(بروكسيل) ـ العمل العسكري للاتحاد الأوروبي، الرامي إلى مكافحة شبكات تهريب الأشخاص، ينبغي ألا يعرض حياة المهاجرين وطالبي اللجوء وحقوقهم للخطر. وكان مجلس الاتحاد الأوروبي قد وافق في 18 مايو/أيار على إنشاء عملية بحرية، باسم "يوناففور ميد"، للتعرف على القوارب التي يستخدمها المهربون في البحر المتوسط، وأسرها وتدميرها.

وقالت جوديث سندرلاند، القائمة بأعمال نائب مدير قسم أوروبا وآسيا الوسطى: "كثيراً ما يظهر المهربون والمتجرون استهانة تامة بأرواح البشر وكرامتهم، ومن اللازم أن يحاسبوا على هذا، لكن العمل العسكري بحقهم قد يعرض المهاجرين وطالبي اللجوء أيضاً لمخاطر جسيمة. وينبغي أن تكون الأولوية القصوى لإنقاذ الأرواح في عرض البحر ونقل المعرضين للخطر في البحر المتوسط بأمان إلى شواطئ الاتحاد الأوروبي".

وعلى الاتحاد الأوروبي إجراء تقييم متأن للعواقب الحقوقية لهذه العملية العسكرية على المدى القصير والطويل، بما في ذلك المخاطرة بزيادة خطورة هجرة القوارب في البحر المتوسط، ومحاصرة المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا حيث يتعرضون في أغلب الأحيان للعنف والانتهاكات ولا يتمتعون بإمكانية تقديم طلبات اللجوء.

ويتنبأ قرار المجلس بإجراء العملية على مراحل، فتتضمن المرحلة الأولى عمليات مراقبة ودوريات. وفي أعقاب تقييم المرحلة الأولى، وإذا وافق أعضاء الاتحاد على المضي قدماً، ستتضمن المرحلة الثانية عمليات صعود للقوارب وتفتيش ومصادرة، وتحويل للقوارب التي يشتبه في استخدام المهربين لها، بينما تنطوي المرحلة الثالثة على "التعطيل النهائي" للقوارب التي يشتبه في استخدامها بغرض التهريب.

كما أن أية عملية على أراضي بلد من غير أعضاء الاتحاد الأوروبي أو في مياهه الإقليمية ستتطلب قراراً من مجلس الأمن الأممي أو دعوة من تلك الدولة. وقد قالت الحكومة المعترف بها دولياً في ليبيا إنها تعارض تحركات الاتحاد الأوروبي على أراضيها أو في مياهها الإقليمية. وهناك حكومتان تتنازعان على الشرعية في ليبيا، إحداهما تتمتع باعتراف دولي وتتمركز في طبرق والبيضاء في الشرق، والأخرى أعلنت عن نفسها بتلك الصفة وتتمركز في طرابلس في الغرب، وهو نقطة انطلاق الأغلبية العظمى من القوارب.

وبغض النظر عن منطقة العمليات فإن سفن الاتحاد الأوروبي المشاركة في العملية البحرية المزمعة تخضع لولاية الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تشترط تصميم جميع العمليات والتخطيط لها وتنفيذها في احترام تام للحقوق، بما فيها الحق في الحياة والحرية والأمن، والجبر الفعال، وحظر التعذيب، بما فيه الحظر على إرسال أي شخص إلى بلد يواجه فيه خطر التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو التهديد لحياته أو حريته (مبدأ عدم الإعادة القسرية).

أما المهاجرون الذين تعترضهم سفن الاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط، بما فيها السفن المشاركة في "يوناففور ميد"، فينبغي أخذهم إلى موانئ آمنة في الاتحاد الأوروبي، حيث يلزم إخضاع طالبي الحماية أو من يبدون الخوف من العودة إلى عملية فرز متعلقة باللجوء. ولا يجوز تحت أي ظرف من الظروف أن يقوم الاتحاد الأوروبي بإحالة مهاجري القوارب إلى حرس السواحل الليبي أو إبرارهم في ليبيا، حيث لا يتمتعون بإمكانية طلب اللجوء وحيث يتعرضون لخطر الاحتجاز في ظروف مروعة ومسيئة، وخطر الأذى من العنف المتفشي في أرجاء البلاد، بحسب هيومن رايتس ووتش.

وتمثل هذه المهمة جزءاً من رد فعل الاتحاد الأووربي على الأزمة في البحر المتوسط. فمنذ بداية العام توفي ما لا يقل عن 1780 من المهاجرين وطالبي اللجوء عند الشروع في الرحلة البحرية. وقد صعّد الاتحاد الأوروبي من عمليات البحث والإنقاذ، فوصل أكثر من 62 ألف شخص إلى الاتحاد الأوروبي هذا العام حتى الآن بطريق البحر، عن طريق عبور القطاع الأوسط من البحر المتوسط من ليبيا إلى إيطاليا ومالطا، وعبر بحر إيجة من تركيا إلى اليونان. وتبين إحصائيات وكالة الأمم المتحدة للاجئين، وهي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أن 60 بالمئة من الواصلين بطريق البحر حتى الآن قد جاءوا من سوريا وإريتريا وأفغانستان والصومال ـ وكلها بلدان تشهد عنفاً و/أو قمعاً سياسياً واسع النطاق.

وقد أصدرت المفوضية الأوروبية، وهي الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي، مجموعة من المقترحات في 13 مايو/أيار بعنوان "جدول أعمال أوروبي بشأن الهجرة". وتتضمن المقترحات خطوات إيجابية، من قبيل إنشاء مخطط يشمل دول الاتحاد بأسره لإعادة توطين اللاجئين، وآلية لإعادة التوزيع بحيث تتوزع المسؤولية عن طالبي اللجوء بشكل أكثر عدالة بين الدول الأعضاء في الاتحاد، كما قالت هيومن رايتس ووتش. لكن عدداً من الدول الأعضاء، ومنها المملكة المتحدة وفرنسا والمجر وبولندا، أبدت بالفعل عدم استعدادها للمشاركة في هذه المقترحات الرامية إلى تقاسم المسؤولية.

إلا أن أغلبية المقترحات تتركز في إجراءات لتحديد أعداد الوافدين، بما في ذلك من خلال تعزيز ضوابط الهجرة في البلدان المرسلة وبلدان العبور، والتنمية الإقليمية، وإنشاء مركز رائد "متعدد الأغراض" في النيجر لتوفير المعلومات والحماية المحلية وفرص إعادة التوطين. وقد قالت هيومن رايتس ووتش إنه من اللازم  تصميم تلك الإجراءات بعناية لتحسين احترام حقوق الإنسان والتشجيع على حل النزاعات في البلدان المرسلة، وتحسين قدرات بلدان العبور على توفير الحماية والدمج للاجئين، بما في ذلك من خلال إنشاء أنظمة لجوء عادلة تتمتع بالكفاءة، وتضمن الفرز السليم لطلبات اللجوء مع الحق في الطعن على قرارات الرفض. وينبغي لتلك الإجراءات أن تتشدد في ضمان ألا تتم عمليات إعادة قسرية للاجئين وطالبي اللجوء إلى الاضطهاد وغيره من أشكال الأذى الجسيم، وألا يُمنع أحد من الفرار من تهديد مسلط على حياته أو حريته.

ويقوم كثير من المهاجرين وطالبي اللجوء الذين يدخلون الاتحاد الأوروبي بغير الطرق النظامية بدفع المال طواعية للمهربين لتسهيل سفرهم، رغم أن المهربين كثيراً ما يخدعونهم بشأن السياق أو الظروف التي يتم فيها نقلهم، بما في ذلك من خلال وضعهم في سفن مكتظة وغير صالحة للإبحار. كما يوجد ضحايا للإتجار ضمن الواصلين بطريق البحر أو البر، ممن تم خداعهم أو إجبارهم على السفر واحتجازهم مقابل فدية أو الإساءة إليهم أو استغلالهم بطرق أخرى.

وقد قام مهاجرون وطالبو لجوء، أجريت معهم مقابلات في إيطاليا في مايو/أيار 2015، بإبلاغ هيومن رايتس ووتش بإساءات تعرضوا لها على طرق الهجرة من القرن الأفريقي وفي ليبيا. واشتملت تلك على الاحتجاز كرهائن طوال شهور في الصحراء الكبرى، في ظروف مروعة وعنيفة، لحين قيام أقاربهم بتحويل مبالغ مالية للمتجرين في مقابل المضي قدماً، والاعتداء بالضرب بالعصي الخشبية والمواسير الحديدية والخراطيم المطاطية والسياط، وإطلاق النيران المميتة لمحاولة الهرب، والتشغيل القسري، وما يرقى إلى الاحتجاز في "منازل آمنة" غير صحية ومكتظة يديرها المهربون في ليبيا في انتظار الرحيل. كما يعمد المهربون على نحو روتيني إلى تحميل قوارب غير صالحة للإبحار بما يفوق طاقتها، وتوفير طعام ومياه ووقود غير كافية للرحلة.

ولطالما كانت ليبيا بمثابة بلد مقصد وبلد عبور للأفارقة من جنوب الصحراء وللسوريين وغيرهم من الساعين إلى بلوغ الاتحاد الأوروبي. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش التعذيب ـ الذي يشمل الجلد والضرب والصدمات الكهربائية ـ علاوة على الاكتظاظ والظروف الصحية الرديئة، ونقص الوصول إلى الرعاية الطبية، في مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا، في منتصف 2014 وفي مايو/أيار 2015.

وتشير مقابلات أجريت مع مهاجرين حديثي الوصول إلى إيطاليا في مايو/أيار 2015 إلى أن تزايد الفوضى والعنف المعمم في ليبيا، بسبب الأعمال العدائية المستمرة، يدفعان بعض المهاجرين للرحيل. وقد قال بعضهم إنهم كانوا ليبقون في ليبيا دون مواجهة الخطر عند عبور البحر إلى الاتحاد الأوروبي لو لم تكن ليبيا بتلك الخطورة. فقال ليفينوس، وهو نيجيري عمره 20 عاماً، كان قد ذهب إلى ليبيا بحثاً عن عمل في 2013، قال لـ هيومن رايتس ووتش: "إنك تراهم ينفخون القارب [المطاطي]، ويحشرون فيه مئة شخص، فتدرك أنها مخاطرة. وما كنت لأتحمل المخاطرة لولا المشاكل في ليبيا".

قالت جوديث سندرلاند: "إن تدمير قوارب المهربين المشتبه فيها قد يمنع أحد الأشخاص مؤقتاً من الصعود إلى قارب لا يصلح للإبحار، لكن العواقب لا تقف عند هذا الحد. وعلى الاتحاد الأوروبي أن يتحلى بالأمانة في تقييم كيفية عمل التدخل العسكري على دفع الأشخاص الملهوفين إلى الشروع في رحلات أشد خطراً، وتقييم مصير الأشخاص المحتاجين إلى حماية والساعين إلى مغادرة ليبيا المتسمة بتزايد الفوضى والعنف، وتقييم كيفية توافق هذا الإجراء مع الالتزامات الدولية".

وقد اعترفت هيومن رايتس ووتش بعدم وجود حلول سهلة في المدى القصير، لكنها دعت الاتحاد الأوروبي إلى زيادة القنوات الآمنة والقانونية لدخول الاتحاد الأوروبي، كحل أكثر فعالية على المدى الطويل من تدمير القوارب.