"التقاليد!" كذا أعلن تيفي بائع الحليب، في افتتاحية المسرحية الاستعراضية "العابث على السطح".. "التقاليد!"

إن استدعاء تيفي لما هو مألوف وتقليدي كطبقة عازلة تحول دونه وتقلبات حياته الصعبة، إنما هو استدعاء مقبول وحقيقي. فعلى كل حال، ما هو الأكثر بعثاً على الطمأنينة والراحة من معتقدات وممارسات الماضي؟

ولهذا ظهر للوهلة الأولى أن القرار الصادر عن مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2012 قراراً حميداً.

القرار الذي دعت إليه روسيا دعا إلى "تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية من خلال فهم أفضل للقيم التقليدية للبشرية". يحذر القرار أنه لا يمكن التعلل بالقيم لخرق الحقوق، بل ويذكر أيضاً مواثيق أساسية لحقوق الإنسان كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإعلان فيينا لعام 1993، بينما هو في الوقت نفسه يدعو إلى إجراء استبيان بـ "الممارسات الفضلى".. كل ذلك باسم "تعزيز وحماية حقوق الإنسان وكفالة الكرامة الإنسانية".

من على السطح، هذا القرار يستحق كل الإشادة والترحيب.

لكن بالنظر إلى سياق القرار يظهر أن القيم التقليدية تستخدم عادة كمبرر لتقويض حقوق الإنسان. وبإعلان "جميع الثقافات والحضارات بتقاليدها وعاداتها وأديانها ومعتقداتها تتشارك في مجموعة مشتركة من القيم" يتذرع القرار بنظام قيمي وحيد، المفترض أن ثمة اتفاق حوله، في تجاهل التنوع والاختلاف، متجاهلاً الطبيعة الدينامية للممارسات التقليدية والقوانين العرفية، مقوضاً عقوداً من التقدم بمجال احترام حقوق المرأة والمثليات والمثليين وغير ذلك من حقوق فئات أخرى كثيرة من الناس.

لقد وثقت هيومن رايتس ووتش في شتى أنحاء العالم كيف أن عناصر التقاليد والأعراف التمييزية قد عرقلت – لا حسنت – الحقوق الاجتماعية والسياسية والمدنية والثقافية والاقتصادية للناس.

في السعودية، تتذرع السلطات بالقيم الثقافية والتعاليم الدينية في حرمان النساء والفتيات من الحق في المشاركة في الأنشطة الرياضية، فهي "خطوات الشيطان" على طريق الرذيلة، كما قال عنها أحد كبار رجال الدين (خطوات الشيطان، 2012). في الولايات المتحدة في مطلع التسعينيات كانت "القيم التقليدية" هي الحجة الأساسية لـ "الحرب الثقافية"، الحملة التي أطلقها القس بات روبرتسن، وقوامها مدونة لقمع حقوق المثليات والمثليين وذوي التفضيل الجنسي المزدوج ومتحولي الجنس وحقوق المرأة التي زعم المذكور أنها تقوض ما يصفه بـ "قيم الأسرة". وفي يومنا هذا، نفس الحجج المتكررة يستخدمها اليمين الديني الأمريكي – الذي يستخدم نفس لغة المعارضين لزواج المثليين ويتهم الخصوم السياسيين بتقويض التقاليد و"الحضارة الغربية". وفي كينيا تميز القوانين العرفية لبعض المجتمعات العرقية ضد النساء فيما يخص حقوق الملكية والمواريث، بينما دعم بعض الزعماء التقليديين تغيير هذه القوانين، فقد دافع آخرون عنها بصفتها تجسيد "للتقاليد" (معايير مزدوجة، 2003). كما قالت لنا سيدة: "يتحدثون عن القيم الأفريقية، لكن لا توجد هنالك تقاليد تُذكر.. ليس غير ازدواج المعايير".

إن القانون الدولي لحقوق الإنسان – ويشتمل على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وبروتوكول الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الخاص بحقوق المرأة في أفريقيا – يدعو إلى تحويل وتبديل الممارسات العرفية والتقليدية التي تنتهك حقوق الإنسان، بما يزيل العناصر التمييزية منها.

ولقد ذكرت أيضاً هيئات مراقبة مواثيق حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، مثل لجنة حقوق الطفل ولجنة مناهضة التعذيب، أن الأعراف والتقاليد لا يمكن التذرع بها كمبرر لانتهاك حقوق الإنسان. قال أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون في يونيو/حزيران 2012 في مهرجان أفلام هيومن رايتس ووتش: "في جميع مناطق العالم، يعاني المثليون والمثليات من التمييز، في العمل وفي البيت وفي المدارس وفي جميع مناحي الحياة اليومية... لا يمكن لأي عرف أو تقاليد، ولا لأي قيمة ثقافية أو معتقد ديني، أن تبرر حرمان الإنسان من حقوقه".

لكن مثل هذه التصريحات الجديرة بالاعتماد والاتباع لم تغير كثيراً في الدعم الواسع في أوساط دول الأمم المتحدة الأعضاء للقرارات التي تدعم "القيم التقليدية". لم يقتصر الأمر على مرور وصدور قرار مجلس حقوق الإنسان في سبتمبر/أيلول بسهولة – 25 صوتاً مع و15 ضد و7 ممتنعون – بل كان هذا القرار الحلقة الأخيرة في سلسلة من جهود روسيا لوضع مجموعة مجردة من القيم الأخلاقية العالمية بصفتها مُرشد معنوي واسع لحقوق الإنسان. في أكتوبر/تشرين الأول 2009 على سبيل المثال، أصدر مجلس حقوق الإنسان قراراً يطالب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان لعقد ورشة عمل خبراء "عن كيفية التوصل لفهم أفضل للقيم التقليدية للبشرية... بما يسهم في تعزيز وحماية حقوق الإنسان". وفي مارس/آذار 2011 تبنى المجلس قراراً ثانياً يطالب بدراسة كيفية تعزيز وحماية "الفهم الأفضل والتقدير للقيم التقليدية" لحقوق الإنسان.

يجب ألا تكون التقاليد بعيدة عن معايير ومبادئ حقوق الإنسان الدولية. بالنسبة للكثيرين ممن يعيشون في المناطق الريفية، مثل أفريقيا جنوب الصحراء، فإن القيم التقليدية تُفسر في قوانين عرفية قد تكون هي المصدر الوحيد لأي شكل من أشكال العدالة. كما أن ليس كل ما ورد في قرار مجلس حقوق الإنسان سيئاً. فهو على سبيل المثال لا يشير بالضرورة إلى إجماع عالمي (العديد من الدول، بينما دول عالم ثالث، لا تدعم القرار)، وورد في نصه تحديداً أن "لا تُستخدم التقاليد في تبرير ممارسات تناقض الكرامة الإنسانية وتخرق القانون الدولي لحقوق الإنسان".

لكن لسوء الطالع، فهذه الصياغة قد تبدو مفارقة للواقع الذي تُستخدم فيه "التقاليد" كثيراً كمبرر للتمييز وقمع الحقوق والحريات – لا سيما حقوق المرأة وفئة المثليات والمثليين وفئات أخرى – وكثيراً ما يُختطف هذا المبدأ من قبل دول عاقدة العزم على خرق حقوق جماعات بعينها وفي سحق الحريات الاجتماعية والسياسية والقانونية بشكل أوسع.

في مثل هذه المناخات فإن "القيم" تسبق حقوق الإنسان وتعلوها، بينما من الواجب أن تعلوها حقوق الإنسان.

تقييد الحقوق وتجاهل الحقوق

هناك تبعات سلبية محتملة على الكثير من الجماعات والفئات من الناس حينما تعلو القيم التقليدية على حقوق الإنسان – لكن ليست هذه التبعات سواء في كل الحالات.

بالنسبة للنساء – اللائي يقع على كاهلهن عبء احترام المعايير الحضارية والقيم في حالات كثيرة – يمكن أن تستخدم القيم التقليدية كأداة لتقييد حقوقهن الإنسانية. أظهرت هيومن رايتس ووتش كيف أن هذه "القيم" تستخدم أحياناً في تبرير الزواج القسري في أفغانستان، وكشوف العذرية في أندونيسيا و"جرائم الشرف" في العراق، والاغتصاب الزواجي في قرغيزستان. وفي اليمن، كان إلغاء الحد الأدنى لسن الزواج بناء على أسانيد دينية في عام 1999 مدخلاً لأن تتزوج الفتيات في سن قد تصل إلى الثامنة، إلى رجال أكبر سناً بكثير في أغلب الحالات، وبعضهن يتعرضن للاغتصاب، وهن فتيات لم يبلغن بعد، دون تبعات قانونية لهذه الحوادث (كيف تسمحون للفتيات الصغيرات بالزواج؟ 2011). في بنغلادش، على النقيض من الهند المجاورة لها، فإن حتى أكثر طلبات النساء الهندوسيات وناشطات حقوق المرأة الأكثر اعتدالاً – مثل الطلاق بناء على أسباب قليلة تشمل التعرض للقسوة أو هجر الزوج للزوجة – لم يتم الفصل فيها منذ عشرات السنين، من قبل منتقدين لمثل هذه المطالبات، يتذرعون بأسباب "دينية" (هل أنال حقوقي... قبل أن أموت؟ 2012).

بينما يوافق الكثير من نواب البرلمان اليمني على أن السن الدنيا للزواج مسألة ضرورية لحماية حقوق الفتيات الصغيرات، فقد ظلوا رهينة مجموعة صغيرة لكن صاحبة نفوذ واسع، من البرلمانيين المعارضين لوضع سن دنيا للزواج بناء على أسباب من قبيل "منع انتشار الرذيلة" وتقويض "قيم الأسرة".

بالنسبة للمثليين والمثليات وذوي التفضيل الجنسي المزدوج ومتحولي الجنس، فإن حجة القيم التقليدية قد لا تستخدم فحسب في الحد من حقوقهم الإنسانية، بل قد تستخدم لإنكار وجودهم تماماً. السبب أن القيم التقليدية تميل لوصم المثلية الجنسية كمسألة أخلاقية تماماً، وليس قضية حقوقية.. تعتبرها ابتلاء اجتماعي لابد من احتوائه بل والقضاء عليه لصالح الآداب العامة.

الآداب العامة في حدود واضحة وصارمة – كما يذكرها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية  ويقر بها – قد تستخدم كسبب مشروع لتقييد بعض الحقوق مؤقتاً. لكن لابد ألا تستخدم في كل الحالات من أجل التحيزات أو مساواتها برأي الأغلبية، ولا يجب أن تستخدم أبداً كمبرر لخرق أحكام عدم التمييز الواردة في العهد الدولي.

لكن هذا ما يحدث في أغلب الحالات.

في عام 2008 على سبيل المثال أظهرت هيومن رايتس ووتش كم أن قوانين "التعدي على الآداب العامة" فضفاضة الصياغة مبهمة التعريف تستخدم في تركيا للرقابة على وإغلاق منظمات حقوق المثليات والمثليين وفي مضايقة واضطهاد المثليات والمثليين (نحتاج إلى قانون للتحرر). بعد عام، تذرعت اللجنة الفلبينية للانتخابات بـ "الأخلاق" و"الآداب" و"التقاليد الحميدة" و"الآداب العامة" عندما رفضت طلب جماعة لحقوق المثليات والمثليين وذوي التفضيل الجنسي المزدوج ومتحولي الجنس بالتسجيل كمنظمة سياسية. رفضت المحكمة الفلبينية العليا هذه الحجة في عام 2010، ورأت أن الديمقراطية تستبعد "استخدام الآراء الدينية أو الأخلاقية لجزء من المجتمع في استبعاد قيم أطراف أخرى في المجتمع".

بالمثل، في مستعمرات سابقة عديدة لبريطانيا، منها نيجيريا وماليزيا، يتم استخدام مصطلحات أخلاقية مثل "الفجور البين" و"تعدي شهواني على مقتضيات الطبيعة" في رفض المثلية الجنسية، بدعوى وجود قيم تقليدية مجسدة في قوانين، هي في واقع الأمر حديثة إلى حد بعيد، وتعود بالأساس إلى الحقبة الاستعمارية. في تقرير صدر عام 2008 "هذا الإرث الأجنبي" على سبيل المثال، ألقت هيومن رايتس ووتش الضوء على السخرية الكامنة في وجود قوانين أجنبية تُرى على أنها "قلاع لحماية الأمة والهوية الحضارية". "المثلية الجنسية، كما يزعمون الآن [القضاة والشخصيات العامة والقيادات السياسية] تأتي من الغرب المستعمر"، كما ورد في التقرير.. "نسوا أن الغرب هو من جلب أول قوانين تمكن الحكومات من منع المثلية وقمعها".

في كل من أوغندا وماليزيا ومولدوفا وجامايكا، ترفض الدولة منح حقوق المثليات والمثليين ومزدوجي التفضيل الجنسي ومتحولي الجنس، بزعم أن المثلية الجنسية "ليست في ثقافتنا". وقد قال ألكسندروكوردونينو نائب عمدة سيشيناو في عام 2007 بعد أن منعت عاصمة مولدوفا مظاهرة لنشطاء حقوق المثليات والمثليين للعام الثالث على التوالي: "جميع الدول تحكمها المبادئ. مولدوفا تحكمها المبادئ المسيحية، ولهذا لا يمكننا أن نسمح لكم بمناقضة الأخلاق والدين المسيحي ونسمح بهذا الموكب".

أداة للقمع

لا تتعارض القيم التقليدية دائماً مع حقوق الإنسان، بل إنها تدعمها أحياناً.

في كردستان العراق على سبيل المثال، حيث تم استغلال التقاليد والآداب والإسلام لتبرير استمرار تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية من جيل إلى جيل، أصدرت أعلى سلطة دينية إسلامية فتوى في يوليو/تموز 2012 من توقيع 33 إماماً وعالماً، ورد فيها أن الإسلام لا يطالب بالختان (تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية) (أخذوني ولم يخبروني بشيء، يونيو/حزيران 2010). لكن من المؤسف أن تنفيذ قانون العنف الأسري الذي بدأ نفاذه على الورق في 11 أغسطس/آب 2011 وضم عدة مواد للقضاء على تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، كان متواضعاً وضعيفاً.

كما تم إحراز بعض التقدم في تكييف أو حظر قيم "تقليدية" لا تحترم حقوق الإنسان. قانون القضاء على العنف ضد المرأة لعام 2009 في أفغانستان على سبيل المثال، جرّم القانون الـ "باد" وهي ممارسة بموجبها تتم تسوية النزاعات في المجتمع المحلي عن طريق إعطاء النساء أو الفتيات كتعويض على جرائم، رغم أن تنفيذ القانون كان ضعيفاً. كما عدلت عدة دول من قوانينها المتصلة بالأسرة – الوعاء الحامل للعديد من التقاليد – بدرجات متفاوتة، بما يُظهر المساحة المتوفرة للتفاوض والتغيير الدائم من أجل تحسين حقوق المرأة بدلاً من وضعها في إطار استاتيكي جامد هو إطار "القيم التقليدية".

وهناك عدة قضايا ينظرها القضاء – منها في جنوب أفريقيا وكينيا وبتسوانا (التي صوتت ضد قرار مجلس حقوق الإنسان) – تُظهر أيضاً أنه ليس من الضروري للممارسات التقليدية التي تحد من الحقوق أن تكون لها اليد العليا فوق قوانين الأمم المحترمة لحقوق الإنسان.

في عام 2008 على سبيل المثال رأت المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا بصحة حصول ابنة على منصب الزعيم المحلي بعد والدها، بما يتفق مع دستور البلاد، وضد حجة خصمها في القضية بأن القيادة يجب أن تكون للذكر. أثناء إصدار المحكمة للحكم، أشارت في الحيثيات إلى أنه ليس من الضروري أن تبقى التقاليد جامدة دون تغيير، وأنه يجب أن تلتزم التقاليد بمعايير حقوق الإنسان التي هي مهاد الدساتير التي تحترم الحقوق.

قضت المحاكم الكينية في عامي 2005 و2008 بأنه على الرغم من القوانين العرفية لبعض الجماعات العرقية التي تميز الأبناء في الإرث، فلابد من أن يكون للبنات نصيب مساوي من إرث الأب. أشارت المحاكم إلى أنه عندما يكون التمييز هو الفيصل، فلابد أن تكون اليد العليا لحقوق الإنسان. منذ ذلك الحين عدلت كينيا دستورها بما يضمن المساواة للمرأة في حقوق الأرض والملكية.

في الوقت نفسه، قضت المحكمة البتسوانية العليا في أكتوبر/تشرين الأول 2012 لصالح أربع شقيقات ناضلن لمدة 5 سنوات ضد ابن أخ يزعم أنه المالك القانوني لبيت العائلة. قضت المحكمة بأن القوانين العرفية التي يسند إليها ابن الأخ قضيته تتعارض مع الضمانات الدستورية الخاصة بالمساواة بين المرأة والرجل. تناقلت التقارير أن النائب العام وافق على أن القوانين العرفية تمييزية، لكن جادل بأن بتسوانا ليست مستعدة للتغيير. قالت المحكمة أن: "الثقافة تتغير بمرور الوقت".

إلا أن هذه الأمثلة نادرة.

في أحيان كثيرة تكون "القيم التقليدية" فاسدة، تخدم كأداة مفيدة في يد الحكومات وأصحاب المصالح المالية من أجل القمع. في روسيا، التي دفعت من أجل قرار مجلس حقوق الإنسان، كان ضم القيم التقليدية إلى عالم حقوق الإنسان يتم وسط حملة قمعية حكومية عنيفة على المجتمع المدني والإعلام، ضمن جهد منسق من أجل التراجع على مسار المكتسبات المتحققة للمرأة والمثليات والمثليين وذوي التفضيل الجنسي المزدوج ومتحولي الجنس في روسيا.

وفي عام 2012 أصبحت سان بطرسبرغ واحدة من تسع مناطق روسية إلى تاريخه تتبنى ما يُعرف بمسمى "قوانين الدعاية المثلية" التي تجرم التكريس لـ "تصورات مشوهة" عن "المساواة الاجتماعية للعلاقات التقليدية وغير التقليدية في نطاق الأسرة". برر وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف هذه القوانين – التي أيدتها المحكمة العليا الروسية في أكتوبر/تشرين الأول – بأن دفع بأن حقوق المثليات والمثليين وذوي التفضيل الجنسي المزدوج ومتحولي الجنس مجرد "إضافة تذييلية" إلى القيم العالمية. هناك نقاش محتدم حول تفعيل تشريع مشابه يربط بين المثلية الجنسية والإساءة إلى الأطفال، في موسكو وعلى المستوى الاتحادي.

في عام 2010 أيدت المحكمة الدستورية الروسية إدانة الناشطة المثلية إيرينا فيدوتوفا لارتكابها مخالفة إدارية بموجب قانون جهوي بعد أن عرضت ملصقات بالقرب من مدرسة في مدينة رايزان، جنوب شرقي موسكو، أعلنت فيها أن "المثلية مسألة طبيعية" و"أنا فخورة بمثليتي الجنسية". قضت المحكمة بأن "قانون الدعاية المثلية" الذي تبنته المدينة في عام 2006 لا يتدخل في حرية تعبير فيدوتوفا، بما أن "المفاهيم التقليدية للأسرة والأمومة والطفولة" هي قيم تستوجب "حماية خاصة من الدولة".

إلا أن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان – وهي هيئة الخبراء التي تراقب التزام الدول بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – كان لها رأي مختلف، فقضت في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 بأن روسيا تخرق حرية التعبير كما نص عليها العهد. قالت اللجنة أن: "أغراض حماية الآداب لابد أن تكون مستندة إلى مبادئ غير مشتقة بشكل حصري من قيمة واحدة من القيم".

مُثل تثير الارتياح

ليست صدفة إذن أن القيم التقليدية – والدفع المتصل بها ضد حقوق المثليات والمثليين وذوي التفضيل الجنسي المزدوج ومتحولي الجنس – تجد لها جمهوراً يتزايد اتساعاً واحتشاداً في هذه الفترة، على المستوى الدولي.

هناك في بعض الحالات سياق محدد، كما في روسيا مع الرئيس فلاديمير بوتين، وحملته القمعية التي تستهدف المجتمع المدني وجهود روسيا من أجل كبح جماح أدوات حقوق الإنسان الدولية مع تشجيع الحلفاء الذين يفكرون مثل روسيا على فعل المثل. في دول أفريقيا جنوب الصحراء، مثل زيمبابوي وأوغندا، فإن مشكلة الإيدز والأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية، جعلت المشرعين يهرولون إلى إصدار تشريعات قمعية بشكل متزايد ضد المثلية الجنسية على أساس أن هذا أمر مطلوب وضروري لحماية القيم والتقاليد الأفريقية في مواجهة القيم الأجنبية الدخيلة.

وبشكل أكثر عمومية، فإن المناخ الحالي من انعدام اليقين السياسي والتوترات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية في الكثير من دول العالم يشجع على الاستعانة بالجوهر العالمي الذي تزعم التقاليد أنها تجسده. في أوغندا كما أظهرت هيومن رايتس ووتش في 2012 (شل الانتقادات) قمعت الحكومة منظمات المجتمع المدني وبررت ذلك جزئياً بدعاية ضد المثلية الجنسية، وسط توترات سياسية متزايدة، وانتقادات عامة متصاعدة، ومع طموح الرئيس يويريموسيفيني في فترة رئاسية جديدة بعد انتخابات 2016.

إن لوم جماعة واحدة على المصائب التي يبتلى بها المجتمع مسألة سهلة ومغرية في مواجهة الاضطرابات وانعدام الاستقرار. إن المثليين والمثليات – الذين يعيشون عادة في السر بسبب القوانين والمحاذير الاجتماعية ضد المثلية – يكونون في أحيان كثيرة هدفاً للذعر الأخلاقي الذي قد يندلع في أي وقت وسط الأزمات المجتمعية. في جامايكا يُرى الرجال المثليون تحديداً على أنهم حملة التحلل الأخلاقي، مما أدى إلى حملات جماهيرية حادة تنتهي عادة بالعنف، كما في هجوم عدد من الناس في يونيو/حزيران 2004 على رجل تصوروا أنه مثلي، في مونتيغو باي. طاردت العصابة الرجل وتناقلت التقارير أنهم "قطعوه إرباً وطعنوه ورجموه" حتى الموت، بتشجيع من الشرطة (كراهية مميتة، 2004).

وفي زيمبابوي، حيث كثيراً ما يجد المثليون والمثليات أنفسهم يتعرضون لـ "الشيطنة"، تأتي حملات كراهية المثليين إثر الانتخابات دائماً، مع إثارة الرئيس روبرت موغابي لمشكلة المثلية في محاولة لإبعاد الانتباه عن مشكلات البلاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المهمة. في عام 1995 مع تراجع مكانته الإقليمية، أطلق موغابي هجمة شنعاء على المثليين، وقال عنهم إنهم "يؤذون قوانين الطبيعة وآداب المعتقدات الدينية التي يعتنقها مجتمعنا". في عام 2012 كانت موليكات أكاندى أديولا – رئيسة الأغلبية بمجلس النواب النيجيري – واضحة تماماً في خطابها هذا عندما أعلنت دعم قانون ضد حقوق المثليات والمثليين بعد أن مر بمناقشته الثانية. قالت: "هو أمر الغريب على مجتمعنا وثقافتنا ويجب ألا نستورده. الدين يكره هذا الشيء ولا مكان في ثقافتنا له".

تحول.. لا رفض

لم تعارض حركات حقوق الإنسان تواجد القوانين العرفية والقوانين الدينية والتقاليد، بل هي تعارض تلك المناحي في تلك القواعد والقوانين التي تنتهك حقوق الإنسان.

نتيجة لهذا، فإن المهمة التي بين أيدينا الآن هي مسألة تحول، لا رفض.. كما ينعكس في القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يطالب بألا تخرق الممارسات والقيم التقليدية حقوق الإنسان، مع إبعاد العناصر التمييزية منها. وكما ورد في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة فإن على الدول "تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة، بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على الاعتقاد بكون أي من الجنسين أدنى أو أعلى من الآخر، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة".

قالت المحكمة العليا البتسوانية في حكمها بتاريخ أكتوبر/تشرين الأول 2012 لصالح الشقيقات الأربع اللاتي ناضلن من أجل بيت الأسرة في مواجهة القانون العرفي: "الثقافات تتغير مع الوقت". هذه هو صميم القضية. الثقافات تتغير مع الوقت.

إن التذرع بأفكار جامدة ومبهمة عن "العادات" لا يخفق فقط في أخذ هذه التغيرات في الحسبان، بل إنها تتسبب بتحجر المجتمع. الخطر مبعثه أنه بدلاً من تطوير حقوق الإنسان والحريات الأساسية، فإن قرار مجلس حقوق الإنسان ودعوته إلى "فهم أفضل للقيم التقليدية" يمكن أن يستخدم كمبرر لدفن الحقوق تحت جبل من النسبية الثقافية؛ بما يهدد بانتكاسة في حقوق المرأة واستبعاد للمثليين والمثليات ومزدوجي التفضيل الجنسي ومتحولي الجنس من إطار عمل حقوق الإنسان.

غرايم ريد هو مدير قسم حقوق المثليات والمثليين وذوي التفضيل الجنسي المزدوج ومتحولي الجنس