهديد الدائم بالترحيل. وقال عديد منهم إنهم كانوا يعيشون في مواقع العمل لتجنب مواجهة الشرطة.

 

وقد غادر بكير، 16 سنة، أفغانستان لأنه عجز عن استكمال دراسته. وفي إيران وجد وظيفة لكنه كان بدون وثائق: "أمسكت بي الشرطة مرتين أو ثلاث، فاضطررت لإعطائهم كل نقودي حتى يطلقوا سراحي. كان الوضع صعباً، فرحلت".

 

وقال علي، 16 سنة، إن الشرطة في طهران أوقفته أكثر من 20 مرة: "في إيران، الشرطة تكرهنا. إنهم يوقفوننا ويأخذون نقودنا. وفي إحدى المرات تكرر الأمر مرتين في أسبوع واحد. يأخذون كل شيء".

 

وقال عدة صبية إن الشرطة أمسكت بهم وأرغمتهم على تنظيف المخافر. وقال زاهر إنه استوقف في طريقه إلى أحد المتاجر. وأظهر للشرطة تصريح إقامته، لكنهم أخذوه إلى المخفر حيث أرغموه على العمل حتى ساعة متأخرة من الليل، في غسل الصحون وتنظيف المخفر.

 

وأفاد صبي أفغاني آخر في عمر 16 سنة بأن الشرطة أرغمته في 4 مناسبات على قضاء يوم كامل في تنظيف أحد المخافر. وقال أكرم إن الشرطة أمسكت به أكثر من 10 مرات وأرغموه على تنظيف المخفر 5 أو 6 مرات: "ليس لديهم عامل نظافة منتظم، فهم يستخدمون اللاجئين الأفغان".

 

زواج الأطفال

قالت أسرة من زوجين من هرات لـ هيومن رايتس ووتش إنهما فرا من أفغانستان لتجنب زواج الأطفال، فقد اقترح رجل عمره 65 عاماً وعلى صلة بالطالبان أن يتزوج ابنتهما التي تبلغ من العمر 10 أعوام. وقالت الأم: "إذا لم نقبل فسوف يقتلنا. كان على صلة بأناس من ذوي النفوذ. قبلت العرض لأنني لم أملك الاختيار، لكنني وضعت خطة وفررنا أثناء الليل".

 

الاحتجاز المطول لأطفال غير مصحوبين ببالغين في اليونان

تتباين معاملة الأطفال من جزيرة يونانية إلى الأخرى. فالأطفال غير المصحوبين ببالغين الذين يصلون إلى لسبوس أو خيوس أو ساموس عادة ما يجري احتجازهم لحين إيجاد ملجأ لهم أو لحين بت إحدى المحاكم في إمكانية تسليمهم إلى عهدة أحد أقاربهم. أما من يصلون إلى ليروس، بمن فيهم الأطفال غير المصحوبين ببالغين، فعادة ما يطلق سراحهم خلال يوم أو يومين. ويقوم متطوعون محليون بتنسيق السكن والغذاء والملبس والرعاية الطبية.

 

وفي كوس، إحدى الجزر الأكبر حجماً، يمكن للإجراءات أن تستغرق 3 أسابيع أو أكثر. والخدمات المقدمة قليلة، فالأطفال والكبار على السواء ينامون في العراء في فندق مهجور على أسرة بدائية الصنع، بدون كهرباء وبمياه جارية محدودة، أو في خيام تقدمها منظمة "أطباء بلا حدود". وقد قال كثيرون إن السلطات لم تقدم طعاماً يذكر، وقال البعض إنهم لم يأكلوا منذ أيام.

 

والأطفال من المهاجرين وطالبي اللجوء الذين يسجلون على أنهم غير مصحوبين ببالغين، كثيراً ما يتم احتجازهم لفترات أطول بكثير من فترات احتجاز البالغين أو الأطفال المسافرين مع عائلاتهم، ريثما تبحث السلطات عن منشآت لإيوائهم. ورغم أن التسكين في الملاجئ مصمم كتدبير وقائي إلا أن العديد من الأطفال ينظرون إلى الاحتجاز المطول كعقاب. ورغم إمكانية إطلاق سراح البالغين في غضون أيام قليلة إلا أن الأطفال قد يبقون رهن الاحتجاز لثلاث أسابيع أو أكثر.

 

ويوجد في لسبوس وخيوس وساموس مراكز احتجاز مغلقة محاطة بالأسلاك الشائكة، وكثيراً ما يحتجز فيها أطفال مع الكبار في مساحات تتسم في أحيان كثيرة بالاكتظاظ والقذارة. وفي ساموس قال محتجزون إنهم يجدون السبيل إلى الماء لمدة 30 دقيقة فقط يومياً، وفي خيوس اكتشفت هيومن رايتس ووتش بالغين وأطفالاً يحتمون من الشمس تحت ملاجئ بدائية الصنع من القماش والبطاطين.

 

وقد تم احتجاز أكبر، وهو أفغاني عمره 17 عاماً، على جزيرة لسبوس لمدة 10 أيام، وكان في حالة من الاضطراب لأن رفاق سفره الثلاثة، الذين ذكر كل منهم أن عمره 18 سنة أو أكبر، قد تم الإفراج عنهم بالفعل ورحلوا إلى أثينا. وقال: "إذا غادروا أثينا فسوف أصبح وحيداً هنا. لا أعرف أي مخلوق".

 

وقال عاصف، وهو أفغاني آخر في عمر 17 عاماً من المحتجزين في لسبوس، إنه سيبقى في مركز الاحتجاز، كما قيل له، لمدة 3 أسابيع. وقال: "أشعر بأنني في السجن". ولم يتم عزل الأطفال غير المصحوبين ببالغين في المركز عن الكبار. فقال: "ليلة أمس دخل أشخاص إلى غرفتي وأخذوا كل شيء. يقولون إن الأطفال يجب أن يتمتعوا بالحماية، لكنه كلام بدون معنى".

 

وقال إسماعيل، وهو سوري عمره 16 عاماً سافر بمفرده من حلب، إنه يرجو الوصول إلى أوروبا للحصول على علاج طبي لوالده، الذي يعاني من مرض شديد. وقال أيضاً إن أصدقاءه الذين قالوا إنهم أكبر سناً تم الإفراج عنهم. وقال: "الذنب ذنبي أنني أخبرتهم بعمري الحقيقي".

 

وكانت ليلو، وهي فتاة صومالية عمرها 16 عاماً، قضت 3 شهور في السفر للوصول إلى اليونان، باقية في مركز الاحتجاز المكتظ بجزيرة خيوس لمدة أسبوعين تقريباً. وقالت إن المحتجزين الآخرين يتحكمون في الوصول إلى المراحيض، بحيث عجزت في بعض الأوقات عن قضاء حاجتها. "إنهم يعاملوننا كالأطفال ويظلون يرددون سترحلين غداً، سترحلين غداً، لكنني لا أرانا نذهب إلى أي مكان".

 

وقد أجريت المقابلة مع زهر، من أفغانستان، مباشرة عقب الإفراج عنه من الاحتجاز في خيوس. وقال إن عمره 16 عاماً، لكنه قال للشرطة إن عمره 19 عاماً: "إذا قلت لهم [الحقيقة] سيبقونني وأنا لا أريد البقاء". وقال إن العديد من الأطفال المسافرين بمفردهم يعرفون باحتمالات الاحتجاز المطول ولذا ذكروا أن أعمارهم 18 أو 19 عاماً.الحرمان من التعليم

غادر محمد دير الزور في سوريا في مايو/أيار 2015 مع زوجته وابنين، في عمري الثالثة والعاشرة. ووصف لنا اعتداءً على مدرسة ابنه في 2012 توفي فيه 22 شخصاً، معظمهم من الأطفال. وكان يعتقد أن الحكومة السورية تستهدف المدارس بالاعتداء:

 

يرسل الأسد الطائرات للهجوم، ويختار أماكن محددة للهجوم مثل المدارس والمساجد، لوجود أعداد كبيرة من الناس هناك. إن جميع الأشخاص [الذين تعرضت منازلهم للهجوم] يذهبون إلى المدرسة لأن المفروض أنها مكان آمن. لكنه يفعل العكس ويعتدي عليها.

 

وقال ابنه حسين الذي يبلغ من العمر 10 سنوات إنه عندما دمرت مدرسته "شعرت بأن مستقبلي قد دمر".

 

وقال عدنان، 16 سنة، من دمشق:

 

لا يمكنني العيش في سوريا. لا يمكنني مواصلة دراستي. لا يمكننا المشي بأمان في الشارع. لا يمكننا أن نضمن حياتنا. إنهم يهاجمون المدارس ويهاجمون المساجد. تعرضت مدرستي للقصف. هاجمت الطائرة في الليل. وبعد شهر انتقلنا إلى القنيطرة. وبعد عام من وصولنا دمرت تلك المدرسة بدورها.

 

وقال فراس، القادم من حلب وعمره 16 عاماً، وكان يسافر مع شقيقه وشقيقته الأكبر، إن أبويهم قتلا في 2012 عند قصف منزلهم. وقال إنه ظل يذهب إلى المدرسة طوال 8 سنوات، لكنه توقف لأن السلطات أغلقت المدرسة. وقال: "في حلب دمرت بعض المدارس وأغلقت بعضها أبوابها لأنها لا تستطيع أن تضمن سلامتنا".

 

وقال طارق، وهو أفغاني عمره 16 عاماً من ولاية هلمند التي كان بها وجود عسكري أجنبي كثيف حتى 2014:

 

هناك مدارس، لكن عدد الطلبة قليل لأن الناس يخافون إرسال أبناءهم بسبب طالبان. وتفتح إحدى المدارس أبوابها يوماً واحداً في الأسبوع. الأطفال لا يذهبون، فطالبان لا يسمحون للأطفال بالذهاب إلى المدارس. وإذا تركت العائلات أطفالها يذهبون فإن طالبان يقتلونهم لأنهم ربما يعملون لحساب الأجانب في المستقبل.

 

 ويتعين على اللاجئين الأفغان في إيران دفع أتعاب المدارس وتقديم وثائق الإقامة لقبولهم في المدارس. وقال علي، الذي ذهبت عائلته إلى إيران حين كان في سن صغيرة جدا، إنه ذهب إلى المدرسة حتى الصف الثامن، لكن ارتفاع الأتعاب أبعد مواصلة التعليم عن متناوله: "كان على الأفغان فقط أن يدفعوا، وليس الإيرانيين"، كما قال. وقال إنه كان ليبقى في إيران إذا استطاع مواصلة تعليمه.

 

وقال أحمد، الأفغاني الذي يبلغ من العمر 16 عاماً والذي تربى في إيران:

 

كنت أذهب إلى المدرسة لكن كان على أبويّ أن يدفعا تكاليفي أنا وشقيقي وشقيقتي لأننا لسنا إيرانيين. لا يضطر الأطفال الإيرانيون للدفع. وفي مرتين أو ثلاث كان أدائي مرتفعا بحيث يؤهلني لبرنامج تعليمي خاص، لكنني لم أستطع الذهاب لأنني أفغاني. كما لا يسمح للاجئين بالدراسة الجامعية في إيران، ولذا قررت من أجل مستقبلي أن أذهب إلى مكان آخر. لم أشأ العودة إلى أفغانستان. كنا نسمع يومياً عن تفجيرات انتحارية وفقدان شخص ما أو مجموعة ما لحياتهم، حتى في كابل. هناك تفجير كل يوم. وإذا عدت إلى هناك فإنني أتخيل مستقبلاً مظلماً. لا أريد سوى فرصة لمواصلة دراستي، لا شيء سوى هذا.

 

وقد فرت سيدة أفغانية في العشرينات من عمرها إلى إيران مع زوجها بسبب الحرب. ولم تكن معهما أوراق إقامة فعجزا، عند وصول ابنهما إلى سن الدراسة، عن إلحاقه بالمدارس الإيرانية الحكومية. وقررا العودة إلى أفغانستان، لكنهما وجداً أن الوضع لم يتحسن. "رأينا أن التفجيرات الانتحارية تقع كل يوم. ولم تواتني الشجاعة لإرسال الأطفال إلى المدرسة، فاضطررت لاستبقائهم في المنزل. ولهذا السبب رحلنا من جديد. بسبب أطفالي في الأغلب".

 

التجنيد العسكري

في أفغانستان تقوم طالبان وغيرها من الجماعات المسلحة بتجنيد الأطفال في أعمار تصل إلى الثامنة للخدمة كمقاتلين وانتحاريين، ولتصنيع وزرع الأدوات التفجيرية. وقد قال بعض الأطفال أو آبائهم إن احتمالات التجنيد لدى الطالبان كانت من أسباب مغادرتهم لأفغانستان.

 

فقال أكبر، وهو صبي أفغاني عمره 17 عاماً أجريت معه مقابلة على جزيرة لسبوس: "فررت من الطالبان، لأن الكثيرين من الأطفال في عمري يأخذهم الطالبان كانتحاريين".

 

وقد أجريت مقابلة مع مبارك، وهو أفغاني لديه ثلاثة أبناء في أعمار 5 و9 و12 عاماً، وكان قد غادر بروان في أفغانستان في مارس/آذار، في مركز الاحتجاز بجزيرة لسبوس:

 

في كل يوم يأخذ طالبان أشخاصاً.. عن نفسي، كنت قلقاً على أطفالي، أبنائي، أن يضطروا للتحول إلى انتحاريين... تركت أفغانستان بسبب أطفالي وعائلتي.

 

وفي سوريا يتعين على الرجال إتمام الخدمة العسكرية الإلزامية لمدة 18 شهراً، بدءاً من سن 18 سنة، ومنذ بدأت الحرب تزايد استدعاء الحكومة لمن أتموا خدمتهم العسكرية. وقال سوريون رفضوا الخدمة إنهم إذا اعتقلوا فقد يتم إرسالهم إلى خطوط الجبهة، أو سجنهم وتعذيبهم. وقال هاني، 17 سنة من إدلب، إن احتمالات الخدمة العسكرية كانت سبب رحيله:

 

لا أريد حمل السلاح. لم أحمل السلاح قط ولن أحمله. لا من أجل الحكومة، ولا من أجل جماعة مسلحة... لقد رأيت ما كان يحدث ورأيت أنه سيحدث لي فقررت الرحيل. [إذا أخذوك] فربما تبقى حتى تموت أو حتى تنتهي الحرب.

 

ورغم أن قوات الحكومة لا تقوم بصفة عامة بتجنيد أطفال دون الثامنة عشرة إلا أن العديد من الجماعات المسلحة تفعل هذا. وقال فراس، 16 سنة من حلب، إنه لو بقي في سوريا "فربما يأخذونني إلى الجيش، وربما أموت، أو ربما تأخذني جماعة مسلحة للقتال معهم وحمل السلاح".

 

عمالة الأطفال

يلتمس كثيرون من الأفغان الفارين من بلدهم المأوى في إيران، التي تستضيف ما يقدر بثلاثة ملايين أفغاني. ومليون من هؤلاء هم لاجئون معترف بهم، أما الباقون فيعاملون معاملة العمالة الوافدة ويحملون تأشيرات مؤقتة أو لا يحملون أية وثائق. والأطفال الذين يرجون مواصلة دراستهم يكتشفون في أحيان كثيرة أن أتعاب التعليم وتصاريح الإقامة باهظة الكلفة، فينتهي بهم الأمر في أوضاع استغلالية لعمالة الأطفال بدلاً من هذا، والعمل لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة في مواقع البناء أو في الزراعة أو مصانع الملابس.

 

وقد بدأ نصر، 16 سنة، العمل في موقع بناء في إيران حينما كان في عمر 14 سنة، كبنّاء للحوائط بالحجارة والإسمنت. وكان يعمل 12ساعة يومياً لسبعة أيام أسبوعياً. وقال: "إذا أخذت يوم إجازة فإنك تخسر أجرك كله". ولم يكن راتبه يكفي لإعالته أو يتيح له تجديد تصريح الإقامة. وقال: "في النهاية لم يكن معي نقود".

 

وبدأ بكير، 16 سنة، العمل في مصنع للملابس بطهران في سن 14 سنة مع سبعة أفغان آخرين. وكان في السنة الأولى يعمل بدون راتب، من الثامنة صباحاً حتى منتصف الليل يومياً، بل ولمدد أطول في فترات الرواج. وقال له صاحب الشركة: "إذا لم تعمل على هذا النحو فلن تنال أجراً".

 

وبدأ وليد العمل في إيران في سن التاسعة، حينما توقفت عمته عن دفع مصاريف مدرسته. وقال إنه كان يعمل حتى يتيح لأخيه البقاء في المدرسة. فبدأ العمل في ورشة صغيرة للملابس، من السابعة صباحاً إلى السابعة مساءً، بيوم إجازة واحد في الشهر. وفيما بعد اشتغل في مطعم لكنه اكتشف أن أجره الزهيد لا يكفي لإعالته هو وشقيقه. وقال: "لم أكن أعيش، كنت على قيد الحياة فقط". وغادر إيران إلى اليونان في مايو/أيار.

 

وحاول أطفال آخرون العمل في تركيا. ففر سيد، 18 سنة، من العنف في حلب في سن 16 سنة، ووجد عملاً في أحد المصانع التركية. وقال: "كانت الساعات طويلة والنقود قليلة. كنت أعمل من الثامنة صباحاً إلى السابعة والنصف مساءً. وكانوا أحياناً يشغلونني حتى الحادية عشرة مساءً. لم نكن نملك الاختيار".

 

وغادر فراس، وهو صبي عمره 16 عاماً من حلب، غادر سوريا في أوائل 2015 بعد أن أغلقت السلطات مدرسته. وذهب في البداية إلى تركيا حيث كان يعمل لمدة 12 ساعة يومياً في مصنع للملابس. "حاولت ادخار المال لكنني كنت مضطراً لتناول الطعام في أوقات أخرى. غادرت تركيا منذ شهر، إذ لم أستطع تحمل المزيد من العمل".

 

انتهاكات الشرطة في إيران

تعرض الأطفال الأفغان في إيران أيضاً للتوقيف التعسفي والابتزاز والتشغيل القسري من جانب الشرطة الإيرانية، تحت التهديد الدائم بالترحيل. وقال عديد منهم إنهم كانوا يعيشون في مواقع العمل لتجنب مواجهة الشرطة.

 

وقد غادر بكير، 16 سنة، أفغانستان لأنه عجز عن استكمال دراسته. وفي إيران وجد وظيفة لكنه كان بدون وثائق: "أمسكت بي الشرطة مرتين أو ثلاث، فاضطررت لإعطائهم كل نقودي حتى يطلقوا سراحي. كان الوضع صعباً، فرحلت".

 

وقال علي، 16 سنة، إن الشرطة في طهران أوقفته أكثر من 20 مرة: "في إيران، الشرطة تكرهنا. إنهم يوقفوننا ويأخذون نقودنا. وفي إحدى المرات تكرر الأمر مرتين في أسبوع واحد. يأخذون كل شيء".

 

وقال عدة صبية إن الشرطة أمسكت بهم وأرغمتهم على تنظيف المخافر. وقال زاهر إنه استوقف في طريقه إلى أحد المتاجر. وأظهر للشرطة تصريح إقامته، لكنهم أخذوه إلى المخفر حيث أرغموه على العمل حتى ساعة متأخرة من الليل، في غسل الصحون وتنظيف المخفر.

 

وأفاد صبي أفغاني آخر في عمر 16 سنة بأن الشرطة أرغمته في 4 مناسبات على قضاء يوم كامل في تنظيف أحد المخافر. وقال أكرم إن الشرطة أمسكت به أكثر من 10 مرات وأرغموه على تنظيف المخفر 5 أو 6 مرات: "ليس لديهم عامل نظافة منتظم، فهم يستخدمون اللاجئين الأفغان".

 

زواج الأطفال

قالت أسرة من زوجين من هرات لـ هيومن رايتس ووتش إنهما فرا من أفغانستان لتجنب زواج الأطفال، فقد اقترح رجل عمره 65 عاماً وعلى صلة بالطالبان أن يتزوج ابنتهما التي تبلغ من العمر 10 أعوام. وقالت الأم: "إذا لم نقبل فسوف يقتلنا. كان على صلة بأناس من ذوي النفوذ. قبلت العرض لأنني لم أملك الاختيار، لكنني وضعت خطة وفررنا أثناء الليل".

 

الاحتجاز المطول لأطفال غير مصحوبين ببالغين في اليونان

تتباين معاملة الأطفال من جزيرة يونانية إلى الأخرى. فالأطفال غير المصحوبين ببالغين الذين يصلون إلى لسبوس أو خيوس أو ساموس عادة ما يجري احتجازهم لحين إيجاد ملجأ لهم أو لحين بت إحدى المحاكم في إمكانية تسليمهم إلى عهدة أحد أقاربهم. أما من يصلون إلى ليروس، بمن فيهم الأطفال غير المصحوبين ببالغين، فعادة ما يطلق سراحهم خلال يوم أو يومين. ويقوم متطوعون محليون بتنسيق السكن والغذاء والملبس والرعاية الطبية.

 

وفي كوس، إحدى الجزر الأكبر حجماً، يمكن للإجراءات أن تستغرق 3 أسابيع أو أكثر. والخدمات المقدمة قليلة، فالأطفال والكبار على السواء ينامون في العراء في فندق مهجور على أسرة بدائية الصنع، بدون كهرباء وبمياه جارية محدودة، أو في خيام تقدمها منظمة "أطباء بلا حدود". وقد قال كثيرون إن السلطات لم تقدم طعاماً يذكر، وقال البعض إنهم لم يأكلوا منذ أيام.

 

والأطفال من المهاجرين وطالبي اللجوء الذين يسجلون على أنهم غير مصحوبين ببالغين، كثيراً ما يتم احتجازهم لفترات أطول بكثير من فترات احتجاز البالغين أو الأطفال المسافرين مع عائلاتهم، ريثما تبحث السلطات عن منشآت لإيوائهم. ورغم أن التسكين في الملاجئ مصمم كتدبير وقائي إلا أن العديد من الأطفال ينظرون إلى الاحتجاز المطول كعقاب. ورغم إمكانية إطلاق سراح البالغين في غضون أيام قليلة إلا أن الأطفال قد يبقون رهن الاحتجاز لثلاث أسابيع أو أكثر.

 

ويوجد في لسبوس وخيوس وساموس مراكز احتجاز مغلقة محاطة بالأسلاك الشائكة، وكثيراً ما يحتجز فيها أطفال مع الكبار في مساحات تتسم في أحيان كثيرة بالاكتظاظ والقذارة. وفي ساموس قال محتجزون إنهم يجدون السبيل إلى الماء لمدة 30 دقيقة فقط يومياً، وفي خيوس اكتشفت هيومن رايتس ووتش بالغين وأطفالاً يحتمون من الشمس تحت ملاجئ بدائية الصنع من القماش والبطاطين.

 

وقد تم احتجاز أكبر، وهو أفغاني عمره 17 عاماً، على جزيرة لسبوس لمدة 10 أيام، وكان في حالة من الاضطراب لأن رفاق سفره الثلاثة، الذين ذكر كل منهم أن عمره 18 سنة أو أكبر، قد تم الإفراج عنهم بالفعل ورحلوا إلى أثينا. وقال: "إذا غادروا أثينا فسوف أصبح وحيداً هنا. لا أعرف أي مخلوق".

 

وقال عاصف، وهو أفغاني آخر في عمر 17 عاماً من المحتجزين في لسبوس، إنه سيبقى في مركز الاحتجاز، كما قيل له، لمدة 3 أسابيع. وقال: "أشعر بأنني في السجن". ولم يتم عزل الأطفال غير المصحوبين ببالغين في المركز عن الكبار. فقال: "ليلة أمس دخل أشخاص إلى غرفتي وأخذوا كل شيء. يقولون إن الأطفال يجب أن يتمتعوا بالحماية، لكنه كلام بدون معنى".

 

وقال إسماعيل، وهو سوري عمره 16 عاماً سافر بمفرده من حلب، إنه يرجو الوصول إلى أوروبا للحصول على علاج طبي لوالده، الذي يعاني من مرض شديد. وقال أيضاً إن أصدقاءه الذين قالوا إنهم أكبر سناً تم الإفراج عنهم. وقال: "الذنب ذنبي أنني أخبرتهم بعمري الحقيقي".

 

وكانت ليلو، وهي فتاة صومالية عمرها 16 عاماً، قضت 3 شهور في السفر للوصول إلى اليونان، باقية في مركز الاحتجاز المكتظ بجزيرة خيوس لمدة أسبوعين تقريباً. وقالت إن المحتجزين الآخرين يتحكمون في الوصول إلى المراحيض، بحيث عجزت في بعض الأوقات عن قضاء حاجتها. "إنهم يعاملوننا كالأطفال ويظلون يرددون سترحلين غداً، سترحلين غداً، لكنني لا أرانا نذهب إلى أي مكان".

 

وقد أجريت المقابلة مع زهر، من أفغانستان، مباشرة عقب الإفراج عنه من الاحتجاز في خيوس. وقال إن عمره 16 عاماً، لكنه قال للشرطة إن عمره 19 عاماً: "إذا قلت لهم [الحقيقة] سيبقونني وأنا لا أريد البقاء". وقال إن العديد من الأطفال المسافرين بمفردهم يعرفون باحتمالات الاحتجاز المطول ولذا ذكروا أن أعمارهم 18 أو 19 عاماً.