منال السعافين تحمل صورة لها مع زوجها، عبد الله، الذي منعته السلطات الإسرائيلية من العودة إلى بيته في الضفة الغربية، وذلك منذ عام 2009، بحجة أنهم "سجلوه" ضمن سكان قطاع غزة، وليس الضفة الغربية.

(القدس) – قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن السياسات الإسرائيلية المتعلقة بإجراءات إقامة الفلسطينيين أدت إلى الحرمان التعسفي لآلاف الفلسطينيين من القدرة على الإقامة والسفر إلى ومن الضفة الغربية وقطاع غزة. على إسرائيل أن تكف فوراً عن حرمان الفلسطينيين من الإقامة وعن إلغاء إقامتهم، ومعهم أقاربهم، ذوي الصلات العميقة بالضفة الغربية وقطاع غزة، وأن تكف عن الحظر المعمم على النظر في طلبات الإقامة المقدمة منهم.

تقرير "انسوه، فهو ليس هنا" الذي جاء في 90 صفحة يصف الاستبعاد القسري من قبل الجيش الإسرائيلي لمئات الآلاف من الفلسطينيين منذ عام 1967 ويوثق أثر هذا الاستبعاد المستمر على الأفراد والعائلات. الطريقة التي يمارس بها الجيش الإسرائيلي سيطرته على سجل السكان الفلسطينيين – وهو قائمة من الفلسطينيين الذين يعتبرون سكاناً شرعيين للضفة الغربية وقطاع غزة – أدت إلى الفصل بين أفراد الاسر وفقدان الأفراد لوظائفهم وفرصهم التعليمية، ومنع الأفراد من دخول الأراضي الفلسطينية، وحبس آخرين داخلها، على حد قول هيومن رايتس ووتش. كما أن سياسات مصر المنطوية على مشكلات، بشأن الفلسطينيين الذين يحاولون دخول غزة، تستند إلى سجل السكان الذي تسيطر عليه إسرائيل.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "لم تعرض إسرائيل مطلقاً منطقاً أمنياً واضحاً كسبب للسياسات المعممة التي جعلت حياة الفلسطينيين جحيماً، أولئك الذين تعتبرهم إسرائيل سكانا غير شرعيين وهم في ديارهم. السياسات القائمة تؤدي إلى تقسيم الأسر وحبس الأفراد على الجانب الخطأ من الحدود، في غزة والضفة الغربية. على إسرائيل أن تراجع هذه السياسات وأن تنظر في طلبات لم شمل الأسرة، بحيث يتمكن الفلسطينيون من العيش مع أسرهم أينما شاءوا".

تطالب إسرائيل بأن يكون الفلسطينيين مضافين إلى سجل السكان من أجل أن تعتبرهم سكاناً شرعيين، ولكي يحصلوا على أوراق الهوية التي توافق عليها إسرائيل وعلى جوازات السفر. في الضفة الغربية، يحتاج الفلسطينيون إلى أوراق هوية للتنقل داخلياً، بما في ذلك إلى المدارس وأماكن العمل والمستشفيات ولزيارة الأقارب، لأن قوات الأمن الإسرائيلية تدير نقاط تفتيش تطالب بالاطلاع على هذه الأوراق قبل أن تسمح للأفراد بالمرور. المسؤولون الإسرائيليون الذين يسيطرون على جميع حدود الضفة الغربية، يطالبون الفلسطينيين الراغبين في الدخول أو الخروج من الأراضي أيضاً بعرض بطاقة هوية أو جواز سفر للسماح لهم بالمرور.

وفي حالات عديدة، أدت التغيرات التعسفية في السياسات إلى تقسيم الأسر: مسؤولو الحدود الإسرائيليون رفضوا دخول فلسطينيين من غزة، إلى الضفة الغربية، حتى رغم أنهم سبق وكانوا يعيشون هناك أو لهم أقارب مقربين في الضفة الغربية، أو أزواج أجانب، مع حرمان الناس المقيمين في الضفة من معاودة الدخول بعد عودتهم من الخارج. في غزة، حيث تسيطر مصر على المعبر الجنوبي، يستمر المسؤولون المصريون بدورهم في مطالبة الفلسطينيين بعرض هذه الوثائق حتى يُسمح لهم بالخروج من غزة أو دخولها.

في سبتمبر/أيلول 1967، أجرت إسرائيل تعداداً في الضفة الغربية وغزة بعد ثلاثة شهور من احتلال هذه الأراضي، وأحصى التعداد 954898 فلسطينياً كانوا موجودين هناك. استبعد التعداد ما لا يقل عن 270 ألف فلسطيني كانوا يعيشون هناك قبل حرب 1967 لكن غابوا أثناء التعداد، سواء لأنهم فروا أثناء الحرب أو لأنهم كانوا في الخارج للدراسة أو العمل أو لأسباب أخرى. لم تضم إسرائيل هؤلاء الفلسطينيين إلى سجل السكان، وبعد ذلك بقليل منعت الكثيرين منهم، بينهم جميع الرجال من 16 إلى 60 عاماً، من العودة، وذكرت أنهم مستحقون لتقديم طلبات إقامة.

كما حجبت إسرائيل من السجل آلاف الفلسطينيين الذين سافروا وأقاموا في الخارج لفترات طويلة. من عام 1967 إلى 1994، فعلت هذا مع 130 ألف فلسطيني من الضفة الغربية، مما أدى لمنعهم من العيش في الأراضي الفلسطينية بصفة المقيم الدائم الشرعي. تم إجراء دراسة مسحية في عام 2005 لصالح منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية، قدرت أن أكثر من 640 ألف فلسطيني من الضفة الغربية وغزة لهم أب أو أم أو أخ أو أخت أو أبن أو أبنة أو زوج أو زوجة غير مسجلين.

كما ضيقت إسرائيل من قيودها على إقامة الفلسطينيين في سبتمبر/أيلول 2000، مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية. منعت الفلسطينيين الذين لم تسجلهم كسكان في الضفة الغربية من الدخول إليها، وبالمثل منعت الفلسطينيين غير المسجلين من دخول غزة، حيث تسيطر تماماً على جميع المعابر الحدودية مع إسرائيل ومصر، حتى عام 2005.

وكذلك منذ عام 2000، رفضت إسرائيل نظر طلبات التسجيل والإقامة المقدمة من فلسطينيين غير مسجلين، وأزواجهم وزوجاتهم وأقاربهم المقربين، حتى وإن كانوا يقيمون في الضفة الغربية أو غزة لسنوات ولهم عائلات وبيوت وأعمال وروابط أخرى هناك.

كذلك منعت إسرائيل من الدخول للضفة جميع الفلسطينيين تقريباً المسجلين كسكان في قطاع غزة، ورفضت السماح للفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية، والمسجلين في غزة، بتغيير عناوينهم المسجلة إلى الضفة الغربية. هناك نحو 35 ألف "غزاوياً" دخلوا وأقاموا في الضفة الغربية باستخدام تصاريح مؤقتة انتهى مفعولها، طبقاً للسجلات العسكرية الإسرائيلية. بموجب الأوامر العسكرية الإسرائيلية، فهم يعتبرون الآن "متسللون" غير شرعيين، في ديارهم.

منذ عام 1967، انتقل آلاف الأزواج والزوجات الأقارب المقربين لفلسطينيين مسجلين إلى الضفة الغربية، وتقدموا بطلبات إقامة من خلال عملية معروفة باسم "لم شمل الأسرة". لكن إسرائيل نظرت هذه الطلبات في بطء، وخصصت كوتة سنوية ضئيلة للطلبات المنظورة، واستخدمت معايير تعسفية أخفقت في أن تأخذ في الحسبان الروابط الأسرية والتاريخية الحقيقية، إلى أن توقفت عن نظر الطلبات بالمرة في عام 2000.

منذ عام 2000، أصبح الفلسطينيين غير المسجلين الذين سافروا إلى الخارج يُمنعون بشكل ممنهج من العودة كلما حاولوا العودة إلى الضفة الغربية، ومن بقي داخل الضفة الغربية يصبح تحت رحمة الجنود في نقاط التفتيش، الذين احتجزوهم في بعض الحالات بتهمة الإقامة في الضفة بصفة "غير مشروعة".

بررت السلطات الإسرائيلية هذه التغيرات في سياساتها إذ قالت أن الانتفاضة الثانية أسفرت عن "انهيار" التعاون مع السلطة الفلسطينية، التي تولت عام 1995 دور نقل الطلبات الخاصة بالتسجيل إلى الجانب الإسرائيلي لكي ينظر فيها ويوافق عليها. في الواقع، استمرت السلطة الفلسطينية في إحالة الطلبات، لكن الجانب الإسرائيلي رفض الفصل فيها. تلقت إسرائيل ما يُقدر بـ 120 ألف طلب من هذا النوع بين عامي 2000 و2005 ولم تفصل فيها. سياسة إسرائيل الخاصة بمنع الفصل في طلبات لم شمل الأسرة استمرت طويلاً بعد انتهاء الانتفاضة الثانية.

بين عامي 2007 و2009، فصلت إسرائيل في نحو 33 ألف طلب تسجيل، فيما وصفته بأنه مبادرة سياسية إيجابية في سياق محادثات السلام مع السلطة الفلسطينية، وفي عام 2011، سمحت لحوالي 2800 فلسطيني مسجلين كسكان في غزة بتغيير عناوينهم إلى الضفة الغربية. هذه الخطوات لم تؤد إلى معالجة التأخر في نظر الطلبات. قالت إسرائيل بأنها غير مُلزمة بنظر طلبات الفلسطينيين المتصلة بسجل السكان، ولكنها تفعل ذلك كلما شاءت. في الحالات التي رفعت فيها منظمات حقوقية إسرائيلية دعاوى ضد هذه السياسات، قالت السلطات – وقبلت المحكمة – بأنه بما أن الحظر المعمم مسألة سياسية مرتبطة بعلاقات إسرائيل بالسلطة الفلسطينية، فإن المحاكم الإسرائيلية غير مختصة بالفصل في هذه المسألة.

وقالت سارة ليا ويتسن: "على إسرائيل أن تسمح للفلسطينيين بأن يعيشوا في بيوتهم مع أسرهم، وأن يتنقلوا بحرية، وألا تتعامل مع سيطرتها على أين يقيم الفلسطينيون كورقة مفاوضات سياسية".

كما تذرعت إسرائيل بالوضع الأمني العام أثناء الانتفاضة الثانية كمبرر لرفض الفصل في طلبات الإقامة وتغيير العناوين. الهجمات التي شنتها الجماعات الفلسطينية المسلحة أسفرت عن مقتل مئات المدنيين الإسرائيليين أثناء الانتفاضة – وهي هجمات تكررت إدانة هيومن رايتس ووتش لها. لكن بعد اندلاع الانتفاضة في سبتمبر/أيلول 2000، رفضت السلطات الإسرائيلية الكثير من طلبات إقامة الفلسطينيين دون أن توضح أن الفرد المرفوض طلبه يمثل تهديداً أمنياً في كل حالة على حدة، ودون أن توفر معلومات عن أسباب رفض الطلبات لكل فرد.

لم توضح إسرائيل مطلقاً لماذا يعتبر رفضها المعمم للنظر في تغيير العناوين ولم شمل الأسرة، ضرورياً لأسباب أمنية، أو لماذا لا تفحص الطلبات بشكل فردي وتقيم في كل حالة المخاطر الأمنية. قالت هيومن رايتس ووتش إن السياسة الإسرائيلية الخاصة برفض الطلبات بشكل عشوائي وعام تتجاوز ما يمكن تبريره في القانون الدولي كخطوات ضرورية للتصدي لاعتبارات أمنية مشروعة.

سيطرة إسرائيل على سجل السكان قلص كثيراً من السكان الفلسطينيين المسجلين في الضفة الغربية وغزة، ربما بمئات الآلاف من الأفراد. هذا التقليص وقع بينما زادت إسرائيل في الوقت نفسه من عدد المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، في خرق للقانون الدولي الإنساني الخاص بحظر نقل سكان قوة الاحتلال إلى الأرض التي تحتلها.

كما تستمر إسرائيل في السيطرة على سجل السكان الخاص بسكان قطاع غزة، سنوات بعد أن سحبت قواتها البرية ومستوطناتها من هناك. منذ عام 2000 على سبيل المثال، حرمت إسرائيل فلسطينيين غير مسجلين من دخول غزة، وكانت تسيطر عليها بالكامل حتى عام 2005، وما زالت تسيطر إلى حد بعيد على حدودها حتى بعد أن تولت حماس السيطرة على السلطة في القطاع في عام 2007. أثناء تلك الفترة مر الآلاف من الفلسطينيين غير المسجلين – وكذلك أزواج وزوجات لمقيمين في غزة ولدوا في الخارج – من الحدود الإسرائيلية دون تصاريح عسكرية إسرائيلية، وذلك في العادة باستخدام الأنفاق تحت الحدود مع مصر – من أجل لم شمل الأسرة. الفلسطينيون غير المسجلين لا يمكنهم الحصول على بطاقات هوية أو جوازات سفر، وهي مطلوبة للسفر إلى الخارج. يُقدر أن 12 ألف شخص على الأقل من هذه الفئة يقيمون في غزة.

فضلاً عن ذلك، فإن السياسات المصرية كان لها أثر حصار الفلسطينيين غير المسجلين في غزة. لدى الحدود المصرية مع غزة، تحرم مصر الفلسطينيين غير المسجلين من الخروج والدخول، إذا لم تجد معهم بطاقات هوية وافقت عليها إسرائيل أو جوازات سفر، حتى ولو كانت معهم جوازات سفر أجنبية. فضلاً عن ذلك، في الأغلبية العظمى من الحالات، تحرم إسرائيل بشكل ممنهج السكان المسجلين في غزة من دخول الضفة الغربية، بغض النظر عن الصلات الأسرية أو غيرها من الصلات التي تربطهم بالضفة. تعرفت هيومن رايتس ووتش على حالات عديدة حيث انفصل الأقارب في الضفة الغربية لسنوات طويلة عن أقاربهم في غزة.

كما سبق الذكر، فمنذ توقفت إسرائيل عن قبول طلبات الإقامة وتغيير العناوين بعد عام 2000، قامت بالنظر في عدد محدد من الطلبات في سياق "مبادرة سياسية". إلا أن إسرائيل لم لا تنظر في طلبات الفلسطينيين بشكل دائم، وهناك كوتة صغيرة مخصصة لا تعالج رفض إسرائيل الإقرار بالتزامها باحترام حقوق الفلسطينيين في العيش مع أقاربهم والتنقل داخل الأراضي الفلسطينية والسفر خارجها.

وقالت سارة ليا ويتسن: "على إسرائيل أن تنشئ نظاماً فعالاً يستند إلى احترام حقوق الإنسان للفصل في طلبات الفلسطينيين الخاصة بالإقامة بشكل فردي، ومنهم من حرموا بشكل غير منصف من الإقامة القانونية، بما يمكنهم من الحصول على حق الإقامة والحقوق التي تستتبعه".