زرت قرية أيزيدية جنوب دهوك يوم الأربعاء الماضي، وهي تجمّع لـ 60 أو 70 ألف شخص فارين من الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). تم إيواء بعضهم في منازل للسكان المحليين، في حين تم إيواء البقية الآخرين في فصول المدارس وساحاتها، وفي مبان قيد الإنشاء. لم يكن لديهم سوى خبز وماء، ولا شيء آخر يُذكر، وكانوا قد فروا قبل ذلك بأيام من منازلهم دون أن يأخذوا شيئا غير ملابسهم التي على ظهورهم.

في اليوم التالي، ذهب زميلي إلى القرية حيث لم يجد سوى عائلتين اثنتين، بعد أن فرّ الآلاف منهم في الليلة السابقة عقب سيطرة داعش على قرى مجاورة يسكنها مسيحيون عراقيون. ويخشى الأيزيديون، وهم أقلية ذات أصول كردية تمارس ديانة عمرها أربعة آلاف سنة، ألا تتمكن قوات البشمركة الكردية، التي تسيطر على كردستان العراق، من حمايتهم.

وكان عدد أكبر من الأيزيديين، قرابة 150 ألفًا أو أكثر، قد فرّوا صباح الأحد من سنجار والقرى المجاورة إلى جبال وعرة تقع على مسافة تتجاوز عشرة كيلومترات إلى الشمال. و بقواهناك دون موارد رزق كافية، ودون مأوى، في جبال ذات غطاء نباتي مشتت، ناهيك عن قلّة المياه وعدم وجود أماكن تحميهم من حرارة الصيف التي تبلغ 120 درجة فارنهايت. وربما تمكن أربعون ألف شخص منهم من النزول عبر الجهة الشمالية، وفروا في اليوم نفسه قبل أن تقوم داعش بمحاصرة الجبال.

وعلى امتداد الأيام التالية، تدفق بضعة آلاف منهم في مجموعات صغيرة متحدية قناصة داعش، وشقوا طريقهم إلى سوريا من جهة شمال دهوك، ثم عبروا الحدود نحو العراق بمساعدة مقاتلين أكراد سوريين.

تقابلت مع أكثر من عشرة أشخاص ممن فرّوا من الجبال، وأجريت مكالمات هاتفية مع أيزيديين آخرين محاصرين هناك. وأطلعني أحد النشطاء الأيزيديين من القرية التي زرتها على إرسالية قصيرة استلمها على هاتفه تقول: "اقترب المساء، وعليكم إرسال مروحيات من الغذاء والماء قبل الغد، وإلا فستسمعون عن مقبرة جماعية".

حصل ذلك قبل ثلاثة أيام. ثم أعلن البنتاغون يوم الجمعة أن طائرات أمريكية ألقت إمدادات من الغذاء والماء. واليوم تحدثت إلى طبيب من بين الذين مازالوا في الجبال، وقال لي إنه يوجد حوالي خمسة آلاف أيزيدي آخر في منطقة مجاورة له، وإنه لم يشاهد أي طائرات تلقي مساعدات. كما قال إن عدد الأشخاص الذين يموتون كل يوم كان بين عشرة و15 شخصًا، ثلثهم أو نصفهم من الأطفال، بسبب انعدام الماء خاصة. وكان قد توفي في ذلك اليوم أربعة أشخاص آخرين. وقال أيضًا: "لا يوجد ماء أو غذاء، ولا يوجد منقذ، ولا سبيل للخروج". وأعلمنا أنه سمع بوفاة امرأتين أثناء الولادة.

قدّم لي جميع الأيزيديين النازحين الذين تقابلت معهم نفس الرواية حول انطلاق الأحداث. فقد سمعوا إطلاق نار حوالي الساعة الرابعة فجرًا من يوم 3 أغسطس/آب، ثم بعد ثلاث أو أربع ساعات انسحبت قوات البشمركة المكلفة بحمايتهم دون مبرّر. ولما سأل أحد عناصر البشمركة من الأيزيديين قائدًا محليًا عن سبب الانسحاب، أجابه قائلا: "لم نستلم أي أوامر بالقتال". وفي اليوم التالي، قال مسعود برزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان: "قررنا أن لا نكتفي بموقع الدفاع، وأن نقاتل الإرهابيين حتى آخر نفس فينا". ولكن استنادًا إلى روايات أيزيديين، لم يكن يوجد أي "موقع دفاع" أصلا، ولا توجد أي أدلة إلى الآن حول تنفيذ هجوم كردي.

بدت إستراتيجية داعش أكثر وضوحًا منذ سيطرتها على الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، منذ شهر، وهي إفراغ المنطقة الواقعة بين الموصل ونهر دجلة غربًا من الأقليات غير المسلمة أو المسلمة من غير السنة، لأن الشيعة كانوا أيضًا هدفًا لأسلحة داعش. وأظهرت صور لـ داعش، تم توزيعها بُعيد السيطرة على سنجار، وهم يُعدمون أشخاصًا من الواضح أنهم كانوا مدنيين.

لم تظهر الصور الفظائع الأخرى التي ترتكبها داعش في حق كل من يقع في براثنها. وتحدّث ما لا يقل عن عشرة أيزيديين ممن أجريت معهم مقابلات عن قيام داعش بسبي عشرات النساء والفتيات واحتجاز عدد كبير منهن في مدرسة في تلعفر، وهي بلدة شمال غرب الموصل كانت قد سقطت في يد داعش أواخر يونيو/حزيران، بينما تم نقل البقية عبر الحدود السورية إلى مركز احتجاز في بلدة حولي التي تسيطر عليها داعش أيضًا.

قال أسعد، وهو شاب تحدثت إليه اليوم، إن داعش اختطفت 50 شخصًا من عائلته الممتدة بينما كانوا يحاولون الفرار من قرية خناصر، وأجبروهم على قيادة سيارات وعبور الحدود السورية. وترك شقيقه رعد هاتفه مفتوحًا بينما كان يقود احدى السيارات، في حين كان أسعد يقوم بشحن رصيده ببطاقات الهاتف من إربيل حتى يبقى الخط مفتوحًا. كما قال أسعد: "كنت أعمى، وكان رعد دليلي". ووصف له رعد على امتداد أربع ساعات الطريق التي أجبرتهم داعش على سلكها إلى أن عبروا نحو سويا.

كما قال أسعد إنه فقد الاتصال بـ رعد بعد ذلك، وفي اليوم التالي حاول الاتصال بأرقام شقيقه الآخر، ولكن ردّ عليه شخص آخر وقال له: "لا تتصل مجددًا، لقد أخذنا منهم هواتفهم ولا نعلم شيئًا عن مكانهم"، ثم أغلق الخط.