أصبح أمين (18 عاما) لاجئا بعد أن فرّت عائلته من سوريا إلى لبنان منذ 5 سنوات. لم تطأ قدماه فصلا دراسيا منذ ذلك الوقت، فوالده لم يحصل على وضع قانوني يخوّل له العمل، ما جعل أمين مسؤولا عن إعالة أسرته المتكونة من 7 أشخاص. كان أمين في الصف السابع لما غادر المدرسة في حمص، وفي سن 13 بدأ يعمل في مجال البناء، ينقل الحجارة الاسمنتية في ورش البناء. قال: "جئت إلى هنا منذ 5 سنوات. لقد خسرت 5 سنوات من عمري".

 

في 2015، كان معدل الأطفال الذين يفرون من منازلهم بسبب الاضطهاد والنزاعات يُقدّر بـ 17 ألف طفل يوميا. الأطفال النازحون قسرا، بمن فيهم اللاجئين، لهم الحق في الحصول على تعليم ثانوي جيّد ودون تمييز. الحصول على التعليم الثانوي أساسي لأنه يوفر للأطفال حماية جسدية؛ يخلق لهم نمطا حياتيا عاديا يُساعدهم على الشفاء والتعافي؛ يوفر لهم فضاء آمنا في مرحلة نموّ حساسة؛ يساعدهم على تطوير مهارات حلّ المشاكل؛ يرسم لهم إمكانيات اقتصادية أفضل؛ ويُغذي فيهم الأمل.

 

ولكن بالنسبة للكثير من الأطفال في هذا العمر وأكبر، يبقى الذهاب إلى المدرسة حلما مستحيلا.

 

بحسب "مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين"، فإن نصف الأطفال اللاجئين في سن التعليم الابتدائي، والذين يُقدّر عددهم الإجمالي بـ 3.5 مليون، يحصلون على تعليم. في المقابل، فإن رُبع الأطفال الذين هم في سن المرحلة الثانوية فقط، والذين يُقدّر عددهم الإجمالي بـ 1.95 مليون، يحصلون على تعليم. تستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين في العالم – منهم 3 ملايين سوري تقريبا – ولكن 13 بالمئة فقط من الأطفال الذين هم في سن المرحلة الثانوية يحصلون على تعليم. أما في الكاميرون، فالنسبة لا تتجاوز 6 بالمئة؛ وفي باكستان ولبنان، 5 بالمئة.

 

الوضع أسوأ بالنسبة للفتيات: 7 فتيات فقط من كل 10 أطفال لاجئين يحصلن على تعليم ثانوي. ورغم أن المعطيات المتعلقة بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة النازحين قسرا محدودة، إلا أنهم يواجهون معوّقات كبيرة وواضحة، وكثيرا ما يُقصَون من التعليم الثانوي بشكل كامل.

 

رغم أن العدد القياسي للاجئين والنازحين حول العالم جعل الاهتمام مُنصبّا على ضرورة تسجيل الأطفال النازحين بالمدارس، إلا أن الاستجابة الإنسانية للأزمات ركزت أكثر على التعليم الابتدائي، وليس الثانوي.

 

هذا التحليل يستعرض المشاكل التي يواجهها التعليم الثانوي في حالات الطوارئ، لا سيما النزاعات والأطفال النازحين قسرا، ويقدّم حلولا للدول المستضيفة والمانحين ومقدّمي الإغاثة لتعزيز وضمان التعليم الثانوي في البلدان المتلقية للمساعدات والمتضررة من الأزمات أو موجات النزوح الكبيرة.

 

جذور هذه المشاكل – وحلولها – تكمن في التمويل وسياسات الهجرة. على المستوى العالمي، لا تتجاوز الأموال المُنفقة على التعليم زمن الطوارئ 2 بالمئة من مجموع مساعدات المانحين، والجزء الأكبر من هذه النسبة يُنفق على التعليم الابتدائي، وليس الثانوي. هذه الموارد غير الكافية، وكثيرا ما ترافقها سياسات لجوء تقييدية في البلدان المستضيفة، يكون لها تأثير سيئ للغاية على الأطفال المراهقين.

 

التعليم الثانوي الجيّد يخدم مصلحة المجتمعات التي لجأ إليها الأطفال النازحون قسرا بحثا عن الأمان. فالأطفال الملتحقون بالتعليم ثانوي عادة ما يحصلون على رواتب أفضل ويكونون في صحة أفضل في سن الرشد، ما ينتج عنه ارتفاع في الإنتاجية وانخفاض في تكاليف الرعاية الطبية. كما يتمتعون بفرص أفضل في الحصول على عمل وتفادي الفقر. وكلما ارتفع عدد الفتيات اللاتي يُكملن المرحلة الثانوية، تراجعت الفجوة بين أجور الجنسين.

 

رغم هذه الأهمية، فإن المعوّقات التي تمنع التعليم – في وضعيات اللجوء وغيرها من الأزمات الإنسانية – تصير أكبر كلما تقدم الأطفال في المستوى الدراسي. بعض البلدان المضيفة تحرم اللاجئين المراهقين من الحق في الالتحاق بالمدارس الثانوية خارج مخيمات اللاجئين. كما توجد حواجز قاسية أخرى، مثل العمل الخطير وزواج الأطفال والعنف الجنسي ومضايقات قوات الأمن والاستقطاب والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة.

 

فشل المانحين والدول المضيفة في توفير تعليم ثانوي للأطفال والمراهقين النازحين قد يتسبب في تقويض التنمية الاقتصادية. على سبيل المثال، قدّر "صندوق الأمم المتحدة للطفولة" (اليونيسيف) فُرص الكسب الضائعة على الأطفال النازحين المحرومين من التعليم الثانوي، بسبب النزاع السوري، بملايين الدولارات.

 

يتسبب ذلك أيضا في حرمان الأطفال في سن المرحلة الثانوية من الأدوات والمهارات التي يحتاجون إليها للمساهمة في المجتمعات المضيفة ومجتمعاتهم الأصلية عندما يعودون إليها، وهو سيناريو قد تكون له عواقب وخيمة على أمن واستقرار كلا المجتمعين.

 

التعليم الثانوي والنزاعات

التعليم يُعزز الاستقرار، فهو يضمن للأطفال الرعاية والدعم، ويُكسبهم أدوات حل النزاعات سلميا، ويُحسّن الإنتاجية. لقد ثبت أن التعليم الثانوي الجيد يُعزز التسامح، ويُقوّي الإيمان بالديمقراطية والمشاركة المدنية، ويساعد على مواجهة التجنيد في المجموعات المتطرفة العنيفة.

 

ثبُت أن ارتفاع مستويات التسجيل بالتعليم الثانوي تخفض احتمالات الحرب الأهلية، وأن الفشل في إلحاق اللاجئين المراهقين بالمدارس أثناء الأزمات قد يعيق جهود إعادة البناء ويغذي عدم الاستقرار. بحسب تقرير صادر عن "اليونسكو" في 2014، أظهرت دراسة لو أن البلدان التي تكون فيها نسبة الأطفال الحاصلين على تعليم ثانوي تساوي 30 بالمئة ضاعفت هذه النسبة، فإن خطر اندلاع نزاعات سينخفض إلى النصف.

 

لكن في الحالات التي يُجبر فيها الأطفال على الفرار بحثا عن الأمان، فإن التعليم هو الذي يكون ضحية. وجد تقرير لـ "هيومن رايتس ووتش" في 2012 أن خطر التجنيد القسري والاختطاف في الصومال – حيث ارتكبت جميع أطراف النزاع أعمال اختطاف وتجنيد واستخدام للأطفال في الخدمة العسكرية – تسبب في انقطاع الأطفال عن التعليم، وأجبرهم في كثير من الأحيان على الفرار مع عائلاتهم. ذكرت تقارير أن نسب الانقطاع بلغت 50 بالمئة في أعقاب هجوم في 2010.

 

عندما ينشب نزاع، يكون تأثيره أكبر على التعليم الثانوي منه على التعليم الابتدائي لأن المدارس الثانوية تحتاج إلى موارد خاصة، مثل المدرّسين، الذين يصعب إيجادهم خلال الأزمات، ولأنه يصعب إعادة المراهقين النازحين قسرا إلى المدارس.

 

بعض الردود الحكومية تسبب فقط في تعقيد أوضاع الأطفال اللاجئين والمشردين. بعد هجوم نفذته جماعة "تحريك طالبان" الباكستانية في ديسمبر/كانون الأول 2014، وراح ضحيته 132 طفلا في سن المرحلة الثانوية في بيشاور، ارتفعت وتيرة العنف ضد الأفغان الذين يعيشون في باكستان، وقيدت السلطات حصول اللاجئين الأفغان على الخدمات الاجتماعية، بحسب تقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش في 2015 حول انتهاكات الشرطة ضدّ الأفغان في باكستان.

 

في نيجيريا، لم ينجح ردّ الحكومة على جماعة "بوكو حرام" (التعليم الغربي حرام) – التي شملت أعمالها استقطاب الأطفال في سن التعليم الثانوي، وحادثة اختطاف أكثر من 200 طفلة من مدرسة ثانوية في شيبوك، ولاية بورنو، في أبريل/نيسان 2014 – في تحقيق حماية كافية للمدارس، بل شهدت نسب التحاق الأطفال النازحين بالمدارس تراجعا كبيرا. قال مُدرّس لـ هيومن رايتس ووتش في 2015 إن مدرسته الثانوية تحولت إلى "ساحة ذبح تابعة لـ بوكو حرام... كلما قبضوا على أحد، جلبوه إلى المدرسة لقتله".

 

تراجعت نسب التسجيل والحضور بشكل كبير بسبب الخوف من الهجمات. في ولايات شمال شرق نيجيريا المتأثرة بالنزاع، لا يتجاوز عدد الأطفال الذيم يُمكنهم الحصول على تعليم 90 ألفا، من أصل 590 ألفا. حتى في الحالات التي تبقى فيها المدارس مفتوحة، يخشى الأولياء إرسال أبنائهم إليها. قال رجل آخر من ولاية بورنو: "بعض الأولياء أرسلوا أطفالهم إلى النيجر ليحصلوا على لجوء هناك".

 

ما تسبب في تعقيد المشكل هو سماح الحكومة لقوات الأمن بالاستمرار في استخدام المدارس الابتدائية والثانوية، في انتهاك للالتزام الذي قطعته على نفسها بالقضاء على الاستخدام العسكري للمدارس، لما وقعت على "إعلان المدارس الآمنة" في 2015.

 

منسيون ومحتاجون إلى الدعم

أكد لاجئون، في بحوث متعددة، أن التعليم حاجة ملحة أثناء الطوارئ. يُنفق الكثير منهم أجزاء كبيرة من دخلهم لإرسال أطفالهم إلى المدارس. ويضطر البعض الآخر إلى مواجهة المخاطر، فقد اضطرت امرأة للعودة إلى سوريا لأنها لم تتمكن من إلحاق أطفالها بمدارس لبنانية. قالت لـ هيومن رايتس ووتش: "التعليم هو الهدف الوحيد".

 

لكن نصيب التعليم من مساعدات المانحين مازال ضئيلا، وهو في تراجع. في 2012، حصلت الدول ذات الدخل الضعيف والمتوسط على 13 بالمئة من مساعدات التنمية المخصصة للخارج، ولكن النسبة انخفضت إلى 10 بالمئة في 2015. أقل من ربع هذه المساعدات وُجهت إلى الدول ضعيفة الدخل رغم انها تستضيف 86 بالمئة من مجموع اللاجئين في العالم، وأنظمتها التعليمية هي الأكثر احتياجا إلى الموارد.

 

الكثير من المنح لم تدم أكثر من 12 شهرا، وتجاهلت – في كثير من الأحيان – الاستثمار في أنشطة التعافي المبكر. تمويل التعليم خلال الطوارئ يبقى أيضا غير متكافئ، فبعض الدول التي تعاني من أزمات طويلة الأمد تواجه نقصا دائما في التمويل، وتأثرت بنظام التمويل الإنساني الذي صار موجها أكثر إلى حالات الطوارئ الحديثة والقائمة، وإلى الحالات التي تحظى باهتمام إعلامي أكبر.

 

يستأثر التعليم الابتدائي بنصيب الأسد من مجموع التمويل المتاح للتعليم، المحدود أصلا، ويبقى التعليم الثانوي خارج دائرة الاهتمام، رغم أن له تكلفة أكبر بسبب الحاجة إلى مدرّسين أكثر تأهيلا، وإلى كتب مدرسية وفصول دراسية أكثر، ومعدات وبنية تحتية مختصة. على سبيل المثال، في 2015، أنفقت مفوضية اللاجئين 13 بالمئة فقط من ميزانيتها على التعليم الثانوي، أي ثلث ما أنفقته على التعليم الابتدائي.

 

يعود هذا التوزيع غير العادل في جزء منه إلى نُدرة التمويلات الموجهة للتعليم. ولكن الوكالات الإنسانية لا تُعدّ بالضرورة برامج موجهة للتعليم الثانوي كما تفعل مع التعليم الموجه للأطفال الأصغر سنا، رغم أن الكثير منها تركّز على التعليم المكثف وبرامج التعليم غير الرسمي. مازالت الأطراف الإنسانية الفاعلة تعمل دون المطلوب فيما يتعلق بالتعليم الثانوي، في التعليم الرسمي وغير الرسمي على حد سواء.

 

في السنة الماضية، رسمت وزارة التربية اللبنانية ومفوضية اللاجئين هدفا يتمثل في إلحاق حوالي 200 ألف طفل لاجئ سوري بالمدارس الابتدائية الحكومية، مقابل 2080 طفلا فقط بالمدارس الثانوية الحكومية. نُظمت حملة توعية عامة لعودة الأطفال اللبنانيين واللاجئين إلى التعليم، من الصف الأول إلى التاسع، مجانا وبشكل سهل، ولكن الحملة لم تشمل الصفوف الأخرى.

 

رغم أن اليونسكو وضعت برنامجا يُغطي رسوم التعليم الثانوي للأطفال السوريين، إلا أنه لم يُعلن على نطاق واسع، واستفاد منه فقط 2280 طفلا من أصل 82744 في سن التعليم الثانوي ومسجلين لدى مفوضية اللاجئين في العام الدراسي 2015-2016.

 

حواجز بيروقراطية

قد تُعرقل الحواجز البيروقراطية الوصول إلى التعليم الثانوي.

 

على سبيل المثال، تمنع بعض البلدان الأطفال النازحين في سن المرحلة الثانوية من الالتحاق بالتعليم إن لم تكن لديهم وثائق رسمية، كما أثبتت ذلك بحوث أجرتها هيومن رايتس ووتش في تركيا ولبنان، اللتين تستضيفان أكثر من 1.4 مليون طفل سوري في سن المدرسة. في لبنان، يتعين على الأطفال في سن 15 فما فوق دفع 200 دولار – ما يُعتبر مبلغا باهظا في كثير من الأحيان – لتجديد إقامتهم، والكثير منهم لا يحملون جوازات سفر أو بطاقات هوية. أما في تركيا، فيتعين على الأطفال السوريين اللاجئين الحصول على وثيقة هوية (كيمليك) للالتحاق بالمدارس والتمتع برعاية طبية مدعّمة، ولكن إجراء "الفحص المسبق" الذي تم وضعه في مارس/آذار 2016 تسبب في تأخيرات تصل إلى 6 أشهر.

 

تحدث أطفال سوريون في الأردن عن عزوفهم عن محاولة إعادة التسجيل بالمدارس الثانوية لأنهم أمضوا سنوات يحاولون تلبية متطلبات التسجيل الصعبة. قالت أمل (20 عاما) إنها أنهت جميع اختبارات المرحلة الثانوية "باستثناء اختبار واحد" قبل أن تفرّ عائلتها من سوريا، ولكنها لما حاولت إنهاء اختباراتها في الأردن، رفض مسؤولون في وزارة التربية ذلك. قالت: "قالوا لي إنّه عليّ أن أثبت أني نجحت في الصف 11، ولكنهم رفضوا الشهادة التي وصلتني بالفاكس، وطلبوا مني النسخة الأصلية". يتطلب ذلك منها العودة إلى سوريا لجلب الشهادة، "ولكن الحدود مغلقة، وعلي أيّ حال فإن العودة خطيرة".

 

في لبنان، يتعيّن على الأطفال اللاجئين إظهار بطاقة علامات الصف التاسع حتى يتمكنوا من التسجيل في المدارس الثانوية، ولكن أغلبهم تركوها وراءهم عندما فرّوا من الحرب السورية. في حالات أخرى، واجه الأطفال اللاجئون مديري مدارس يرفضون طلباتهم. غادرت لورين (16 عاما) المدرسة بعد أن تسبب قصف عنيف في منعها من مواصلة دروسها في الصف السابع. ولما حاولت الالتحاق بمدرسة ثانوية في تركيا، قال لها المدير إن عليها "الالتحاق بفئتها العمرية، بدون استثناء"، رغم أنها لا تتحدث التركية. ولما طلبت والدتها من المدرسة تقديم دعم لغوي لها، قيل لها: "لا يوجد أي دعم". لم تلتحق لورين بالمدرسة، وهي الآن تعمل بدوام كامل في مصنع للفواكه المجففة.

 

حواجز تعليم الفتيات

المعوقات التي تواجهها الفتيات للالتحاق بالتعليم الثانوي قد تزيد سوءا وقت الأزمات، ومنها القواعد الاجتماعية التقييدية، والعنف الجنسي أو القائم على الجنس، والحمل والزواج المبكرين.

 

في أفغانستان، استهدفت قوات "طالبان" تعليم الفتيات بعد أن أسقطت من الحكم في 2001. في 2004، كانت نسبة الفتيات الملتحقات بالتعليم الثانوي لا تتجاوز 5 بالمئة، وفي 2005 و2006 ارتفعت وتيرة الهجمات على المدارس. استمرت قوات طالبان في توزيع "رسائل ليلية" فيها تهديدات للمدارس، وتأمر الفتيات بالانقطاع عن الدراسة عند البلوغ (في الصف الرابع تقريبا)، وقتلت طلابا ومدرّسين بالرصاص، وألقت حمض البطاريات على وجوه الطالبات المراهقات، واستهدفت مدارس للفتيات بالصواريخ والحرق والعبوات المتفجرة.

 

تدمير منشآت النظافة في المدارس وقت النزاع، أو منع الفتيات من الوصول إليها، قد يُجبرهن على التغيّب لأن المنشآت النظيفة والضامنة للخصوصية أساسية وقت الحيض.

 

في حالات التشريد القسري، قد يُزوّج الأولياء بناتهم لمواجهة الفقر والمخاوف المتعلقة بسلامتهن، ومعظم الفتيات ينقطعن عن الدراسة بعد الزواج. الفتيات المنقطعات عن الدراسة أكثر عرضة لزواج الأطفال الذي قفز إلى 4 أضعاف بين الفتيات السوريات اللاجئات في لبنان وتركيا والأردن.

 

في المقابل، فإن فوائد التعليم الثانوي على الفتيات يُمكن أن تغيّر حياتهن، فضلا عن استفادة الدول المضيفة منهن في مجال التنمية بصفة عامة، لأن التعليم الثانوي يُسهل عليهن الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالحقوق والخدمات، ويسمح لهن بالمشاركة في اتخاذ القرارات والمحاسبة، فضلا عن أنه يُنقذ حياتهن. ضمان حصول الفتيات على تعليم ثانوي من شأنه تخفيض نسب زواج الأطفال ووفياتهم، لأن الأطفال الذين يحصلون على مستويات تعليمية أعلى هم أكثر استعدادا لاتباع حمية صحية والبحث عن الرعاية الطبية، والفتيات الملتحقات بالتعليم الثانوي أقلّ عرضة للزواج المبكر.

 

الفقر وعمل الأطفال

يتسبب الفقر – الذي تفاقمه السياسات التي تمنع الأولياء من العثور على عمل قانوني – في إبعاد الكثير من الأطفال عن المدارس، ويزيد من احتمال عمالة الأطفال. تزيد الحاجة إلى العمل لكسب الرزق كلما كبُر الطفل، وحتى الأطفال غير العاملين كثيرا ما يعجزون عن توفير مصاريف المدرسة، بما في ذلك رسوم التسجيل في الدول حيث التعليم الثانوي ليس مجانيا، والزي المدرسي والدفاتر. مصاريف النقل أيضا تكون أحيانا أعلى بالنسبة للمدارس الثانوية، لأن عددها أقل من عدد المدارس الابتدائية.

 

الانقطاع عن التعليم من أجل العمل قد يتسبب في مخاطر كبيرة، مثل الاستغلال والعمل في ظروف خطرة، والعنف. في لبنان، وثقت وكالات الإغاثة ارتفاعا حادا في أسوأ أشكال عمالة الأطفال بين الأطفال اللاجئين في 2015، وقابلت هيومن رايتس ووتش أطفالا تعرضوا لإصابات وهجمات واعتقالات أثناء العمل.

 

لما تكون فرص العمل الذي يتطلب مهارات أو شهادات جامعية قليلة – كما في مخيم داداب في كينيا، حيث لا تتجاوز نسبة المراهقات الملتحقات بالتعليم الثانوي 13 بالمئة – فإن الحافز على مواصلة التعليم الثانوي يكون ضعيفا جدا. وجد بحث أجرته الأمم المتحدة في مخيم الزعتري، أكبر مخيم لاجئين في الأردن، أن معوقات التعليم تشمل "شعورا بعدم جدوى التعليم لأن [الأطفال السوريين] ليس لهم أمل كبير في فرص المستقبل". تراجعت نسبة التسجيل في التعليم الثانوي في مخيم أصغر في الأردن إلى النصف تقريبا في خريف 2015، بعد أن تم قبول 3 طلاب بالجامعة، ولكنهم لم يتمكنوا من توفير الرسوم المطلوبة.

 

السماح للاجئين بالعمل قد يساعد على مواجهة العديد من آثار الفقر السلبية على التعليم الثانوي. ولكن الدول المضيفة غالبا ما تتقاعس عن اتخاذ هذه الخطوة خوفا من أن يستحوذ اللاجئون على فرص عمل المواطنين. لكن اللاجئين كثيرا ما يقبلون بأعمال لا يرغب المواطنون في القيام بها، وإجراءات حماية العمال قد تساعد على تخفيض الضغط  على الأجور الناتج عن العمل غير الرسمي.

 

حتى في الدول التي سمحت بمنح تراخيص عمل للاجئين، مثل تركيا والأردن، بقيت معظم القيود قائمة، مثل نظام الكوتا (الحصة)، وتقييد الوصول إلى المهن التي تتطلب مهارات أكبر، والقيود الجغرافية، وربط الحصول على التصريح بإيجاد كفيل محلي. بسبب منعهم من الحصول على تراخيص عمل، يعتمد اللاجئون السوريون في الأردن ولبنان بشكل كبير على المساعدات الإنسانية غير الكافية، ما زاد من حجم ديونهم المستحقة وعمّق فقرهم، وزاد من صعوبة توفير المال لإلحاق أطفالهم بالمدارس.

 

لكن توجد حلول بديلة ممكنة. ففي أوغندا، حيث يُسمح لحوالي 500 ألف لاجئ بالعمل واختيار مكان العيش والالتحاق بالمدارس الحكومية، لا تتجاوز نسبة اللاجئين المعتمدين على المساعدات بشكل كامل 1 بالمئة.

 

الاستجابة الدولية

استغرق الأمر عشرات السنوات حتى تعترف المجموعة الدولية بأهمية التعليم في برامج الاستجابة الدولية، ولكن الوعود الأخيرة قد تساعد على مواجهة حرمان الأطفال المشردين من التعليم – إن نُفذت. 

 

في مايو/أيار 2016، أطلق المانحون ووكالات الأمم المتحدة صندوق "التعليم لا يُمكن أن ينتظر" –  صندوق عالمي يرمي إلى دعم تعليم 75 مليون طفل وشاب تضرروا من حالات الطوارئ سنويا، ويأمل في جمع 3.85 مليار دولار بحلول 2020.

 

بحسب البيت الأبيض، قطعت الدول المشاركة في قمة حول اللاجئين بالأمم المتحدة، برعاية الولايات المتحدة،  في سبتمبر/أيلول 2016، تعهدات بتسهيل حصول مليون لاجئ على عمل، وحصول مليون طفل لاجئ على تعليم. بالتوازي مع ذلك، وضعت هيئة الأمم المتحدة العالمية للتعليم أهدافا وجداول زمنية محددة للحكومات لإتاحة تعليم ثانوي مجاني وعادل وجيّد للجميع بحلول 2030، وهو هدف تعهدت جميع الدول الأطراف في الأمم المتحدة ببلوغه ضمن 17 هدفا إنمائيا مستداما تم الاتفاق عليها في سبتمبر/أيلول 2015.

 

ولكن هذه الأخبار الجيدة يجب أن تؤخذ بشيء من الاحتراز، لأن اهتمام المانحين بالتعليم كان متقلبا في الماضي. في 2010، تراجع تمويل المانحين والاستثمار الداخلي الموجه إلى التعليم بشكل حاد بعد أن خفّض المانحون مبالغ التمويل العالمي أو غيّروا وجهة تمويلاتهم إلى قطاعات أخرى.

 

هناك حاجة أيضا إلى تحقيق مزيد من الشفافية لمحاسبة المانحين على وعودهم. في فبراير/شباط 2016، تعهد المانحون بأكثر من 11 مليار دولار كمساعدات تمتد على سنوات في إطار الاستجابة للأزمة السورية، لتحقيق أهداف منها إلحاق جميع الأطفال اللاجئين بالمدارس في المجتمعات المضيفة بحلول 2017. ورغم أنه تم صرف مئات الملايين، إلا أن تقريرا خلُص إلى أن أغلب المانحين "فشلوا في الوفاء حتى بأبسط معايير الشفافية" حتى أغسطس/آب 2016.

 

الطريق إلى المستقبل

على الحكومات المتأثرة بالأزمات توفير حماية عاجلة للمدارس الثانوية من الهجمات، وتخصيص بدائل آمنة ويُمكن الوصول إليها أثناء أعمال العنف، وضمان عدم استخدام قواتها للمدارس لأغراض عسكرية.

 

على الحكومات والأطراف الإنسانية معالجة الحواجز التي تدفع الأطفال اللاجئين الأكبر سنا إلى الانقطاع عن الدراسة، ومعالجة متطلبات الفتيات والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ومساعدة الأطفال المُجبرين على دراسة مناهج غير معتادة بلغات أجنبية.

 

على الأطراف الإنسانية والمانحين المستجيبين للأزمات الإنسانية الاحتراز من التهجير طويل الأمد وجعل التعليم الثانوي جزءا لا يتجزأ من خطط الاستجابة. توجد حاجة عاجلة لتمويلات شفافة ومستدامة وممتدة على عدة سنوات موجهة لبرامج التعليم لضمان حصول الأطفال، لا سيما الفتيات، على تعليم ثانوي كامل.

 

يجب أيضا معالجة العلاقة بين الفقر والتعليم. على الدول المضيفة – لتخفيض الفقر وتمكين العائلات من دفع المصاريف المتعلقة بالتعليم – السماح للاجئين بالحصول على عمل قانوني. على الدول المانحة ضمان تمويل جهود كسب العيش بالتوازي مع الخطط التعليمية حتى لا تضطر العائلات إلى الاعتماد على عمل الأطفال، وتستطيع الحاق الأطفال في سن التعليم الثانوي بالمدارس.

 

على الدول المضيفة أيضا مراجعة متطلبات الحصول على وضع قانوني والقيود المفروضة على التنقل التي تعرقل التحاق الأطفال بالتعليم الثانوي وتحقيق مستقبلهم. على الدول التي تستضيف أطفالا أجانب – بصرف النظر عن وضع الهجرة الخاص بهم – ضمان الحصول القانوني على التعليم الثانوي والتدريب المهني والتدريب على المهارات على قدم المساواة مع المواطنين، وإلغاء الشروط التي تربط متطلبات الهجرة بشروط الحصول على تعليم، مثل تصاريح الإقامة.

 

على الدول المضيفة أيضا التأكد من أنّ برامجها التعليمية الوطنية تتضمن بنودا خاصة بتعليم اللاجئين، واستيعاب الأطفال الذين ليس لهم وثائق رسمية بتبني شروط تسجيل مرنة. يُمكن تنظيم اختبارات لتحديد المستوى – بدل اشتراط بطاقات الأعداد – كطريقة سهلة لضمان عدم إقصاء الأطفال من التعليم الثانوي بسبب عوامل خارجة عن إرادتهم.

 

على الدول المضيفة الإقرار بأن الأطفال الأكبر سنا يستحقون نفس القدر من الحماية والدعم الممنوحين لأطفال المدارس الابتدائية، وخاصة إلحاقهم بالتعليم. الاستمرار في تجاهل حاجاتهم خطأ فادح.