"لا تهمني حقوق الإنسان". قالها رودريغو دوتيرتي متفاخرا في أغسطس/آب 2016، بعد فترة وجيزة من توليه الرئاسة في الفلبين. أسفرت حملة مكافحة المخدرات التي أعلنها دوتيرتي، خلال بضعة أشهر فقط منذ وصوله إلى السلطة، عن قيام الشرطة و"مسلحين مجهولين" بقتل آلاف الفلبينيين دون أي من مظاهر إجراءات التقاضي السليمة. قارن دوتيرتي نفسه بهتلر ووعد بأوسمة لمن ينضمون إلى جهوده، وأعلن أنه سيكون سعيدا بذبح أكثر من 3 ملايين فلبيني وصفهم بـ "مدمني مخدرات".

 

يُصعّب هكذا تبجح محاولة تغيير تصرفات دوتيرتي فقط بالإشارة إلى انتهاك تكتيكاته لحقوق الإنسان الأساسية. لكنه ليس وحده، فهناك جماعات مثل "الدولة الإسلامية" ("داعش")، وطغاة مثل بشار الأسد في سوريا، وشعبويين يتنافسون على النفوذ السياسي في أوروبا والولايات المتحدة. قد يختلف ما سبق عن بعضهم في عدد من النواحي المهمة، إلا أنهم تربطهم جميعا سمة مشتركة مع دوتيرتي: تبنيهم المُعلَن لسياسات تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

يعتبر "الإشهار والفضح" أداة هامة في الدفاع عن حقوق الإنسان، ويزداد تأثيرها عبر كشف مُناصري الحقوق للسلوك المُخالف الذي يحط من سمعة من يستهدفونهم من المنتهكين، وعندما يثبتون أن هؤلاء المنتهكين يخالفون القوانين، أو عندما يُسلّطون الضوء على الأثر المدمر لأعمالهم. إلا أن بعض الجهات على ما يبدو، وبشكل متزايد، تكاد تكون محصنة تماما من هذا النوع من الضغط. لا يسعى "الوقحون" إلى إخفاء انتهاكاتهم أو سياساتهم التي تشكل الانتهاكات دعاماتها الأساسية، بل يتباهون بها ويوظفونها كأدوات انتخابية أو كأدوات لجذب المؤيدين.

يوضح هذا المقال استراتيجيات لمجابهة هؤلاء عبر الانتقال من التركيز عليهم إلى التركيز على شبكات داعميهم الماليين ومزوديهم بالأسلحة (بالنسبة لأولئك المتورطين في انتهاكات بنزاعات مسلحة أو عمليات أمنية). لدى الناشطين الحقوقيين فرصة لجعل هؤلاء الوقحين يعيدون حساباتهم عبر التأكيد على تواطؤ داعميهم معهم في الإساءات، والعمل على فرض إجراءات عقابية مباشرة ضد هؤلاء الداعمين. قد يكون بعض من يمولون أو يسلّحون أكثر عرضة للكشف أمام العامة مقارنة بعملائهم.

 

لكن بما أن التمكين من الانتهاكات وحده قد يرقى لمصاف الجرائم الخطيرة أو الانتهاكات لحقوق الإنسان، فعلى المناصرين أيضا توضيح أن أدوات الإكراه، مثل العقوبات والإجراءات الجزائية كالمحاكمات، تنطبق على الداعمين مباشرة أيضا.

 

على سبيل المثال، أدانت "المحكمة الخاصة لسيراليون" في عام 2012 الرئيس الليبيري تشارلز تايلور لمساعدته وتحريضه على جرائم حرب ارتكبتها جماعة متمردة وحشية في سيراليون المجاورة. أشارت المحكمة إلى دور تايلور في توفير أسلحة ودعم "للجبهة المتحدة الثورية" سيئة الصيت، ومشاركته في تجارة الألماس الدموية، مما ساعد الجبهة في الحصول على تمويل خلال النزاع المسلح في سيراليون. مؤخرا، قال محامو الحكومة الأمريكية، المعنيين بتقييم مخاطر مساعدة قوات التحالف الذي تقوده السعودية في القصف الجوي لليمن، إنهم أخذوا في الاعتبار السابقة القانونية المتمثلة في قضية تايلور عند تقييم دورهم كداعمين.

 

بالطبع، تحتاج هذه التكتيكات، مثل استراتيجيات المناصرة جميعا، لأن تكون متناسبة مع حجم وطبيعة الانتهاكات المرتكبة ودرجة تواطؤ الداعمين. لا يوجد حل موحد للكل، إلا أن التركيز على شبكات المتواطئين، بدلا من منتهكي القوانين أو قادتهم على الخطوط الأمامية فقط، يقدم وسيلة هامة لحماية حقوق الإنسان وتعزيزها.

 

"الإشهار والفضح"

يبرع الناشطون الحقوقيون في استخدام إشهار الانتهاكات للضغط من أجل التغيير. تشعر الحكومات والشركات، حال فضحها، بالعار لوضعها في دائرة الضوء إلى درجة أنها تغيّر تكتيكاتها لتجنب المزيد من الانتقادات.

 

على سبيل المثال، أمر الرئيس النيجيري محمدو بوهاري بإجراء تحقيق خاص حول دور حكومته في الاغتصاب والاستغلال الجنسي لنساء وفتيات نزحن هربا من جماعة "بوكو حرام"، وذلك بعد أيام من نشر تقرير حول هذه المزاعم في أكتوبر/تشرين الأول 2016. بشكل مشابه، جاء قرار حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى بتعليق عمل مدير وحدة شرطة مسيئة في يونيو/حزيران 2016 بعد توثيق الباحثين دوره فيما لا يقل عن 18 حالة إعدام غير قانوني.

أحيانا، تؤدي الإدانة أو خوف المنتهكين من الملاحقة القضائية إلى حصول المناصرين على إمكانية المشاركة في تحديد كيف يمكن لواضعي السياسات تدارك الوضع. على سبيل المثال، أعطى البحث المستفيض حول استخدام عمالة الأطفال في التعدين فرصة للمناصرين لتشكيل إجراءات توجيهية لبذل العناية الواجبة من أجل الاستثمار المسؤول، جنبا إلى جنب مع "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية". أما في اليابان، وضعت البحوث حول التحرش والمضايقات التي يتعرض لها الشباب على أساس ميولهم الجنسية وهويتهم الجندرية الأساس للدفع إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية الوطنية في البلاد لتكون أكثر تلبية لاحتياجات ووجهات نظر الأقليات الدينية.

 

من ناحية ثانية، يمكن أن تكشف الطاقة التي تكرسها بعض الحكومات المنتهكة لإسكات المنتقدين، حتى أثناء مواصلتها للانتهاكات، عن قوة الإشهار والفضح.

 

على سبيل المثال، يواجه الناشط الحقوقي البحريني نبيل رجب عقوبة تصل إلى 15 عاما في السجن جراء تغريداته على "تويتر" التي تحدث فيها عن مزاعم تعذيب في "سجن جو"، وغارات قوات التحالف الذي تقوده السعودية بمشاركة بحرينية على اليمن. في يونيو/حزيران 2016، وبعد أيام من إضافة الأمم المتحدة التحالف الذي تقوده السعودية إلى "قائمة العار" لمهاجمته المدارس والمستشفيات وقتله وتشويهه الأطفال في اليمن، أطلقت السعودية وحلفاؤها العرب حملة دبلوماسية غير مسبوقة للخروج من القائمة، بما في ذلك التهديد بوقف تمويل برامج إنسانية أساسية. أدى كشف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لهذا الابتزاز على الملأ إلى وضع التحالف الذي تقوده السعودية في موقف محرج دبلوماسيا، وبالتالي نجحت الحملة. يمكن لكبار المنتهكين غالبا التهرب من الانتقاد، حتى عندما يُدعم هذا الانتقاد بتوثيق جيد لأنماط الانتهاكات.

 

أما ما يثير القلق أكثر، فهو محاولة بعض المنتهكين تعظيم قوتهم من اهتمام الرأي العام بانتهاكاتهم. عندما يبث تنظيم داعش عمليات إعدامه، فهو يغطي وجوه مقاتليه، لا أفعالهم. هذا ليس من قبيل الصدفة. يبدو أن داعش جعل اغتصاب مقاتليه للإيزيديات في العراق والحكم بوحشية في ليبيا جزءا من أسلوب جذبه للمقاتلين الجُدد. خلُص تقرير للأمم المتحدة نُشر مؤخرا حول داعش إلى أن "ما يسمى داعش، من خلال نشره وحشيته، يبسط سلطته على المناطق الخاضعة له، ويظهر قوته لجذب مقاتلين جدد وتهديد أي طرف [...] يتحدى أيديولوجيته".

 

هناك حالات أخرى كثيرة أقل فظاعة ينطبق فيها نفس المبدأ. يبدو أن مراكز الاحتجاز الأسترالية خارج أراضيها المخصصة لمعالجة طلبات اللجوء مصممة لتكون غير إنسانية بحيث تثني الآخرين عن طلب اللجوء على شواطئ أستراليا. يستند دوتيرتي في "حربه على المخدرات" القاتلة إلى نفس المبدأ من القسوة لتكون رادعا.

 

في المجر، لا يخجل رئيس الوزراء فيكتور أوربان من سياساته التي يدافع عنها علنا والتي تنتهك الحقوق الأساسية. يؤكد أن "المسيحية جزء أساسي من الهوية الأوروبية"، ويشير إلى ما يسمى "الحق في تقرير عدم رغبتنا في استضافة أعداد كبيرة من المسلمين". نصبت حكومة أوربان أسلاكا شائكة وحاكمت طالبي اللجوء الذين تخطّوها. كما أثارت عمدا مشاعر معادية للاجئين عبر إنفاقها الملايين من أموال دافعي الضرائب على حملة تشويهية بغية دعم استفتاء يرفض مسؤولية مترتبة على الدولة بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي بنقل طالبي اللجوء إلى المجر من اليونان وإيطاليا اللتان تستضيفان ما يفوق طاقتهما. قد يبدو هدف هذه السياسات هو إبقاء طالبي اللجوء والمهاجرين بعيدا، لكنها تهدف أيضا إلى حشد الدعم الشعبي للحكومة.

 

أيد دونالد ترامب علنا، خلال حملته لرئاسة الولايات المتحدة، سياسات قد ترقى إلى مصاف جرائم حرب بموجب القانون الإنساني الدولي. على سبيل المثال، أشاد مرارا بفوائد الإيهام بالغرق. أما "الأسوأ" فهو وصمه من لا يوافق على استخدام هكذا تقنيات بأنه "دبلوماسي بشكل مُبالغ فيه". عند تذكيره بأن التعذيب غير قانوني، وعد ترامب بالعمل على تغيير القانون. لكن الرئاسة مختلفة بالطبع عن الحملة الانتخابية. قال ترامب بعد انتخابه في برنامج "60 دقيقة" وصحيفة "نيويورك تايمز" إن التعذيب "لن يشكل الفرق الذي يأمله كثيرون".

 

يشكل هكذا خطاب إشكالية كبيرة؛ فتركيز ترامب على مناقشة فعالية التعذيب لا محل له من الإعراب. إذ يوضح القانون الدولي أن لا حالة طوارئ وطنية، مهما كانت مخيفة، تبرر التعذيب. علاوة على ذلك، يدل اختيار ترامب للجنرال المتقاعد مايكل فلين مستشارا للأمن القومي على تجاهل مزعج لمبادئ حقوق الإنسان وقوانين الحرب وذلك لأنه عندما سُئل فلين مباشرة عن الموضوع، لم ينكر الطروحات التي تقول إن استخدام طرق مثل الإيهام بالغرق لا تعد تعذيبا.

 

لا ينظر كثير من السياسيين الشعبويين إلى الترويج لتكتيكاتهم أو إدانتهم على أنها شيء مسيء يجب تفاديه. بدلا من ذلك، ينظرون إليها على أنها استراتيجية ردع فعالة وحجة انتخابية. تبرر هذه الحكومات السياسات الغاشمة التي تنتهك الحقوق عند الضرورة بأنها بغرض مكافحة الإرهاب أو وقف الهجرة، كما ترفض انتقادات المنظمات الحقوقية عبر الإشارة إلى الدعم الشعبي الواسع لها. في الواقع، يحتاج القادة أتباعا، وينبغي لأي استراتيجية شاملة لمعالجة داعمي القادة الوقحين النظر في سبب وتفسير كيف تجد هذه الرسائل صدى لدى الناخبين والموالين والداعمين.

وبشكل مشابه، من المهم النظر في دور الحكومات الحليفة في تقديمها الغطاء السياسي للمنتهكين الوقحين وحمايتهم من تدقيق الهيئات الدولية، مثل الأمم المتحدة. على سبيل المثال، استفادت روسيا من كونها عضو دائم في "مجلس الأمن" فاستخدمت حق النقض (الفيتو) 5 مرات لحماية جرائم حكومة الأسد في سوريا.

 

مواجهة الداعمين

عند التعامل مع الوقحين، هناك حدود لعمليتي الإشهار والفضح. لكن لا يعني هذا أنه لا يمكن الوصول إلى هؤلاء أو محاسبتهم. صحيح أن الإدانة في الصحافة أو أمام الجمهور قد لا تردعهم أو تغير حساباتهم، إلا أن هؤلاء الفاعلين لا يعملون من فراغ. يمكن للتقاضي في المناطق ذات المحاكم الإقليمية الفعالة في مجال حقوق الإنسان، مثل "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان"، أن يمثل وسيلة انتصاف هامة. أما المناطق الأخرى، ومن أجل مواجهة الوقحين بفعالية، على المناصرين النظر لما هو أبعد من تسليط الضوء على ما يقترفه المنتهكون. على الجماعات الحقوقية تحويل جزء من تركيزها تجاه داعمي المنتهكين الوقحين بشكل يمكنهم من الاستمرار في الانتهاكات.

 

ليست المقاربة الديناميكية لمعالجة نظم الانتهاكات الكاملة بالمقاربة المجهولة أو الجديدة. في عام 1997، قام مناصرو إنهاء انتهاكات جيش جوزيف كوني المدعو "جيش الرب للمقاومة" بمناشدة حكومة السودان المجاورة لوقف دعمها للجماعة المسلحة التي تأسست شمال أوغندا وأظهرت وحشية شديدة. في عام 2003، ربط الباحثون بين الأسلحة المستخدمة في الهجمات غير القانونية التي نفذتها مجموعة "الليبيريون المتحدون للمصالحة والديمقراطية" وبين غينيا المجاورة. بالإشارة إلى هذه الصلات والعلاقات بين مختلف الأطراف، التي اشتملت على خرق لحظر الأمم المتحدة الأسلحة في ليبيريا، دعت "هيومن رايتس ووتش" إلى تعليق المساعدات العسكرية الأمريكية إلى غينيا لتجاهلها ذلك الحظر.

 

لم تتوقف الجهود ضد تجنيد جبهة "نمور التاميل" للأطفال على حدود سريلانكا. ففي عام 2006، درست هيومن رايتس ووتش ممارسات الجبهة في جمع الأموال قسريا من جالية التاميل في كندا، وحثت الحكومة الكندية على اتخاذ خطوات تنهي هذا التهديد والابتزاز. أوصت في تقريرها أيضا الجالية بالتأكد من عدم استخدام تبرعاتها المقدمة لأسباب إنسانية في أمور تفيد الجبهة أثناء ارتكابها انتهاكات خطيرة.

 

تضمنت منهجية البحث هذه عرض كيف أن الأساليب المستخدمة لجمع المال في كندا كانت مسيئة، وكيف أن الأموال نفسها ساعدت على ارتكاب المزيد من الانتهاكات في سريلانكا. منعت الحكومة الكندية وغيرها لاحقا جمع الجبهة لتبرعات على أراضيها. بعد ما يقرب من 10 سنوات، وجدت محكمة استئناف في لاهاي أن 5 ممن جمعوا ملايين اليوروهات لنمور التاميل، كانوا جزءا من منظمة إجرامية تهدف إلى ارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك تجنيد الأطفال. في هذه الحالة، لم يُفضَح الداعمون فحسب، بل أدينوا أيضا لدورهم كجزء من "المنظمة الإجرامية" الأكبر.

البحث الذي جرى في 2013 حول انتهاكات الجماعات المسلحة لدى محاولتها الاستيلاء على أجزاء من محافظة اللاذقية في سوريا في عملية سُميت باسم "عملية تحرير الساحل"، خطى خطوة إضافية. استخدم الباحثون وسائل التواصل الاجتماعي لتحديد الأفراد الذين جمعوا بنشاط أموالا لدعم العملية. وخلافا لوضع جبهة نمور التاميل، لم يكشف هذا البحث عن أي دليل على استخدام تكتيكات إكراه أو إساءة لحشد التبرعات. كما لم يكن هناك حظر للأسلحة في سوريا كما في حالة ليبيريا. ومع ذلك، ومن خلال الإشارة إلى الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات الممولة بهذه التبرعات، اقترحت هيومن رايتس ووتش تقييد أو منع تحويل الأموال من سكان منطقة الخليج إلى الجماعات المسؤولة عن العملية. أكدت هذه الاستراتيجية عرضة الداعمين لخطر التواطؤ وذلك عبر الإشارة إلى احتمالية أن يكون الممولون مسؤولين عن انتهاكات الجماعات المسلحة إن استمروا في تزويدهم بالمال بعد كشف تلك التكتيكات المنتهكة للحقوق على الملأ.

 

ممولو الانتهاكات

دعت هيومن رايتس ووتش مجلس الأمن الدولي، اعتمادا على الأبحاث حول جرائم داعش في ليبيا، إلى فرض عقوبات ليس فقط على داعش وأعضائه ولكن أيضا "على الذين مولوا هذه الانتهاكات أو ساعدوا عليها عمدا". ترتكز تلك التوصية على فكرة أن إنزال العقوبات على من يمولون تلك الانتهاكات قد توقف استمرارهم في دعم هذه الفظائع.

بالطبع كانت الجهود العالمية الساعية للحد من انتشار داعش تحاول خنق تلك الشبكات المالية حتى قبل تقديم المجموعات الحقوقية هذه التوصية، كما اُستخدمت تكتيكات مماثلة ردا على البرامج النووية الكورية الشمالية والإيرانية.

 

بعض هذه المبادرات الدولية حركتها اعتبارات سياسية تتجاوز نطاق عمل المنظمات الحقوقية وولاياتها، في حين كانت أخرى تمتد على كلا الساحتين. أنشأ مجلس الأمن لجان جزاءات عديدة مؤلفة من خبراء لبحث وتحديد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، والتحقيق في مبيعات الأسلحة، والاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية والمالية.

 

لا تُجري الجماعات الحقوقية أبحاثا يتم فيها إجراء تحليل مالي دقيق ومضني لتحديد الممولين والداعمين نظرا لأن الخوض في هذا المجال يتطلب تسخير خبرة بحثية لمحاسبين وخبراء أسلحة ومتخصصين في رسم هذه الشبكات فضلا عن تعلم الأساليب الفعالة التي يستخدمها الآخرون لاستهداف الشبكات التي تدعم المعتدين الوقحين. على سبيل المثال، تقوم مبادرة "سِنتري"، وهي مبادرة جديدة قدمها جورج كلوني وجون برندرغاست وتسعى لاستكشاف هذا المجال، بتتبع الأموال ثم تقديم توصيات بتعديل السياسات تسعى إلى تغيير هياكل الحوافز التي تسمح للداعمين من الاستفادة ماليا وسياسيا من الصراع المسيء والفظائع الكبيرة في شرق أفريقيا.

 

لكن حتى لو تمكنت الجماعات الحقوقية من تسخير هذه الخبرات، فلا توجد ضمانات للنجاح. على سبيل المثال، جرت هجمات داعش في فرنسا عامي 2015 و2016 بتكلفة قليلة نسبيا لا تتجاوز عشرات الآلاف من اليورو. لم يكلف هجوم "يوم الباستيل" في نيس محمد لحويج بوهلال إلا 2700 يورو. لكن يمكن أن يوفر اعتماد منظور أوسع في بعض الحالات ورقة ضغط مهمة لأولئك الذين يسعون إلى تغيير سلوك المنتهكين الوقحين.

 

من الأمثلة حول الإمكانيات التي يقدمها هذا المنظور الأوسع العمل المطبق مؤخرا من "مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان" حول انتهاكات القانون الدولي في الضفة الغربية. خلصت هيومن رايتس ووتش في تقريرها في يناير/كانون الثاني 2016 إلى أنه من المستحيل القيام بأعمال تجارية في التجمعات الاستيطانية الإسرائيلية دون المساهمة في الظلم والتمييز ضد الفلسطينيين. حاول ناشطون حقوقيون منذ فترة طويلة التواصل مع الشركات ومطالبتها بإيقاف أنشطتها في المستوطنات طواعية، وفحص سلاسل توريدها لكشف الأنشطة المتصلة بالمستوطنات. باتت هيومن رايتس ووتش، استنادا إلى تحليل الأعمال وحقوق الإنسان، قادرة على الانضمام إليهم في مناصرتهم عبر القول مثلا بأن ما يقوم به الفرع الإسرائيلي لشركة "ري/ماكس" العقارية من إعلانات وعمليات بيع وتأجير منازل في المستوطنات يخالف أفضل الممارسات للمسؤولية الاجتماعية للشركات ومسؤولياتها في دعم حقوق الإنسان.

 

يكمن الدرس المُستفاد من هذا النوع من العمل في أهمية اختراق حاجز سياسة الإنكار. للجماعات الحقوقية هنا دور هام متمثل في إبلاغ الشركات بتورطها المحتمل في انتهاكات وجرائم حرب.

 

في يونيو/حزيران 2015، رفض المدعي العام السويسري المضي قدما في قضية رفعتها "ترايل إنترناشيونال"، وهي منظمة غير حكومية تحارب الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية، ضد شركة سويسرية لتكرير الذهب لدورها في معالجة ذهب مُستخرج من منطقة نزاع في جمهورية الكونغو الديمقراطية. أُسقطت الاتهامات التي نصّت بأن الشركة حرضت بشكل غير قانوني مجموعة مسلحة كونغولية على النهب لأن النيابة لم تجد دليلا على أن الشركة تعرف ما يكفي عن انتهاكات تحدث في منبع الذهب. لو توافرت أدلة حول معرفة الشركة بالإساءات ومتابعتها للعمل رغم ذلك، لفشل دفاعها المستند على جهلها بما يجري.

 

يثير استخدام أدوات الإكراه حتما - مثل الجزاءات محددة الأهداف أو تجميد الأصول - تساؤلات حول أي نتائج غير مقصودة أو انتهاكات محتملة قد تحدث نتيجة للإجراءات القانونية المنفذة، أو وجود خطأ في تحديد الهوية. تزداد هذه المخاطر بسبب أن تطبيق الجزاءات لا يقدم وسيلة لاستئنافها أو الطعن فيها قانونيا. هناك أيضا مخاوف مشروعة من تأثير هذه التدابير على أفراد أسرة أو شركاء الأعمال الأفراد والجهات، المستهدفين بهذه الجزاءات.

 

تتضمن بعض آليات الجزاءات، مثل تلك التي وضعها مجلس الأمن لمكافحة الإرهاب، وسيلة لاستئناف هذه التدابير، لكنها لا تزال ناقصة بشدة. أما خارج نطاق مكافحة الإرهاب، فلا تملك أنظمة الجزاءات الأخرى التي فرضها مجلس الأمن الدولي حتى تلك الضمانات المحدودة.

 

إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي خوف الشركات الدولية من تبعات مخالفة القيود التي فرضتها الجزاءات إلى اتخاذها إجراءات مشددة لإزالة أي مخاطر محتملة، مثل توقفها ببساطة عن ممارسة الأعمال التجارية في المناطق "عالية المخاطر". يعني هذا تهميشا غير مقصود للمجتمعات عن طريق الحد من وصولها إلى الخدمات المالية والتحويلات النقدية، بالتالي ضمور تنميتها الاقتصادية. نظمت منظمة "أوكسفام" حملة ضد القيود التي تفرضها الحكومة الأمريكية مثلا على التحويلات المالية غير الرسمية إلى الصومال، حيث أشارت إلى أثر ذلك على الصوماليين الذين هم بحاجة إلى تلك التحويلات لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

 

صحيح أن هناك حالات إنسانية يجب النظر إليها، ولكن تلك الجزاءات تستهدف أولئك الذين يساعدون ويحرضون أو يتواطؤون في الانتهاكات. يمكن لهذه التدابير لعب دور قوي في التأثير على السلوك وينبغي أن تكون دائما قابلة للإزالة، لكي تعطي داعمي المنتهكين سببا للتوقف. يعتبر إيجاد سبل لتجميد أصول الداعمين بشكل فاعل دون الخوض في إجراءات طويلة أمرا مليئا بالتحديات، لكنها قضية على الناشطين الحقوقيين العمل عليها.

 

مزوّدو الأسلحة

يلعب الداعمون الماليون دورا في تمكين الوقحين، في حين يعتبر مزودو السلاح من بين الداعمين الأكثر أهمية لأولئك الذي يشنون الحملات العسكرية التعسفية في سوريا وجنوب السودان واليمن.

 

من الصعب جدا، وربما من المستحيل، الاستمرار في ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق من دون تدفق أسلحة وذخائر بشكل متواصل، سواء من الخارج أو عن طريق الإنتاج المحلي. لا يمتد عمل منظمات حقوقية كثيرة إلى مجال وقف الحروب، كونه يتعارض مع سياسة الحياد في حالة الصراعات المسلحة. بدلا من ذلك، يدعو المناصرون إلى أن تتحرى المعارك، عند وقوعها، القانون الإنساني الدولي.

 

مع ذلك، حاول حقوقيون مطالبة مجلس الأمن الدولي بفرض حظر على الأسلحة في أماكن مثل سوريا، ومنع عمليات نقل أسلحة إلى المنتهكين ومجرمي الحرب. في عام 2016، بعد سنوات من الدعوة في الأمم المتحدة للحد من الأسلحة من قبل الجماعات الحقوقية والمنظمات الإنسانية، نظر مجلس الأمن في قرار من شأنه فرض حظر على الأسلحة والحد من نقل الأسلحة مستقبلا إلى جنوب السودان. في الولايات المتحدة، شن المناصرون حملة ضد بيع الولايات المتحدة أسلحة بقيمة 1.2 مليار دولار إلى السعودية، ما دفع الكونغرس الأمريكي لمناقشة الموضوع والتصويت عليه في سبتمبر/أيلول 2016. في المملكة المتحدة، رفعت "الحملة ضد تجارة الأسلحة" دعوى قضائية للطعن في إصدار تراخيص تصدير أسلحة للسعودية في ضوء انتهاكات ارتكبتها قوات التحالف بقيادة السعودية في اليمن.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، قررت تركيا الوقف التدريجي لمبيعات وإنتاج الأسمدة، رغم استخداماتها المشروعة المتعددة في الزراعة، بسبب مخاوف من الإرهاب. جاء هذا القرار بعد زيادة كبيرة في مبيعات الأسمدة وعبورها للحدود من تركيا إلى سوريا، وهو ما أثار تكهنات حول استخدام داعش لها في صنع المتفجرات.

 

في المناطق التي فيها الشرطة أو الأجهزة الأمنية مسؤولة عن انتهاكات واسعة النطاق، مثل الفلبين وبوروندي ومصر، يكون قلق الجماعات الحقوقية من أن مساعدات الجهات المانحة، وخاصة لقطاع الأمن، قد تساهم في الانتهاكات. في مارس/آذار 2015، قررت الولايات المتحدة، في أعقاب انتقادات شديدة من جماعات حقوقية لاستئنافها مبيعات الأسلحة لحكومة السيسي في مصر، تقليص سياستها الراسخة القاضية بالسماح للمصريين بشراء معدات أمريكية بالدين وذلك بدءا من السنة المالية 2018.

 

في يونيو/حزيران 2016، قررت بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جمهورية أفريقيا الوسطى وقف قبول الشرطة البوروندية في صفوفها بسبب مخاوف حول انتهاكات "خطيرة ومستمرة" لحقوق الإنسان ترتكبها الشرطة في بوروندي. تستفيد الحكومة البوروندية، كأغلب البلدان النامية، من الرواتب المدفوعة لقواتها لمشاركتها في بعثات الأمم المتحدة. في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، علقت وزارة الخارجية الأمريكية خططا لبيع 26 ألف بندقية هجومية إلى الفلبين في أعقاب اعتراض عضو مجلس الشيوخ الأمريكي بن كاردين بشأن حرب دوتيرتي المسيئة على المخدرات.

 

أشارت الجماعات الحقوقية، منذ عام 2012، إلى دور شركة الأسلحة المملوكة للدولة الروسية، "روسوبورون إكسبورت"، في بيع أسلحة للحكومة السورية، وحثت الحكومات المسؤولة والشركات الفاعلة على تجنب إجراء تعاملات تجارية جديدة مع الشركة. طلب القائمون على الحملة أيضا من معارض الأسلحة في باريس ولندن إيقاف مشاركة روسوبورون إكسبورت كعارض.

 

قامت جماعات حقوقية أيضا بمواجهة شركة "بي أيه إي سيستمز" البريطانية وشركتي "بوينغ" و"جنرال داينامكس" الأمريكيتين لدورهما في تزويد السعودية بأسلحة ساعدت على الانتهاكات في اليمن. تفاوض شركة "بي أيه إيه" حاليا على عقد مدته 5 سنوات تزود فيه السعودية بطائرات "يوروفايتر تايفون" القتالية. شملت مبيعات الأسلحة التي وافق عليها الكونغرس الأمريكي إلى السعودية دبابات "أبرامز" التي تنتجها شركة "جنرال داينامكس" لتحل محل الدبابات التي تضررت بفعل العمليات القتالية في اليمن.

 

في أغسطس/آب 2016، قررت آخر شركة تُصنّع الذخائر العنقودية في الولايات المتحدة، "تكسترون"، التوقف عن صناعتها. لم يكن العار الناشئ عن الحظر الدولي لهذه الأسلحة العامل الوحيد، بل كان أيضا تصاعد المخاوف من سقوط ضحايا من المدنيين جراء استخدام قوات التحالف بقيادة السعودية لتلك الأسلحة. جاء تفسير الشركة لقرارها بوقف إنتاج الذخائر العنقودية في أعقاب تعليق حكومة الولايات المتحدة مبيعات الذخائر العنقودية إلى السعودية في مايو/أيار، حيث صرحت أنه بات "من الصعب الحصول على الموافقات" اللازمة لمبيعاتها للعملاء الأجانب.

إلا أن تلك الأدوات التقليدية ليست الطريق الوحيد لوقف تدفق الأسلحة إلى الأماكن التي يمكن أن تُستخدم فيها لارتكاب مزيد من الانتهاكات. في عام 2012، تذرعت المملكة المتحدة بعقوبات الاتحاد الأوروبي لوقف تسليم مروحيات هجومية تم إصلاحها للحكومة السورية عبر الاتصال بشركة التأمين البريطانية على السفينة، "ستاندرد كلوب"، لإلغاء تغطيتها للسفينة. صحيح أن شركة التأمين قد لا تكون الجهة الأولى التي تتبادر إلى الذهن عند التفكير في تجارة الأسلحة، إلا أن المملكة المتحدة كانت قادرة على تحويل مسار السفينة قبل تسليم حمولتها عبر النظر إلى ما هو أبعد من المشتبه بهم المعتادين. تطلّب حث شركة التأمين على وقف تغطيتها للسفينة بسبب إشكالية وجهة حمولتها معاملتها كداعم متواطئ.

 

مؤخرا، في أكتوبر/تشرين الأول 2016، حذر الأمين العام لحلف الناتو إسبانيا من السماح لسفن حربية روسية متجهة إلى سوريا بالتزود بالوقود في موانئها قائلا بأن تلك السفن قد "تُستخدم كمنصة لشن المزيد من الهجمات ضد حلب وسوريا، وبالتالي تفاقم الكارثة الإنسانية". راهن حلف الناتو على رغبة الحكومة الإسبانية في الحفاظ على سمعتها. صحيح أن إسبانيا لم تمنع رسميا رسو السفن، إلا أنها اختارت طلب توضيح من روسيا حول طبيعة مهمة تلك السفن في ضوء الانتهاكات المستمرة في سوريا. بعدها بفترة وجيزة، أوضحت مالطا عدم رغبتها في السماح للسفن الروسية بالتوقف والتزود بالوقود في موانئها.

 

التركيز على التواطؤ

من أكثر اللحظات التي يواجهها الناشطون الحقوقيون إحباطا هي إنكار الجناة، كما في حالة الوزير السوداني الذي رفض تصديق استخدام قوات بلاده الحكومية للأسلحة الكيميائية أو اغتصاب مئات النساء في دارفور، أو مسؤول الحزب الشيوعي الصيني الذي وصف مذبحة ميدان "تيانانمين" في 1989 بأنها "كثير من اللغط حول لا شيء".

يعتبر إنكار نتائج أشهر أو حتى سنوات من البحث المضني كابوس الناشطين الحقوقيين اليومي، إلا أن الوقحين لا يكلفون أنفسهم عناء الإنكار، بل يستمتعون بكونهم عرضة للانتقاد. بالنسبة للناشطين الحقوقيين ومن يكافحون لجعل الحروب أكثر مراعاة للبشر، يشكل هؤلاء الوقحون تهديدا لا يمكن إنكاره، وسيتطلب الرد توسيع نطاق حدود الدفاع عن حقوق الإنسان.

 

تركز الأبحاث الحقوقية في العادة على أولئك الذين تلطخت أيديهم بالدماء أو كان عليهم استخدام قوتهم وسلطتهم لمنع الظلم. لكن في الحالات التي يكون فيها فضح الانتهاكات وحده غير كافٍ لإحداث التغيير، يحتاج المناصرون إلى اعتماد منظور أوسع باستمرار وتكريس المزيد من الطاقة لفهم أفضل للشبكات الواسعة من الممولين وموردي الأسلحة الذين يساعدون المنتهكين على مواصلة مخالفاتهم. قد يتطلب هذا النوع من التحليل مزيدا من الخبرة المتخصصة التي تقع خارج أدبيات حقوق الإنسان، إلا أن الأمر يستحق بذل الجهد.