مشروع القانون ينتهك الحقوق الاساسية
يونيو 15, 2013
للسلطات مصلحة مشروعة في حماية ديمقراطية تونس الناشئة، لكن حظر الممارسة السياسية على آلاف الأشخاص دون ضرورة طوال سنوات مقبلة ليس هو الطريق إلى هذا. من شأن هذا القانون الكاسح أن يؤدي الي عزل الاشخاص وحرمانهم من حقوقهم السياسية دون فرصة حقيقية لتفنيد المزاعم المقدمة بحقهم
إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

(تونس) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على المجلس الوطني التاسيسي التونسي تعديل المسودة الأخيرة لقانون يقصد به إقصاء المسؤولين الحكوميين في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي عن المناصب السياسية لمدة 7 سنوات.
ترقى أحكام القانون المقترح وإجراءاته الإقصائية إلى مصاف القيود غير الضرورية وغير المتناسبة على الحقوق السياسية، فهو يشمل، ضمن بواعث قلق أخرى، قائمة فضفاضة بفئات الأشخاص المستهدفين بالإقصاء بناءً على انتماءاتهم السابقة، دون إمكانية للنظر في الظروف الفردية. ومن شأن مشروع القانون أيضاً أن يقصي المشمولين بالحظر عن عدد واسع من المناصب دون مبرر ، كما أنه يفتقر إلى ضمانات الإجراءات السليمة، بما فيها النص على إبلاغ المحظورين تلقائياً. ينتظر تصويت المجلس التأسيسي التونسي على المشروع في يونيو/حزيران 2013.

قال
إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "للسلطات مصلحة مشروعة في حماية ديمقراطية تونس الناشئة، لكن حظر الممارسة السياسية على  آلاف الأشخاص دون ضرورة طوال سنوات مقبلة ليس هو الطريق إلى هذا. من شأن هذا القانون الكاسح أن يؤدي الي عزل الاشخاص وحرمانهم من حقوقهم السياسية دون فرصة حقيقية لتفنيد المزاعم المقدمة بحقهم".

تم تقديم قانون تحصين الثورة في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 من قبل 5 أحزاب، من بينها حزبا النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية، المشاركان في الائتلاف الحاكم. وفي 30 أبريل/نيسان قامت لجنة التشريع العام بمجلس تونس التشريعي، وهو المجلس الوطني التأسيسي، بتبني مشروع القانون وقررت رفعه إلى الجلسة العامة للتصويت. يتطلب المشروع موافقة الأغلبية المطلقة، أو 109 من أصل 217 عضواً.

ومن شأن القانون استبعاد كافة أعضاء حكومات بن علي المتعاقبة منذ 1987 وحتى 2011، وكذلك أعضاء الحزب الحاكم السابق، التجمع الدستوري الديمقراطي، من شغل مناصب معينة بالانتخاب أو التعيين، ومن تشكيل الهيئات الحاكمة في أية أحزاب سياسية أو الالتحاق بها. ورغم انه لا توجد احصائيات رسمية فان بعض
 التوقعات تصل الي عشرات الالاف من الاشخاص.

قالت أحزاب الائتلاف الحاكم التي رعت مشروع القانون إنها تقصد حماية الديمقراطية الوليدة في تونس من اعضاء الحزب الحاكم القديم، الذين يستطيعون اللجوء إلى المحسوبية والمكانة المحلية للفوز بمقاعد واستغلال نفوذهم للتدخل في الانتخابات في المستقبل.

قالت هيومن رايتس ووتش إن البلدان التي عانت من الدكتاتورية وتكافح لتشييد مجتمعات ديمقراطية تحترم الحقوق الفردية تشعر بمخاوف مشروعة من تقويض تلك الجهود بفعل أشخاص كان سلوكهم السابق يعكس الصبغة الإجرامية أو الفاسدة أو القمعية لتلك الدكتاتوريات. ونتيجة لهذا فهناك بعض المبررات لتقييد الحقوق السياسية لبعض الأشخاص المرتبطين بالدكتاتورية السابقة في بداية العملية الانتقالية.

إلا أن المعايير الدولية تتطلب احترام شروط واضحة في القيود المفروضة على الحقوق السياسية ، والإجراءات المزمعة في مشروع القانون تنتهك تلك المعايير، بحسب هيومن رايتس ووتش.

ينبغي لأي قيود أن تكون ضرورية بهدف حماية الديمقراطية، بناءً على معايير واضحة يبينها القانون، وأن تكون متناسبة، تمس عدداً محدوداً من الأشخاص لمدة محدودة. علاوة على هذا، ينبغي لكل شخص متضرر أن يتمتع بالحماية التامة لإجراءات القضاء السليمة، بما فيها الحق في مواجهة الأدلة المقدمة ضده والطعن فيها، وفرصة تقديم أدلته الخاصة، والحق في الاستئناف أمام هيئة قضائية مستقلة.

لكن مشروع القانون، بحسب هيومن رايتس ووتش، لا يتفق مع تلك الشروط، فهو يحتوي على فئات كاسحة من الأشخاص الذين يُنتظر إقصاؤهم عن تشكيلة واسعة من المناصب المشغولة بالتعيين او الانتخاب ، بدون إمكانية التعامل مع الظروف الفردية. كما أن الحظر المفروض على كافة أشكال المشاركة السياسية يتسم بعدم الضرورة وعدم التناسب، حيث لن يجري استبعاد المعنيين من الترشح في الانتخابات التشريعية فقط، ولكن أيضاً من الانتخابات البلدية والإقليمية، وكذلك من شغل المناصب العليا في أي حزب سياسي، رغم أن الكثير من المناصب التي يجري إقصاؤهم عنها لا يمكن أن تشكل تهديداً معقولاً للديمقراطية في تونس.

من شأن مشروع القانون أن يوكل للجنة، هي الهيئة المستقلة العليا للانتخابات، تحديد الأشخاص المشمولين بالحظر من مناصب سياسية بعينها، لكنه لا ينص على إخطارآلي للأشخاص الواردين في القائمة. ينص القانون على الطعن أمام المحكمة الإدارية ، ولكن فقط لتحديد مدى انتماء الشخص إلى إحدى الفئات العريضة المحددة في القانون.

يشمل الحظر المفروض لمدة 7 سنوات الأشخاص الذين شغلوا مناصباً بعينها منذ 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 وحتى 14 يناير/كانون الثاني 2011. ويضم المعنيون أعضاء الحكومات المتعاقبة ورؤساء مجالس الوزراء، ومرشحي الحزب الحاكم السابق في الانتخابات التشريعية، بغض النظر عن فوزهم في الانتخابات من عدمه، والأمين العام للحزب ونائبه، وأعضاء المكتب السياسي للحزب ولجنته المركزية، والأمناء العامين للجان التنسيقية والقطاعات الإقليمية للحزب، ورؤساء الشعب بالحزب، وأي شخص دعا بن علي للترشح في انتخابات 2014.

ومن شأن هؤلاء أن يحظر عليهم شغل المناصب العليا ـ بما فيها الرئاسة ورئاسة ديوان الرئاسة، ورئاسة الحكومة، ورئاسة البرلمان، وعضوية البرلمان، ومنصبي محافظ البنك المركزي التونسي ونائبه، ومناصب السفير والقنصل والمحافظ. لكنهم سيقصون أيضاً عن تشكيلة واسعة من المناصب الأدنى درجة ، ومنها عضوية أي من "الهيئات الدستورية" المزمع إنشاؤها وفق الدستور الجديد، مثل المحكمة الدستورية أو مجلس القضاء الأعلى، أو أية هيئة بلدية أو محلية، أو رئاسة أو عضوية هيئات الحكم المركزي أو الإقليمي، أو الهيئة التشكيلية لأي حزب سياسي.

قال إريك غولدستين: "ما زال القانون المقترح فضفاضاً وكاسحاً، والأهم أنه لا يسمح بأخذ ظروف الشخص الفعلية في الحسبان، فمشروع هذا القانون يعامل الأشخاص الأكثر تورطاً في حكم بن علي القمعي على نحو مماثل لمن كان دورهم ضئيلاً وتركوا الحكم منذ سنوات طويلة".

للمزيد من المعلومات عن القانون المقترح يرجى متابعة القراءة أدناه.

القانون الدولي والمشاركة السياسية
كدولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تلتزم تونس بالسماح لمواطنيها "بالمشاركة في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة أو من خلال ممثلين يختارون في حرية" دون تمييز ودون قيود غير معقولة.

كما أن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي صادقت عليه تونس أيضاً، يلزم البلدان بضمان تمتع كل مواطن بالحق في المشاركة الحرة في الحكم.

وتفرض المعايير الدولية شروطاً واضحة على البلدان الخارجة من تحت نير الدكتاتورية، وعلى الخطوات الساعية إلى تقييد الحقوق السياسية لأشخاص بعينهم، كان سلوكهم السابق يعكس الطبيعة غير المشروعة للحكومات السلطوية، وهي العملية المعروفة باسم التطهير.

لا ينبغي للقيود أن تكون تعسفية، بل يجب أن تستند إلى معايير واضحة يبينها القانون وأن تكون متناسبة، تمس عدداً محدوداً من الأشخاص لمدة محدودة. في تفسير لجنة حقوق الإنسان الأممية، المسؤولة عن تفسير العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لمادته رقم 25 بشأن الحق في المشاركة في الشؤون العامة، قررت اللجنة أن "أية شروط تطبق على ممارسة الحقوق الواردة في المادة 25 يجب أن تستند إلى معايير موضوعية ومعقولة". ويقول نفس التعليق إن "الأشخاص المؤهلين للترشح في الانتخابات لا ينبغي إقصاؤهم بشروط غير معقولة أو تمييزية من قبيل التعليم أو الإقامة أو النسب، أو بسبب الانتماء السياسي".

سمحت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بقدر من السلطة التقديرية للديمقراطيات الناشئة الخارجة من فترة الدكتاتورية في فرض قيود محدودة على حق كبار أعضاء الحزب الحاكم السابق في عهد الحكومة السلطوية في الترشح للمناصب بالانتخاب، لكنها اشترطت أن تحترم هذه الإجراءات مبادئ الضرورة والتناسب وعدم التمييز والمراجعة القضائية.

ولاحظ المجلس البرلماني للمجلس الأوروبي أن تنفيذ قوانين التطهير يجب أن يضمن "الحق في الدفاع، وافتراض البراءة لحين إثبات الذنب، والحق في الطعن أمام القانون".

أوجه القصور في مشروع القانون عن تلبية المعايير الدولية

قائمة فضفاضة بالأشخاص المطلوب إقصاؤهم

يضم مشروع القانون قائمة بفئات الأشخاص الذين شغلوا مناصب معينة في ظل حكومات بن علي وسيجري استبعادهم من شغل مناصب بعينها، ومن الترشح للانتخابات التشريعية أو المحلية، ومن شغل المناصب داخل الأحزاب السياسية. ومن بين المستبعدين وزراء حكومات بن علي ورؤسائها، والمرشحين التشريعيين للحزب الحاكم السابق، وأعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية واللجان التنسيقية والقطاعات الإقليمية والمحلية بالحزب، علاوة على أي شخص دعا بن علي إلى الترشح في انتخابات 2014.

وقد تؤدي هذه الفئات الفضفاضة إلى إقصاء أشخاص ارتبطوا بطريق الصدفة أو عرضاً فقط بالحكومات السابقة. على سبيل المثال، من المعترف به على نطاق واسع أن بعض من دعوا إلى إعادة انتخاب بن علي كانوا إما مجبرين على هذا تحت الضغط، أو وجدوا أسماءهم على القائمة دون موافقتهم.

حظر واسع النطاق على النشاط السياسي

قال المجلس البرلماني بالمجلس الأوروبي في "خطوط إرشادية لضمان التزام قوانين التطهير وما شابهها من إجراءات إدارية بشروط الدولة القائمة على سيادة القانون" إنه:

يجب أن يقتصر التطهير على المناصب التي يوجد سبب وجيه للظن بأن من شأن شاغلها أن يشكل خطراً جدياً على حقوق الإنسان أو الديمقراطية، بمعنى المناصب الحكومية المشغولة بالتعيين والمنطوية على مسؤولية كبيرة عن وضع أو تنفيذ السياسات والممارسات الحكومية المتعلقة بالأمن الداخلي، أو المناصب الحكومية المشغولة بالتعيين التي يمكن فيها الأمر بانتهاكات لحقوق الإنسان و/أو ارتكابها. 

ومشروع القانون التونسي لا يتفق مع هذا الشرط، حيث أنه يحظر على الأشخاص ليس فقط شغل بعض المناصب العليا داخل الدولة، بل أيضاً عضوية الهيئات الحاكمة للأحزاب السياسية.

الاستبعاد الكاسح من ممارسة الحقوق الانتخابية

وضعت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان معياراً للاستبعاد من حقوق الترشح أعلى مما وضعته للتعيين في بعض المناصب الحساسة داخل الحكومة. وفي قضية جدانوكا ضد لاتفيا، قبلت المحكمة مشروعية تلك الإجراءات الماسة بالحقوق الانتخابية للأشخاص المعنيين. غير أنها قالت إن معيار الحكم على مدى تناسب القيود المفروضة على الحق في الترشح للانتخابات مع الهدف المشروع لحماية الديمقراطية، هو مدى تعرض الديمقراطية للخطر بفعل السلوك الراهن لشخص الطاعن.

في قضية آدامسن ضد لاتفيا، فحصت المحكمة استبعاد أحد الأشخاص من الترشح في الانتخابات البرلمانية، وحكمت بأن "تقييد الحقوق الانتخابية [...] ينبغي أن يتخذ توجها فردياً حيال كل قضية، مما يسمح بأخذ سلوك المعنيين الفعلي في الحسبان".

وعلى هذا فعلى القانون أن يسمح بالنظر في الظروف الفردية عند تقييم جواز استبعاد أحد الأشخاص من الترشح للمناصب من عدمه.

ضعف الضمانات الإجرائية

تشترط المعايير الدولية أيضاً احترام ضمانات إجرائية  اساسية عند تنفيذ قوانين الإقصاء السياسي، إذ ينبغي للشخص أن يستطيع الطعن على الإقصاء، بما فيه الحقائق المزعومة بحقه، ومدى تناسب إجراءات الإقصاء. ويخفق مشروع القانون في تلبية هذه الشروط.

بينما ينص مشروع القانون على حق الطعن أمام المحكمة الإدارية، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كان الطعن يستند إلى أسس مادية، بمعنى مدى قدرة الشخص المعني على تقديم أدلة تثبت أن سلوكه السابق أو الحالي لا يمثل خطراً على الديمقراطية. بدلاً من هذا يوحي القانون بأن دور المحكمة لن يكون إلا شكلياً، من حيث مراجعة مدى انتماء الشخص الوارد اسمه بالقائمة إلى إحدى الفئات المشمولة بالقانون.

يوحي فقه القضاء في البلدان الشيوعية السابقة بأن تقييم مدى تناسب إجراءات التطهير يجب أن يراعي الظروف الفردية تمام المراعاة، فقد حكمت المحكمة الدستورية في لاتفيا، على سبيل المثال، بأن الشخص الذي ساهم على نحو محسوس في "إحياء القيم الديمقراطية في لاتفيا [...] يقف موقفاً مختلفاً عمن عارض استقلال لاتفيا وينبغي من ثم أن يلقى معاملة مختلفة".

علاوة على هذا فإن مشروع القانون لا يوفر ضمانات كافية ضد إساءة استغلال الإقصاء، حيث لا ينص القانون على الإخطار التلقائي للأشخاص الواردين بقائمة الإقصاء، بل إنهم لن يعرفوا به إلا إذا قدموا طلباً للتحقق خلال 10 أيام من الإعلان العام عن القائمة المبدئية. ونتيجة لهذا يمكن للمدرجين في القائمة أن تضيع عليهم فرصة الطعن على استبعادهم.

ينبغي للمجلس الوطني التأسيسي مراجعة القانون، لاشتراط إخطار الأشخاص الواردة أسماؤهم بالقائمة وللسماح لهم بالطعن على القرار استناداً إلى الظروف الفردية.