شهدت تونس في 2019 ثاني انتخابات تشريعية ورئاسية منذ اعتماد الدستور الجديد في 2014. أثناء الحملة، ركّز المرشّحون على مناقشة إصلاح الاقتصاد والبرامج الاجتماعية للحكومة، واهتموا بشكل أقل بالحريات الفردية ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان السابقة.

تسبّب بعض المرشّحين لأول مرة في زعزعة السباق الانتخابي، وألقت التدابير التشريعية والقضائية، التي صُممت على ما يبدو لتقويض أبرزهم، بظلالها على نزاهة العملية برمتها.

أبرزت وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي في يوليو/تموز مخاطر الاستمرار في عدم إنشاء المحكمة الدستورية، إذ كان يُمكن لهذه المؤسسة الدستورية معالجة النزاعات التي نشأت عن تأويلات الدستور للحالات عندما يكون الرئيس غير قادر على أداء مهامه. غياب المحكمة الدستورية تسبب أيضا في تقويض حماية الحقوق لأنها لم تكن موجودة لتبتّ في دستورية القوانين القمعية.

ظلّت حالة الطوارئ مستمرة كامل السنة، وجدّدها الرئيس السبسي ومن بعده الرئيس المؤقت محمد الناصر.

تنفيذ الدستور

تقاعس البرلمان مجددا عن انتخاب حصّته من أعضاء المحكمة الدستورية، ما أعاق انتخاب وتعيين بقية الأعضاء من قبل "المجلس الأعلى للقضاء" ورئيس الجمهورية على التوالي.

غياب المحكمة الدستورية قابله استمرار في تطبيق التشريعات القمعية، مثل القوانين المجرّمة للتعبير، دون أي فرصة للاعتراض على دستوريتها. عدّل البرلمان القانون الانتخابي قبل الانتخابات بأشهر قليلة بطريقة بدت وكأنها تهدف إلى إقصاء مرشحين محدّدين عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية عبر إجراءات طُبِّقت بأثر رجعي. لو كانت المحكمة الدستورية قائمة، لكانت على الأرجح أخضعت تعديلات القانون الانتخابي لتدقيق دستوري. لكن في كل الحالات، لم يدخل هذا القانون حيز النفاذ لأن رئيس الجمهورية لم يوقّع عليه.

لم ينتخب البرلمان أيضا أعضاء في عدة هيئات دستورية أخرى، مثل "هيئة حقوق الإنسان" و"هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد".

حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمّع والضمير

استمرت السلطات التونسية في محاكمة التعبير السلمي بالاعتماد على فصول قمعية في "المجلة الجزائية" وغيرها من القوانين رغم اعتماد "المرسوم رقم 115" في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 بشأن حرية الصحافة، الذي حرّر الإطار القانوني المنطبق على الصحافة المكتوبة. أثرت الملاحقات القضائية المستمرة على المبلّغين والمبلّغين المحتملين.

أوقفت الشرطة ياسين حمدوني في منزله بتونس العاصمة في 28 مايو/أيار، واقتادته إلى "فرقة مكافحة الجريمة" في القرجاني، واستجوبته بشأن منشورَيْن على فيسبوك في مايو/أيار 2019. اتهم حمدوني في المنشورَيْن مسؤولا أمنيا كبيرا بالفساد لاستخدامه سيارة رسمية لأغراض خاصة. في 6 يونيو/حزيران، أدانت محكمة ابتدائية في تونس حمدوني بالتشهير ونشر "معلومات كاذبة"، واتهام المسؤولين بارتكاب مخالفات دون تقديم دليل، و"إيذاء الآخرين عبر شبكات الاتصالات العامة"، وحكمت عليه بالسجن عاما. خُفضت المدة إلى ستة أشهر عند الاستئناف.

قوّضت السلطات أيضا حرية الضمير باستخدام بند غامض في المجلة الجزائية حول "الاعتداء على الأخلاق الحميدة" لإدانة عماد الزغواني، صاحب مقهى في القيروان، يوم 29 مايو/أيار 2019 لإبقائه المقهى مفتوحا خلال ساعات الصوم في رمضان. أمضى الزغواني عشرة أيام في السجن قبل أن تقضي محكمة بسجنه لمدة شهر مع تأجيل التنفيذ وغرامة بـ 300 دينار (100 دولار أمريكي).

نصّ قانون "السجل الوطني للمؤسسات"، الذي اعتُمد في 2018، على أن تمتثل الجمعيات الجديدة والقائمة لإجراءات تسجيل جديدة كجزء من ردّ تونس على تقرير " فريق الإجراءات المالية الدولية" لسنة 2017، الذي اعتبر تونس مقصّرة في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. عبّرت بعض الجمعيات التونسية عن قلقها من أن يكون هذا الشرط الجديد خطوة إلى الخلف مقارنة بقانون الجمعيات الليبرالي لسنة 2011، الذي سمح للجمعيات بالتسجيل من خلال بطاقة الإعلام بالبلوغ.

العدالة الانتقالية

اعتمدت تونس في 2013 قانونا بشأن جرائم الماضي، تضمّن إنشاء "هيئة الحقيقة والكرامة" التي من صلاحياتها التحقيق في جميع الانتهاكات الحقوقية الخطيرة بين 1955 و2013، ومحاسبة أعمال التعذيب والإخفاء القسري وغيرهما من انتهاكات الماضي. استلمت الهيئة خلال سنوات عملها من 2013 إلى 2018 أكثر من 62 ألف تظلم وعقدت جلسات سرية في أكثر من 50 ألف منها.

في 26 مارس/آذار، نشرت الهيئة تقريرها المؤلف من خمسة مجلدات، والذي حللت فيه وكشفت عن كبار المسؤولين ومؤسسات الدولة المتورطين في انتهاكات حقوقية منهجية على مدى خمسة عقود. وثّقت الهيئة الدور الذي لعبه الرئيسان السابقان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وآخرون في التعذيب والاحتجاز التعسفي والعديد من الانتهاكات الأخرى. وثّقت الهيئة ليس فقط الانتهاكات التي طالت المعارضين السياسيين، وإنما أيضا عائلاتهم، والتي شملت اعتداءات جنسية على زوجات وبنات وجوه المعارضة. ذكرت الهيئة اسم الرئيس قائد السبسي، الذي توفي في وقت لاحق من 2019، واتهمته بالتواطؤ في التعذيب لما كان وزيرا للداخلية في حقبة بورقيبة بين 1965 و1969.

كلّف القانون الهيئة أيضا بإحالة قضايا التعذيب والاختفاء القسري وغيرها من الانتهاكات الخطيرة إلى 13 دائرة قضائية متخصصة أنشئت ضمن منظومة المحاكم العادية لمحاكمة المتورطين في انتهاكات حقوقية خطيرة منذ 1955. عند انتهاء عملها، كانت الهيئة قد أحالت 173 قضية لانتهاكات حقوق الإنسان على المحاكم المتخصصة، منها قضايا تعذيب واختفاء قسري واعتقال تعسفي.

أطلقت المحاكم المتخصصة 38 محاكمة في مختلف أنحاء البلاد، شملت 541 ضحية و687 متهما. في 13 منها على الأقل، لم يحضر المتهمون، بينما حضر محاموهم في 16 أخرى. أول قضية أمام المحاكم المتخصصة كانت تتعلق بالاختفاء القسري لكمال المطماطي، وهو ناشط إسلامي اعتقلته الشرطة في 1991. انطلقت هذه المحاكمة في قابس يوم 29 مارس/آذار 2018، وهي مستمرة حتى كتابة هذا التقرير.

مكافحة الإرهاب والاحتجاز

حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس السبسي في 2015، وتم تجديدها بشكل متكرر بعد عدد من الهجمات التي شنّها متطرفون مسلحون، لا تزال سارية حتى كتابة هذا التقرير. أعلن السبسي حالة الطوارئ لأول مرة بعد هجوم انتحاري استهدف حافلة في 2015، تبنّاه تنظيم "الدولة الإسلامية" المتطرف (المعروف أيضا بـ داعش)، وراح ضحيته 12 عونا من الأمن الرئاسي. يخوّل مرسوم الطوارئ للسلطات حظر الإضرابات والمظاهرات التي تعتبرها تهديدا "للنظام العام". عملا بهذا المرسوم، وضعت السلطات مئات التونسيين قيد الإقامة الجبرية.

خففت الحكومة من إجراءات الإقامة الجبرية في 2018، غير أن العديد من الذي ظلوا تحت الإقامة الجبرية كانوا أيضا ممنوعين من السفر بموجب إجراء يعرف بـ "S17" الذي ينطبق على كل من تشتبه الدولة في أنه ينوي الالتحاق بجماعة مسلحة في الخارج. يسمح الإجراء بتقييد تنقل الأشخاص في الداخل أو إلى الخارج. كل شخص خاضع لإجراء S17 قد يخضع لاستجواب مطوّل كلما أوقف في فحص روتيني للشرطة.

في 7 فبراير/شباط، أعلن وزير الداخلية هشام الفراتي أنه لا يستطيع تقديم عدد المواطنين المشمولين بإجراء S17 بدقة. قال أيضا إن أكثر من 800 مواطن اعترضوا على هذا الإجراء في المحاكم، و51 ومنهم كسبوا قضاياهم.

لا يزال العنف في مراكز الشرطة والسجون شائعا، حيث أبلغت منظمات غير حكومية تونسية عن عشرات حالات التعذيب المزعومة في 2018. حصلت حالة وفاة مشبوهة في بوحجلة، بلدة صغيرة في ولاية القيروان، حيث اعتقلت الشرطة البائع المتجوّل عبد الرزاق السالمي (58 عاما) يوم 8 يونيو/حزيران بعد شجار مع الأعوان. أعلن أطباء في مستشفى في القيروان عن وفاة السالمي في وقت لاحق من نفس اليوم، وأعلموا النيابة العمومية بأن وفاته مريبة، مشيرين إلى إصابات في وجهه وجسده.  السلطات لم تُصدر تقرير التشريح حتى كتابة هذا التقرير، ولم توجّه أي تهم متصلة بحادثة الوفاة.

لا يزال حوالي 200 طفل و100 إمرة تونسيين يشتبه في انتمائهم أو في انتماء أقارب لهم إلى داعش عالقين دون تهم في ظروف مُزرية في ليبيا والعراق. رفضت السلطات طلبات تقدمت بها عائلات تونسية لإعادتهم إلى بلادهم.

حقوق المرأة

في 2018، أوصت "لجنة الحريات الفردية والمساواة" التي عينها الرئيس، من بين أمور أخرى، بتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، قدمت رئاسة الجمهورية مشروع قانون إلى البرلمان لتحقيق المساواة في الميراث. لم يُحرز المشروع أي تقدم في 2019.

التوجّه الجنسي والهوية الجندرية

رغم قبول تونس بتوصية تتعلق بالقضاء على اختبارات الفحص الشرجي الفاقدة للمصداقية التي تطلبها الشرطة "لإثبات" السلوك الجنسي المثلي أثناء "الاستعراض الدوري الشامل" لتونس في "مجلس حقوق الإنسان الأممي" في مايو/أيار 2017، لم تتخذ الحكومة بعد أي خطوات لتنفيذ ما تعهدت به. استمرت السلطات في محاكمة وسجن مثليين مفترضين بموجب الفصل 230 من المجلة الجزائية والذي ينصّ على عقوبة تصل إلى 3 سنوات سجنا لتهمة "اللواط".

استمرت الحكومة في مضايقة "جمعية شمس"، منظمة غير حكومية مساندة للأقليات الجنسية والجندرية. في 20 فبراير/شباط، استأنفت الحكومة قرارا قضائيا يعود إلى 2016 يؤكد وضع جمعية شمس كمنظمة غير حكومية مسجلة بشكل قانوني. ادّعت الحكومة أن هدف جمعية شمس المُعلَن في نظامها الداخلي بالدفاع عن الأقليات الجنسية يتعارض "القِيَم الإسلامية للمجتمع التونسي الذي يرفض المثلية الجنسية ويحظر مثل هذا السلوك الدخيل". قالت أيضا إن القانون التونسي الذي يجرّم المثلية الجنسية في الفصل 230 من المجلة الجزائية، يحظر إنشاء وأنشطة الجمعيات التي تدّعي الدفاع عن هذه الممارسات. في 20 مايو/أيار، خسرت الحكومة الاستئناف.

في يوليو/تموز، صوّتت تونس في مجلس حقوق الإنسان الأممي لصالح تجديد ولاية الخبير المستقل المعني بالحماية من العنف والتمييز على أساس التوجّه الجنسي والهوية الجندرية.

الأطراف الدولية الرئيسية

في 1 مارس/آذار، قدّم المقرر الأممي الخاص المعني بحرية الدين والمعتقد إلى مجلس حقوق الإنسان تقريرا عن زيارته إلى تونس سنة 2018. تضمن التقرير توصيات تتعلق بالدعوة إلى ضمان قدرة مجتمع البهائيين على "ضمان الشخصية القانونية ليتمكنوا من المجاهرة بمعتقداتهم"، وإلغاء تجريم العلاقات الجنسية المثلية بالتراضي.

في 25 يونيو/حزيران، قدّم المقرر الأممي الخاص المعني بحرية التجمع وتكوين الجمعيات إلى مجلس حقوق الإنسان تقريرا عن زيارته إلى تونس في 2018. أوصى التقرير بإصلاح مشروع قانون الطوارئ لضمان احترامه للحريات المكفولة في الدستور، ومراجعة قانون السجل الوطني للمنظمات لإعفاء الجمعيات من شروط التسجيل التي ينص عليها.