(القدس) - إن القرارين المنفصلين للمحكمة العليا الإسرائيلية والصادرين في 5 مايو/أيار 2015 يفتحان الطريق أمام سلطات الدولة لإخلاء سكان قريتين عربيتين قسرا من منازلهم. وقد سبق لسكان القريتين، التي تقع إحداهما في إسرائيل والأخرى في الضفة الغربية المحتلة، أن هُجروا فى أعقاب أعمال قامت بها السلطات الإسرائيلية.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "إنه يوم حزين عندما توفر قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية الغطاء القانوني لعمليات الإخلاء القسري، كما في حالة هاتين القريتين. وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تسمح لهذه المجتمعات بالبقاء حيث هي، وليس إجبارها على الرحيل مرة أخرى."

يواجه ما بين 750 و1000 فلسطيني من مواطني إسرائيل الذين يعيشون في أم الحيران، وهي قرية تقع في صحراء النقب جنوب إسرائيل، يواجهون التهجير. نقلت إسرائيل السكان هناك بموجب اتفاق عام 1956 يسمح لهم بالعيش هناك نظير إسقاطهم للمطالبات بالأرض التي كانوا يقولون إن القوات الاسرائيلية طردتهم منها في 1948. رفضت السلطات الإسرائيلية الاعتراف بالقرية، أو توفير الخدمات الأساسية مثل الماء أو الكهرباء، أو وضع خطة تقسيم للمناطق للسماح للسكان بالحصول على تصاريح بناء. وفي 2009، وافقت السلطات الإسرائيلية على خطط لاستخدام الأرض لبناء تجمع يهودي.

قضت المحكمة العليا بأن الأرض ملك للدولة وأن لها الحق في سحب الإذن من سكان بلدة أم الحيران في العيش هناك، على الرغم من أن المحكمة رفضت ادعاء الحكومة بأن السكان ينتمون لفئة واضعي اليد. وقضت أيضا بأن استبدال القرية بحي "فيه مؤسسات بهدف خدمة المجتمع اليهودي الديني" لا يعتبر عملا تمييزيا بما أنه، من حيث المبدأ، يمكن لسكان أم الحيران البدو شراء المنازل هناك.
تولى مركز عدالة، وهو مركز قانوني غير حكومي يدافع عن حقوق الأقلية العربية في إسرائيل، تمثيل سكان قرية أم الحيران.

سليم أبو قياني، وهو من سكان أم الحيران الذين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش بعد صدور حكم المحكمة العليا، حث إسرائيل على الوفاء باتفاقها السابق، والسماح لسكان القرية بالبقاء، والاعتراف بالقرية، أو السماح لهم بالعودة لأراضيهم الأصلية. وقال: "لا مشكلة لدينا في السكنى بالقرب من أي شخص ولكن لا يمكنهم إخراجنا عنوة وإحلال أشخاص آخرين".

في قرارها الآخر، رفضت المحكمة العليا تجميد أوامر الهدم في سوسيا، وهي قرية فلسطينية في جنوب جبل الخليل في الضفة الغربية يبلغ عدد سكانها 340 نسمة. إذ بنى سكان القرية منازل على أراضيهم الزراعية في 1986 بعد أن أعلنت إسرائيل موقع القرية الأصلي في مكان قريب موقعا أثريا وأخلتهم من الأكواخ التي كانت بمثابة منازل لهم.

في 2013، قامت الإدارة المدنية الإسرائيلية، وهي قسم عسكري يتمتع بالسلطة لاستخدام الأراضي في الضفة الغربية، برفض خطة التقسيم التي كادت أن تهدي سكان القرية الإذن القانوني لبناء وتوسيع منازلهم. واستند قرار الرفض في جزء منه إلى اعتقاد الحكومة الإسرائيلية بأن مسافة القرية من أقرب مركز حضري ستُبقي سكان القرية، وخاصة النساء، رهن "دوامة الفقر"، على الرغم من أن المركز المذكور يبعد أقل من ثلاثة كيلومترات.

يطعن سكان سوسيا أمام المحكمة العليا على رفض الإدارة المدنية للخطة وقد سعوا إلى تجميد عمليات الهدم في هذه الأثناء، ولكن قرار المحكمة العليا - الصادر في ثلاث جمل فقط - يسمح للسلطات بهدم منازل القرويين دون انتظار النتيجة. ارتأت المحكمة أن الرغبة التي أبدتها السلطات الإسرائيلية في "دراسة إمكانية تعزيز خطة إقليمية بديلة" في ما يتعلق بالقرويين كانت كافية للسماح لها بالاستمرار.

وقال نصار محمود نواجا، وهو ساكن يبلغ من العمر 33 عاما من سوسيا، لـ هيومن رايتس ووتش بعد صدور حكم المحكمة العليا إنه وسكان القرية الآخرين الآن "يعيشون في خوف، لا يمكننا النوم. [ففي أي لحظة] يمكن أن يأتوا لطردنا من أرضنا، وهذا هو الكابوس".

وهناك مستوطنة يهودية - تسمى سوسيا أيضا وتشمل مجموعة من المباني في مناطق متقدمة تم بناؤها من دون ترخيص من الحكومة الإسرائيلية، تقع الآن بالقرب من الموقع الأثري، وتشمل 23 منزلا على الاقل للمستوطنين الإسرائيليين، بنيت على أراض فلسطينية مملوكة للقطاع الخاص، وفقا لريغافيم، وهي منظمة مؤيدة للاستيطان الإسرائيلي تضغط بغية مصادرة مثل هذه الأراضي. ولكن سكان القرية الفلسطينية لا يمكنهم البناء أو توسيع منازلهم بشكل قانوني على الأراضي التي يمتلكونها بسبب رفض السلطات الإسرائيلية لإعداد خطة لتقسيم المنطقة.

وقالت قمر مشرقي أسعد، محامية في حاخامون من أجل حقوق الإنسان، والتي تمثل السكان الفلسطينيين من سوسيا، قالت لـ هيومن رايتس ووتش إن منظمة ريغافيم التي تمثل سكان مستوطنة سوسيا الإسرائيلية قدمت التماسا للمحكمة العليا في 2011 لهدم القرية الفلسطينية. وجاء الالتماس بعد أن رفعت حاخامون من أجل حقوق الإنسان قضية في السنة السابقة تحث المحكمة العليا على كبح جماح العنف المزعوم الذي يمارسه المستوطنون مما منع فلسطينيي سوسيا من الوصول إلى أراضيهم الزراعية. أعلنت المحكمة 12 في المائة من أراضي السكان "مغلقة أمام الإسرائيليين"، ولكن سكان القرية يزعمون أنهم ما زالوا يواجهون عنف المستوطنين على أراضيهم المتبقية.

وقد وثقت هيومن رايتس ووتش سابقا كيف تطبق السلطات الإسرائيلية، في كل من النقب والضفة الغربية، قوانين تقسيم المناطق بطريقة تمييزية تحد كثيرا من قدرة العرب على البناء بصورة قانونية. يعيش قرابة 80 ألف بدوي تحت التهديد المستمر بالهدم في 35 قرية لا تعترف بها إسرائيل في النقب، في ظل ظروف مماثلة لأم الحيران.

في الضفة الغربية، خصصت إسرائيل 1 في المائة فقط من المنطقة الخاضعة لسيطرتها الإدارية، وتدعى المنطقة (ج)، من أجل التنمية الفلسطينية. أقرت السلطات الإسرائيلية أقل من 6 في المائة من طلبات تصاريح البناء الفلسطينية التي تلقتها من عام 2000 إلى عام 2012. وفي المقابل، وافقت السلطات الإسرائيلية على الخطط الرئيسة للمستوطنات اليهودية التي تغطي 26 في المائة من المنطقة.

وقد وجدت هيومن رايتس ووتش أيضا أن تقسيم المناطق وسياسات الهدم على يد السلطات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في بعض الحالات، يمكن أن يرقى بشكل صارخ إلى النقل القسري.

يلزم العهد الدولي الخاص بالحقوق الثقافية الاقتصادية والاجتماعية، والذي صادقت عليه إسرائيل في عام 1991، السلطات الإسرائيلية باحترام الحق في السكن الملائم. قررت محكمة العدل الدولية بأن الالتزامات الاسرائيلية بحقوق الانسان تمتد إلى الأراضي المحتلة. قامت اللجنة المسؤولة عن تفسير العهد الدولي الخاص بالحقوق الثقافية الاقتصادية والاجتماعية بالإعراب بضوح عن أن الحق في السكن اللائق يشمل الحماية من النقل غير الطوعي من منزل الشخص من قبل الدولة (والمعروف باسم "الإخلاء القسري" بموجب قانون حقوق الإنسان) ما لم تظهر الدولة أنها خطوة معقولة ومتناسبة تتوافق مع مبادئ حقوق الإنسان الأخرى. وحقيقة أن قرار الإخلاء يخضع لشكل من أشكال المراجعة القانونية لا تجعله جائزا بالضرورة بموجب قانون حقوق الإنسان. ويحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان على الدول التمييز ضد الأقليات، بما في ذلك ما يتعلق بحقوق الأرض والمسكن. ويجب أن تثبت الحكومات أن أي معاملة تفضيلية تؤثر سلبا على مجموعة ما، تتناسب مع هدف مشروع. في حالة سكان سوسيا وأم الحيران، تعتبر قرارات الترحيل القسري تمييزية نظرا لأنها تستند إلى قرارات قانون تقسيم المناطق التي تعامل السكان العرب بطريقة مختلفة عن السكان اليهود بطريقة لا يمكن تبريرها بانها هدف مشروع.

وفي حال نفذت إسرائيل خطتها لإخلاء الفلسطينيين من سوسيا، فسيكون هذا انتهاكا خطيرا لالتزاماتها بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949، ويمكن أن تتم محاكمة الأفراد المسؤولين عن هذا بتهمة ارتكاب جرائم حرب. تحظر اتفاقية جنيف الرابعة "النقل الجبري الجماعي أو [الفردي]" ما لم يكن لازما لسلامتهم أو لأسباب عسكرية ملحة. لم تبرر أي سلطة إسرائيلية، بما فيها المحكمة العليا، هذا التهجير على أنه تدبير مؤقت لحماية السكان أنفسهم أو لأسباب عسكرية ملحة.

وقالت سارة ليا ويتسن: "تتجاهل قرارات المحكمة في قضيتي أم الحيران وسوسيا القانون الدولي في دعمها لعمليات الإخلاء التمييزية من قبل السلطات الإسرائيلية في إسرائيل والأراضي المحتلة. ويجب على الحكومة الإسرائيلية تغيير سياساتها جذريا بحيث تتمتع المجتمعات العربية بنفس الفرص المتاحة للبناء القانوني كتلك التي يتمتع بها المواطنون اليهود".