تحقيقات ومحاكمات في حق مسلمين أمريكيين تزخر بالانتهاكات
يوليو 21, 2014

(واشنطن) ـ قالت كلّ من هيومن رايتس ووتش ومعهد حقوق الإنسان التابع لقسم القانون بجامعة كولومبيا، في تقرير أصدراه اليوم، إن وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي قاما باستهداف مسلمين أمريكيين في "عمليات مخادعة" لمكافحة الإرهاب بسبب هويتهم الدينية والعرقية. يُذكر أن الكثير من القضايا المتعلقة بالإرهاب، التي تمت في المحاكم الاتحادية منذ سبتمبر/أيلول 2001، والتي يفوق عددها 500 قضية، تسببت في تنفير مجتمعات محلية قادرة على تقديم المساعدة في منع الإرهاب.

يتناول التقرير "وهم العدالة: انتهاكات حقوق الإنسان في محاكمات الإرهاب في الولايات المتحدة"، الذي صدر في 214 صفحة، قضايا إرهاب على المستوى الفيدرالي من بداية التحقيقات وحتى إصدار الأحكام، وظروف الحبس في مرحلة ما بعد الإدانة. كما يوثق التقرير الثمن الإنساني الباهظ لبعض الأعمال المتعلقة بمكافحة الإرهاب، مثل العمليات المخادعة ذات الطابع العدواني جدا والإجراءات التقييدية غير الضرورية أثناء الحبس.

قالت أندريا براسو، نائب مدير مكتب هيومن رايتس ووتش في واشنطن وأحد محرّري التقرير: "قيل للأمريكيين إن حكومتهم توفر لهم الأمن بمنع الإرهاب ومحاكمته في الولايات المتحدة، ولكن إذا دققنا النظر، سنلاحظ أنه ما كان للعديد من الأشخاص أن يرتكبوا جرائم إذا لم يلقوا تشجيعًا ودفعًا، وأحيانا تمويلا، من المكلفين بإنفاذ القانون". 


خلّصت المنظمتان إلى أن العديد من المحاكمات نجحت في استهداف أشخاص ضالعين في تخطيط وتمويل هجمات إرهابية، ولكن محاكمات أخرى استهدفت أشخاصًا يبدو أنهم لم يكونوا ضالعين في مثل هذه الأعمال عندما شرعت الحكومة في التحقيق معهم. وانطوت الكثير من القضايا على انتهاكات لسلامة الإجراءات القانونية، واتسمت بظروف احتجاز مسيئة على إثر أحكام بالسجن مطولة جدًا.

اعتمد التقرير على أكثر من 215 مقابلة مع أشخاص متهمين ومدانين بجرائم تتعلق بالإرهاب، وأفراد من عائلاتهم ومجتمعاتهم المحلية، ومحاميي دفاع، وقضاة، ومدعين عامين حاليين وسابقين، ومسؤولين حكوميين، وأكاديميين، وخبراء آخرين.

وفي بعض الحالات، ربما تسبب مكتب التحقيقات الفيدرالي في صُنع إرهابيين من بين أشخاص ملتزمين بالقانون من خلال دفعهم إلى القيام بأعمال إرهابية، أو تشجيع الأشخاص المستهدفين على ارتكاب أعمال معينة. وخلصت العديد من الدراسات إلى أن قرابة 50 بالمائة من إدانات الإرهاب الصادرة عن محاكم فيدرالية منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001 كانت ناتجة عن قضايا اعتمدت على مخبرين، و30 بالمائة منها كانت في إطار عمليات مخادعة لعب فيها مخبرون دورًا هامًا في الكشف عن مخططاتها.

وفي قضية "نيوبورج فور"، على سبيل المثال، التي واجه فيها أشخاص تهمة التخطيط لتفجير معابد يهودية ومهاجمة قاعدة عسكرية أمريكية، قال أحد القضاة إن الحكومة "جاءت بالجريمة، ووفرت وسائلها، وألغت جميع العقبات أمامها"، وأثناء المحاكمة حولت رجلا "غباءه لا يقل عن كونه على مستوى مفارقات مسرحيات شكسبير" إلى إرهابي.

وفي الكثير من المرات، قام مكتب التحقيقات الفيدرالي باستهداف أشخاص ضعفاء، بما في ذلك أفراد يعانون من إعاقات فكرية وعقلية وأفراد معوزين. وغالبًا ما تعتمد الحكومة على مخبرين، وتُعدّ المخطط بنفسها، وتقوم بإقناع الأشخاص المستهدفين، وأحيانًا تدفعهم دفعًا، إلى المشاركة فيه، وتوفر لهم الموارد لتنفيذه.

وقالت أندريا براسو: "يتعين على الحكومة الأمريكية الكف عن معاملة المسلمين الأمريكيين على أنهم إرهابيين في حالة انتظار. كما يتسم القانون الأمريكي بسقف إدانة عال جدًا يصعب معه إثبات براءة أي مشتبه فيه بالإرهاب. إضافة إلى ذلك، يستهدف أعوان إنفاذ القانون الضعفاء بشكل خاص، مثل الأشخاص الذين يعانون من إعاقات فكرية وعقلية، والفقراء جدًا، وهو ما يوفر وصفة جيدة لانتهاك حقوق الإنسان".

وعلى سبيل المثال، اعترف رضوان فردوس بمحاولة تفجير مبنى اتحادي، وتم الحكم عليه بالسجن لمدة 17 سنة. ورغم أن أحد عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي قال لوالد رضوان فردوس إنه كان "من الواضح" أن ابنه يعاني من مشاكل عقلية، قام مكتب التحقيقات الفيدرالية باستهدافه في عملية مخادعة، وأرسل له مخبرا إلى المسجد. وقام هذا المخبر مع رضوان فردوس بإعداد مخطط لمهاجمة البنتاغون والكونغرس، وقام مكتب التحقيقات الفيدرالية بتوفير أسلحة وهمية وموّل سفر رضوان فردوس. وفي فترة الكشف عن المخطط، راحت سلامته العقلية والبدنية تنهار، وصار يعاني من اكتئاب ونوبات اضطرت والده إلى الانقطاع عن العمل لرعايته.

كما استخدمت الولايات المتحدة بشكل مفرط التهم المتعلقة بتقديم مساعدة مادية، وعاقبت أعمالا لا توجد فيها أي نية لدعم الإرهاب. وقبلت المحاكم بتكتيكات صادرة عن الادعاء العام ربما انتهكت فيها حقوق المحاكمة العادلة، مثل الاعتماد على أدلة تم انتزاعها تحت الإكراه، وأدلة سرية لا يمكن الطعن في صحتها، وأدلة أخرى تتعلق بالإرهاب لا علاقة للمتهمين بها، مع مطالبة الحكومة بالسرية للحد من إمكانية الاعتراض على تراخيص المراقبة.

أحمد عمر أبو علي هو مواطن أمريكي زعم أنه تعرض إلى الجلد والتهديد ببتر أطرافه لما كان محتجزًا دون تهم في السعودية، بعد التفجيرات التي استهدفت مجمعات غربية في العاصمة الرياض سنة 2003،  فاضطر إلى تقديم اعتراف للمحققين السعوديين قال إنه لم يكن صحيحًا. وبعد ذلك، أثناء محاكمته في فرجينيا، رفض القاضي مزاعمه بالتعرض إلى التعذيب، واعتمد على اعترافه كدليل ضدّه. وتمت إدانته بالتآمر وتقديم مساعدة مادية لإرهابيين، والتخطيط لاغتيال الرئيس، وحكم عليه بالسجن المؤبد، وهو الآن يقضي العقوبة في الحبس الانفرادي في السجن مشدد الحراسة في فلورنس بولاية كولورادو.

استخدمت الولايات المتحدة في بعض قضايا الإرهاب إجراءات حبس قاسية ومسيئة بدت في الغالب مبالغًا فيها مقارنة بالخطر الأمني الذي كانت تشكله، ومنها الحبس الانفرادي لفترات طويلة، وفرض قيود شديدة على الاتصالات أثناء الاحتجاز السابق للمحاكمة، وكذلك عرقلة قدرة المشتبه فيهم على الدفاع عن أنفسهم والمشاركة في القرارات المتعلقة بالاعتراف بالذنب. كما قام القضاة بفرض عقوبات بالسجن لفترات مطولة جدًا، وواجه بعض السجناء ظروفًا قاسية بعد الإدانة، بما في ذلك الحبس الانفرادي لفترات طويلة، وفرض قيود على اتصالهم بعائلاتهم وغيرهم من الأشخاص، دون تقديم أي تفسير أو تبرير.

بعد تسعة أشهر من اعتقال أوزير باراتشا بتهمة تقديم مساعدة مادية للإرهاب، ورغم أنه رفض هذه التهمة، تم نقله إلى الحبس الانفرادي، وطبقت عليه الإجراءات الإدارية الخاصة، وهي قيود تتعلق بالأمن القومي وتُفرض على اتصاله بالآخرين، ومنعته من التواصل مع أي كان باستثناء حراس السجن.

وكتب أوزير باراتشا لمعدّي التقرير: "يُمكن أن أقضي أيامًا وأسابيع دون أن أقول أي شيء سوى "أطفئوا النور أرجوكم"، "هلا سمحتم لي بمكالمة قانونية/أعطيتموني ورق تواليت أو مادة للحلاقة...الخ" أو فقط لأشكرهم لأنهم قاموا بإطفاء النور". وبعد أن تمت إدانته، تم تعديل الإجراءات الإدارية الخاصة، وسُمح له بالاتصال بسجناء آخرين. كما كتب لمعدي التقرير: "واجهت أصعب مرحلة من الإجراءات الإدارية الخاصة عندما كنت بريئًا في نظر القانون الأمريكي".

كان لهذه الانتهاكات أثرًا معاكسًا على المجتمعات المحلية للمسلمين الأمريكيين. وتسببت تكتيكات الحكومة للوصول إلى المشتبه فيهم بالإرهاب، وأحيانًا قبل أن يثبت أن للشخص المستهدف نية لاستخدام العنف، في عرقلة الجهود الموازية لإرساء علاقات مع زعماء المجتمعات المحلية توفر مصادر معلومات هامة لمنع حدوث أعمال إرهابية.

كما تسببت هذه الممارسات، في بعض المجتمعات المحلية، في عرقلة التفاعل مع أعوان إنفاذ القانون. وقال بعض المنتمين إلى المجتمعات المحلية المسلمة إن الخوف من مراقبة الحكومة ومن اختراق المخبرين جعلهم ينتبهون إلى ما يقولون، وإلى من يقولون ذلك، وإلى وتيرة حضورهم الشعائر الدينية الجماعية.

وقالت أندريا براسو: "إن السياسات التي وثقها هذا التقرير أبعد ما يكون عن أن تحمي الأمريكيين، بما في ذلك المسلمين، من خطر الإرهاب، بل هي تسببت في إبعاد اهتمام المكلفين بإنفاذ القانون عن هذا التهديد. ويبقى من الممكن حماية حقوق الأشخاص، وفي نفس الوقت محاكمة الإرهابيين، وهو ما يزيد من فرص القبض على المجرمين الحقيقيين".