امرأة تركية تردد شعارات في 8 مارس/آذار 2009 باسطنبول حيث تجمعت أكثر من 5 آلاف سيدة للاحتفال باليوم العالمي للمرأة. اللون البنفسجي يرمز إلى "النسوية" في تركيا.

© 2009 Getty Images

(إسطنبول، 4 مايو/ أيار، 2011) ـ قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن نظام الحماية التركي المعيب ضد العنف الأسري يترك النساء والفتيات في جميع أنحاء البلاد دون حماية ضد العنف الأسري. لا تتاح تدابير الحماية المعدة لإنقاذ الحياة، بما في ذلك أحكام المحاكم الخاصة بالحماية وتوفر مآوى الطوارئ، لكثير من ضحايا العنف بسبب الثغرات القانونية، والثغرات في التنفيذ.

التقرير الصادر في 58 صفحة، تحت عنوان "إنه يحبك.. إنه يضربك: العنف الأسري في تركيا والوصول إلى الحماية"، يوثق للعنف الوحشي وطويل الأمد ضد المرأة والفتيات من قبل الأزواج، والشركاء، وأفراد الأسرة، وكفاح الضحايا التماسا للحماية. تركيا لديها قوانين حماية قوية، والتي تحدد متطلبات الحماية للنساء المعنفات وأوامر الحماية القضائية. ورغم ذلك، فالثغرات القانونية وفشل الأمن والنيابة العامة والقضاة وغيرهم من المسئولين في إنفاذ القانون، يجعل نظام الحماية غير معلوم النتيجة في أفضل الأحوال، وفي بعض الأحيان يكون خطيرا بمعنى الكلمة.

وقالت جوري فان جوليك، الناطقة باسم قسم حقوق المرأة والباحثة في هيومن رايتس ووتش ومؤلفة التقرير: "مع وجود قوانين قوية في هذا الصدد، فإنه أمر لا يغتفر أن السلطات التركية تحرم ضحايا العنف الأسري من الحماية الأساسية". مضيفة: "شهدت تركيا إصلاحا نموذجيا في مجال حقوق المرأة، لكن البوليس والنيابة والقضاة والأخصائيين الاجتماعيين، في حاجة لجعل النظام مطبقا على مستوى الممارسة العملية، وليس فقط على الورق".

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع نساء وفتيات يناهزن 14 إلى 65 عاما، اللاتي وصفن تعرضهن لاغتصاب؛ وطعن؛ وركل بطون الحوامل؛ وضرب بالمطارق؛ والعصي؛ وأفرع الشجر؛ والخراطيم، لدرجة إحداث كسور في العظام وتهشيم الجماجم؛ وحبسهن مع الكلاب أو غيرها من الحيوانات؛ والتجويع؛ وإطلاق النار ببندقية صاعقة؛ والحقن بالسموم؛ والدفع من الأسطح؛ فضلا عن التعرض للعنف النفسي الشديد. وقعت أحداث العنف في جميع الأنحاء التي أجرى فيها الباحثون المقابلات، وعبر مختلف مستويات الدخل والتعليم.

ويأتي هذا التقرير في الوقت الذي يوشك فيه مجلس أوروبا على اعتماد اتفاقية إقليمية حول العنف ضد المرأة والعنف الأسري. ولعبت تركيا دورا مهما في صياغة الاتفاقية باعتبارها الرئيس الحالي للجنة الوزراء، ومن المقرر توقيع الاتفاقية في قمة إسطنبول في 11 مايو/ أيار، 2011.

تعاني حوالي 42% من النساء فوق سن الـ 15 في تركيا و47 % من نساء المناطق الريفية من العنف البدني والجنسي على أيدي الأزواج أو شركائهن في مرحلة ما من حياتهن، وفقا لاستطلاع أجرته جامعة تركية هامة في 2009.

ويستند التقرير إلى ملفات قضايا ومقابلات مع 40 امرأة في فان وإسطنبول وطرابزون وأنقرة وأزمير وديار بكر، وعشرات اللقاءات مع محامين ومنظمات نسوية وأخصائيين اجتماعيين ومسئولين حكوميين، وغيرهم من الخبراء.

وقالت سيلفي ت، وهذا ليس اسمها الحقيقي، التي أجبرت على الزواج في الثانية عشرة، وأساء زوجها معاملتها لسنوات، "أول مرة، ضربني، ركل الطفل الذي في بطني، وألقى بي من أعلى السطح".

دخلت تركيا في طليعة البلدان التي تقدم آليات مدنية للحماية من العنف الأسري بإقرار قانون حماية الأسرة رقم 4320 لعام 1998. هذا القانون، الذي تم تعديله في 2007، أقر نظام حماية بموجبه فإن الشخص الذي يتعرض لأذى من قبل أحد أفراد الأسرة طالما كانوا تحت سقف واحد، رجلا كان أم امرأة، يمكنه التقدم بطلب (رفع دعوى قضائية) مباشر أو عن طريق النائب العام للحصول على حكم من محكمة الأسرة.

الأحكام بإمكانها، من بين أمور أخرى، أن تقضي بإخلاء الجاني للمنزل، والابتعاد عن الضحية وأطفالها، وتسليم الأسلحة، والكف عن العنف، والتهديد، وإتلاف الممتلكات، أو الاحتكاك بالضحية. ويهدف النظام لاتخاذ إجراءات سريعة، في غضون أيام على الأكثر، لأن الأشخاص الذين ينطبق عليهم ذلك يكونون في حالات خطيرة للغاية. رغم ذلك، يرصد التقرير أوجه قصور فادحة في قانون 4320. يستبعد القانون فئات معينة من النساء تماما، مثل النساء المطلقات وغير المتزوجات. في كثير من الحالات يتجاهل البوليس والنيابة والقضاة واجبهم تجاههن. وقال العديد من النساء إن ضباط الشرطة استهزئوا بهن وأعادوهن للمعتدين عليهن في منازلهن، بدلا من تقديم المساعدة لهن وتوفير أحكام الحماية، وأن وكلاء النيابة والقضاة يتباطئون في استصدار أوامر الحماية، أو أن طالبات الحماية لا يملكن الأدلة الصحيحة التي يتطلبها القانون.

وقالت فان جوليك: "إن وحشية أفراد الأسرة المفرطة التي تقع على النساء أو الفتيات سيئة بما فيه الكفاية، لكن الأسوأ أن تعرف أن المرأة التي تجد الجرأة للهرب وطلب الحماية قد تتعرض للإهانة وترغم على العودة إلى المسيء بحقها".

تعتبر مآوى النساء والأطفال عنصرا هاما آخر في استجابة تركيا لمواجهة العنف الأسري. يقضي قانون البلديات بأن كل بلدية يبلغ عدد سكانها 50000 نسمة فأكثر أن تدعم بمأوى، لكن الحكومة قصرت كثيرا في تحقيق هذا المطلب. وفضلا عن ذلك، أفادت نساء هيومن رايتس ووتش بأن بعض المآوى الموجودة أوضاعها مزرية والإجراءات الأمنية فيها غير كافية. في الواقع، ففي بعض المآوى سمح الموظفون للمعتدين بالدخول وحثوا النساء على التصالح مع المعتدين.

وتعكس تجربة سيلفي ت. العديد من هذه المشكلات. كان زوجها قد ضربها واغتصبها مرارا لسنوات، ملحقا بها إصابات خطيرة، ومع ذلك أعادها البوليس إلى منزلها مرات عديدة عندما طلبت الحماية. وحين هربت أخيرا إلى مأوى، أخبر البوليس زوجها على مكانها، وسمح موظفو المأوى للزوج بالوصول إليها وشجعوها على الصلح معه.

في 7 مارس/ آذار، أعلنت فاطمة شاهين، عضو حزب العدالة والتنمية في البرلمان عن مدينة غازي عنتاب، في جنوب شرق تركيا، اقتراحا بتعديل قانون حماية الأسرة، عقب مشاورات مع مجموعات نسوية. التعديلات المقترحة معروضة على البرلمان.

ومن شأن تلك التعديلات توسيع نطاق الحماية لتشمل النساء المرتبطات بعلاقة لكنهن غير متزوجات. وأن تتوجه التعديلات لوزارة الداخلية لتقديم الدعم المالي للمستفيدين من أمر الحماية. كما أن التعديلات من شأنها تحسين التدابير الرامية لحماية المعلومات الخاصة بالضحايا، بما في ذلك عناوينهم إذا ما انتقلوا. وتوفر للشرطة النظامية والعاملين لدى الضباط في وحدات النيابة العامة تدريبا ومهارات في التعامل مع العنف الأسري. كما ستسمح للنيابة العامة بمنح أوامر الحماية خارج ساعات عمل المحكمة، لتعرض في وقت لاحق لموافقة القاضي.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على تركيا أن تسد الفجوات في قانون حماية الأسرة بنصوص بحيث يصبح من الوارد إصدار أوامر الحماية لغير المتزوجات والمطلقات، بما في ذلك النساء اللاتي تزوجن زيجات دينية غير مسجلة.

وأضافت هيومن رايتس ووتش أنه على وزارتي العدل والداخلية إنشاء وحدات مخصصة في أقسام الشرطة ومحاكم الأسرة ودعمها بموظفين متخصصين حتى يتمكنوا من إدماج النساء في الحياة العامة والتعامل مع متطلبات حمايتهن. وعلى وزارة الداخلية أيضا وضع آلية لتقديم الشكاوى لضباط شرطة محددين، ووكلاء النيابة، والقضاة الذين لا يلتزمون بالقانون أو الذين يسيئون معاملة الناجين من العنف الأسري.

بشكل عام، فمراقبة نظام إصدار أوامر الحماية، مع توفر بيانات متاحة علنا، أكثر تحديدا، عن استخدام هذا النظام. كما أن هناك حاجة للمزيد من المآوي، وعلى وزارتي الداخلية والعدل استكمال وتطوير التدريب لضباط الشرطة، وللنيابة العامة والقضاة على متطلبات الممارسة العملية لقانون 4320، ولكل موظف في هذه العملية.

وقالت فان جوليك: "في الوقت الذي توشك فيه تركيا على استضافة حكومات من جميع أنحاء أوروبا لتقديم تعهد ملزم لإنهاء العنف ضد المرأة، يجب على الحكومة التركية اتخاذ نظرة أمينة على أوجه قصورها الخاصة"، مضيفة: "تركيا بحاجة إلى إجراء تغييرات بحيث يرقى نظام الحماية من العنف الأسري إلى مستوى المعاهدة الجديدة في التخطيط والتطبيق على حد سواء".