محنة السجناء تشير إلى الحاجة إلى إصلاحات عاجلة
يونيو 21, 2012
تجربة السجناء في جنوب السودان تكشف عن عيوب خطيرة في نظام العدالة الناشئ. جنوب السودان دولة جديدة في حاجة ماسة إلى نظام عدالة فاعل يحافظ على حقوق وكرامة الإنسان. نظام العدالة يمثل عنصراً أساسياً في تثبيت حكم القانون والمساءلة.
دانييل بيكيل، مدير قسم أفريقيا

(جوبا) – قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن الإجراءات المعيبة والحبس غير القانوني والأوضاع الصعبة في سجون جنوب السودان تعكس الحاجة إلى تحسين نظام العدالة هناك على وجه السرعة.

يوثّق التقرير، الذي يحمل عنوان "’السجن ليس لي‘: الحبس التعسفي في جنوب السودان"، والمؤلف من 105 صفحات، يوثق انتهاكات حقوق إجراءات التقاضي السليمة ، وأنماط حرمان الأفراد من حريتهم بصورة خاطئة، والأوضاع القاسية وغير المقبولة التي يعيشها نزلاء السجون. أجرت هيومن رايتس ووتش البحث موضوع التقرير خلال فترة عشرة شهور بدأت قبل استقلال جنوب السودان في 9 يوليو/تموز 2011 وامتدت إلى ما بعد حصول الجنوب على استقلاله. 

وقال دانييل بيكيل، مدير قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "تجربة السجناء في جنوب السودان تكشف عن عيوب خطيرة في نظام العدالة الناشئ. جنوب السودان دولة جديدة في حاجة ماسة إلى نظام عدالة فاعل يحافظ على حقوق وكرامة الإنسان. نظام العدالة يمثل عنصراً أساسياً في تثبيت حكم القانون والمساءلة".

أجرت هيومن رايتس ووتش البحث، الذي ارتكز التقرير على نتائجه، في 12 من جملة 79 سجناً بالمناطق التي يوجد بها عدد أكبر من النزلاء. كما أجرت لقاءات مع ما يزيد على 250 نزيلاً وعدداً من المسؤولين القضائيين وضباط مصلحة السجون والشرطة وأعضاء النيابة والسلطات التقليدية.

ووثّق باحثو هيومن رايتس ووتش مجموعة من الإخفاقات التي تبعث على القلق في نظام العدالة الجنائية.

ثلث العدد الكلي لنزلاء السجون في جنوب السودان، البالغ عددهم نحو 6000 نزيل، لم تتم إدانتهم بارتكاب أية مخالفة، وفي بعض الحالات لم يتم حتى اتهامهم بارتكاب مخالفة، لكنهم يخضعون للحبس لفترة طويلة في الغالب بانتظار الشرطة والنيابة والقضاة للنظر في قضاياهم.

الغالبية الكبرى من السجناء ليس لديهم محامون للدفاع لأنهم لا يستطيعون تحمل أتعاب المحاماة، كما أن جنوب السودان يفتقر إلى وجود نظام فاعل في مجال تقديم المساعدة القانونية للمتهمين. وكشفت هيومن رايتس ووتش عن أن القضاة يصدرون أحكاماً بالسجن لفترات طويلة، وحتى بالإعدام، على أشخاص لا يستطيعون فهم طبيعة التهم الموجهة ضدهم أو استدعاء وتحضير شهود دفاع في ظل عدم امكانية استعانتهم بمحام.

الشعور بالإحباط والارتباك تجاه نظام العدالة الجنائية أمر سائد بين السجناء؛ فقد قال نزيل متهم بارتكاب جريمة قتل لـ هيومن رايتس ووتش: "ظللت محبوساً هنا لمدة خمس سنوات... ولم أر قاضياً. المحكمة لم تعلن موعداً للنظر في القضية، والنائب العام لا يعرف القانون،و الشرطة لا تعرف القانون".

النظام القضائي التعددي لجنوب السودان، حيث تتواجد المحاكم الرسمية جنباً إلى جنب مع المحاكم الأهلية التي يترأسها أعيان محليون، تشوبه عيوب تبعث على القلق فيما يتعلق بضمان الحق في إجراءات التقاضي السليمة. التقى أعضاء الوفد البحثي لـ هيومن رايتس ووتش عشرات الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن بواسطة الزعماء التقليديين رؤساء المحاكم الأهلية، الذين لم يتلقوا تدريباً قانونياً رسمياً، على خلفية ارتكاب جرائم لا وجود لها في القانون الجنائي لجنوب السودان. وقالت هيومن رايتس ووتش إنه على الرغم من سهولة التقاضي أمام هذه المحاكم وكفاءتها في بعض الجوانب، مقارنة بالمحاكم الرسمية، فإن عدم الوضوح الكافي يكتنف اختصاصها الجنائي وسلطتها في إصدار الأحكام بالسجن.

كثير من النزلاء الذين تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش يخضعون للحبس بسبب مخالفات جنسية أو متعلقة بالزواج، مثل الزنا – مخالفات حسب القانون الرسمي والعرفي يعتبر التعرض لها انتهاكاً لحقوق محمية دولياً فيما يتعلق بالخصوصية والزواج على أساس الاختيار الشخصي. هناك نزلاء آخرون صدرت أوامر بحبسهم لأجل غير مسمى بسبب عجزهم عن تسديد ديون، أو دفع غرامات فرضتها محاكم، أو دفع تعويض، والتي غالباً ما يتم تحديدها بعدد من الأبقار. لا يعلم هؤلاء متى سيتم إطلاق سراحهم.

توصلت هيومن رايتس ووتش أيضاً إلى أن بعض المحبوسين لم توجه لهم تهمة بارتكاب أية جريمة، ولم يحاكموا عليها بالطبع، وبعضهم يقبع في الحبس لإجبار قريب أو صديق على تسليم نفسه. هناك نحو 90 شخصاً تم سجنهم فقط لأنهم يعانون من خلل عقلي فيما يبدو. سكان جنوب السودان عانوا عقوداً من صدمات فترة الحرب، لكن البلاد تفتقر إلى منشآت الصحة النفسية. فالأشخاص الذين تبدو عليهم أعراض الخلل العقلي يتم إرسالهم بصورة عاجلة في الغالب إلى السجن، في ظل انعدام أية منشأة صحية يمكن أن يتلقوا فيها الرعاية الملائمة.

وقال دانييل بيكيل: "كثير من السجناء في جنوب السودان يتم حسبهم بعد عمليات اعتقال ومحاكمات تشوبها أخطاء، ويتم اعتقالهم من دون أي مبرر قانوني قوي، أو يُحكم عليهم بالسجن على خلفية سلوك لا يجب تجريمه أصلاً، وهذا في حد ذاته انتهاك للحقوق والحريات الأساسية،" وأضاف قائلاً: "هذا حبس تعسفي –وبالتالي غير قانوني- بموجب القانون الدولي، وكثيراً ما يشكل انتهاكاً لدستور وقوانين جنوب السودان".

الأوضاع السيئة في سجون جنوب السودان تفاقم من المظالم المتعلقة بكيفية حبس الأفراد وأسباب حبسهم. تتسم البُنى التحتية لسجون جنوب السودان بالبدائية، وفي بعض الحالات هي متهالكة وخربة، كما أن الزنازين غير صحية ومزدحمة وتفتقر إلى التهوية الكافية.

ولا يحصل السجناء على ما يكفي من الطعام، وهناك سجون تعاني من نقص المياه. واكتشفت هيومن رايتس ووتش أن السجناء معرضون للإصابة بالأمراض، وعندما يقعون فريسة للمرض لا يتلقون العلاج اللازم، إلا إذا دفعوا كلفة الدواء بأنفسهم. توفي عشرة نزلاء في سجن أويل، وتوفي خمسة آخرون على الأقل في سجن بانتيو عام 2011 فقط، ومعظمهم توفي بسبب أمراض يمكن علاجها.

قال نزلاء أن ضباط السجن دائماً ما يعتدون عليهم بالضرب بالعصي أو السياط لمخالفة النظام. بعض السجناء مقيد بالأصفاد بصورة دائمة، وهو أمر شكل انتهاكاً للمعايير المحلية والدولية الخاصة باستخدام وسائل تقييد الأفراد، وتُعتبر من العقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة المحظورة.

لاحظت هيومن رايتس ووتش في كل السجون التي زارتها أن الأطفال يتم حبسهم مع الكبار، ولا تقدم لهم هذه السجون برامج إعادة تأهيل أو فرص تعليم كافية، حسبما هو منصوص عليه في قانون جنوب السودان للطفل.

انصب كثير من اهتمام الجهات المانحة الدولية على بناء السجون، إلا ان هذه الجهات يجب أن تركز أيضاً على الاهتمام بتحسين أوضاع السجون والتأكد من محافظتها على الحد الأدنى من المعايير. ثمة حاجة أيضاً إلى دعم المانحين للمساعدة في توفير الاحتياجات الغذائية والطبية، خصوصاً في ظل الخفض الأخير في ميزانية كل المؤسسات الحكومية عقب قرار جمهورية جنوب السودان في فبراير/شباط الماضي بوقف إنتاج وتصدير النفط.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه يتعّين على وزارتي العدل والداخلية والسلطة القضائية بجنوب السودان، بدعم من الوكالات والجهات المانحة الدولية، وضع مسألة مراجعة ملفات كل السجناء ضمن أولوياتها. وقالت أيضاً أن هذه الجهات يجب أن تحدد السجناء الذين لا يوجد أساس لاستمرار حبسهم، وإطلاق سراح كل السجناء باستثناء الذي يعتبر استمرار حبسهم إجراءً مبرراً. وقالت هيومن رايتس ووتش إن مراجعة ملفات السجناء وزيادة التنسيق داخل جهاز العدالة سيساعد في إنهاء حالات الحبس التعسفي، مما يساعد بدوره في خفض الأعداد في السجون ولا يتطلب نفقات كبيرة.  

إضافة إلى ما سبق، يجب أن يضمن جنوب السودان توفير تدريب كاف للشرطة وأعضاء النيابة والقضاة في مجال التقاضي وفقاً للإجراءات القانونية السليمة ومعايير المحاكمة العادلة. إذ أن برامج التدريب الموجودة تفتقر إلى السعة والعمق اللازمين، ولا تعالج المشاكل التي حددتها هيومن رايتس ووتش. وقالت المنظمة إن حكومة جنوب السودان في حاجة أيضاً لإقامة نظام فاعل للمساعدة القانونية، وهو أمر يحتاج إلى دعم من الجهات المانحة.

هناك حاجة إلى إجراء إصلاحات قانونية واسعة وإصلاحات في السياسات المتبعة بهدف الحد من فترات الحبس المطولة قبل المحاكمة، وتوضيح نطاق الاختصاص القضائي للمحاكم الأهلية ووقف الحبس على خلفية الزنا والعجز عن تسديد الديون. يجب على السلطات أيضاً أن توقف فوراً حبس الأفراد تعسفياً بسبب أعراض الاختلال العقلي، وإيجاد وسيلة لضمان حصولهم على الرعاية اللازمة.

وقال دانييل بيكيل: "يجب أن تتم معاقبة الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم وفقاً للقانون" وأضاف: "إلا أن حرمان شخص من حريته يعتبر من أشد العقوبات التي يمكن أن تفرضها حكومة. يجب أن يحدث ذلك فقط عقب التقاضي وفقاً للإجراءات القانونية السليمة وبموجب قوانين جنوب السودان والتزامات حقوق الإنسان الدولية".