Skip to main content

الارتقاء بالمعايير

الفعاليات الرياضية الضخمة وحقوق الإنسان

مشجعون قطريون يتابعون مباراة في كرة القدم بين قطر والصين على ملعب عبد الله بن خليفة، بالدوحة بقطر. والملعب هو واحد من عدة ملاعب تبنيها قطر أو تقوم بتجديدها قبل استضافتها لكأس العالم 2022.

© 2013 سكوت نلسون/غيتي إيمجز

الافتتاحية

 
راحة الطغاة الزائفة

لماذا ليست حقوق الانسان خطأً في أوقات الأزمات

المقالات

 
شحنات مميتة

الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة بالسكان

 
الارتقاء بالمعايير

الفعاليات الرياضية الضخمة وحقوق الإنسان

بقلم: مينكي وردن

بينما كانت الألعاب النارية تنهمر على حفل افتتاح الألعاب الأوليمبية الشتوية لسنة 2014 في سوتشي، كانت أناستاسيا سميرنوفا تجلس على بعد أميال في عهدة الشرطة في بطرسبرغ. وكانت سميرنوفا، وهي من أبرز مناصري حقوق المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومتحولي الهوية الجنسية في روسيا، قد التقت مؤخراً برئيس اللجنة الأوليمبية الدولية توماس باخ، لتشرح كيف أن القوانين المناهضة للمثليين في بلدها تخلق مناخاً من العنف والتمييز استباقاً لدورة سوتشي. وحرصاً من السلطات الروسية على عدم إفساد بريق الدورة بالكشف عن انتهاكات حقوقية، فقد احتجزت سميرنوفا وهي ترفع علماً نقش عليه المبدأ السادس من الميثاق الأوليمبي: "لا يتفق التمييز مع الانتماء إلى الحركة الأوليمبية".

لقد ديست حقوق الإنسان بالأقدام قبل دورة سوتشي وفي أثنائها، وسط عمليات إخلاء قسرية، وانتهاكات لحقوق العاملين، وحملة قمعية متزايدة على المجتمع المدني والصحفيين، وتمييز ضد المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومتحولي الهوية الجنسية أثار اشمئزاز العالم. وعند التطلع إلى الدورات المقبلة، لا يبدو الوضع الحقوقي أفضل بكثير.

وبما أن كوريا الجنوبية وطوكيو قد قامتا بإنشاء هيئات وطنية للرصد الحقوقي فإن اختيارهما لاستضافة الألعاب الشتوية في 2018 والدورة الصيفية في 2022 لا يبعث على الانزعاج. لكن آفاق الألعاب الأوليمبية الشتوية في 2022 ـ بوجود كازاخستان والصين كمتنافسين وحيدين ـ يجب أن تحرم اللجنة الأوليمبية الدولية من النوم ليلاً.

إن كلا البلدين يتمتعان بسجل مزر في حرية الصحافة والزج بالصحفيين في السجون. وقد شنت بيجين أشد حملاتها القمعية شراسة منذ احتجاجات ميدان تيانانمين في 1989 التي انتهت بإراقة الدماء، وهي تسجن الصحفيين وتخرق اتفاقية دولية للسماح بانتخابات حرة في هونغ كونغ. وفي آلما آتا، حيث يقاد المعارضون السلميون إلى السجون على نحو روتيني، وتنتهك حقوق العمال، يمكن للجنة أن تشهد عرضاً ثانياً لكابوس سوتشي القمعي وإساءاته.

وينبغي لأزمة اختيار 2022، في النهاية، أن تخلق قوة دافعة للجنة الأوليمبية وغيرها من الهيئات الرياضية الدولية لإصلاح نظام لطالما عمل على مكافأة منتهكي الحقوق، مع التسبب في بؤس السكان المحليين.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2014 انسحبت النرويج ـ التي جعلت من احترام حقوق الإنسان جزءاً من عرضها الأوليمبي ـ من المنافسة على استضافة الألعاب الشتوية لسنة 2022، تاركة كازاخستان والصين كمتنافسين وحيدين.

وتتلهف كازاخستان الغنية بالنفط على المكانة العالمية التي ستجلبها استضافة الدورة، بينما تسعى الصين إلى إبراز سمعتها على الساحة الدولية، كما فعلت في أولمبياد بيجين لسنة 2008. وفي هذه الأثناء تقرر أن تقوم أذربيجان باستضافة أولى دورات الألعاب الأوروبية في 2015 ـ التي تطلقها وتديرها اللجنة الأوليمبية الأوروبية ـ على خلفية قمع متصاعد للأصوات الانتقادية في البلاد.

ولطالما قامت الحكومات بترديد ما يلزم للفوز بالحق في استضافة الألعاب، ليتضح بعد ذلك أنها شريك لا يعتمد عليه عند خرقها لوعود أساسية، بينما تعلن اللجنة الأوليمبية عن عجزها عن التصرف. ومع خروج النرويج التي تمنح جائزة نوبل للسلام، صارت اللجنة الأوليمبية حقا وصدقاً أسيرة الاختيار بين متنافسين على دورة 2022، بسجلات حقوقية مروعة.

ففي كل من كازاخستان والصين يقبع منتقدون سلميون في السجون، ولكل بلد منهما تاريخ حديث من الرقابة على الإنترنت وسحق حرية الصحافة. والعمال المهاجرون في الصين، الذين سيبنون الملاعب الجديدة، يواجهون الاستغلال وظروف العمل الخطيرة، بينما أدى تعامل كازاخستان المسيء مع إضرابات عمالية مطولة في 2011، وتبنيها الأخير لقانون متعلق بالنقابات العمالية، إلى تقليص خطير لحرية تكوين الجمعيات. كما أن الدعاوى المرفوعة على وكالة إعلان لملصق يصور قبلة بين شخصين من جنس واحد، إضافة إلى المطالبات بحظر "الدعاية المثلية" في سبتمبر/أيلول، تفضح سجل كازاخستان الإشكالي فيما يتعلق بحقوق المثليات والمثليين ومزدوجي الميول ومتحولي الهوية الجنسية.

إن الحكومات تتعهد في سبيل استضافة الألعاب الأوليمبية ببناء ملاعب جديدة براقة، لكنها تتعهد أيضاً بتعزيز "المبادئ الأساسية للحركة الأوليمبية" ـ الكرامة الإنسانية، وحرية الصحافة، والرفض التام "لأي شكل من أشكال التمييز". وتتكرس هذه المبادئ في الميثاق الأوليمبي، وهو وثيقة سامية يفترض أن يتم الاسترشاد بها في الإعداد للدورات وترقية "الكرامة الإنسانية".

إلا أن الأزمات الحقوقية المحيطة بما يسمى بالأحداث الرياضية الضخمة لا تقتصر على الأولمبياد، فنطاق الإساءات في قطر وهي تبني 12 ملعباً لكأس العالم 2022، وبنية تحتية تتكلف 200 مليار دولار أمريكي، هو نطاق هائل: وبالفعل، عاد مئات من عمال جنوب آسيا الوافدين، الذين كانوا يكدحون في الحر والتراب في قطاع الإنشاءات المسئ إلى أبعد الحدود، عادوا إلى أوطانهم في أكياس الجثث، مع تجاهل السلطات للمطالبة بالتحقيق في وفياتهم. وتتمتع روسيا بسجل مقبض في خذلان العمالة الوافدة التي تعرضت للاستغلال والغش بينما كانت تبني البنية التحتية لأولمبياد سوتشي بـ53 مليار دولار، وقد تقرر أن تستضيف كأس العالم لسنة 2018.

لكن آفاق التغيير الآن أكبر من ذي قبل: فمشجعو الرياضة وكفلاؤها التجاريون والجمهور العام يشعرون بنفور متزايد من تقارير الانتهاكات الحقوقية المصاحبة للاستعراضات الرياضية الضخمة.

ومع ارتباط هذه الإساءات باستعدادات الأحداث الرياضية الضخمة، وتسببها فيها في أغلب الأحيان، فقد حان الوقت لإصلاحات عملية تشجع الحكومات على تحسين سجلاتها الحقوقية قبل الاستضافة. وعلى الهيئات الرياضية الدولية أن تدرك أن منح الحكومات المسيئة عقوداً هائلة للبنية الأساسية لن يعمل إلا على مفاقمة الانتهاكات القائمة، بينما تحتاج الهيئات الحاكمة للرياضة العالمية إلى إصلاح أنفسها من الداخل، برفع الشعار الذي يردد أن الحدث الرياضي لن ينجح حيثما وجدت انتهاكات حقوقية جسيمة.

الأحداث الرياضية الضخمة: خمس انتهاكات رئيسية

عندما يخرق الرياضيون قواعد المنافسات الأوليمبية فإنهم يتعرضون لعقوبات قاسية. أما الحكومات المضيفة فهي تفلت بأفعالها حين تخرق القواعد. وكثيراً ما كان رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية السابق جاك روج يصر على أن الألعاب الأوليمبية "قوة للخير"، ومع ذلك فقد رفض انتقاد الانتهاكات الفاضحة للميثاق الأوليمبي من جانب الدول المنظمة.

وقد استفاضت هيومن رايتس ووتش في توثيق كيفية عمل الأحداث الرياضية الضخمة على التسبب في انتهاكات أضخم عند منح حقوق الاستضافة إلى حكومات تخفق في احترام حقوق الإنسان. ولا يوجد بلد يتمتع بسجل حقوقي ناصع البياض، لكن الدول الأكثر انتهاكاً هي التي تزداد رغبة باستمرار في تحسين سمعتها الدولية، وتحتاج إلى دفعة الشعور الوطني المكتسبة من استضافة وسائل الإعلام العالمية وقادة العالم في استعراض رياضي هائل.

وعلى مدار عقد من الأبحاث، وثقت هيومن رايتس ووتش خمسة أنواع مميزة من الانتهاكات الحقوقية الجسيمة، المرتبطة تقليدياً بالأحداث الرياضية الضخمة.

وأولها عمليات الإخلاء القسري بدون إجراءات سليمة أو تعويض، بسبب إنشاء البنى الأساسية الجديدة. فقبل 2008 تم إخلاء الآلاف من مواطني بيجين من منازلهم قسراً، بدون إجراءات سليمة تذكر من حيث التشاور أو التعويض الكافي. وتم اعتقال السكان الذين احتجوا على هدم منازلهم. كما كان التعويض العادل وسلامة الإجراءات من المشاكل الجسيمة في سوتشي بدورها.

ومع بناء الملاعب الكبيرة من أجل حفلات الافتتاح أو مباريات الكرة أو السباحة وغيرها من الفعاليات، يتم معظم العمل في أكثر الأحيان بأيدي عمال وافدين مستغلين ومنتهكين، يواجهون ظروف عمل خطيرة وساعات طويلة ويتم الاحتيال عليهم في الأجور.

وكثيراً ما يؤدي إنشاء البنى الأساسية الضخمة إلى شكاوى بيئية وغير ذلك. وقد كان إسكات المجتمع المدني والنشطاء الحقوقيين من الانتهاكات المميزة قبل الألعاب الأوليمبية في بيجين وروسيا على السواء. فبدلا من التحسنات الحقوقية الموعودة، شابت الفترة السابقة على دورة بيجين عمليات سجن وإقامة جبرية للنشطاء الذين انتقدوا الدورة (بمن فيهم هو جيا الفائز بجائزة سخاروف)، وحكم بالسجن لمدة 3 أعوام على ناشط بيئي في روسيا. وفي بيجين تم اعتقال مواطنين مثل جي سيزون الذي يبلغ من العمر 59 عاماً ـ والذي حاول استخدام "مناطق الاحتجاج الأوليمبية" التي أنشأتها الحكومة الصينية رسمياً للسماح المزعوم بالاحتجاج السلمي. وفي سوتشي تعرضت عضوات الفريق الموسيقي النسوي "بوسي رايوت"، اللواتي نظمن احتجاجاً صغيراً أثناء الألعاب الشتوية في فبراير/شباط 2014، للاعتداء والضرب على أيدي القوزاق تحت الأنظار فيما لم تحرك الشرطة ساكناً.

ويضمن الميثاق الأوليمبي حرية الصحافة بنص صريح ـ فبيع حقوق البث من أكبر مصادر الدخل للجنة الأوليمبية الدولية. لكن ألعاب بيجين وسوتشي على السواء شابتها عمليات تهديد وتخويف واعتقال لصحفيين. وعند وصول 25 ألف صحفي إلى الصين لتغطية دورة بيجين، فوجئوا باكتشاف حجب الإنترنت ـ إلى أن اضطرت اللجنة الأوليمبية الصين لوقف الرقابة على الشبكة طوال مدة الدورة. وقد فُرضت الرقابة على خبر تسمم توريدات الألبان في أنحاء الصين بمادة الميلامين لما بعد اختتام الدورة، وتوفي 6 رضع على الأقل نتيجة لهذا التسمم المأساوي (والتعتيم الإعلامي المصاحب له). وفي سياق الاستعداد لدورة سوتشي، مارست الشرطة الروسية التضييق والاحتجاز والتهديد بسجن صحفيين من قناة تلفزيونية نرويجية قبل أن تصرح في سخرية: "مرحباً بكما في سوتشي" عند انتهاء محنة الصحفيين. وكانت المعاملة من السوء بحيث أصدرت السلطات الروسية اعتذاراً نادر المثال.

ويفترض في الأحداث الرياضية الضخمة أن تمثل لحظات للاحتفال بالتنوع والإنجاز البشري، لكنها في أحيان كثيرة تمهد للكشف عن تمييز قبيح. فحتى أيام قليلة قبل انطلاق أوليمبياد لندن 2012، كانت السعودية ما تزال تخطط لإرسال بعثة وطنية من الذكور فقط، كما فعلت في كافة الدورات السابقة، وكذلك إلى دورة الألعاب الآسيوية في 2014. إلا أن الضغط الشديد ـ الناجم جزئياً عن حملة "دعوهن يلعبن" التي أطلقتها هيومن رايتس ووتش ـ أدى إلى السماح للسيدات السعوديات أخيراً بالتنافس في 2012. لكن بالعودة إلى السعودية، وكما وثقت هيومن رايتس ووتش في تقرير سنة 2012 بعنوان "خطوات الشيطان"، ما زال البلد يحظر الرياضة على جميع الفتيات في المدارس الحكومية ولا يوجد به اتحاد رياضي نسائي، في مخالفة صريحة لشرط عدم التمييز الوارد في الميثاق الأوليمبي.

في يونيو/حزيران 2013 قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتصديق على قانون لمناهضة "الدعاية" المثلية، وقد تذرع القانون بحماية الأطفال لحظر نشر معلومات عن المساواة والتسامح وغيرها من القضايا التي تمس مجتمع المثليين والمثليات، ولشيطنة المثليات والمثليين ومزدوجي الميول ومتحولي الهوية الجنسية ونشطائهم في أعين الرأي العام. وساعد هذا على إذكاء تصاعد في عمليات التضييق والاعتداء العنيف على المثليات والمثليين، ولم تثر اللجنة الأوليمبية الدولية أية بواعث للقلق بشأن كيفية اتفاق هذا كله مع الالتزام بعدم التمييز.

بل إن المرأة في بعض أنحاء العالم لا تستطيع حضور حدث رياضي كمتفرجة.  وقد تحول وصول المرأة بالتساوي إلى الأحداث الرياضية إلى أحد بواعث القلق الخطيرة مع سماح الفيفا، أو الاتحاد الدولي لروابط كرة القدم، بمنع السيدات من حضور مباريات كرة القدم في إيران منذ ثمانينات القرن العشرين. وفي 2012 توسع المسؤولون الإيرانيون في الحظر ليشمل الكرة الطائرة.

اعتقلت طالبة الحقوق غونشة غافامي في يونيو/حزيران 2014 وسجنت طوال شهور بسجن إيفين الإيراني الشهير بعد أن احتجت مع آخرين على منع السيدات من دخول الملعب لمشاهدة مباراة في بطولة العالم. وفي نوفمبر/تشرين الثاني قام الاتحاد الدولي للكرة الطائرة بدعوة الحكومة الإيرانية إلى الإفراج عن غافامي، وأكد التزامه بـ"عدم الإقصاء وحق المرأة في المشاركة في الرياضة على قدم المساواة" في المؤتمر العالمي للمنظمة. وأشار الاتحاد إلى أن سياسة إيران قد تحد من قدرتها على استضافة البطولات الدولية في المستقبل. تم الإفراج عن غافامي بكفالة في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، لكن بعد أن أدانتها محكمة ثورية بتهمة "الدعاية ضد الدولة" وحكمت عليها بالسجن لمدة عام. وكانت غافاني بصدد استئناف الحكم عند كتابة هذا التقرير.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2014 أعلن الاتحاد الآسيوي للكرة الطائرة عن اختيار إيران للمشاركة في استضافة بطولة آسيا للكرة الطائرة للرجال في 2015. ويجب لإدانة غافامي واستمرار إيران في منع السيدات من حضور الأحداث الرياضية للرجال أن تدفع المنظمات الرياضية الدولية إلى سحب البطولات الكبرى من الدول المسيئة حتى تضمن للسيدات حقهن في حضور المباريات كمتفرجات بدون خوف من الاعتقال والسجن.

اتخاذ موقف، وإجراء إصلاحات

وكثيراً ما استلزم الأمر تعرض اللجنة الأوليمبية الدولية لحساب الصحافة العسير حتى تستجيب أخيراً للانتهاكات الشنيعة التي وثقتها هيومن رايتس ووتش وغيرها من المنظمات. وقد ردت اللجنة على فضائح سابقة، تشمل استخدام المنشطات وتلويث البيئة والرهان غير المشروع والفساد، بإصلاحات ملموسة تتضمن إنشاء هيئة لمكافحة المنشطات، وإطلاق بيانات عن الأثر البيئي، ووضع حدود زمنية لتولي قيادة اللجنة.

وقد ساعدت اللجنة في القرن الماضي على مكافحة التمييز في الرياضة من خلال منع جنوب أفريقيا إبان الفصل العنصري من إرسال فرق من البيض وحدهم، ومنع أفغانستان بقيادة الطالبان من التمييز ضد السيدات والفتيات. وفي مواجهة مظاهرات عامة كان يمكن أن تنتهي بحمامات من الدماء، قالت اللجنة للدكتاتورية العسكرية في كوريا الجنوبية إن عليها عقد انتخابات وإلا عرضت استضافة سول لأولمبياد 1988 للخطر (وقد تحولت كوريا الجنوبية منذ ذلك الحين إلى ديمقراطية مستقرة، وينتظر أن تستضيف الألعاب الشتوية سنة 2018).

إن اللجنة الأوليمبية الدولية والفيفا هما أكبر لاعبين في ساحة الأحداث الرياضية الضخمة، وعليهما استغلال هذه الأزمة للشروع في الإصلاح قبل الأولمبياد وكأس العالم القادمين.

وفي خريف 2014، أقر رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية توماس باخ سلسلة من الإصلاحات التي طالت مطالبة هيومن رايتس ووتش بها، والتي يمكنها الحد من الانتهاكات ـ في مؤشر على أن اللجنة لم تعد راغبة في التسامح مع الدول المضيفة التي تنتهك الحقوق. وبدءاً من أولمبياد 2022، ستنص عقود المدينة المضيفة مع اللجنة على تدابير لحماية حقوق الإنسان وحقوق العمال، بما فيها منع التمييز. وقد ظلت السرية بصفة عامة تحيط بعقود المدن المضيفة، ولم يسبق لها النص الصريح على تدابير حماية حقوقية.

أما نجاح الإصلاحات المتعلقة بالعقود فسوف يتوقف على جدية اللجنة الأوليمبية الدولية في تنفيذها. ويمكن لتوماس باخ واللجنة، من خلال التقاط عصا الإصلاح التي أسقطها سلفه، أن يفتتح عهداً جديداً من انعدام التسامح مع الانتهاكات الجسيمة المحيطة بالأحداث الرياضية الضخمة.

ولعل الأولمبياد الروسي، بما شابه من انتهاكات حقوقية كان يمكن توقعها كلها، كان نقطة التحول، فكما وثقت هيومن رايتس ووتش في تقرير بطول كتاب في 2013، "السباق إلى القاع"، تعرض كثيرون من العمال الوافدين الذين شيدوا البنية الأساسية للأولمبياد للإساءة والانتقاص من أجورهم. وفي بعض الحالات تعرض الذين اشتكوا للضرب والترحيل. وفي النهاية أثارت اللجنة الأوليمبية الدولية تلك الحالات مع روسيا، التي اعترفت ببقائها مدينة للعمال بـ8 مليون دولار من الأجور غير المدفوعة، وتعهدت بضمان قيام أصحاب العمل بسدادها. وقد أدى القانون الروسي المناهض للمثلية إلى احتجاجات عالمية وتغطية سلبية واسعة النطاق في الصحافة. وفي سبتمبر/أيلول 2014، عمدت اللجنة أخيراً إلى توبيخ روسيا من خلال إضافة شرط لمنع التمييز في عقود المدن المضيفة المستقبلية، وفي ديسمبر/كانون الأول، في تصويت إجماعي، أضافت اللجنة "التوجه الجنسي" كسبب صريح ومحمي من التمييز في المبدأ السادس من مبادئ الميثاق الأوليمبي.

مضيفو المستقبل المحفوفون بالأخطار

واجه الفيفا، عن حق، عاصفة نارية من الانتقاد على منحه كأس العالم 2022 لقطر بدون فرض إصلاحات عمالية كشرط مسبق لاستضافة البطولة. وكانت النتيجة أن العمال الوافدين الذين يشيدون ملاعب وبنى أساسية جديدة بمليارات الدولارات صاروا معرضين لمخاطر الاتجار والتشغيل القسري.

وقد تعهدت "اللجنة العليا لقطر 2022" ـ وهي اللجنة شبه الحكومية المسؤولة عن تنظيم البطولة ـ بتحسين ظروف العمال في المشاريع المتعلقة مباشرة بكأس العالم.

لكن قطر لم تتعهد بالإصلاح الجدي للقوانين الاستغلالية، من قبيل نظام الكفالة الذي يقيد العمال بأصحاب العمل، كما رفضت إلغاء نظام تأشيرة الخروج العبثي وغير المشروع الذي يحاصر العمال داخل البلاد، ولم تبين كيف تنوي وقف المصادرة الممنهجة لجوازات سفر العمال وفرض رسوم استقدام غير مشروعة عليهم.

وسوف تقوم أذربيجان الغنية بالنفط، حيث زجت الحكومة مؤخراً بأبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في البلاد في السجن، باستضافة الدورة الافتتاحية للألعاب الأوروبية، المزمع عقدها في باكو في 2015 (واللجنة المنظمة ترأسها السيدة الأولى، مهريبان علييف).

وتقوم اللجان الأوليمبية الوطنية الأوروبية بتنظيم الألعاب الأوروبية، مما يعني ضرورة انطباق المبادئ الحقوقية الواردة في الميثاق الأوليمبي. ورغم الهدف المعلن المتمثل في "نشر المثل الأوليمبية في أنحاء أوروبا بحسب تعريف الميثاق الأوليمبي لها" إلا أن سلطات أذربيجان مضت بدلاً من هذا في سحق المنتقدين وقطع التمويل الأجنبي وتجميد الحسابات المصرفية للجمعيات المستقلة، والتهديد بسجن الصحفيين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي أو سجنهم فعلياً.

وعلى منظمي الألعاب الأوروبية أن يسعوا بشكل عاجل إلى دراسة التاريخ القبيح لمسابقة "يوروفيجن" الغنائية التي استضافتها أذربيجان في 2012: فقد اكتسب المناخ المحيط بالنشطاء السياسيين والصحفيين المستقلين والمؤيدين للمعارضة نبرة عدائية حادة، وسيق المنتقدون إلى السجون، وتم تفريق المظاهرات واعتقال النشطاء. وجاء اعتقال خديجة إسماعيلوفا، أبرز ممارسات الصحافة الاستقصائية في أذربيجان، في ديسمبر/كانون الأول 2014، كلطمة قوية للأصوات الانتقادية في أذربيجان، وانتهاك واضح لتدابير حماية حرية الصحافة الواردة في الميثاق الأوليمبي.

تجسير الفجوة بين الأقوال والأفعال

يقرر الميثاق الأوليمبي أن "الرياضة حق من حقوق الإنسان"، ويكرس مبدأ الكرامة الإنسانية وينادي بأن "هدف الحركة الأوليمبية هو وضع الرياضة في خدمة التنمية المتناغمة للجنس البشري، بغية الترويج لمجتمع مسالم يهتم بالحفاظ على كرامة الإنسان". وبالمثل، تشدد لوائح الفيفا على أهمية "القيم الإنسانية" وتقرر أن "التمييز من أي نوع ضد بلد أو فرد أو جماعة أو شعب، بسبب الأصل العرقي أو الجنس أو اللغة أو الدين أو السياسة أو أي سبب آخر، محظور بشكل مطلق..."

وهكذا فإن اللجنة الأوليمبية الدولية والفيفا يواجهان مشكلة خطيرة في الوقت الحاضر: كيف يمكن تجسير الفجوة بين تلك الكلمات السامية والواقع القبيح على الأرض؟

ومن الإجابات الممكنة على هذا السؤال دمج الرصد الحقوقي في هيكل عملية الاستضافة ـ عن طريق تقييم التقدم المتحقق في حرية الصحافة والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما تفعل الهيئتان حالياً بالنسبة لبناء مقافز التزلج وأحواض السباحة ومرافق الفروسية، في مواعيدها. وهناك حاجة إلى تغييرات مماثلة في لوائح الفيفا لضمان ألا تشيد ملاعب الكرة الباهرة على ظهور عمال وافدين يكدحون لقاء أجور زهيدة في ظروف خطيرة.

ولدى اللجنة الأوليمبية الدولية بنية هائلة قائمة بالفعل لتقييم المدن المضيفة، وينبغي لهذه العناية المدققة أن تنصب أيضاً على المعلومات المتاحة للجمهور العام عن الانتهاكات الحقوقية، وبخاصة في صلتها باستضافة الألعاب الأوليمبية. فالمتفرجون لا يريدون التشجيع في ملاعب لم يتكلف بناؤها ملايين الدولارات فحسب ـ بل العشرات من الأرواح البشرية أيضاً. وبوسع مواقع التواصل الاجتماعي أن ترسل خبر ميدالية ذهبية ليدور حول العالم في ثوان، لكنها قادرة أيضاً على إرسال صور مدافع الماء والمتظاهرين السلميين المعتدى عليهم.

وينبغي في اختيار الدول المضيفة مستقبلاً أن يتضمن تقييماً شاملاً وجاداً لالتزام الحكومات باحترام حقوق الإنسان امتثالاً للمعايير الحقوقية الدولية، علاوة على "المبادئ الأساسية" للميثاق الأوليمبي. ويمكن بسهولة إدراج هذه المعايير في نموذج ترشيح اللجنة الأوليمبية الدولية للدول المضيفة، كما يجب تسهيل الامتثال من خلال النشر العلني لعقود المدن المضيفة، لصالح المزيد من الشفافية.

وبالنسبة لجميع الأحداث الرياضية الضخمة المقبلة، يجب لتقييم المرشحين أن يشتمل على مؤشرات حقوقية، تتضمن تلك المتعلقة بحرية الإعلام والإنترنت، والتعويض العادل عن عمليات الإخلاء القسري، وحقوق العمالة للعمال الذين يشيدون الملاعب، وتدابير حماية للنشطاء والمتظاهرين السلميين، وتدابير حماية من التمييز، بما فيه القائم على العرق أو الدين أو السياسة أو النوع أو الجنسية أو الإعاقة أو التوجه الجنسي والهوية الجنسية.

وعلى الاتحادات الرياضية ألا تقيم البطولات في دول لا ترحب بالمرأة كمتفرجة، أو حيث يمكن أن تتعرض للاعتداء أو الاعتقال لقيامها بتشجيع أحد الفرق. ويمكن للاتحادات الرياضية، كما يجب عليها، أن تقوم بدور إيجابي في إلغاء التمييز من خلال الإصرار على نيل المرأة حقوقاً متساوية في الوصول إلى الأحداث والبطولات الرياضية الضخمة، التي لا يجب أن تقبل السياسة التي تقصر المشاهدة على الذكور، كما في إيران. وعلى القادة الرياضيين أن يجهروا بالإعلان عن عدم تأييد مضيفي الأحداث الرياضية الضخمة الذين ينتهكون أسس الرياضة.

لقد حان وقت تسوية الملعب ووضع حد للكلفة البشرية الباهظة الناجمة عن منح الأحداث الرياضية الضخمة إلى حكومات قمعية. ومن خلال إطلاق إصلاحات "جدول أعمال 2020"، التي تتضمن تدابير حماية حقوقية للمرة الأولى، بدأ رئيس اللجنة الأوليمبية توماس باخ في اتخاذ خطوات طال انتظارها في هذا الاتجاه. واللحظة الآن مواتية للفيفا وغيره من الهيئات الرياضية الدولية للشروع في الإصلاح بدورها، فلا يمكن تنظيم حدث رياضي عالمي ناجح حقاً في دول توجد بها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

 

مينكي وردن هي مديرة برنامج المبادرات العالمية في هيومن رايتس ووتش.