في الليلة السابقة على بدء نفاذ قانون "العملاء الأجانب"، قام مجهولون برش جرافيتي "عملاء أجانب! يجبون أمريكا" على بنايات فيها مقار لثلاث منظمات مجتمع مدني مرموقة في موسكو، منها منظمة ميموريال.

© 2012 Yulia Klimova/Memorial

(موسكو)  قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن الحكومة الروسية شنت حملة قمعية استهدفت المجتمع المدني في العام التالي على عودة فلاديمير بوتين إلى الرئاسة، وهي الحملة التي تُعد غير مسبوقة في تاريخ روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

يصف تقرير "قوانين للإنهاك: حملة قمع المجتمع المدني الروسي بعد عودة بوتين إلى الرئاسة" الصادر في 78 صفحة يصف بعض التغييرات التي طرأت منذ عودة بوتين إلى الرئاسة في مايو/أيار 2012. استعانت السلطات الروسية بجملة من القوانين التقييدية وبدأت في حملة شملت جميع أنحاء البلاد اشتملت على عمليات التفتيش التي انطوت على تعديات لمقار المنظمات غير الحكومية، وعلى مضايقات وترهيب وحبس نشطاء سياسيين في عدة حالات، مع السعي إلى وصم من ينتقدون الحكومة بأنهم أعداء سريين. يحلل التقرير القوانين الجديدة ومنها القانون المسمى "قانون العملاء الأجانب"، وقانون الخيانة، وقانون التجمع، ويوثق كيف تم استخدام هذه القوانين.

وقال هيو ويليامسن، مدير قسم أوروبا وآسيا الوسطى في هيومن رايتس ووتش: "تقصي القوانين الجديدة مقترنة بالمضايقات الحكومية نشطاء المجتمع المدني إلى هامش القانون. حملة القمع الحكومية تضر المجتمع الروسي وتضر سمعة روسيا الدولية".

قالت هيومن رايتس ووتش إن العديد من القوانين الجديدة وطريقة معاملة المجتمع المدني تنتهك التزامات روسيا الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

تسعى العديد من القوانين الجديدة إلى تقييد بل وحتى إنهاء أنشطة مناصرة حقوق الإنسان المستقلة، من خلال وضع حدود جديدة مستبدة على التمويل الأجنبي وعلى تكوين الجمعيات بالتعاون مع أجانب. قانون "العملاء الأجانب" يطالب المنظمات التي تتلقى تمويلاً أجنبياً والتي تنخرط حسب الزعم في "أنشطة سياسية" بأن تسجل بصفتها "عميل أجنبي". وهناك قانون آخر تم إقراره في ديسمبر/كانون الأول يحظر التمويل الصادر من الولايات المتحدة لأي نشاط "سياسي" من قبل منظمات غير حكومية، ويحظر المنظمات التي يعد نشاطها "موجهاً ضد المصالح الروسية". وهناك قانون ثالث هو قانون الخيانة، يوسع من التعريف القانوني للخيانة بطريقة قد تُجرم المشاركة في مناصرة حقوق الإنسان على المستوى الدولي.

يوثق التقرير الحملة التي عمت جميع أنحاء روسيا واشتملت على تدخلات وعمليات تفتيش حكومية لمقار مئات المنظمات، وشارك فيها مسؤولون من مكتب الادعاء ومن وزارة العدل ومن مفتشية الضرائب وفي بعض الحالات من شرطة مكافحة التطرف ومفتشية الصحة ومفتشية المطافئ. حملة التفتيش التي بدأت في مارس/آذار 2013 كانت بموجب قانون "العملاء الأجانب".

رغم أن العديد من المنظمات لم تتلق نتائج التفتيش فإن منظمتين على الأقل حدد وضعهما بأنهما أخفقتا في التسجيل بصفة "عميل أجنبي" وتم تغريم منظمات أخرى بسبب مخالفات لقواعد مكافحة الحرائق وجودة الهواء ومخالفات على هذه الشاكلة، على حد قول هيومن رايتس ووتش. تفحص المفتشون مستندات الضرائب والمالية والتسجيل وغيرها من الوثائق. وفي عدة حالات طلبوا تفتيش الحواسب الآلية والبريد الإلكتروني. وفي حالة واحدة، طلب المسؤولون أن تمدهم منظمة بإثبات على تطعيم العاملين بها ضد مرض الحصبة، وفي حالة أخرى طلب المسؤولون صور أشعة سينية للعاملين لضمان عدم إصابتهم بالسل. وفي حالة أخرى طلب المسؤولون نسخة من جميع الخطب التي وردت في ندوات ومؤتمرات المنظمة في الآونة الأخيرة.

وقال هيو ويليامسن: "تزعم الحكومة إن هذه عمليات تفتيش روتينية، لكن يبدو بوضوح أنها ليست كذلك". وأضاف: "هذه الحملة غير المسبوقة في مجالها ومستواها يبدو أنها تهدف بوضوح إلى ترهيب وتهميش منظمات المجتمع المدني. يمكن استخدام حملة التفتيش هذه لإجبار بعض المنظمات على الكف عن أعمال مناصرة حقوق الإنسان والدعوة لاحترامها، أو لإجبارها على أن تغلق أبوابها".

أول منظمة اتهمتها السلطات الروسية رسمياً بالإخفاق في التسجيل كـ "عميل أجنبي" كانت منظمة غولوس، وهي منظمة لمراقبة الانتخابات وثقت انتهاكات في الانتخابات البرلمانية في عام 2011. من المقرر أن تصدر محكمة بموسكو حُكمها في القضية في 25 أبريل/نيسان. تواجه غولوس ومديرها غرامة قصوى بمقدار 500 ألف روبل (نحو 16280 دولاراً) و300 ألف روبل (نحو 9700 دولار) على التوالي. إذا حكمت المحكمة لصالح الوزارة، فسوف تضطر المنظمة إما للتسجيل بصفة "عميل أجنبي" أو تواجه المزيد من العقوبات بموجب قانون "العملاء الأجانب".

قالت هيومن رايتس ووتش إن قانون "العملاء الأجانب" لا يزيد أثره عن "شيطنة" المنظمات في أعين الجمهور، وهي منظمات تقوم بالفعل بإبلاغ السلطات بما تتلقى من تمويل أجنبي وبأنشطتها. يجب على السلطات أن تسحب فوراً الاتهامات الموجهة إلى منظمة غولوس.

أثناء تحضير ومناقشة القوانين، قامت وسائل الإعلام الموالية للحكومة بتنظيم حملات دعائية استهدفت منظمات غير حكومية بارزة، متهمة إياها بتعزيز المصالح الغربية مقابل تلقي التمويل.

قال هيو ويليامسن: "مصطلح "عميل أجنبي" يُفهم بشكل ملتبس في روسيا كونه يعني جاسوس أو خائن، ومن الصعب تفادي الانطباع لدينا بأن السلطات الروسية عندما وضعت القانون كانت تسعى إلى نزع المصداقية عن المجتمع المدني وشيطنته، تلك المنظمات التي تتلقى تمويلاً أجنبياً".

بالإضافة إلى القوانين الموجهة إلى المنظمات غير الحكومية، فقد أخضعت الحكومة المحتوى المنشور على الإنترنت للمزيد من القيود. إثر نزع التجريم عن التشهير بنهاية رئاسة ديمتري ميدفيديف، عاد التجريم مرة أخرى بعد سبعة أشهر. يفرض قانون التجمع الجديد قيوداً على المظاهرات العامة، وينص على غرامة قصوى على من يخالفون القانون تُعد عشرة أضعاف متوسط الأجر الشهري في روسيا.

حكمت المحكمة الدستورية الروسية بأن عدة مواد بقانون التجمع غير دستورية، ورأت لجنة فينيسيا التابعة للمجلس الأوروبي أن التعديلات تمثل "خطوة للوراء على مسار حماية حرية التجمع" ودعت روسيا إلى إلغاء أو مراجعة مواد بعينها. تراجع لجنة فينيسيا حالياً قانون "العملاء الأجانب" وقانون الخيانة الجديد.

القانون الجديد الناظم لمحتوى الإنترنت يقضي بإنشاء سجل اتحادي للمواقع الالكترونية التي تستضيف صوراً جنسية لأطفال والمحتوى المتعلق بالمخدرات والمعلومات التي "تحرض الناس على الإقدام على الانتحار". تم بالفعل التصريح لعدة هيئات حكومية بتقديم عدة مواقع إلكترونية للسجل دون أوامر من محاكم.

ما إن يصبح الموقع على السجل، يُتاح لموفري خدمة استضافة المحتوى 24 ساعة لإخطار مالك الموقع برفع المواد المحظورة عنه. يحصل مالك الموقع 24 ساعة أخرى للامتثال بالقرار. إذا أخفق مالك الموقع في حذف المواد المحظورة، يتعين على موفر خدمة الإنترنت أن يقطع الخدمة في ظرف 24 ساعة. قالت هيومن رايتس ووتش إن نقص الشفافية والإشراف المستقل على إدارة السجل تثير التساؤلات من كون قانون محتوى الإنترنت الجديد قد يُساء استخدامه لأجل إسكات الانتقادات للحكومة على الإنترنت.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة الروسية أن تنهي الحملة القمعية التي تستهدف المجتمع المدني وأن تحترم الحريات المدنية والسياسية الأساسية من أجل بيئة عمل ملائمة للمجتمع المدني. عليها أن تلغي المواد القانونية شديدة التقييد وأن تنفذ توصيات الجهات مثل المجلس الأوروبي والأمم المتحدة من أجل جعل التشريعات والممارسات متفقة مع التزامات روسيا بموجب القانون الدولي.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على المجلس الأوروبي أن يطالب لجنة فينيسيا – هيئته الاستشارية بشأن الأمور الدستورية – بأن تراجع تعديلات ديسمبر/كانون الأول 2012 لقانون المنظمات غير الحكومية، وقانون محتوى الإنترنت، وقانون إعادة جريمة التشهير الجنائي، من واقع التوصل إلى مدى التزام روسيا بما عليها من التزامات بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

ويتعين على الاتحاد الأوروبي أن يستخدم السياسة الموحدة المُلزمة لدول الاتحاد الأوروبي الأعضاء الـ 27 مع روسيا، وأن تخرج مؤسسات الاتحاد الأوروبي برسالة موحدة قوية تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان للتصدي لحملة قمع المجتمع المدني في روسيا، وتذكر الدور المحوري لحقوق الإنسان في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.

وقال هيو ويليامسن: "على شركاء روسيا الدوليين أن يبددوا أي شكوك لديهم حول مدى خطورة وجسامة حملة القمع الجارية في روسيا، وأن يقنعوا موسكو بالحاجة المُلحة إلى وقف الانتهاكات".

قالت هيومن رايتس ووتش إن ثمة فرصة مهمة على شركاء روسيا أن يستغلوها في إبداء القلق حول حملة القمع، وهي الاستعراض الدوري الشامل القادم أمام مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في 29 أبريل/نيسان بجنيف.

تنشر هيومن رايتس ووتش هذا التقرير بالتنسيق مع منظمة العفو الدولية التي أصدرت تقرير "الحريات مهددة: قمع حرية التعبير وحرية التجمع وحرية تكوين الجمعيات في روسيا". تكشف المنظمتان عن الاعتداءات الجارية على حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع، وهي الاعتداءات التي زادت جسامتها خلال العام الأول من رئاسة بوتين الثالثة.