يجب مراجعة القوانين التي تفرض عقوبات بالسجن بسبب "الاعتداء على الأخلاق العامة"
أبريل 6, 2012
مادامت هذه القوانين القمعية الموروثة عن فترة حكم بن علي مازالت موجودة، سوف تجد السلطات فيها ما يغريها باستعمالها كلما رأت في استعمالها فائدة سياسية.
سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تحديث بتاريخ 3 يوليو/تموز 2012: في 25 يونيو/حزيران أيدت محكمة استئناف المنستير حُكم إدانة للرجلين والعقوبات الصادرة ضدهما.

(تونس) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن حكم السجن سبع سنوات الذي صدر في 28 مارس/آذار في حق تونسيين اثنين بسبب نشر كتابات تم اعتبارها مسيئة إلى الإسلام، يعتبر مثالاً على الحاجة إلى إلغاء القوانين القمعية الموروثة عن فترة بن علي.

وكان أحد الشخصين، غازي بن محمد الباجي، قد أصدر في يوليو/تموز كتابا بعنوان "وهم الإسلام" نشره على موقع www.scribd.com، وهو موقع مجاني لنشر "الكتابات الاجتماعية". وقال غازي الباجي في مقدمة كتابه إنه ينوي الكشف عن "الوجه القبيح للإسلام". وتناول المقال بشكل ساخر جوانب من سيرة النبي محمد، وخاصة حياته الجنسية. أما جابر بن عبد الله الماجري، المتهم الثاني، فقد نشر صورًا كاريكاتورية على صفحته على موقع فيسبوك للنبي محمد مقتطفة من كتاب غازي الباجي، إضافة إلى كتابات ساخرة عن الإسلام والنبي.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "مادامت هذه القوانين القمعية الموروثة عن فترة حكم بن علي مازالت موجودة، سوف تجد السلطات فيها ما يغريها باستعمالها كلما رأت في استعمالها فائدة سياسية".

وأصدرت المحكمة الابتدائية في مدينة المهدية على الرجلين، وكلاهما يبلغ من العمر 28 عاماً، أحكامًا بالسجن وغرامات مالية بـ 1200 دينار تونسي (790 دولار أمريكي)، بعد أن اتهمتهما وأدانتهما بنشر مواد "من شأنها تعكير صفو النظام العام أو النيل من الأخلاق الحميدة" عملا بالفصل 121 ثالثًا من المجلة الجزائية، وهو فصل تم تبنيه كقانون سنة 2001.

وبينما يقبع جابر الماجري في سجن المهدية منذ 5 مارس/آذار، فرّ غازي الباجي إلى أوروبا منذ 9 مارس/آذار، وصدر في حقه حكم غيابي.

هذه ثالث قضية من نوعها، على الأقل، وجهت فيها السلطات تهمًا إلى أشخاص بسبب أشكال تعبير عن الرأي تم اعتبارها مسيئة إلى الإسلام أو الأخلاق منذ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2011.

وتمت محاكمة جابر الماجري وغازي الباجي بعد أن رفع المحامي فؤاد الشيخ زوالي، من المهدية، دعوى قضائية ضدهما في 3 مارس/آذار. واعتبر المحامي أن جابر الماجري "أساء إلى النبي محمد بواسطة صور وكتابات، وأساء إلى قيم الإسلام المقدسة، وتسبب في فتنة بين المسلمين". وقال المحامي لـ هيومن رايتس ووتش إنه رفع الدعوى بعد أن زار صفحة جابر الماجري على موقع فيسبوك ووجد الرسوم الكاريكاتورية. وكانت الدعوى الأصلية ضدّ جابر الماجري دون سواه، وتم اعتقاله في 5 مارس/آذار، ومثل أمام قاضي التحقيق في نفس اليوم.

واستنادًا إلى محضر استجواب جابر الماجري الذي اطلعت عليه هيومن رايتس ووتش، قال الماجري إن الصور والكتابات التي نشرها على موقع فيسبوك تعكس قناعته كملحد لا يؤمن بالإسلام. وأثناء مثوله أمام قاضي التحقيق للمرة الثانية في 7 مارس/آذار، قال جابر الماجري إنه تعمد الإساءة إلى صورة الاسلام والرسول من خلال نشر بعض الصور الكاريكاتورية مده بها غازي الباجي، وهو أحد أصدقائه، واعتذر على ما قام به، بحسب ما ورد في محضر الاستجواب.

وفي 9 مارس/آذار، فتحت المحكمة الابتدائية في المهدية تحقيقًا جنائيًا ضد جابر الماجري وغازي الباجي بسبب "الاعتداء على النظام العام والأخلاق الحميدة" اعتمادًا على الفصول 121 ثالثًا و226 من المجلة الجزائية، والفصل 86 من مجلة الاتصالات.

ويُجرّم الفصل 121 ثالثا من المجلة الجزائية "توزيع المناشير والنشرات والكتابات الأجنبية المصدر أو غيرها التي من شأنها تعكير صفو النظام العام أو النيل من الأخلاق الحميدة". وينص الفصل 226 مكرر على عقوبة السجن في حق كل شخص "يعتدي علنًا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة". كما ينص الفصل 86 من مجلة الاتصالات، التي تم تبنيها سنة 2011، على عقوبة السجن لمدة تتراوح بين سنة واحدة وسنتين اثنتين وبغرامة مالية تصل إلى ألف دينار في حق "كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات".

وكان غازي الباجي قد واجه مشاكل بسبب تصريحاته وتصرفاته التي تعكس قناعته الإلحادية. وقال غازي الباجي في مكالمة هاتفية مع هيومن رايتس ووتش:

في 5 مارس/آذار، أعلمني أحد أقاربي أنه تم اعتقال صديقي جابر الماجري في المهدية بسبب كتاباته التي تم اعتبارها كُفرًا. قررت الفرار إلى ليبيا، ولكنني لم أبق هناك إلا يومًا واحدًا لأن الوضع لم يكن آمنًا، وعدت إلى تونس. وفي 9 مارس/آذار، وبينما كنت في منزل أجدادي، اتصلت بي والدتي عبر الهاتف ونصحتني بأن لا أعود إلى المنزل لأن الشرطة كانت تبحث عني هناك، ولذلك قررت الفرار.

كنت قلقًا على سلامتي لأنه قبل ذلك بأسابيع بدأت تصلني مكالمات هاتفية فيها تهديدات بالقتل وبدأت تُوجه إلي شتائم عندما أسير في الشارع. شعرت أنني صرت منبوذًا من قبل أصدقائي. اتجهت في البداية إلى الجزائر، ولكنني لم أشعر بالأمان هناك فقررت السفر إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.

وقال غازي الباجي، وهو مهندس فلاحي، إنه قرر تأليف كتابه بعد أن تم طرده من عمله في محطة للقطار ثم مرة أخرى من عمله في أحد المصانع. وعزا غازي الباجي عمليات الطرد من العمل إلى زملائه الذين لم يقبلوا بإلحاده وتعليقاته المنتقدة للإسلام، ورفضه الصيام في شهر رمضان. 

وبعد أن صدر ضده حكم غيابي، مازال يحق لـ غازي الباجي بموجب القوانين التونسية الحصول على محاكمة جديدة إذا سلّم نفسه إلى السلطات. ولكن ربما يقرر القاضي وضعه قيد الاحتجاز قبل المحاكمة، تمامًا كما فعل في قضية جابر الماجري. ويحق لـ جابر الماجري استئناف الحكم الصادر في حقه، ولكنه لم يعلن بعد ما إذا كان سيقوم بذلك.

وفي قضية أخرى تتعلق أيضا بتعبير عن الرأي تم اعتباره مسيئًا، أمضى نصر الدين بن سعيدة، مدير جريدة التونسية اليومية، في فبراير/شباط الماضي، ثلاثة أسابيع رهن الاحتجاز قبل المحاكمة، ثم أُطلق سراحه في 8 مارس/آذار وحكم عليه بدفع غرامة مالية قدرها ألف دينار (657 دولار أمريكي) بسبب نشر صورة للاعب كرة قدم صحبة صديقته وهي شبه عارية.

وتواصل السلطات محاكمة نبيل القروي، مدير قناة نسمة تي في، اعتمادًا على الفصل 121 ثالثًا من المجلة الجزائية، بسبب بث فيلم برسيبوليس الذي تضمن مشهدًا يجسد الذات الإلهية التي يعتقد العديد من المسلمين أنها محرمة في الإسلام. وبعد أن تم توجيه التهم إليه في أكتوبر/تشرين الأول 2011، مازال نبيل القروي حرا بعد أن تم تأجيل محاكمته عدة مرات.

وعملا بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا يمكن للحكومات تقييد الحق في حرية التعبير لحماية الآداب العامة الا إذا كانت القيود المفروضة تستجيب لشروط الضرورة والتناسب، ولا تكون تمييزية، حتى لو كان التعبير متعلقًا بالدين أو المعتقد. ولكن القوانين التي تستعملها السلطات التونسية لمحاكمة أشخاص في مثل هذه القضية تبقى قوانين فضفاضة، وسمحت للسلطات بمعاقبة الأشخاص فقط على أسس رأت فيها إساءة إلى الإسلام.

ورأت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في تعليقها العام على المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية سنة 2011، أن الحق في حرية التعبير يكفل التعبير الذي يمكن اعتباره مسيئا أو مؤذيًا لمعتنقي إحدى الديانات ما لم يرق التعبير إلى "الدعوة إلى الكراهية القومية أو العرقية أو الدينية التي تمثل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف". وتعتبر لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الجهة المكلفة بتأويل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وفي ما يتعلق بالحق في حرية الفكر والدين، الذي تكفله المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سنة 1993 أن المادة 18 "تحمي المعتقدات التوحيدية وغير التوحيدية، وكذلك الحق في عدم اعتناق أي دين أو عقيدة".

يعكف المجلس الوطني التأسيسي في تونس حاليًا على صياغة دستور جديد سوف يضع المبادئ التي يتم على أساسها مراجعة قوانين البلاد لاحقًا.

وقالت سارة ليا ويتسن: "ربما أساء جابر الماجري وغازي الباجي إلى بعض التونسيين بسبب ما قاما بنشره، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك سببًا لسجنهما. يجب على المجلس الوطني التأسيسي صياغة دستور يوفر ضمانات قوية لحرية التعبير والفكر ويوفر قاعدة لإلغاء عقوبة السجن فيما يتعلق بجرائم التعبير".