© 2010 Human Rights Watch

(بيروت) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن التساؤلات والمخاوف الجدّية إزاء التزام نظام العدالة العراقيبالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة،  تسلط الضوء على ضرورة فرض تجميد على عقوبة الإعدام على وجه السرعة.

قامت السلطات العراقية بإعدام ستة سجناء دون سابق إنذار في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2012، ثم قامت بإعدام 11 سجيناً في 7 أكتوبر/تشرين الأول، ثم ستة آخرين في 8 أكتوبر/تشرين الأول. طبقاً لبيان صادر عن مسؤولين بوزارة العدل يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول، فقد أعدمت السلطات العراقية 23 شخصاً أدينوا في "جرائم جنائية وإرهابية" وذلك منذ 4 أكتوبر/تشرين الأول، ليبلغ إجمالي عدد الذين تم إعدامهم حتى يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 119 شخصاً في عام 2012 ، ليصبح العراق في مصاف أولى الدول التي تستخدم عقوبة الإعدام في المنطقة.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "إصرار السلطات العراقية على تنفيذ هذه السلسلة المشينة من عمليات الإعدام مع عدم استعدادها لكشف إلا أقل المعلومات الممكنة عنها، هو تأكيد على الطبيعة غير الشفافة والمقلقة لنظام العدالة العراقي. بدلاً من إعدام الناس، كان على السلطات العراقية أن تُركز على إصلاح نظمها الأمنية والقضائية من أجل حماية مواطنيها من انتهاكات حقوق الإنسان المتزايدة".

لدى ظهور احتجاجات واعتراضات على عقوبة الإعدام يقول المسؤولون العراقيون أن الإعدام كعقوبة من التقاليد المقبولة في العراق. إلا أن تفشي المحاكمات غير العادلة والتعذيب أثناء الاحتجاز، لا سيما فيما يتعلق بأمن الدولة، وفي قضايا الإرهاب، هو أمر يثير المخاوف ويجعل نقص الشفافية في عمليات الإعدام بالعراق مسألة مثيرة للاستهجان، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

وفرت وزارة العدل تفاصيل قليلة عن الأفراد الذين تم إعدامهم في الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين. صدر بيان في ذلك اليوم لم يرد فيه غير اسم شخص واحد فقط من المعدومين، هو عبد الرحمن ياسين تركي، وقيل إنه أدين بتفجير سيارة مفخخة قرب وزارة الخارجية عام 2009. ورد في بيان الوزارة أن شخص آخر من الجاري إعدامهم كان أحد السجناء الهاربين من سجن تكريت في نهاية سبتمبر/أيلول، وقد أوقفته قوات الأمن مرة أخرى مؤخراً. لم يوفر البيان تفاصيل إضافية عن هويات المُنفذة فيهم أحكام الإعدام الآخرين، ولم يُذكر إلا أنهم مُدانين بجرائم يُعاقب عليها بقانون مكافحة الإرهاب العراقي. لم توفر الوزارة تفاصيل عمن تم إعدامهم في 7 أكتوبر/تشرين الأول، واقتصرت تصريحاتها على أنهم أدينوا بجرائم إرهابية بعد أن نفذوا عمليات قتل وتفجير ضد الشعب العراقي. في بيان صدر في 8 أكتوبر/تشرين الأول أعلنت الوزارة الحروف الأولى من أسماء اثنين من المعدومين، زاعمة أنهما أُدينا في جرائم اختطاف وقتل. أُدين الأربعة الآخرين في جرائم متعلقة بالإرهاب، طبقاً للبيان، الذي لم يكشف بخلاف ذلك عن معلومات عمن تم إعدامهم يوم الاثنين.

وقال جو ستورك: "ينبغي على الحكومة أن تكشف عن هويات وأماكن وأحوال جميع السجناء المُنتظر تنفيذ أحكام الإعدام فيهم، وأن توضح الجرائم التي أدينوا بها، والأدلة التي تدعم إدانتهم، وأن تُعلن عن أية عمليات إعدام وشيكة".

قانون مكافحة الإرهاب العراقي الصادر في عام 2005 يفرض عقوبة الإعدام على "كل من ارتكب... الأعمال الإرهابية" وكذلك "المحرض والمخطط والممول وكل من مكن الإرهابيين من القيام بالجرائم الواردة في هذا القانون". هذه التعريفات الفضفاضة للغاية تسمح للسلطات العراقية بفرض عقوبة الإعدام بشكل متعسف حتى على حالات الاحتجاج السياسي السلمي التي قد تضمها إلى زمام "الإرهاب"، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

كانت السلطات العراقية قد قامت في أغسطس/آب 2012 بإعداممحتجز سعودي وآخر سوري، بالإضافة إلى 24 عراقياً أدينوا باتهامات "متعلقة بالإرهاب". في 2 أكتوبر/تشرين الأول ذكرت صحيفة "سعودي غازيت" وهي منفذ إعلامي إقليمي، أن السلطات في سجن بغداد أخبرت ستة سجناء أجانب أنهم سيُعدمون قبل عيد الأضحى، الذي يبدأ في 25 أكتوبر/تشرين الأول. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تأكيد أن أي من هؤلاء السجناء كانوا بين الأشخاص الستة الذين تم إعدامهم. أفادت الـ بي بي سيأن أحد المعدومين الـ 11 في 7 أكتوبر/تشرين الأول كان جزائري الجنسية.

بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، التي صدق عليها العراق في عام 1963، لابد من أن يُتاح للمسؤولين القنصليين أو من ينوب عنهم بزيارة مواطني دولتهم في السجن، أو المحتجزين أو الجاري التحفظ عليهم طرف السلطات، والتخاطب معهم ومراسلتهم فيما يخص ترتيبات التمثيل القانوني.

أفادت وسائل إعلام عراقية إنه ما زال هناك العديد من الأجانب في السجون العراقية، وأن مسؤولاً بالأمم المتحدة طلب من وزير العدل إمداده بمعلومات عن سبب إعدام بعض السجناء من الدول الأخرى مؤخراً. بعضهم – وكانوا قد دخلوا العراق بصفة غير شرعية – قد حُكم عليهم بالسجن 15 عاماً، حسبما أفادت تقارير إعلامية. تم الحُكم على آخرين بالإعدام بعد إدانتهم في جرائم إرهابية. قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة أن تُعلن عن معلومات بعدد المحتجزين الأجانب الذين تتحفظ عليهم.

تفرض القوانين العراقية عقوبة الإعدام في 48 جريمة، منها ما ورد في قانون مكافحة الإتجار بالبشر الصادر في أبريل/نيسان، وعدة جرائم أخرى يتجاوز العقاب فيها بالإعدام نطاق المعايير الدولية، التي تقصر استخدام الإعدام في البلدان التي ما زالت تطبقه على "الجرائم الأكثر جسامة". نادراً ما تُعلن السلطات العراقية عن عمليات الإعدام قبل تنفيذها.

هذه الزيادة الملحوظة في عمليات الإعدام حتى الآن في عام 2012 – وكانت 62 عملية إعدام العام الماضي – دفعت بعض النشطاء العراقيين ونواب البرلمان العراقي من لجنة حقوق الإنسان البرلمانية إلى أن يخمنوا أن السلطات العراقية تستخدم الإعدام لإخلاء السجون العراقية من السجناء الذين قد يستفيدون من قانون العفو الثائر الجدل حوله والجاري نقاشه في البرلمان. أنكر وزير العدل حسن الشمري هذه المزاعم. حللت هيومن رايتس ووتش عدة مسودات من القانون، الذي من شأنه منح العفو لجملة من المخالفين، بغض النظر عن الأحكام الصادرة بحقهم. لكن القانون لا يعفو عن المُدانين في جرائم الإرهاب. كان من المقرر أن يصوت البرلمان على مشروع القانون يوم الاثنين، لكن حتى كتابة هذه السطور لم تتوفر معلومات عمّا إذا كان البرلمان قد مرّر القانون أم لا.

يطالب القانون الدولي لحقوق الإنسان في حال عدم إلغاء الدول لعقوبة الإعدام، أن تلتزم بعدم فرض هذه العقوبة إلا في الجرائم الأكثر جسامة، وبعد التزام وثيق ومشدد بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، بما في ذلك كفالة حق المدعى عليهم في توكيل الدفاع المناسب، وافتراض البراءة حتى ثبوت الذنب، وعدم الإلزام بالاعتراف بالذنب. قالت هيومن رايتس ووتش إن المحاكمات في العراق غالباً ما تخرق هذه الحدود الدنيا.

تعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في جميع البلدان من حيث المبدأ نظراً لتعارض عقوبة الإعدام مع الكرامة الأصيلة الملازمة لكل إنسان. يعتبر هذا النوع من العقاب فريداً في قسوته ونهائيته، كونه لا رجعة عنه، وهو على مستوى العالم تعتوره شبهات التعسف والتحيز والخطأ.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على حكومة العراق فرض تجميد فوري على جميع عقوبات الإعدام التي لم تُنفذ بعد، وأن تصدر تجميداً علنياً ودائماً على أي استخدام للإعدام أو أن تلغي عقوبة الإعدام برمتها بالتصديق على البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما يجب أن تأمر السلطات العراقية بتحقيق مستفيض ومحايد في عمليات الإعدام التي تمت هذا العام.

وقال جو ستورك: "للعراق اعتبارات أمنية مشروعة، لكن الإعدام التعسفي للسجناء لن يجعل البلاد أكثر أمناً". وأضاف: "لجوء الدولة للإعدام لن يؤدي إلا لزيادة العنف في المجتمع. إن استمرت معدلات الإعدام على هذا النحو، فسرعان ما سوف يحتل العراق المرتبة الثالثة بين الدول المستخدمة للإعدام على مستوى العالم".