اللجنة البرلمانية لم تصدر نتائج التحقيق
فبراير 14, 2013
يبدو أن السلطات العراقية تحسب أن الإعلان عن فتح تحقيق هو كل المطلوب عندما تقتل قوات الأمن المتظاهرين. على الحكومة أن تُظهِر عدم تسامحها إطلاقاً مع الانتهاكات، بأن تعلن نتائج التحقيق وتضمن أن المتسببين في أعمال القتل سيخضعون للتحقيق والملاحقة القضائية على أي استخدام غير قانوني للقوة المميتة.
جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط

(بغداد) – إن على السلطات العراقية أن تنتهي من التحقيقات الموعودة الخاصة بإطلاق الجيش النار على تسعة متظاهرين وقتلهم في الفلوجة يوم 25 يناير/كانون الثاني 2013. ينبغي على السلطات ضمان إجراء تحقيقات مستقلة في وقائع القتل، وهذا بالإضافة إلى التحقيقات الموعودة من اللجنة البرلمانية ووزارة الدفاع، وأنه في حال وجود أدلة على أعمال قتل غير قانونية، فلابد من محاكمة المتسببين فيها.

في واقعة 25 يناير/كانون الثاني، قام المتظاهرون برشق قوات الجيش بالحجارة فردت القوات بإطلاق الذخيرة الحية.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "يبدو أن السلطات العراقية تحسب أن الإعلان عن فتح تحقيق هو كل المطلوب عندما تقتل قوات الأمن المتظاهرين. على الحكومة أن تُظهِر عدم تسامحها إطلاقاً مع الانتهاكات، بأن تعلن نتائج التحقيق وتضمن أن المتسببين في أعمال القتل سيخضعون للتحقيق والملاحقة القضائية على أي استخدام غير قانوني للقوة المميتة".

كانت المظاهرات تتم بشكل منتظم في محافظة الأنبار غربي بغداد، وفي مناطق أخرى من العراق منذ 20 ديسمبر/كانون الأول 2012، عندما أمر رئيس الوزراء نوري المالكي باعتقال عشرة من الحراس الشخصيين لوزير المالية رافع العيساوي. رد المتظاهرون بتجمعات سلمية ضخمة احتجاجاً على ما وصفوه بمعاملة الحكومة الظالمة للسنة ودعوا إلى إصلاحات للتصدي لحبس المواطنين السنة مع عدم وجود أدلة تُذكر تدعم احتجازهم.

اندلعت أعمال عنف 25 يناير/كانون الثاني أثناء اعتصام في الفلوجة، وهو واحد من مواقع التظاهر المنتظمة في محافظة الأنبار. بناء على روايات إعلامية وشهادات شهود، فقد تصادم المتظاهرون مع قوات الجيش عندما بدأ المتظاهرون في رشق الجنود بالحجارة فيما كانوا في طريقهم إلى الاعتصام. رد الجنود بإطلاق الرصاص الحي؛ مما أدى إلى مقتل سبعة أشخاص، طبقاً لهذه الشهادات. هناك شخصان آخران أصيبا في إطلاق النار وماتا فيما بعد متأثرين بإصابتهما.

قالت تقارير إعلامية عراقية إن معتدين مجهولين قتلوا جنديين اثنين عراقيين في وقت سابق من اليوم عند نقطة تفتيش النعيمية. أكّد نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني وفاة المتظاهرين لكنه قال إن قوات الأمن قتلت اثنين من الأفراد الذين هاجموا نقطة التفتيش في ساعة سابقة من اليوم، وأن المتظاهرين جلبوهما فيما بعد  إلى الاعتصام لاحتسابهما ضمن قتلى رصاص الجيش.

تشير شهادات الشهود والتغطيات الإعلامية إلى أن المتظاهرين رشقوا الجنود بالحجارة وأحرقوا سيارة للجيش فارغة. قال بعض الشهود إنه كان بإمكان الجنود تفادي التعرض للضرر دون اللجوء للقوة المميتة. تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى ثلاثة متظاهرين وجندي. ولقد قدموا روايات مختلفة للمصادمات، رغم أنهم اتفقوا جميعاً على أن الجيش أطلق النار وأصاب بعض العناصر من حشد قوامه مئات المتظاهرين بعد أن بدأ المتظاهرون في رشق نقطة تفتيش يشغلها الجيش قرب الطريق السريع بالحجارة.

قال المتظاهرون إن عدد الجنود كان أكبر منهم، لكنهم رموا الجنود بالحجارة من مسافة بعيدة. قابلت هيومن رايتس ووتش شهوداً قالوا إن رغم إلقاء المتظاهرين للحجارة، فهم لم يكونوا مسلحين ولم يمثلوا تهديداً لأرواح الجنود.

قال الجنود إن مع إحساسهم بالغضب من تقارير عن هجوم سابق على نقطة تفتيش للجيش، بدأ الجنود في إطلاق النار في الهواء، وقتلوا دون قصد بعض المتظاهرين، ثم انسحب الجنود عندما بدأ المتظاهرون في رشقهم بالحجارة. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من جانبها من التأكد من تتابع الأحداث بشكل دقيق أو العدد الفعلي للإصابات والخسائر البشرية.

كما تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى موظف بمستشفى الفلوجة العام، قال إن المستشفى عالج 45 شخصاً أصيبوا بالرصاص في مظاهرات ذلك اليوم.

وفي الأيام التالية تراوحت تصريحات المسؤولين بين التعبير عن الأسف على مقتل المتظاهرين وتبرير سلوك الجيش، مع إلقاء اللوم في الواقعة على مقتل جنديين في مكان آخر بالفلوجة في وقت سابق من اليوم نفسه. في البداية أدانت وزارة الدفاع أعمال إطلاق النار وتفاوضت مع مجلس محافظة الأنبار على إبعاد القوات عن مواقع التظاهر في شتى أنحاء المحافظة. لكن فيما بعد أصدرت وزارة الدفاع والمالكي تصريحات زعمت بدرجات متباينة أن أعمال إطلاق النار كانت انتقاماً من هجوم آخر على الجنود، مع دعوة قوات الأمن إلى "الصبر" ومع تقديم التعازي للمتظاهرين القتلى والمصابين.

وبعد إطلاق النار مباشرة قال الشهرستاني، وهو رئيس لجنة وزارية شُكلت في ديسمبر/كانون الأول للتعامل مع  مطالب المتظاهرين، إن اثنين من القتلى في المظاهرة كانا من عناصر القاعدة. وقد ورد في تصريحاته أن قوات الأمن قتلت الاثنين بعد أن نفذا هجوماً قبل ذلك على نقطة تفتيش أخرى، وأن المتظاهرين حملوا جثتيهما فيما بعد إلى الميدان لإحصائهما ضمن ضحايا المظاهرة.

وفي ساعة لاحقة من يوم إطلاق النار، قال محمد العسكري، الناطق باسم وزارة الدفاع، إن الوزارة "حريصة على استجواب المخالفين داخل صفوفها بشأن حادث الفلوجة". في 29 يناير/كانون الثاني أعلنت وزارة الدفاع أنها ستفتح تحقيقاً جديداً في الأحداث وأبدت النية لمقاضاة أي جنود تتبين مسؤوليتهم عن سلوك غير قانوني. في 30 يناير/كانون الثاني قال حسين المهداني النائب البرلماني إن لجنة برلمانية قد شُكلت للتحقيق وسوف "تعلن أسماء الجناة من الجيش والمتظاهرين" "خلال 48 ساعة".

لكن حتى 14 فبراير/شباط لم تكن وزارة الدفاع أو اللجنة البرلمانية قد أعلنا عن نتائج للتحقيقات. ورغم استفسارات متكررة من هيومن رايتس ووتش، فلم يتمكن المسؤولون بوزارة الدفاع من توفير معلومات عن التقدم المحرز في التحقيقات. قال الشهرستاني لـ هيومن رايتس ووتش إنه "تلقى معلومات شفهية من" وزارة الدفاع بأنها شكلت لجنة تحقيق جديدة بالتوازي مع لجنة من الأمن الوطني من أجل "توسيع نطاق التحقيق" لكنه لم يكن على علم بالتقدم المحرز في التحقيق. تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى عدة نواب برلمانيين وأفراد من المجتمع المدني، طلبوا عدم ذكر أسمائهم، وقد قالوا إنهم لم تصلهم مؤشرات تشير إلى إجراء أية تحقيقات، سواء من وزارة الدفاع أو اللجنة البرلمانية .

إن إخفاق لجنة التحقيق البرلمانية في إعلان نتائج "تقرير الـ 48 ساعة" بعد مرور أسبوعين ونصف، يفتح المجال للتساؤل حول شفافية وحيادية لجنة التحقيق. وقالت هيومن رايتس ووتش إن مزاعم الحكومة بأن إطلاق النار كان رداً على هجوم على نقطة تفتيش، يُظهر الحاجة إلى إجراء تحقيق شفاف ومستقل، يؤدي إلى التعرف على أي فرد ارتكب جريمة ومقاضاته.

وقال جو ستورك: "نادراً ما يوجد أي مبرر لاستخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين العُزل". وأضاف: "حقيقة أننا لم نر نتائج لأي من التحقيقات المُعلن عنها تُظهر أن السلطات غير ملتزمة بضمان العدالة لمن قُتلوا".

أثناء تعامل قوات الأمن مع مختلف المواقف، لا يُسمح باللجوء إلى القوة المميتة إلا عندما لا يكون لها أي بديل لحماية الأرواح. ولقد ورد في مبادئ الأمم المتحدة الأساسية لاستخدام القوة والأسلحة النارية من قبل مسؤولي إنفاذ القانون إن قوات الأمن في هذه المواقف عليها "استخدام السبل غير العنيفة قبل اللجوء إلى استخدام القوة والأسلحة النارية"، وأنه "كلما كان لا بديل من استخدام القوة والأسلحة النارية قانوناً، فعلى مسؤولي إنفاذ القانون: (أ) ممارسة ضبط النفس في الاستخدام وأن يتصرفوا بالتناسب مع جسامة المخالفة والهدف المشروع اللازم تنفيذه. (ب) تقليص الضرر والإصابات واحترام الحياة الإنسانية والحفاظ عليها".

وقد ورد في المبادئ الأساسية أن "على الحكومات ضمان أن الاستخدام المتعسف أو المسيئ للقوة والأسلحة النارية من قبل مسؤولي إنفاذ القانون يُعاقب عليه كجريمة بموجب القانون". وأثناء أداء القوات العسكرية مهاماً مرتبطة بإنفاذ القانون، فهي بدورها تحكمها هذه القواعد.

قالت هيومن رايتس ووتش إن وعد السلطات الأوّلي بالتحقيق في الحادث كان تغيراً إيجابياً بعد تحذير المالكي في 31 ديسمبر/كانون الأول أنه "لن يسمح بالمظاهرات" التي وصفها بأنها "غير دستورية". هذه هي واقعة العنف الأولى من قبل قوات للأمن ضد متظاهرين خلال شهرين من التظاهر المنتظم في عدة مدن. قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات أن تنفذ وعدها بالتحقيق في واقعة إطلاق النار في الفلوجة يوم 25 يناير/كانون الثاني.

 

شهادات شهود بشأن أعمال العنف بمظاهرات الفلوجة في 25 يناير/كانون الثاني
طبقاً لشهود تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش، فإن بعد ظهر 25 يناير/كانون الثاني بقليل، قام نحو 10 جنود من نقطة تفتيش عسكرية بمنع الناس من بلوغ الاعتصام. قال أحد سكان الفلوجة ممن حضروا اعتصام 25 يناير/كانون الثاني وقد طلب وصفه باسم أبو ريماس، قال إن الجنود استفزوا بكلامهم مجموعة من المتظاهرين كانوا يسيرون بالقرب من الطريق السريع في طريقهم إلى الاعتصام. قال أبو ريماس إن المتظاهرين كانوا بالمئات:

كان المتظاهرون يسيرون وقد عبروا نقطة التفتيش، وكانت على مسافة منهم، وبدأ الجنود يصيحون فينا. قالوا: لماذا تحضرون إلى هنا لتطالبوا بالإفراج عن العاهرات [إشارة إلى المتظاهرات] والإرهابيين؟ أنتم إرهابيون... استفز هذا الكلام المتظاهرين وبدأ بعضهم في رشق الجيش بالحجارة فقام [الجيش] بإطلاق النار. فتح بعضهم النار على الفور، في الهواء... لكن بعض الجنود أطلقوا النار على الحشد.

قال إن المتظاهرين كانوا على مسافة قريبة بما يكفي من الجنود ليسمعوا هتافهم، لكن بعيداً بما يحول دون وصول حجارتهم إلى نقطة التفتيش.

قال: "استخدم الجيش الكثير من القوة. كان المتظاهرون بعيدون عنهم، فأعتقد إذن أنه كان بإمكانهم الوقوف حيث هم وما كانت الحجارة لتصل إليهم".

هناك متظاهر يبلغ من العمر 22 عاماً قال إنه شهد على إطلاق النار، ويُدعى عدنان جبوري. قال عدنان لـ هيومن رايتس ووتش: "كان الكثير من الناس يصيحون في الجيش. حطم بعض الناس سيارة لكنهم لم يؤذوا أحداً. ودون سابق إنذار تم إطلاق آلاف الرصاصات. راح الجميع يركضون. رأيت رجلاً يحمله آخرون والدم يسيل من وجهه وقميصه. لماذا فعلوا هذا؟"

هناك جندي عراقي كان متمركزاً في الفلوجة يوم إطلاق النار أنكر كلام المتظاهرين بأن الموقف توتر عندما منع الجيش مجموعة منهم من بلوغ موقع التظاهر. هذا الجندي الذي طلب عدم ذكر اسمه لأنه ليس مصرحاً له بالكلام علناً، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن مجموعة من المتظاهرين بدأوا في إلقاء الحجارة على نقطة تفتيش للجيش و"دمروا سيارة عسكرية". قال إن الجيش انسحب إلى موقع آخر لتفادي حجارة المتظاهرين. لكنه قال إن الجنود اعتراهم الغضب عندما سمعوا تقريراً عن هجوم في مكان آخر قتل ثلاثة جنود في الفلوجة في ساعة مبكرة من اليوم وأنهم انتقموا بإطلاق النار في الهواء لتفريق المتظاهرين؛ فأصابوا بعضهم بدون قصد.

قام أحد العاملين بمستشفى الفلوجة، وقد تحدث إلى هيومن رايتس ووتش، بوصف المشهد في المستشفى ذلك اليوم. قال الموظف الذي طلب عدم ذكر اسمه إنه استدعي للعمل بعد إطلاق النار رغم أنه كان في يوم إجازته، بسبب عدد الإصابات الكبير.

قال لـ هيومن رايتس ووتش: "عندنا ثماني حجرات عمليات وكانت جميعاً مشغولة لعدة ساعات. عندما ذهبت إلى العمل كان سبعة أشخاص قد ماتوا بالفعل، ومات اثنان آخران في اليوم التالي. أصيب 38 شخصاً. كانوا جميعاً مصابين بأعيرة نارية". وتابع: "حسبت أن العديد منهم سقطوا أو تعثروا وسط التزاحم، لكن كل واحد منهم كان مصاباً برصاصة".

منذ بداية المظاهرات في نهاية عام 2012 رداً على شكاوى المتظاهرين بإساءة معاملة الأقلية السنية على يد السلطات، تعهد الشهرستاني بإنهاء استخدام الحكومة للمخبرين السريين في احتجاز المشتبهين. أعلن عن إخلاء سبيل ثلاثة آلاف معتقل وسجين مُدان ووعد بمراجعة ملفات جميع المحتجزين والإفراج عن المشتبهين الذين لم يُدانوا في جرائم.

كما طالب المتظاهرون بوضع المحتجزين في منشآت احتجاز بمحافظاتهم، وأن تعدل الحكومة قانون مكافحة الإرهاب العراقي الذي يمنح قوات الأمن سلطات واسعة في اعتقال المشتبهين. رغم أن الحكومة أعلنت عن نيتها إجراء إصلاحات فلم توضح كيف ستتصدى للمشكلات الهيكلية المتسببة في قصور نظام العدالة الجنائية في مخالفة للقانون الدولي، مثل الاعتقالات التعسفية والاحتجاز وإساءة معاملة السجناء. لم تذكر الحكومة إذا كان القضاء قد راجع احتجاز المعتقلين الذين أخلي سبيلهم، كما يتطلب القانون الدولي، مما يلقي الضوء على انعدام الشفافية في نظام العدالة الجنائية العراقي.