Skip to main content

شحنات مميتة

الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة بالسكان

A man explores a school destroyed by shelling in Luhansk, Ukraine, October 2014. Explosive weapons killed more than 300 civilians in the city between May and September, amid government and insurgent attacks in and around the city that unlawfully failed to discriminate between civilians and combatants.

© 2014 Sergey Ponomarev/New York Times/Redux

الافتتاحية

 
راحة الطغاة الزائفة

لماذا ليست حقوق الانسان خطأً في أوقات الأزمات

المقالات

 
شحنات مميتة

الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة بالسكان

 
الارتقاء بالمعايير

الفعاليات الرياضية الضخمة وحقوق الإنسان

بقلم: ستيف غوس وأوليه سولفانغ

في ساعة متأخرة من مساء الأول من سبتمبر/أيلول 2014، قامت طائرة تابعة لسلاح الجو العراقي بإلقاء قنبلة على مدرسة في ناحية العَلَم قرب تكريت في شمال العراق، التي كانت قد خضعت مؤخراً لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف (المعروف أيضاً باسم داعش). وكانت عشرات من عائلات النازحين تحتمي بالمبنى في ذلك الوقت، فتسبب الانفجار الهائل والشظايا المتطايرة في قتل ما لا يقل عن 31 مدنياً، بينهم 24 طفلاً، وجرح 41 آخرين. وتعرض أحد الناجين الذين تحدثوا مع هيومن رايتس ووتش لفقدان زوجته، واثنين من أبنائه، وابنته، وشقيقته، وابن أحد أشقائه جراء الانفجار. كما جُرِح خمسة من أفراد عائلته، ومنهم ابنه ياسين الذي يبلغ من العمر 6 أشهر فقط.

وتعتمد الجيوش، الحديث منها والأقل حداثة، على الأسلحة الانفجارية ـ بما فيها قنابل الطائرات والهاون والمدفعية والصواريخ وحتى الصواريخ الباليستية ـ في شن العمليات العسكرية، وليس على البنادق الهجومية والآلية المنتشرة في كل مكان. وحين يسقط مدنيون قتلى أو يتعرضون للإصابة في مناطق مأهولة بالسكان فإن تلك الأسلحة بالذات تكون قد تسببت بوقوع الضرر.

وفي عام 2014 وحده، وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام الأسلحة الانفجارية في مناطق مأهولة، في انتهاك للقانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب) في ما لا يقل عن 12 بلداً، ومنها سوريا والعراق وإسرائيل/غزة وأوكرانيا وليبيا وباكستان وأفغانستان والسودان ونيجيريا والصومال وتايلند وكولومبيا. وقد اتسمت تلك الهجمات غير المشروعة عادة بالعشوائية وانعدام التمييز، لأنها لا تميز بين هدفها العسكري والمدنيين، أو بانعدام التناسب لأن الخسائر المدنية المتوقعة من الهجمة تتجاوز المكسب العسكري المنتظر.

وغالباً ما تكون الأسلحة الانفجارية، التي تتراوح بين الرخيصة سهلة الإنتاج والمعقدة باهظة الثمن، مميتة لكل شخص يقع بقربها. وبحسب منظمة "التحرك بشأن العنف المسلح"، وهي منظمة غير حكومية يقع مقرها في المملكة المتحدة، فإن الأسلحة الانفجارية تسببت في قتل وتشويه 38 ألف شخص في 2013 ـ وكان 82 بالمئة منهم من المدنيين. ولا مفاجأة في أنه عند وجود أعداد أكبر من المدنيين فإن نسبة الخسائر المدنية تتصاعد، وقد أدى استخدام الأسلحة الانفجارية في مناطق مأهولة إلى بلوغ المدنيين القتلى والمصابين نسبة 93 بالمئة في الفترة نفسها. وفي سوريا تحملت الأسلحة الانفجارية مسؤولية ما يزيد على 50 بالمئة من وفيات المدنيين (نحو 40 ألف من أكثر من 75 ألفاً) التي وثقها مركز توثيق الانتهاكات، وهو مجموعة رصد تعمل في سوريا، منذ اندلاع النزاع هناك في 2011.

ولا تعتبر كل أنواع اللجوء الى استخدام الأسلحة الانفجارية في مناطق مأهولة جميعاً انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي، لكن الزيادة في حروب المناطق الحضرية والتصاعد المتسارع في خسائر المدنيين حول العالم تصرخ طلباً لتحرك عاجل. وقد بدأت الاستجابة الدولية تتزايد منذ عدة سنوات لتحجيم استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة، بما في ذلك وقف استخدام الأسلحة التي يمتد تأثيرها على مساحات واسعة. ومن شأن القيام بهذا أن يساعد في إنقاذ الأرواح، والتخفيف من معاناة المدنيين، وتقليل الدمار الذي يلحق بالبنى التحتية المدنية، مما يسهل جهود التعافي في ما بعد النزاع. وربما تكون هذه الخطوة هي أكثر الخطوات التي تتخذها الدول حسماً لحماية المدنيين من ويلات الحرب.

 

ترسل الأسلحة الانفجارية عند انفجارها موجات تفجيرية قوية ومدمرة، تتحرك بسرعة تفوق سرعة الصوت. لكن في أحيان كثيرة تنتج أشد آثارها دموية عن شذرات الأغلفة المتطايرة ـ الشظايا ـ التي قد يصل مداها إلى مسافات بعيدة. فقنبلة الطائرات من طراز "أوفاب 250-270" التي تملكها الحكومة السورية، على سبيل المثال، تستطيع إحداث الدمار والإصابة في نطاق دائرة يبلغ نصف قطرها 155 متراً من موضع سقوطها. كما يمكن تصميم الغلاف بحيث يتناثر إلى قطع معدنية حادة قادرة على اختراق الجسم وتمزيق الأعضاء الداخلية، وإحداث إصابات تهدد الحياة.

ومن الأسباب المحورية لتسبب الأسلحة الانفجارية في قتل وإصابة تلك الأعداد الكبيرة من المدنيين، تأثيرها الممتد على مساحات واسعة، فالسلاح القادر على إصابة أشخاص في نطاق دائرة يبلغ نصف قطرها عشرات أو مئات الأمتار من موضع سقوطه سيؤدي دون شك إلى قتل أو إصابة مدنيين عند استخدامه في مناطق مأهولة. كما أن الكثير من الأسلحة الانفجارية يخلو من أدوات التوجيه أو يستخدم بدون تصويب، مما يعني استحالة توجيهه بدقة، وتهديد المدنيين بمخاطر إضافية. وقد قال طبيب في مشرحة بشرق أوكرانيا لـ هيومن رايتس ووتش إن 99 بالمائة من ضحايا الحرب المدنيين توفوا جراء إصابات الشظايا الناجمة عن أسلحة انفجارية.

وفي سوريا، حيث اتسم استخدام الأسلحة الانفجارية في مناطق مأهولة باتساع نطاقه على وجه الخصوص، استخدمت الحكومة طيفاً واسعاً من تلك الأسلحة منذ 2011، بما فيها قذائف الهاون والمدفعية والصواريخ وقذائف الوقود المنفجرة في الهواء، والصواريخ الباليستية. ومنذ أواخر 2013 عمدت الحكومة على نحو متزايد إلى استخدام "القنابل البرميلية"، التي تصنع محلياً من براميل الوقود واسطوانات الغاز وخزانات المياه وتعبأً بشحنات مميتة من المواد عالية الانفجارية والوقود والكيماويات، والمعادن الخردة بغرض تعزيز التشظي عند الاصطدام.

وفي 2014 وثقت هيومن رايتس ووتش مئات من الفوهات الانفجارية غير منتظمة الأشكال في حلب جراء تلك القنابل، وسجلت العشرات من الإصابات والوفيات، بما فيها حالة نورا العبدو، 13 سنة، التي قطع رأسها في حريتان إلى الشمال الغربي من حلب، في هجوم بقنبلة برميلية في ديسمبر/كانون الأول 2013، تسبب أيضاً في قطع ساق فتاة عمرها 9 سنوات فيما كانت تلتمس الاختباء من طائرة مروحية فوقها.

وقد قامت جماعات مسلحة معارضة للحكومة السورية هي أيضاً بإطلاق قذائف الهاون والمدفعية على مناطق مأهولة خاضعة لسيطرة الحكومة، كما تسببت سياراتهم شديدة التفخيخ بقتل مئات من المدنيين. وبحسب تقارير، أدى هجوم تفجيري مزدوج يستهدف مدرسة في حمص بسوريا في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، إلى قتل عشرات الأطفال وعدد من الكبار. وفي 29 أبريل/نيسان سقطت قذيفتا هاون على مجمع بدر الدين الحسيني التعليمي في حي الشاغور بدمشق، وهي منطقة موالية للحكومة، فقتلتا 17 طفلاً وما لا يقل عن اثنين من الآباء، وجرحتا 50 آخرين.

وفي العراق اكتسب تنظيم داعش سمعة القسوة التي لا تقف عند حد بعد إطلاق النار على مئات من غير المحاربين وقطع رؤوسهم بدم بارد. لكن التنظيم قام أيضاً بإطلاق قذائف الهاون على مناطق مأهولة بالسكان وقتل وتشويه مدنيين، واستخدام هجمات السيارات المفخخة في أرجاء البلاد التي تسببت في قتل مئات الأشخاص، والتي ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية. وتضمن رد الحكومة على داعش استخدام القنابل البرميلية وسلسلة من الاعتداءات العشوائية عديمة التمييز.

وفي غزة أطلقت القوات الإسرائيلية عشرات الآلاف من الأسلحة الانفجارية على مناطق مأهولة كانت حماس تنتشر فيها طوال حرب دامت 7 أسابيع في يوليو/تموز وأغسطس/آب. كما أطلقت حماس نفسها آلاف الصواريخ وقذائف الهاون على تجمعات سكانية إسرائيلية. وتسببت الهجمات الإسرائيلية في قتل ما يزيد على 2100 فلسطيني، بينهم ما لا يقل عن 1486 مدنياً، بحسب الأمم المتحدة. وتبين تقارير الخسائر اليومية الصادرة من المنظمات الحقوقية في غزة أن جميع الوفيات تقريباً كانت بسبب أسلحة انفجارية.

وفي أوكرانيا قامت قوات الحكومة بإطلاق المدفعية وصواريخ غراد متعددة الإطلاق وغيرها من الأسلحة الانفجارية على مناطق مأهولة حيث كانت تنتشر قوات المتمردين الموالين لروسيا، فقتلت العشرات وأصابت أعداداً أكبر. واستخدمت القوات الموالية لروسيا نفس الأنواع من الأسلحة الانفجارية ضد القوات الحكومية، فقتلت وأصابت مدنيين بدورها.

وفي السودان أدى استخدام الحكومة المستمر للقصف في مناطق مأهولة بجبال النوبة (جنوبي كردفان) والنيل الأزرق إلى قتل وتشويه المئات من المدنيين وتدمير أبنية الإغاثة الإنسانية منذ بدء النزاع في 2011. كما أدى تصاعد القصف في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2014 إلى تدمير منشآت المساعدات الإنسانية وإرغام منظمة "أطباء بلا حدود" الإنسانية على الإخلاء.

ولا يقتصر استخدام الأسلحة الانفجارية في مناطق مأهولة على إحداث الخسائر المدنية، لكنه يعمل أيضاً على تدمير البنى التحتية المدنية مثل المدارس والمستشفيات وأنابيب المياه وشبكات الطاقة الكهربية، مما يطيل تأثر المدنيين بالنزاع المسلح.

وعلى سبيل المثال، عندما كانت قوات الحكومة والمتمردين تطلق الصواريخ غير الموجهة وقذائف المدفعية وغيرها من الأسلحة الانفجارية على بعضها البعض في لوهانسك بشرق أوكرانيا، ظل عشرات الآلاف من الأشخاص المحاصرين في المدينة بدون مياه جارية أو كهرباء طوال أسابيع. وعندما قام أحد باحثي هيومن رايتس ووتش بزيارة في أواخر أغسطس/آب، كان مئات الأشخاص يخاطرون بأنفسهم تحت القصف المنتظم، للاصطفاف بالساعات عند الفجر للتزود بالماء والطعام من نقاط التوزيع المنتشرة في أنحاء المدينة، حاملين الزجاجات والأوعية الفارغة.

أما الأسلحة الانفجارية الإسرائيلية فقد دمرت ما يزيد على 15 ألف مبنى في غزة أثناء النزاع في الصيف، بحسب تحليل لصور القمر الصناعي أجراه معهد الأمم المتحدة للتدريب والأبحاث. وقد تأثرت المدارس بصفة خاصة، فتم تدمير 228 منها، بحسب أحد المقررين الخواص للأمم المتحدة، مما أصاب تعليم الأطفال بأضرار جسيمة. وعند بدء العام الدراسي في سبتمبر/أيلول، كان نحو 90 بالمئة من مدارس غزة يعمل لفترتين، ويحضر التلاميذ لمدة 4 ساعات فقط في اليوم.

وفي شمال سوريا أدت الغارات الجوية الحكومية، التي بدا بعضها عمدياً، إلى إتلاف وتدمير مستشفيات، وترك النظام الطبي في حالة من الفوضى. وقد سجلت "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، وهي منظمة توثق محنة الفرق الطبية، ما يقرب من 200 اعتداء على مستشفيات في سوريا منذ بدء النزاع. والموارد الطبية القليلة المتاحة لا تكفي للتعامل مع الإصابات المتعلقة بالحرب، فتتعرض برامج صحة الأم والتطعيمات والحروق والأمراض المزمنة للإهمال. وقد ساهم انهيار النظام الطبي في شمال وشرق سوريا في انتشار شلل الأطفال، المرض الذي لم تشهده البلاد منذ 1999.

كما أن استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة من أهم أسباب نزوح المدنيين، وقد قال معظم الذين أجريت معهم المقابلات في مخيمات اللاجئين في تركيا والأردن ولبنان إنهم فروا من سوريا بسبب القصف الحكومي المستمر للمناطق التي استولت عليها الجماعات المسلحة غير الحكومية، وردد الفارون من لوهانسك في أوكرانيا نفس الأقوال.

ويحظر القانون الدولي استخدام أسلحة انفجارية معينة، وبالأخص الألغام الأرضية المضادة للأفراد والذخائر العنقودية. لكن شرعية استخدام الأسلحة الانفجارية تتحدد في الأغلب على أساس الحالات الفردية من خلال أحكام عامة في القانون الإنساني الدولي ـ من قبيل الالتزام بشن الهجمات التي تستخدم الأسلحة على نحو يميز بين المدنيين والمحاربين أو غيرهم من الأهداف العسكرية.

وهذا التحليل الجزئي لا يتلاءم مع التوصل إلى نتيجة قطعية بشأن فئة عريضة من الأسلحة (الأسلحة الانفجارية كمثال) في سياق من نوع عمومي (المناطق المأهولة كمثال). ونتيجة لهذا فإنه يعجز عن وضع حدود واضحة للمسألة.

فما الذي يمكن لنا عمله؟

إن فرض حظر ملزم على استخدام جميع الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة لن يكون متاحاً من الناحية السياسية، لكن من الممكن وضع معايير تحسن الشروط على نحو ملموس. وهيومن رايتس ووتش عضو مؤسس في الشبكة الدولية للأسلحة الانفجارية، وهي ائتلاف دولي من المنظمات غير الحكومية، تأسس في 2011 للعمل على منع الأضرار الناجمة عن استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة. وتعمل الشبكة على دعوة الحكومات إلى "تطوير معايير دولية أشد، بما في ذلك فرض الحظر والقيود على استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة".

وسوف يحتاج تطوير هذه المعايير إلى وقت، لكن على الدول وغيرها من الأطراف الآن أن تعترف بالمشكلة في المباحثات الدولية، وأن تراجع السياسات الوطنية التي تحدد الأسلحة الصالحة للاستخدام في المناطق المأهولة وفي ظل أية ظروف. وعليها أن تسعى إلى إيجاد موقف مشترك يهدف إلى فرض قيود أكبر على استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة. ويتعين عليها بوجه خاص أن تتفق على وقف استخدام كل الأسلحة الانفجارية التي يمتد أثرها على مساحات واسعة في المناطق المأهولة. وعلى القادة العسكريين، كسياسة متبعة، ألا يأمروا باستخدام الأسلحة الانفجارية التي يمتد أثرها على مساحات واسعة في المناطق المأهولة، بسبب الضرر المتوقع على المدنيين.

ومن شأن التأكيد على تناول الأسلحة الانفجارية التي يمتد أثرها على مساحات واسعة أن يكون أمراً حاسماً، كونها تتسبب في أكبر الأضرار للمدنيين. وسوف يتطلب مفهوم الأثر الممتد على مساحات واسعة تعريفاً أدق، لكن من الضروري أن يشمل الأسلحة الثقيلة التي تنتج انفجارات و/أو شظايا في نطاق نصف قطر واسع، والأسلحة متعددة الذخائر أو الرؤوس الانفجارية التي تغطي مساحات واسعة (مثل صواريخ غراد وغيرها من الأنظمة متعددة الإطلاق)، والأسلحة التي تنخفض دقتها بحيث يستحيل توجيهها فعلياً (مثل القنابل البرميلية).

ومن الممكن النظر في إجراءات أخرى تتجاوز شروط الحد الأدنى الواردة في القانون الإنساني الدولي، بخلاف وقف استخدام الأسلحة الانفجارية التي يمتد أثرها على مساحات واسعة في المناطق المأهولة. ومن الاحتمالات التي خضعت للنقاش تقييد استخدام أسلحة النيران غير المباشرة أو الأسلحة غير الموجهة في المناطق المأهولة، والالتزام باستخدام القوة الأقل تدميراً لتحقيق الميزة العسكرية. ويمكن للدول أن تصوغ الممارسات الفضلى المتعلقة بالعقيدة [العسكرية] والسياسات العملياتية وتوجيهات التدريب وقواعد الاشتباك وغير ذلك من التوجيهات.

لكن على الرغم من تزايد استخدام الأسلحة الانفجارية في مناطق مأهولة في 2014 فقد شهد العام أيضاً جهودا دولية لا يستهان بها للتصدي للمشكلة ـ والأرجح أن تتنامى قوتها الدافعة. فقد قام الأمين العام للأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الأممية (ومن أبرزها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية) واللجنة الدولية للصليب الأحمر، قاموا جميعاً بدعوة الدول إلى الامتناع عن استخدام الأسلحة الانفجارية التي يمتد أثرها على مساحات واسعة في المناطق المأهولة. وفي مارس/آذار عقدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر اجتماعاً لدراسة كيفية تقوية تدابير حماية المدنيين من الأسلحة الانفجارية عند استخدامها في مناطق مأهولة. وفي يونيو/حزيران استضافت النرويج اجتماعاً غير رسمي للخبراء بالتعاون مع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لنفس الغرض. وأعلنت النمسا عن استضافة اجتماع للمتابعة في 2015.

وهناك عملية دولية جارية للتصدي لاستخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة، ويبدو أن الآراء تتفق حول مفهومين: أن النتيجة الأكثر معقولية للمباحثات الدولية ستتمثل على الأرجح في تعهد ملزم سياسيا ـ من قبيل الإعلان أو التوجيه المشترك ـ بدلاً من أن يكون وثيقة قانونية جديدة، وأن هناك حاجة للتركيز على الأسلحة الانفجارية التي يمتد أثرها على مساحات واسعة.

وقد عبرت بعض الحكومات والخبراء العسكريين عن بواعث قلق من الجهود المتنامية لتقييد استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة استناداً إلى حجتين: الأولى هي أن العديد من الحكومات تقوم بهذا فعلاً من خلال سياسات وإجراءات تنظيمية وطنية، والثانية هي أن المنتهكين الأكثر خطورة لن يمتثلوا للتوجيهات الدولية المتعلقة بالمسألة بما أنهم ينتهكون قوانين أخرى بالفعل في إفلات من العقاب.

ومن الصحيح أن التوجيهات غير الملزمة لن يكون لها أثر فوري على [بشار] الأسد وأشباهه في أنحاء العالم، ومع ذلك فلا ينبغي الاستهانة بمكانة صناعة الأعراف الدولية. فقليل من البلدان اليوم، حتى تلك التي لم تصدق على المعاهدات المعنية، هي التي تطمئن إلى الاعتراف باستخدامها للألغام الأرضية أو القنابل العنقودية. أما أن بلدان عديدة تقوم حاليا بتقييد استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة؛ فهي حجة لصالح تطوير المبادئ التوجيهية الدولية وليس ضدها، حيث أن من شأنها المساعدة على نشر الممارسة في بلدان أخرى.

وقد تكهن نقاد آخرون بأن تقييد استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة من شأنه تشجيع قوى المعارضة على الانتقال إلى المدن والبلدات ومنع المدنيين من مغادرتها ـ بغرض ردع القوات المتحاربة عن الهجوم بأسلحة انفجارية. لكن هذه الأفعال، التي ترقى إلى اتخاذ دروع بشرية أو تعريض المدنيين للخطر العمدي بطرق أخرى، محرمة بالفعل بموجب القانون الإنساني الدولي، ومن شأنها تخويف السكان المدنيين.

ويتعين على أي إعلان مستقبلي بشأن استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة أن يؤكد على الالتزام بتجنب الجمع بين الأهداف العسكرية والمدنيين. لكن لا ينبغي له أن يهدف إلى منع استخدام الوسائل والأساليب الحربية المناسبة للتصدي لموقف كهذا، وقد يساعد في التوصل إلى صياغة أفضل لتلك الوسائل والأساليب.

إن الأسلحة الانفجارية تقتل وتصيب الآلاف من المدنيين في كل عام، وتلحق أضرارا جسيمة بالبنى التحتية المدنية. وكان بوسع توجيهات واضحة بشأن استخدام الأسلحة الانفجارية في المناطق المأهولة أن تمنع وفيات المدنيين الـ31 في مدرسة تكريت، إضافة إلى وفيات وإصابات وضروب من المعاناة يتخطاها الحصر في أماكن أخرى. ومن شأن تقييد استخدامها أن يؤدي إلى تأثير أكبر في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة من أي شيء آخر يمكننا القيام به.

 

ستيف غوس هو مدير قسم الأسلحة في هيومن رايتس ووتش. أوليه سولفانغ هو باحث رئيس في قسم الطوارئ في هيومن رايتس ووتش