”نادٍ للرجال“

التمييز ضد النساء في سوق العمل الإيرانية

ملخص

"أنا مهندسة ميكانيكية، تمت مقابلتي لمنصب في حقول الغاز والنفط الإيرانية... قال لي الشخص الذي أعرفه في الشركة إنهم أحبوني حقا، لكنهم لا يريدون توظيف امرأة للذهاب إلى الحقول".

- نغمه، امرأة (26 عاما) من مدينة طهران

"غالبا ما أثير إعجاب مديري من خلال النقاط التي أطرحها حول البرمجة، لكن نادرا ما تتاح لي فرصة المشاركة في عملية صنع القرار. طلب مني مديري مرة الحضور لشرح نقاطي في اجتماع، لكنه تراجع على الفور عن اقتراحه، قائلا إنها ليست فكرة جيدة لأنه نادٍ للرجال".

- صفورا، تعمل لحساب شركة استشارات في طهران

في يوليو/تموز 2015، توصلت إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي. كان هذا الاتفاق نقطة تحول تاريخية أعادت إيران إلى خارطة الاقتصاد العالمي. في الأشهر الستة الأولى من عام 2016، ارتفعت التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإيران – قال وزير التجارة الدولية البريطاني إن السوق الإيرانية بـ"أضخم سوق تدخل في الاقتصاد العالمي منذ سقوط الاتحاد السوفييتي" – بنسبة 43 بالمئة. وعد الرئيس روحاني، الذي دعم الاتفاق، بأن يستفيد منه اقتصاديا جميع الإيرانيين. ولكن في غياب إصلاحات فعلية لقانون العمل وأنظمته، يكون تصريح ريحاني منفصلا عن الواقع اليومي لشريحة كبيرة في إيران تشكل نصف عدد السكان: النساء الإيرانيات.

تواجه النساء الإيرانيات مروحة واسعة من الحواجز القانونية والاجتماعية، لا تقيّد حياتهن فحسب بل مصادر رزقهن، وتساهم في إرساء غياب صارخ للمساواة اقتصادية. مع أن النساء يشكلن أكثر من 50 بالمئة من حملة الشهادات الجامعية، تبلغ نسبتهن 17 بالمئة فقط من القوى العاملة. التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين لعام 2015، والذي نشره "المنتدى الاقتصادي العالمي"، يضع إيران بين آخر 5 بلدان (141 من أصل 145) من حيث المساواة بين الجنسين، بما في ذلك المساواة في المشاركة الاقتصادية. علاوة على ذلك نجد هذه التفاوتات في كل طبقات الهرم الاقتصادي؛ حضور النساء ضئيل جدا في المناصب العامة العليا وفي إدارات القطاع الخاص. هذه الفجوة الكبيرة في المشاركة في سوق العمل الإيرانية حصلت في ظل انتهاك السلطات الإيرانية الواسع لحقوق النساء الاقتصادية والاجتماعية. اسحدثت الحكومة وفعّلت العديد من القوانين التمييزية والتي تحد من مشاركة النساء في سوق العمل، في حين لم توقف – وأحيانا ساهمت في – انتشار ممارسات توظيفية تمييزية ضد النساء في القطاعين الخاص والعام.

تطوّر التمييز ضد النساء في سوق العمل الإيرانية جزئيا بسبب الإيديولوجيا المهيمنة في إيران منذ الثورة الإسلامية، التي دفعتهن إلى لعب "أدوار مثالية"، مثل أن يكنّ أمهات وزوجات، وهمشتهن من الحياة العامة. ولكن ما لا يُذكَر فيالسرديات عن دور النساء في المجتمع الإيراني هو أن القوانين التمييزية ضد النساء في العمل موجودة قبل ذلك بكثير. توجد عدة قوانين تمييزية في القانون المدني الإيراني لعام 1936. بعد استلام الجمهورية الإسلامية الإيرانية السلطة عام 1979، تراجعت السلطات عن التقدم الذي حققته التشريعات التي سُنَّت عام 1976 المروِّجة للمساواة بين الجنسين، تحديدا في قانون الأسرة، واستعادت هذه القوانين القديمة، فارضةً بنفس الوقت قيودا على الملابس في الحياة العامة. خلال العقود الثلاثة الأخيرة، عاقبت السلطات الناشطات القانونيات بسبب محاولتهن ترويج المساواة بين الجنسين في القوانين والممارسات، بما يشمل السجن. كما أن ملاحقة السلطات أعضاء بارزين في حملة "المليون توقيع" من أجل تغيير هذه القوانين التمييزية تُبيّن أن النضال من أجل حرية النساء الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن فصلها عن النضال الأوسع من أجل الحقوق السياسية والمدنية في إيران.

على الرغم من نضالهن اليومي ضد البيئة التمييزية ضدهن، نجحت العديد من النساء الإيرانيات في التعليم العالي؛ فهن يشكلن أغلب المتقدمين إلى امتحانات الدخول إلى الجامعة الوطنية. غير أن الطريق الشاقة تزيد حدة عندما يحاولن دخول سوق العمل الإيرانية أو التدرّج فيها. تبلغ البطالة بين النساء ضعفها بين الرجال، فواحدة من كل 3 نساء إيرانيات حائزات على شهادة البكالوريوس هي عاطلة عن العمل حاليا. مشاركة النساء في سوق العمل في إيران أدنى بكثير من معدل المشاركة النسائية في دول أخرى ذات دخل وسطي-أعلى، كما أنها أقل من المعدل لجميع نساء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فعليا، تملك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدنى معدل مشاركة نساء مقارنة مع مناطق أخرى، حيث تبلغ نسبتهن نحو 20 بالمئة.

على الأرجح أن القانون الإيراني مذنب في خلق هذا الواقع الاقتصادي غير المتكافئ. تميز القوانين المحلية مباشرة ضد مساواة النساء بالرجال في فرص العمل، بما في ذلك الحد من الوظائف التي يُسمح للنساء بمزاولتها وحرمانهن من التقديمات المساوية لتلك التي يحصل عليها الرجال. وأكثر من ذلك، القانون الإيراني يرى في الرجل رئيس الأسرة، ما يعطيه السلطة الكاملة على خيارات زوجته الاقتصادية. مثلا، للزوج الحق بمنع زوجته من العمل في مجال ما في ظل ظروف معينة، وعمليا يطلب بعض أصحاب العمل موافقة الزوج أو الخطيب المكتوبة للسماح للنساء بالعمل لديهم. قال محامون لـ "هيومن رايتس ووتش" إن في قضايا الطلاق غالبا ما يتهم الأزواج زوجاتهم بالعمل بدون موافقتهم أو في أعمال يرونها غير مناسبة. وللزوج الحق بمنع زوجته من استصدار جواز للسفر خارج البلاد كما لديه الحق بمنعها من السفر عندما يريد (حتى لو كان بحوزتها جواز سفر). قال بعض أصحاب العمل الذين تمت مقابلتهم إنهم غالبا لا يوظفون نساء في حال تضمنت الوظيفة رحلات كثيرة، بسبب غياب الضمانات الذي تخلقه هذه القوانين التمييزية.

كما لا تطبّق الحكومة قوانين تهدف إلى الحد من انتشار تمييز أصحاب العمل ضد النساء، بالإضافة إلى أن القانون الإيراني لا يؤمن الحماية المناسبة ضد التحرش الجنسي في مكان العمل. علاوة على ذلك، يمنع القانون الإيراني التمييز ضد النساء في مكان العمل ولكنه لا يُطبَّق خلال عملية التوظيف، حيث توجد حاجة ماسة إليه. الأرقام المنشورة تبين أن الموظِّفين في القطاعين الخاص والعام يفضلون توظيف رجال، خصوصا في مناصب تقنية وإدارية. يحدد الموظِّفون في القطاعين العام والخاص دائما جنسا مفضلا في إعلاناتهم التوظيفية، وهم يقومون بذلك تبعا لمعايير تعسفية وتمييزية. قال موظَّفون ومديرون أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات إنهم لم يكونوا على علم بوجود سياسات ضد التحرش الجنسي في مكان العمل، في حين أبلغت نساء عن حدوث تحرش جنسي. كما عبّر الذين تمت مقابلتهم عن إحباط من التطبيق العشوائي لقوانين اللباس.

تفرض القوانين الإيرانية قيودا قاسية على حرية التجمّع والحق بإنشاء اتحادات عمالية، ما يحد من قدرة العمال على الدفاع مجتمعين عن حقوقهم ويُضعِف فعالية آليات تقديم الشكاوى المعتمدة.

بدل اتخاذ خطوات لإزالة هذه الحواجز، عدّلت إيران، منذ 2011، سياساتها السكانية في اتجاه زيادة النمو السكاني، واضعةً حملا إضافيا على النساء في المجتمع. ونتيجة لذلك، تقوم عدة مسودات قوانين، بهدف زيادة الولادات، بالحد من وصول النساء إلى الصحة الإنجابية وفرص العمل. إذا أُقرَّت، بإمكان هذه القوانين تهميش النساء أكثر في الفضاء الاقتصادي.

يعترف بعض المسؤولين الإيرانيين بأن غياب المساواة بين الجنسين يسبب مشكلة. فخلال حملته الانتخابية في 2013، رفض الرئيس روحاني التمييز بين الجنسين وأعلن أن إدارته ستؤمن فرصا متساوية للنساء. إنما، منذ توليه السلطة، لم تقم إدارته إلا بالقليل لتحسين الوضع، مثل تعليق العمل مؤقتا ببعض إجراءات التوظيف الرسمية التمييزية ضد النساء.

شهيندخت مولاوردي، نائبة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة والأسرة، عارضت التمييز بين الجنسين، واعدةً من جلّ ما وعدت، باستحداث إعفاءات للنساء للسفر إلى الخارج للعمل في مناسبات معينة بدون موافقة الزوج. غير أن جهودها لم تعد بفائدة ملموسة على النساء الإيرانيات بعد.

في ذروة المواجهة بين إيران والمجتمع الدولي حول برنامجها النووي، بين 2007 و2013، كان للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها القوى العالمية، مقترنةً مع تغييرات في سياسة إيران النقدية، أثرا سلبيا على الاقتصاد وأدت إلى ارتفاع مستوى البطالة وإغلاق العديد من الأعمال. تظهر بيانات العمل أن النساء عانين بصورة غير متناسبة في ظل هذا الوضع الصعب.

منذ توصلت إيران والقوى العالمية إلى الاتفاق التاريخي في 2015 وإزالة بعض العقوبات، كانت أولوية الحكومة الإيرانية تحسين اقتصاد البلاد. استأنفت العديد من الشركات الأجنبية تجارتها مع إيران وهي بصدد افتتاح مكاتب لها هناك. ولكن النتيجة ستكون محدودة للنساء اللاتي خسرن عملهن في الظروف الاقتصادية الصعبة التي شهدتها البلاد في العقد الأخير، واللاتي يناضلن من أجل أن يعامَلن بمساواة في سوق العمل، ما لم تُزل الحواجز التي تعيقهن.

على إيران اعتماد قانون شامل ضد التمييز، للقضاء على الأحكام التمييزية في النظام القانوني الحالي وتأمين حماية متساوية للنساء اللواتي يشاركن في سوق العمل. إذا كانت الحكومة جادة في إزالة الحواجز من طريق المشاركة المتساوية للمرأة في القوى العاملة، عليها العمل مع البرلمان على إقرار إصلاحات تشريعية، والتصدي للصور النمطية الجندرية السائدة في مكان العمل. عليها أيضا العمل من أجل توسيع تغطية الضمان الاجتماعي ليشمل الذين يعملون في الاقتصاد غير الرسمي والذي يتكون بأغلبه من نساء. فقط عند معالجة هذه القيود على الحقوق يصبح باستطاعة النساء الإيرانيات المشاركة بالتساوي في بناء مستقبل أسرهن وبلدهن.

التوصيات

للحكومة والبرلمان الإيرانيين

  • المصادقة على "اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة" (سيداو) بدون تحفظات.
  • المصادقة على اتفاقية "منظمة العمل الدولية" رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم (1948)، والاتفاقية رقم 156 بشأن العمال ذوي المسؤوليات العائلية (1981)، والاتفاقية رقم 183 بشأن حماية الأمومة (2000)، بغية تأمين إطار قانوني أوسع وأكثر عدلا ينظم القوى العاملة.
  • المضي قدما نحو القضاء على، أو تعديل، جميع القوانين والتشريعات في القانون المدني التي تميّز ضد النساء في ما يخص الحق بالعمل، ومنها:
    • المادة 1117 من القانون المدني التي تسمح للزوج بمنع زوجته من الحصول على عمل يعتبره مناقضا للقيم العائلية أو لسمعته.
    • المادة 18 من قانون جوازات السفر التي تسمح للزوج برفض سفر زوجته. كإجراء انتقالي، على السلطات القضائية إعفاء النساء اللاتي يسافرن من أجل العمل من هذا الشرك بانتظار إلغائه كليا.
    • مراجعة عقود الزواج من أجل ضمان حقوق متساوية للنساء، بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. كإجراء انتقالي، يجب إدراج هذه الأحكام كاختيارية في عقود الزواج في جميع مكاتب تسجيل الزواج الرسمية.
  • إقرار قانون شامل ضد التمييز يقضي على كل أشكال التمييز الجندري في مكان العمل، في القطاعين الخاص والعام؛  تضمينه حظر للتمييز غير المباشر تماشيا مع تعريف اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وتأمين آليات فعالة لتقديم الشكاوى والادّعاء وتنفيذها للنساء اللاتي يتقدمن بشكاوى. يجب أن يتضمن التشريع المقترَح إصلاحات لقانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي من أجل:
    • أن يمنع بشكل صريح تحديد الجنس في إعلانات التوظيف.
    • ضمان عدم لجوء الهيئات الحكومية إلى ممارسات توظيف تمييزية وأن تتوقف عن استخدام إعلانات التوظيف حسب الجنس.
    • إقرار عقوبات، منها غرامات، ضد الشركات والهيئات الحكومية التي تميز ضد النساء، في عملية التوظيف أو الترقيات.
    • حماية النساء من التحرش الجنسي، بما في ذلك في مكان العمل.
    • تقديم حماية ومساعدات متساوية للرجال والنساء، منها "العلاوات الأسرية".
    • إعطاء إجازة عائلية مشابهة للآباء والرجال بما يخص الأقارب المرضى أو المسنين.
  • مراجعة القوانين ذات الصلة المطروحة حاليا أمام البرلمان لإلغاء كل الأحكام التمييزية، بما في ذلك الخطة الشاملة لامتياز الأسرة والخطة لزيادة الولادات ومنع انخفاض النمو السكاني وخطة حماية "قدسية" الحجاب.
  • احترام حق العمال بتنظيم وإنشاء نقابات والتجمع السلمي تماشيا مع القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون العمل الدولي.

لوزارة العمل الإيرانية

  • قبول الشكاوى المتعلقة بالتحرش الجنسي والتحقيق فيها وفي شكاوى التمييز الأخرى المُقَدَّمة إلى هيئات إجراءات الشكاوى القائمة داخل الوزارة.
  • تطوير وضمان مبدأ "الأجر المتساوي على العمل المتساوي" بالتعاون مع مكتب نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة ونقابات العمال ومنظمات أصحاب العمل، تماشيا مع قوانين منظمة العمل الدولية.
  • معالجة التنميط الجندري السائد في مكان العمل، بالتعاون مع مكتب نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة،بما في ذلك من خلال حملات توعية.
  • التوسيع التدريجي لتغطية الضمان الاجتماعي ليشمل العاملات والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، وعند الحاجة، تكييف الإجراءات الإدارية والمساعدات والمساهمات، مع مراعاة قدرتهم على المساهمة.

لمنظمة العمل الدولية

  • دعوة إيران إلى ضمان امتثال قانون العمل الإيراني تماما للمعايير الدولية المتعلقة بعدم التمييز والمعاملة المتساوية في العمل.
  • تدريب مفتشي وزارة العمل ومسؤولين حكوميين آخرين على حقوق العمال حسب النوع الاجتماعي وتقنيات التحقيق.

للشركات الوطنية والأجنبية

  • اعتماد سياسات شاملة ضد التمييز تقضي على كل أشكال التمييز الجندري في مكان العمل، تحديدا:
    • سياسات واضحة تمنع التحرش الجنسي في مكان العمل، وإجراء تدريبات دورية على هذه السياسات.
    • ضمان المساواة بين الجنسين في التوظيف والترقيات بالإضافة إلى الوصول المتساوي لفرص التطوّر.

للاتحاد الأوروبي، الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والدول الأطراف الثالثة الأخرى

  • ضمان أن تظل "مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان"، ولا سيما مبادئ عدم التمييز التي تتفق مع المعايير الحقوقية الدولية الأخرى ومعايير منظمة العمل الدولية، جزءا لا يتجزأ من أي مشاركة اقتصادية مع إيران أو الاستثمار فيها.

منهجية التقرير

نادرا ما سمحت الحكومة الإيرانية لمنظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش بدخول البلد وإجراء تحقيقات مستقلة في قضايا سوء معاملة خلال السنوات الثلاثين الأخيرة. سجل إيران في النقد المستقل وحرية التعبير قاتم بشكل عام، تحديدا في العقد الأخير. فمئات الناشطين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين قد لوحِقوا بسبب المعارضة السلمية.غالبا ما يتحفظ الإيرانيون على إجراء محادثات مطولة عن قضايا حقوق الإنسان عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني، خوفا من مراقبة الحكومة التي تطال مواقع التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"تويتر" وتطبيق التراسل "تليغرام". عادة ما تتهم السلطات الإيرانية منتقديها داخل إيران، ومنهم الناشطون الحقوقيون، بالتعامل مع دول أو جهات أجنبية وتلاحقهم بموجب قوانين الأمن القومي.[1]

لغرض هذا التقرير، أجرت باحثة هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 44 امرأة ورجلا، منهم محامون وأصحاب أعمال صغيرة ومديرو توظيف وموظِّفون في القطاعين العام والخاص وخبراء اقتصاديون، يعيشون حاليا في إيران أو غادروا البلد مؤخرا، شاركوا سابقا في سوق العمل أو أجروا دراسات عنها. عدد كبير من الذين تمت مقابلتهم يعيشون في طهران، ولكن عددا منهم يعيش في مدن مثل شيراز ومشهد وسنندج وقزوين. ضمّنت هيومن رايتس ووتش التحليل، حيث أمكن، إحصاءات وبيانات رسمية. قابلت هيومن رايتس ووتش رجالا ونساء من خلفيات اجتماعية واقتصادية متنوعة ولكن أغلب الذين تمت مقابلتهم كانوا خريجي جامعات وأفرادا من القوة العاملة الإيرانية العالية الكفاءة. أجرت باحثة هيومن رايتس ووتش المقابلات باللغة الفارسية عبر تطبيقات مراسلة آمنة للهواتف الذكية. أُبلِغَ جميع الذين تمت مقابلتهم بهدف المقابلة وطُرُق استخدام المعلومات وأُعطوا ضمانات بالإبقاء على السرية. يستخدم هذا التقرير أسماء مستعارة لجميع الذين تمت مقابلتهم إلا شخص واحد، كما يحجب معلومات معرِّفة أخرى لحماية خصوصيتهم وسلامتهم. لم يتلق أي من الذين تمت مقابلتهم بدلا ماديا أو محفزات أخرى للتحدث مع هيومن رايتس ووتش.

في 14 مارس/آذار 2017، أرسلت هيومن رايتس ووتش قائمة أسئلة إلى البرلمان الإيراني ومكتب نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة ووزارة العمل. كما طلبت اجتماعات لمناقشة نتائج التقرير قبل نشره (أنظر الملاحق I وII وIII). لم تتلق هيومن رايتس ووتش أي رد حتى الآن.

راسلت هيومن رايتس ووتش أيضا شركتين أجنبيّتين تعملان حاليا في إيران أو أعلنتا أنهما ستبدآن نشاطات تجارية مع البلد في المستقبل القريب، للاستعلام عن الآليات المعتمدة لضمان التطبيق العملي للمساواة بين الجنسين.

لا تزعم هيومن رايتس ووتش أنه يمكن استخلاص نتائج إحصائية حول انتشار التمييز ضد جميع النساء في إيران.

I. خلفية

خلال ثورة 1979، وقفت نساء إيرانيات من خلفيات مختلفة إلى جانب الرجال للمطالبة باحترام أكبر لحقوق الإنسان. ولكن بعد 38 عاما، لاتزال النساء يناضلن من أجل المساواة أمام القوانين وضد الممارسات والمعايير الأبوية الاجتماعية التمييزية. أرست الإيديولوجيا المهيمِنة بعد الثورة الإسلامية نظرة رجعية إلى دور النساء في المجتمع. فقد حددت مسؤولية النساء الأساسية بتربية الأطفال والعمل داخل المنزل، ووضعت عراقيل كبيرة أمام النساء الباحثات عن دور في المجتمع يتساوى ودور الرجل. وكما سنوضح لاحقا، في الفصل المخصص للانتهاكات المُضَمَّنة في القوانين الإيرانية، أحيت السلطات قانونا مدنيا يعود لعقود خلت يتضمن أحكاما تميّز ضد النساء. يشمل هذا القانون شؤونا أساسية مثل الزواج وقانون الأسرة وسن المسؤولية الجنائية والإرث والشهادة في المحاكم والديّة (دفع المال تعويضا عن القتل).

ولكن هذه القيود تتعارض منذ زمن مع كفاءات النساء الإيرانيات وتطلعاتهن والاحتياجات الاقتصادية القومية. خلال الحرب الطاحنة التي دامت 8 سنوات مع العراق المجاور (1988-1980)، والتي دمرت الاقتصاد الإيراني، عملت النساء كممرضات وعاملات طبيات وفي مناصب إدارية لدعم الجنود الإيرانيين على الجبهة، وكنّ غالبا متطوعات. وفي غياب الرجال أصبحت نساء كثيرات معيلات لأسرهن.[2]

ازدادت الفرص الاقتصادية للنساء في أواخر الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي عندما قاد الرئيس هاشمي رفسنجاني جهودا لإعادة إحياء الاقتصاد عبر توسيع دور القطاع الخاص. مع ارتفاع مستوى المعيشة وغلائها خلال هذه الفترة، بحثت النساء الإيرانيات بفعالية عن فرص للحصول على التعليم، بما في ذلك التعليم الجامعي، في حين كنّ يستفدن من برنامج تنظيم الأسرة ابتداء من 1989 للوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية ووسائل منع الحمل.[3]

رئاسة محمد خاتمي، 1997-2005، الذي أدار حملته على وعود بالمساواة بين الجنسين والمزيد من الحريات السياسية والاجتماعية، تُعرَف عامةً باسم "حقبة الإصلاحات". حاولت إدارة خاتمي خلق جو يسهّل نشاطات اجتماعية أكثر ووسّعت حرية الإعلام قليلا وأجرت إصلاحات سياسية متواضعة، كما ساعدت النساء في دخول الفضاء العام. الحضور الأبرز للنساء في المجتمع تمثل بـ"حملة المليون توقيع"، وهي عمل على مستوى القاعدة هَدَف إلى توعية المجتمع عبر محادثات وجاهية وجمع تواقيع على عريضة تطالب بتغيير القوانين التمييزية ضد النساء.[4] [5] بينما لعبت الحملة دورا في تعميم النقاش حول هذه الأحكام التمييزية، لم تنجح في تحقيق أهدافها الأوسع، وواجه العديد من أعضائها الملاحقة القضائية.

في ظل محمود أحمدي نجاد الذي شغل منصب الرئيس لدورتين بين 2005 و2013، تعرّضت إصلاحات حقبة خاتمي السياسية والاجتماعية المتواضعة، بما فيها حقوق المرأة، لهجوم متواصل من الحكومة. من السياسات التمييزية التي طبقها أحمدي نجاد كان نظام "الحصص الجندرية" في الجامعات، وهو إجراء مثير للجدل وضع قيودا حدّت من وصول النساء إلى بعض التخصصات. في 2012، رُفضت الطالبات في أكثر من 77 مجال دراسة في 36 جامعة.[6] ترافقت آخر سنوات إدارته مع تحوّل في التخطيط السكاني للبلد بهدف زيادة النمو السكاني. في هذه الفترة قُدِّمت عدة تشريعات إلى البرلمان همشت النساء أكثر في سوق العمل.

تغيّر النظرة إلى دور النساء في خطط إيران الإنمائية

لم تقبل قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية أبدا مبدأ "المساواة بين الجنسين"، بل هي تعدّه أحد أكبر أخطاء الإيديولوجيا الغربية.[7] ولكن بقيت سياسات الحكومة للتنمية تتقلب في ما يخص دور النساء في المجتمع بسبب الصراع الحزبي المستمر بين المحافظين والإصلاحيين. في 1991، خلال رئاسة رفسنجاني، أنشأ "المجلسُ الأعلى للثورة الثقافية" "مكتبَ شؤون المرأة"، الذي ركّز على تقوية النساء في المجتمع. باستلام الرئيس خاتمي السلطة، بدّل اسم المكتب ليصبح "مركز مشاركة النساء" ما يعكس السياسات الأكثر شمولية لإدارته. الأهم من ذلك أنه خصص ميزاية منفصلة للمركز كما ضم رئيسة المركز إلى حكومته. ثم في 2005، بدّل أحمدي نجاد الاسم ليصبح "مركز شؤون المرأة والأسرة". يعكس الاسم الجديد سياساته تجاه النساء الإيرانيات مشددا على دورهن الأساسي، تربية الأطفال والتقيد بالمعايير التي فرضتها السلطات المتمثلة باللباس والسلوك "التقي". في 2013 رفع الرئيس أحمدي نجاد مستوى المركز ووضعه تحت مسؤولية نائب الرئيس.[8]

كما أثّرت التحولات في نظرة المسؤولين على طريقة تحديد الأولويات في شؤون المرأة في تقرير النمو الاقتصادي الذي تنشره كل 5 سنوات. هذه الخطة المعروفة باسم "الخطة الخمسية للتنمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية" تحدد أولويات الحكومة الاقتصادية الشاملة وتعدها السلطة التنفيذية ويصادق عليها البرلمان الإيراني (مجلس الشورى الإسلامي). كان واضحا في خطة التنمية الثالثة (2000-2004) في عهد الرئيس خاتمي أن مركز مشاركة النساء يهدف للمرة الأولى إلى التعاون مع مؤسسات حكومية أخرى من أجل تسهيل حضور النساء في الحياة العامة.[9] وتضمنت الخطة أيضا توجيهات لتقييم حاجات النساء التربوية والرياضية، ما فتح فرص عمل جديدة أمام النساء وخفف بعض الظلم الذي يواجهنه في النظام القانوني.

قبل انتهاء ولايته في 2005، حضّر خاتمي خطة التنمية الرابعة (2004-2008) التي شدّدت على تقوية النساء في المجتمع وتحديد الحواجز القانونية، مثل نقص حمايتهن من العنف، وتعزيز تقوية المجتمع المدني بصفتها الأمور الأكثر إلحاحا لتركّز عليها الحكومة.[10] بالرغم من بعض الإنجازات المتواضعة، مثل إجراء بحث عن انتشار العنف المنزلي ضد النساء، أخفقت الحكومة في تغيير قوانين تمييزية أو معالجة نقص الحماية القانونية من العنف ضد النساء. في حين أجرت إدارة أحمدي نجاد تحوّلات كبيرة بما يخص النساء، فهي لم تُنهِ مسودة الخطة الشاملة للنساء والأسرة التي كان من المفترض إدراجها في الخطة الخامسة. أما الخطة السادسة التي صيغَت في عهد الرئيس روحاني، وتتم دراستها في البرلمان حاليا، فتقترح أن تُدرِج الحكومة "العدالة الجندرية" في خطتها. في المسودة لا يعني مصطلح "العدالة الجندرية" تساوي حقوق الرجال والنساء، إنما أن تتلاءم حقوق كل نوع اجتماعي مع دوره "المناسب" وحاجاته بموجب الشريعة الإسلامية.

النساء في القوى العاملة: صورة حالية

تعرض الإحصاءات الرسمية الإيرانية واقعا مقعدا بعد 3 عقود على وعد الثورة الإسلامية بتأمين حقوق النساء.[11] لا شك أن حقوق النساء تحسنت في بعض المجالات، مثل التعليم والصحة. ارتفعت نسبة النساء المتعلمات من 35.1 بالمئة في 1977 إلى 80.2 بالمئة في 2006، بينما انخفض الفرق بين المتعلمين والمتعلمات من الرجال والنساء من 23.5 بالمئة إلى 8.5 بالمئة.[12] في السنوات الـ 38 الأخيرة ارتفعت نسبة التحاق النساء بالجامعات، لدرجة أنهن أصبحن في 2009 – بنسبة أكثر من 60 بالمئة – يشكلن أغلبية الطلاب المقبولين في البكالوريا. بعد انتخابه في 2013، ألغت إدارة الرئيس روحاني بعض سياسات "الحصص الجندرية" التمييزية والمُقَرّة في عهد الرئيس أحمدي نجاد، ولكن بعض الذين تمت مقابلتهم قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن بعض الحصص (كوتا) لاتزال معتمَدة في تخصصات معينة في عدد من الجامعات، مُقيِّدة وصول النساء إلى بعض مجالات الدراسة فيها.[13]

تدهور الوضع الاقتصادي في إيران خلال السنوات التسع الأخيرة، فانخفض النمو الاقتصادي من نحو 6.7 بالمئة في 2008 إلى 5.8- بالمئة في 2013.[14] وتماشيا مع تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد أظهرت الإحصاءات الرسمية انخفاضا في المشاركة الاقتصادية وارتفاعا في نسبة البطالة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين عمالة الذكور والإناث.[15]

تقدم الإحصاءات صورة أكثر كآبة بالنسبة للنساء في إيران اللاتي يسعين إلى ترجمة التحسينات في مجالي الصحة والتعليم إلى مكاسب مماثلة في سوق العمل. حسب "البنك الدولي"، إيران دولة ذات دخل وسطي-أعلى – مدعوم بقطاع نفطي كبير – وهي ثاني أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد السعودية.[16] مع ذلك، مشاركة النساء في سوق العمل لا تتعدى 16 بالمئة، وهي نسبة أدنى بكثير من تلك في البلدان ذات الدخل الوسطي-الأعلى (69 بالمئة) وأقل من المعدل للنساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو الأدنى عالميا ويبلغ 20.7 بالمئة.[17] التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين، الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي في 2015، يصنف إيران ضمن البلدان الخمسة الأخيرة (141 من أصل 145) من حيث المساواة بين الجنسين، بما في ذلك المساواة في المشاركة والفرص الاقتصادية.[18]

حسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن "مركزالإحصاءات الإيراني"، في 2014، شكلت النساء 16.6 بالمئة تقريبا فقط من القوى العاملة الإيرانية.[19] وفي الفترة بين مارس/آذار 2015 وآذار 2016، شاركت 12.3 بالمئة من النساء فقط في القوى العاملة في البلاد بينما كانت نسبة الرجال أعلى بكثير، 63.3 بالمئة. هذه فجوة كبيرة بين الجنسين والتي تفاقمت على مدى الـ12 سنة الأخيرة، منذ انتخاب أحمدي نجاد في 2005، بالرغم من ارتفاع مستوى تعليم النساء.

أدت الأزمة الاقتصادية التي بدأت في 2008 إلى انخفاض معدلات العمالة في كل المجالات. ولكن فيما عاد معدل مشاركة الرجال في سوق العمل إلى مستواه في 2005 تقريبا، 64.7 بالمئة، لايزال معدل مشاركة النساء 27.6 بالمئة، وهو أقل منه في 2005. وهذا يصح أيضا في حالة البطالة بين النساء التي ارتفعت إلى 20.5 بالمئة في 2011 ثم ثبتت على 19.4 بالمئة (أعلى بـ13.5 بالمئة من المعدل في 2005).

وبالرغم من ارتفاع عدد النساء العاملات والحائزات على شهادات عالية من 860 ألف في 2005 إلى 1.5 مليون في 2015 (ارتفاع بنسبة 67.5 بالمئة)، فإن معدل البطالة في هذه الفئة من الأعلى في البلاد.[20] وتُظهر بيانات التعداد الوطني لعام 2011 أيضا أن 48.15 بالمئة من النساء العاطلات عن العمل حصلن على تعليم عال.[21]

كما تُبين البيانات فجوة بين مشاركة الرجال والنساء الاقتصادية أصغر من المعدل الوطني بين أفراد حاصلين على شهادات عليا. في حين يُظهر هذا أن النساء الحاصلات على شهادات عليا مندفعات أكثر للمشاركة في العجلة الاقتصادية، فإنهن يواجهن صعوبات أكبر من تلك التي يواجهها الرجال للحصول على وظائف تتناسب ومؤهلاتهن.

تشكل النساء 14 بالمئة فقط من القوى العاملة في القطاع الخاص، و22 بالمئة في القطاع العام.[22]

بدأت الحكومة الإيرانية، منذ 2005، تفعيل خطط لنقل شركات تملكها الحكومة إلى القطاع الخاص.[23] بينما يظهر التفاوت جليا بين عمالة الرجال والنساء في القطاعين الخاص والعام فإنه أكبر في القطاع الخاص منه في القطاع العام. إن لم يصبح توزيع العمل بين الجنسين في القطاع الخاص أكثر توازنا قد تزيد خطة الدولة لخصخصة أجزاء كبيرة من الاقتصاد من اتساع الفجوة بشكل عام بين عمالة الرجال والنساء.

بعد أن أبرم الاتفاق النووي، يأمل الكثير من الإيرانيين أن يؤدي رفع العقوبات الاقتصادية إلى تحسّن ظروف عيشهم الصعبة.[24] ولكن إن لم تكن الدولة تنوي اتخاذ إجراءات لمعالجة التمييز الشامل ضد النساء، لن يتحسن وضعهن كثيرا. تتوقع بعض التقارير الرسمية أنه حتى لو حققت الدولة معدل النمو المتفائل، 8 بالمئة، الذي تتوقعه خطة الحكومة الخمسية وحيث سيتم خلق 310 آلاف فرصة عمل، سترتفع مشاركة النساء إلى 19 بالمئة فقط بينما سيبقى معدل البطالة بينهن 20 بالمئة.[25]

النساء في الاقتصاد "غير الرسمي" و"الهش"

تعمل أغلب النساء العاملات في إيران في ما يُسمّى الاقتصاد "غير الرسمي". يُعرَّف "العمل غير الرسمي" بوجه عام بالعمل في وحدات ذات قوانين عمل وإدارة قليلة.[26] النساء العاملات في هكذا وظائف، عادة في القطاعات الصناعية أو الزراعية، يكنّ عرضة أكثر من غيرهن لسوء المعاملة بما أنهن لا يحصلن على حماية قوانين العمل.

تُقدّر دراسة أجراها مكتب نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة أن نصف الأعمال التي تقوم بها النساء هي في الاقتصاد "غير الرسمي".[27] في السنوات الأخيرة أعطت الحكومة الأولوية لتحسين ظروف النساء المعيلات لأُسرهن والنساء اللاتي يبقَيْنَ في المنزل، أي "ربّات المنازل"، عبر مجموعة تدابير مثل توفير الرعاية الصحية.[28] لم تصبح هذه التدابير ملموسة بعد. 

من المرجح أن يرتفع عدد النساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي بسبب اللاجئين غير المسجَّلين والذين لا يشملهم الاقتصاد الرسمي. في 2015، قدّرت وزارة الداخلية عدد اللاجئين الأفغان في إيران بـ2.5 مليون.[29] يملك مليون ونصف منهم إقامات مؤقتة، تسمح لهم القيام بوظائف محددة، تتطلب في الأغلب عملا يدويا ثقيلا أو خطيرا.[30] من هذه الأعمال: تصنيع الجص،  تصنيع حامض البطاريات، الحفر، تصنيع الطوب، وضع الإسفلت والخرسانة، رعي المواشي، ذبح الحيوانات، حرق القمامة، تحميل وتفريغ الشاحنات، قطع الأحجار، بناء الطرقات، التعدين، والزراعة.[31] هذه الأعمال محصورة بالرجال بوجه عام في إيران، وهي بالعادة ليست فقط زهيدة الأجر إنما خطِرة أيضا. هذه القيود على وصول اللاجئين الأفغان إلى سوق العمل تستثني عمليا النساء الأفغانيات من سوق العمل الرسمية وتدفعهن إلى العمل في الاقتصاد غير الرسمي.

مع مرور الوقت صار الموظِّفون يفضلون أكثر وأكثر توقيع عقود عمل قصيرة الأمد تمنحهم حرية أكبر لإنهاء العقد وتقلّص التكاليف.[32] حسب بعض الناشطين في مجال حقوق العمال، أكثر من 80 بالمئة من القوى العاملة في إيران تعمل على أساس عقود مؤقتة.[33]

تُعفى وُرَش العمل التي تضم أقل من 10 موظَّفين من حماية قانون العمل وغالبا ما تستخدم عقودا قصيرة الأمد لتقليص التكاليف. لا توجد إحصاءات منشورة لعدد العمّال في هذه الورش الصغيرة. تُشير الدراسة التي أجراها مكتب نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة إلى أن الورش الصغيرة توظف نساء على أساس عقود مدتها 3 إلى 6 أشهر، كما تعتبر غياب ضمان العمل لهؤلاء العاملات "مشكلة جدية".[34] يعتقد بعض الناشطين في مجال حقوق العمال أن النساء هن أول ضحايا شروط العمل الصعبة في هذه الورش، فهن يعملن لغاية 12 ساعة يوميا بدون الحصول على ضمانات.[35]

اعترفت هيئات الأمم المتحدة أن "غالبا ما ترتفع نسبة النساء بشكل غير متناسب في الاقتصاد غير الرسمي، على سبيل المثال، ‏بصفة عاملات مؤقتات أو عاملات من المنزل أو عاملات لحسابهن الخاص، الأمر الذي يؤدي ‏بدوره إلى تفاقم جوانب التفاوت في مجالات مثل المكافأة والصحة والسلامة والراحة وأوقات ‏الفراغ والإجازات مدفوعة الأجر".[36]

النساء في المناصب الحكومية العليا

حضور النساء محدود في مستويات اتخاذ القرار العليا في البلاد. بوجب القانون الإيراني، يجب أن تنطبق على المرشحين للرئاسة صفة "رجل سياسى" (الرجل السياسي) التي ينص عليها الدستور. يوجد اختلاف بين المسؤولين حول معنى كلمة "رجل". في إشارة إلى المفاوضات خلال صياغة الدستور، يقول البعض إن العبارة ككل تفهم بمعنى "الأشخاص السياسيون"، دون تحديد الجنس.[37] بالرغم من هذا الغموض حول مشاركة النساء، "مجلس صيانة الدستور"، المكون من قضاة إسلاميين مسؤوليتهم التدقيق في المرشحين في الانتخابات، لم يوافق قط على ترشّح امرأة للرئاسة أو عضوية مجلس خبراء القيادة، بالرغم من تقدّم النساء للمنصبين.[38] وبنحو مماثل لم تصل أي امرأة إلى مجلس صيانة الدستور أو "مجلس تشخيص مصلحة النظام". في 2016، دعى مجلس صيانة الدستور 8 مرشحات للمشاركة في اختبار لتحديد ما إذا كن مؤهلات للترشح لمجلس الخبراء؛ لم تتأهل أي منهن.[39] لم يوافق مجلس صيانة الدتسور على أي من المرشحات الإناث اللواتي تسجلن للانتخابات الرئاسية في 2017، ومنهن أعظم طالقاني، وهي عضوة سابقة في البرلمان.[40] 

لا توجد نساء في مجلس الوزراء حاليا، مع أن الرئيس روحاني كان قد عيّن 3 نساء في مجلس وزراء إدارته.[41] وزير الداخلية، المخوَّل تعيين محافظي المناطق، لم يختَر إلى الآن إلا رجال. ولكن الإدارة عينت على الأقل 3 نساء محافظات من أصل 430 في مختلف أنحاء البلاد.[42] عينت الإدارة أيضا 13 امرأة من أصل 1058 حاكما على المديريات، أغلبهن في مقاطعات صغيرة في مختلف أنحاء البلاد.[43] في السنوات الثلاث الأخيرة تزايد تعيين النساء كحاكمات مدن أو أرياف ورئيسات بلديات. في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 عينت إيران مرضيه أفخم سفيرة إلى ماليزيا. أصبحت أول امرأة سفيرة منذ ثورة 1979.[44]

لا يمكن للنساء أن يصبحن قاضيات ولكن بإمكانهن العمل كمساعدات للقضاة أو كاتبات إداريات. في 21 سبتمبر/أيلول 2016 عين النائب العام في طهران، ولأول مرة، امرأتين كمحققتين (قاضيَتَيْ تحقيق) في محكمة الأحداث في طهران.[45] وفي سبتمبر/أيلول 2015 قال حجة الإسلام علي رضا أميني، مدير الموارد البشرية القضائية، للإيرانيين في مؤتمر صحفي إن نحو 700 امرأة يعملن مساعدات قضاة وكاتبات إداريات في الجهاز القضائي. حسب أميني يبلغ عدد القضاة في إيران نحو 10 آلاف.[46]

ارتفع عدد النساء المنتخَبات في بعض المناصب قليلا مع الوقت. تشغل النساء حاليا 5.8 بالمئة فقط (17 من أصل 290) من المقاعد في البرلمان الجديد. هذه النسبة هي الأعلى منذ ثورة 1979. كما ارتفعت نسبة النساء المسجَّلات للانتخابات في فبراير/شباط 2016 إلى 12 بالمئة بعدما كانت 8 بالمئة في 2012.[47] وارتفع عدد النساء المنتخبات في مجالس المدن والقرى من 1491 في 2006 إلى 6092 في 2013.[48] في انتخابات مجالس المدن والقرى العام 2017، شكلت النساء 6.3 بالمئة من المرشحين المسجلين في هذا السباق.[49]

II. التزامات إيران بموجب القانون الدولي

يحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان التمييز الجندري. كطرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ 1976، تتعهد إيران "بضمان مساواة الذكور والإناث" كما هو مبيَّن في العهد، بما في ذلك الحق في العمل.[50] تعتبر اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الهيئة التي تفسر العهد، أن الحق في العمل يتضمن حظر "حرمان أحد من الحق في تكافؤ الفرص في الحصول على عمل لائق أو تقييد هذا الحق‏". كما أوضحت اللجنة أن على الدول أن تتخذ "ما ينبغي من تدابير لمكافحة التمييز، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص في إمكانية الحصول على عمل".[51] وتشدد اللجنة بصفة خاصة على أنه يجب ألا يشكل الحمل عائقا أمام التوظيف كما يجب ألا يشكل تبريرا لفقدان العمل.[52]

شرحت اللجنة معنى التمييز المحظور بأنه يتضمن التمييز المباشر وغير المباشر. التمييز غير المباشر "يحيل إلى قوانين أو سياسات أو ممارسات تبدو محايدة في ظاهرها، ولكنها تُخلِّف أثرا غير متناسب على ممارسة الحقوق المنصوص عليها في العهد لأسباب تمييز محظورة".[53]

يتضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أيضا حمايات خاصة للأمهات خلال "فترة معقولة" قبل الوضع وبعده، بما في ذلك إجازة مدفوعة أو إجازة مصحوبة باستحقاقات ضمان اجتماعي كافية، والحق في الوصول المتساوي إلى الخدمات الاجتماعية.[54] وأوضحت اللجنة أن تنفيذ الحق بتأمين اجتماعي متساوٍ يقتضي "عدة أمور منها، المساواة بين الجنسين في سن التقاعد الإلزامي؛ وكفالة مساواة المرأة في الحصول على مزايا مشاريع المعاشات العامة والخاصة؛ وكفالة حصول المرأة على إجازة أمومة ملائمة والرجل على إجازة أبوّة، وإجازة الأبوين لكل من الرجال والنساء".[55]

صادقت إيران على 5 من أصل اتفاقيات منظمة العمل الدولية الثماني الأساسية، منها الاتفاقية (رقم 111) الخاصة بالتمييز في مجال الاستخدام والمهنة 1958 واتفاقية المساواة في الأجور (رقم 100) 1951.[56] المراقبة التي قدمتها "لجنة الخبراء بشأن تطبيق الاتفاقيات والتوصيات" (لجنة الخبراء) في منظمة العمل الدولية في 2013، التي تتأكد من تنفيذ الدول الأعضاء للاتفاقيات، شددت على أن قانون العمل الإيراني لا يتوافق بما يكفي ومبدأ "مساواة العمال والعاملات بالأجر لدى تساوي قيمة العمل" الموجود في الاتفاقية، وحثت إيران على اغتنام الفرصة ومراجعة قانون العمل لكي ينص على هذا المبدأ بشكل كامل.[57]

العديد من مواد اتفاقيات منظمة العمل الدولية المعنية بحماية الأمومة تحاول ضمان عمل النساء في ظروف غير خطرة خلال الحمل وبعده، بدون حرمان النساء من خيار الاستمرار في تأدية عملهن المعتاد. ولكن هذه الاتفاقيات غير مطبقة حاليا في إيران. حسب المادة 2 من الاتفاقية رقم 111، "لا يعتبر أي تفريق أو استبعاد أو تفضيل على أساس مؤهلات يقتضيها شغل وظيفة معينة من قبيل التمييز". بينما حثت لجنة الخبراء بشأن تطبيق الاتفاقيات والتوصيات على تفسير الاستثناء على قاعدة التمييز حرفيا لتفادي "تقييد غير مبرر للحماية التي مفترض أن تؤمنها الاتفاقية [رقم 111]".[58]

في ظل القانون الدولي لحقوق الإنسان، ليس التمييز مقصودا دائما.قد يكون لقوانين أو أحكام أو سياسات أو ممارسات من المفترض أنها محايدة أثر مميِّز. نصت لجنة الخبراء أن التمييز غير المباشر في إطار معنى الاتفاقية رقم 111 يتضمن التمييز على أساس "مفاهيم تراتبية ونمطية بالنسبة لأدوار الرجال والنساء... التي تتغير حسب البلد والثقافة والعادات والتي هي مصدر أشكال التمييز الجندري".[59] قوانين العمل أو التشريعات الاجتماعية والسياسات "المحايدة بالظاهر" والتي لها أثر غير متناسب على النساء هي أشكال من التمييز غير المباشر.

لم تصادق إيران بعد على اتفاقية مناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، الوسيلة الدولية الأساسية لضمان حماية متساوية كاملة للنساء.[60] بعد سنوات شاقة من النقاش وإطلاق الحملات، أقر البرلمان الإيراني قانون الانضمام إلى سيداو في مايو/أيار 2003.[61] ولكن قامت شخصيات محافظة بارزة في الحكومة بحملات لدفع مجلس صيانة الدستور إلى رفض هذا القانون.[62] القانون حاليا بين يدي مجلس الخبراء الذي يبت في كل خلاف بين مجلس صيانة الدستور والبرلمان.

III. التمييز ضد النساء في القانون الإيراني

دستور 1979 والقانون المدني القديم وقانون العمل في إيران هي الأحكام القانونية الأساسية التي تحكم دور النساء في سوق العمل. بالإضافة إلى هذه القوانين، ترسم إيديولوجيا الجمهورية الإسلامية الخطط الاجتماعية والاقتصادية العامة في مجالات مثل النمو السكاني، وتعطي تفسيرات رسمية لـ"الأخلاق" و"الحشمة". هذه النظرة الإيديولوجية للعالم تُترجَم بسياسات تؤثر أكثر على حياة النساء ووصولهن إلى فرص اقتصادية متساوية. يقطع دستور 1979 الإيراني وعودا شاملة للمواطنين، ضامنا حماية قانونية متساوية والتمتع بـ "كل الحقوق الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما يتوافق والمعايير الإسلامية"، للرجال والنساء.[63] يشدد الدستور أيضا على مسؤولية الحكومة في تأمين "بيئة معززة لنمو شخصية المرأة واستعادة حقوقها، المادية والفكرية".[64] كما يضمن "حماية الأمهات، خاصة خلال فترة الحمل".[65] ولكن عمليا، يشدد الجهاز القانوني الإيراني على دور النساء كأمهات وزوجات على حساب حقوقهن الأخرى المذكورة في الدستور، ويعتمد على قوانين تمييزية مستمدة من أحكام القانون المدني الذي يحدد حقوق ومسؤوليات الزوجين. تهيمن قوى محافظة على مجلس صيانة الدستور، الهيئة المخولة تفسير الدستور، وغالبا ما تمنع تغييرات تشريعية أكبر لتحقيق المساواة بين الجنسين.

القانون المدني الإيراني وتاريخ تطوره

تمت صياغة أغلب أحكام القانون المدني المطبقة حاليا في إيران، خاصة الأحكام التمييزية التي تنص على حقوق الزوجين، قبل الثورة الإسلامية في 1979. قانون 1936 المدني، الذي حدد قوانين الأحوال الشخصية للمرة الأولى، أعطى الرجال حقا غير محدود بطلاق زوجاتهم خارج نظام المحاكم، ووضع الرجل على رأس الأسرة، مقدما له حرية اختيار مكان سكنها، وحدد سن الزواج الدنيا بـ 15 للفتيات و18 للفتيان.[66] بموجب القانون، بإمكان الرجل منع زوجته من الحصول على عمل يعتبره ضد قيم الأسرة أو مضرا بسمعته أو سمعة زوجته.

حتى 1968، كانت شؤون الطلاق والزواج تُبَت في المحاكم المدنية العادية. في 1967 أقر البرلمان أول قانون أسرة وأنشأ محاكم الأسرة وصار الطلاق ممكنا فقط بموجب قرار محكمة وبعد إثبات أن الصلح غير ممكن.[67]اعتُمد قانون 1967 على أساس نفس مبدأ قانون 1936 الذي ينص أن الزوج رأس الأسرة ورسم امتيازات مشابهة للرجل. صادق البرلمان على مجموعة تعديلات أخرى على قانون الأسرة في 1976. تضمنت التعديلات الجديدة أحكاما حسنت من حقوق النساء في بعض المجالات، مثل رفع سن الزواج إلى 18. لكن بعد الثورة الإسلامية عام 1979 كان قانون 1967 من أول القوانين الملغاة. وحتى عام 2007 كانت مواد قانون 1936 تُستَخدَم في المحاكم.[68] في 2007، أعطى القانون المدني صلاحية البت في الخلافات الأسرية لمحاكم الأسرة. لاتزال النسخة الحالية من القانون المدني تتضمن أحكاما تمييزية، تعتبر الزوج رأس الأسرة، ما يعطيه سلطة اختيار مكان سكن الأسرة، وتسمح له بمنع زوجته عن عمل يعتبره ضد قيم الأسرة أو مضرا بسمعته أو سمعتها بموجب قرار محكمة.

قانون العمل

في حين يتضمن قانون العمل أحكاما ضد العمل القسري والتمييز ضد المرأة، إلا أنه لا يضمن تقديمات متساوية للنساء أو عدم التمييز عبر عقوبات قانونية والتطبيق الفعلي. المادة 6 من قانون العمل الإيراني تحظر العمل القسري وتنص على أن "لجميع الأفراد، رجالا ونساء، الحق بحماية القانون ويمكنهم اختيار أي مهنة يرغبون بها مادامت لا تتعارض والقيم الإسلامية والمصلحة العامة وحقوق الآخرين".[69] المادة 38 من القانون تشدد أيضا على المساواة بالأجر بين الرجال والنساء لعمل ذي قيمة متساوية في مكان عمل بنفس الشروط".[70]

ولكن يمنع قانون العمل توظيف نساء من أجل "القيام بعمل خطر أو شاق أو مؤذٍ، أو رفع أوزان أثقل من الحد المسموح، يدويا وبدون وسائل ميكانيكية". في يوليو/تموز 1992، صادق المجلس الأعلى للثورة الثقافية على "سياسات توظيف النساء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية". تشدد المادة 5 من هذه السياسات على أنه ينبغي على المكاتب التنفيذية للدولة تسهيل توظيف النساء، ولكن هدف هذا الدور، جزئيا، ضمان عدد كاف من النساء في وظائف يشجعها تفسير السلطات للشريعة على أنها مناسبة للنساء (مذكورة بالتحديد في القانون، مثل ممرضة، مدرّسة، طبيبة) أو وظائف "مناسبة عقليا وجسديا للنساء" (مثل مختبرات علمية، هندسة كهربائية، عمل اجتماعي، علوم صيدلية وترجمة). حسب القانون يجب أن تتمكن النساء المتقدمات لوظائف لا فرق فيها بين رجل أو امرأة من الحصول عليها بدون تمييز. ولكن المادة 5 تعتبر بعض المهن، مثل العمل كقضاة أو إطفائيين، غير مناسبة للنساء، بسبب تفسير السلطات للشريعة أو مزاعم بأن شروط العمل غير مناسبة للنساء.[71]

كما يعاني قانون العمل الإيراني من مشكلتين إضافيتين تؤديان إلى انتهاكات. أولا، مبادئ عدم التمييز في قانون العمل لا تشمل عملية التوظيف والتي هي أساسية لالتحاق النساء بالقوى العاملة، خاصة في مناصب عليا أجرها أعلى وذات طابع تقني. ثانيا، كما سيتبين في القسم عن التمييز، هناك إخفاق في تطبيق حماية النساء من التمييز في مكان العمل.

انتهاكات الحق في العمل

أنا امرأة استثمرت الكثير من الوقت في الدراسة ولا يمكنني أن أتخيل نفسي دون مهنتي. من خلال الضغط علي لأترك عملي، يريد زوجي أن يسلبني جزءا من هويتي.

- شهناز، محامية وأستاذة جامعية زائرة من طهران

التمييز في الحق في اختيار المهنة

وفقا للمادة 1117 من القانون المدني، يمكن للزوج منع زوجته من مهن "يرى أنها ضد القيم الأسرية أو مسيئة لسمعته أو سمعتها".[72] في الممارسة العملية، ولكي يمنع رجل زوجته من مهنة معينة، عليه رفع دعوى قضائية أمام المحكمة وتقديم مبرر للقاضي. في عام 2014، حثت لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية الحكومة الإيرانية على "اتخاذ خطوات لإلغاء أو تعديل المادة 1117 من القانون المدني لضمان حق المرأة، فى القانون وعمليا، فى ممارسة أي عمل أو مهنة من اختيارها بحرية".[73] قالت النساء اللواتي قابلتهن هيومن رايتس ووتش لأجل هذا التقرير مرارا وتكرارا إن حقهن في اختيار المهنة التي يرغبن فيها مقيد بالقانون المدني الإيراني، وهو ما يشكل انتهاكا للحق في العمل بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

روت شهناز، وهي محامية وأستاذة جامعية محاضرة ودرست واشتغلت قبل أن تتزوج، أنه "بسبب ضعف بصري، اعتقد زوجي أنه من ليس آمنا بالنسبة لي أدرّس في الجامعة في مدن مختلفة، ورفع القضية إلى المحكمة... تزوجنا لمدة عامين. كانت لدينا خلافات حول العديد من القضايا، لكنه لم يكن يريدني أن أعمل، وبذل كل ما في وسعه ليمنعني من ذلك".[74]

لا يمارس القانون المدني فقط التمييز مباشرة ضد المرأة، ولكنه يسهل أيضا التمييز من قبل أرباب العمل ضد المرأة المتزوجة أو المخطوبة. لا يحظر القانون الإيراني على أرباب العمل مطالبة المرأة بإذن الزوج لكي تعمل. قالت سحر، 26 عاما وتعمل كممثلة مبيعات في شركة خاصة في طهران: "في شركتنا، على النساء المتزوجات تقديم موافقة خطية من أزواجهن، وإلا فلن يتم تشغيلهن. كنت مخطوبة في ذلك الوقت، وكان عليّ أن أقدم وثيقة تظهر أن خطيبي وافق لي بأن أعمل".[75]

قال محامون عديدون لـ هيومن رايتس ووتش إن الخلافات الزوجية بشأن مهنة الزوجة تستخدم بانتظام ضد المرأة أمام محاكم الأسرة. بينما نادرا ما تصل ھذه النزاعات إلى المحکمة کدعوى منفصلة، ​​إلا أن المشکلة المتعلقة بمھنة الزوجة غالبا ما تکون جزءا من مطالبة الزوج بالطلاق أو رفضه إياه، ویمکن أن تصبح إحدى أکثر المسائل إثارة للخلاف.

لاحظت مرضيه، وهي محامية من طهران دافعت عن العديد من النساء والرجال في نزاعات عائلية: "زبائني الذكور عادة ما يستخدمون عبارة ’منذ أن بدأت العمل‘ عندما يشكون سلوك زوجاتهم. وكثير منهم يرتاحون لإصدار أحكام على مهن مختلفة [يعتبرونها غير مناسبة لزوجاتهم]".[76] وأضافت مرضيه: "على سبيل المثال، الكثير منهم لا يحب أن تعمل زوجاتهم في صالونات التجميل، لأنهم لا يعتبرونها وظيفة شريفة".[77]

قالت نيغار، وهي محامية في مقاطعة خراسان: "قبل عامين، كانت لدي موكلة تمر بظروف صعبة في زواجها".[78] وأضافت: "كانت موظفة في مجال الصحة، وعليها العمل ليلا مرة أو اثنتين كل أسبوع. وعندما تعقدت الأمور، اشتكى زوجها للمحكمة أنه لا يعتقد من المناسب لزوجته قضاء الليل خارج البيت، وحكم القاضي لصالحه، وطلب من موكلتي تغيير ظروف عملها أو التخلي تماما عن وظيفتها".[79]

عدم المساواة في الحصول على الضمان الاجتماعي

تميز قوانين إيران للضمان الاجتماعي ضد حصول المرأة على مستحقات معينة، مثل العلاوات العائلية، وبدلا من ذلك تفضل الدفع للرجل المتزوج الذي له أطفال. وحتى تكون المرأة مؤهلة للحصول على هذا التعويض النقدي، عليها أن تثبت أن زوجها عاطل عن العمل، أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو أنها الوصية الوحيدة على أطفالها.[80] تميز قوانين الضمان الاجتماعي الإيرانية أيضا ضد عائلة المرأة، عندما لا تكون المرأة هي المعيلة الأساسية. تلزم المادة 148 من قانون العمل أرباب العمل بتأمين عمالهم بموجب "قانون الضمان الاجتماعي"، كما يمكن لأسرة المؤمن عليه الحصول على تأمين صحي من مؤسسة الضمان الاجتماعي.[81] ومع ذلك، ولأن القانون الإيراني يعتبر الرجل رب الأسرة، تستفيد أسرة الموظفة من تأمينها الصحي فقط عندما المرأة هي المعيلة أو عندما يكون زوجها عاطلا عن العمل أو لديه احتياجات خاصة.[82] يمتد أيضا هذا التمييز بشأن المستحقات إلى ما تحصل عليه الأسرة بعد وفاة أنثى أو ذكر من أعضائها. بعد دفع ضريبة الضمان الاجتماعي وبلوغ سن معينة وتأدية مدة أدنى من العمل، يحق لأحد أفراد أسرة المستفيد من الضمان الاجتماعي الحصول على جزء من التقاعد بعد وفاته. مع ذلك، في حين أن الزوج والأطفال دون سن الـ 18 عاما يمكنهم الحصول على جزء من راتب تقاعده، عندما تتوفى امرأة لديها تأمين، لا يحق لعائلتها الحصول على نفس المستحقات.[83] أعربت النساء اللواتي تحدثن إلى هيومن رايتس ووتش عن عدم رضاهن عن مستحقات الضمان الاجتماعي التمييزية التي ينص عليها القانون الإيراني. قالت نرجس، وهي مديرة مالية متقاعدة في طهران: "عملت أنا وزوجي في نفس المجال ونفس المنصب. وكانت هناك أوقات حصلت فيها على منصب أعلى من منصبه وراتب أكبرمن راتبه. لكن على الرغم من أنني دفعت نفس الجزء المحدد للضمان الاجتماعي مثل زوجي طيلة حياتي المهنية، لو مُت لا يمكنني أن أترك له أي شيء، ولو مات هو يمكنني الحصول على راتبه".[84]

انتهاكات حرية التنقل

وفقا للمادة 18 من قانون جوازات السفر الإيراني، على النساء المتزوجات، بمن فيهن اللواتي تقل أعمارهن عن 18 سنة، الحصول على إذن من أزواجهن للحصول على جواز سفر. في حين يمكن إدراج الإذن بالسفر إلى الخارج في عقد الزواج، يجب تقديم موافقة خطية من الزوج مع طلب الحصول على جواز السفر.[85] حتى لو منح الزوج الإذن لزوجته عندما تتقدم بطلب الحصول على جواز سفر، يمكنه دائما تغيير رأيه ومنعها من السفر إلى الخارج. يسمح هذا المقتضى القانوني للرجال بمنع زوجاتهم من السفر لأي سبب وفي أي وقت. بيد أنه في حالة الطوارئ، يمكن للمدعي العام أن يسمح للمرأة بالسفر دون الحصول على هذا الإذن. في مارس/آذار 2012، اقترحت إدارة الرئيس أحمدي نجاد تعديلا لقانون جوازات السفر الذي من شأنه أن يحد من حرية النساء غير المتزوجات أيضا في السفر إلى الخارج. وفقا للتعديل المقترح، تحتاج النساء دون سن الـ 40 إلى إذن من ولي أمرهن القانوني، أو "الحاكم الشرعي" للحصول على جواز للسفر إلى الخارج.[86]

تحمي المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإيران طرف فيه، الحق في حرية التنقل، بما في ذلك حق كل شخص في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده.[87] تعتبر اللجنة المعنية بحقوق الإنسان - التي ترصد تنفيذ دولها الأطراف للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية - حرية التنقل "شرطا لا غنى عنه لتنمية حرة للإنسان"، يتم انتهاكها إذا كانت القيود تميز "على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الميلاد أو أي وضع آخر". وخلصت اللجنة في عدة مناسبات إلى أن التدابير التي تمنع المرأة من التنقل بحرية أو من مغادرة البلاد عبر اشتراط حصولها على موافقة أو مرافقة شخص من الذكور تشكل انتهاكا للحق في حرية  التنقل. في عام 2011، حددت اللجنة في ملاحظاتها الختامية أن على إيران أن تعدل قوانينها لإزالة شرط الحصول على موافقة الزوج عندما تنوي المرأة مغادرة البلد.[88]

في سبتمبر/أيلول 2015، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن زوج نيلوفر أردلان، قائدة فريق كرة القدم داخل الصالات للنساء في إيران –  5 لاعبات كرة القدم من كل فريق - رفض منح زوجته إذنا بالسفر، ومنعها فعلا من مرافقة فريقها للمشاركة في بطولة كرة القدم الصالات الآسيوية في ماليزيا.[89] قالت أردلان لوسائل الإعلام الإيرانية إن زوجها رفض منحها الإذن بمغادرة البلاد لأنه يتوقع منها حضور التوجيه المدرسي لطفلهما.[90] قالت أردلان لـ "قانون"، وهي صحيفة يومية إيرانية: "هذه هي المرة الأولى التي تنظَّم فيها بطولة آسيا ولقد تدربت وأشعر أني على استعداد، لكن زوجي رفض منحي جواز سفري. بسبب موقفه، فقدت فرصة اللعب في البطولة. أتمنى أن تخلق السلطات أحكاما للرياضيين الإناث حتى نتمكن من الدفاع عن حقوقنا في هذه الحالة. هذه المباريات مهمة جدا بالنسبة لي، وأردت أن يكون لي دور في رفع علم بلدي كامرأة مسلمة".[91] وبعد رد فعل المجتمع المدني، منحها مكتب المدعي العام في طهران إذنا لمرة واحدة بالمشاركة في مباريات جرت في غواتيمالا في نوفمبر/تشرين الثاني 2015.[92]

في 8 مايو/أيار 2017، نقلت وكالة الأنباء "إيسنا" أن زهرا نعمتي، وهي عضوة في الفريق القومي الإيراني لذوات الاحتياجات الخاصة، منعها زوجها من السفر إلى الخارج بعد أن تقدمت بطلب للحصول على الطلاق.[93] بعد يوم، طيبه سياواشي، العضوة في لجنة الثقافة البرلمانية، قالت لـ إيسنا إنها تمكنت من رفع المنع من السفر بعد التشاور مع اللجنة الأولمبية الإيرانية. أضافت: "استثمرت البلاد فيها وإذا لم تتمكن من السفر إلى الخارج فقد تتضرر سمعة بلادنا".[94]

قال عدد صغير من مديري التوظيف في الشركات وأرباب العمل لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يفضلون عدم توظيف النساء في المناصب التي تتطلب سفرا كثيرا. وقال أحد أرباب العمل لـ هيومن رايتس ووتش إنه يفضل عدم توظيف النساء في المناصب التي تتطلب منهن السفر إلى الخارج لأنه لا يثق في أنهن سيحصلن على إذن من أزواجهن للسفر في الوقت المناسب. على الرغم من عدم ذكر أي من النساء اللواتي تمت مقابلتهن أنه تم تقديم هذه المسألة كسبب لعدم توظيفهن، فقد تصبح مشكلة متزايدة بعدما أعاد الاقتصاد الإيراني ارتباطه بالسوق العالمية بعد سنوات من العزلة التي قلصت فرص السفر للمهنيين من الرجال والنساء.

قالت شهيندخت مولاوردي، نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة، لوسائل الإعلام يوم 15 سبتمبر/أيلول إن مكتبها سيسعى إلى تعديل القانون الذي يفرض على المرأة المتزوجة الحصول على إذن من زوجها للسفر: "إلى أن يتم تعديل القانون، سوف نبحث عن إعفاءات حتى تتمكن الباحثات والرياضيات من المشاركة في المؤتمرات والبطولات الدولية".[95] ومع ذلك، ليست هيومن رايتس ووتش حاليا على علم بأية مقترحات تعديل.

IV. غياب الحماية والإنفاذ القانونيَّين

انتهاكات حق تكافؤ الفرص في الحصول على العمل

تظهر عملية التوظيف الموحدة في القطاعين العام والخاص الإيرانيين أن أرباب العمل يستخدمون النوع الاجتماعي بصفة منتظمة كمؤهل للوظائف. وعلاوة على ذلك، فإن التمييز بين الجنسين لا يقتصر على وظائف يزعم أنها "مضرة" أو "غير آمنة"، وتُستبعد منها النساء بموجب القانون الإيراني، ولكنه يُطبق أيضا على الوظائف التي ليس لها أساس قانوني محلي لحرمان شخص ما من وظيفة بسبب جنسه، مثل الوظائف التقنية أو الإدارية. ولا يحظر القانون الإيراني الإعلان عن النوع الاجتماعي كمؤهل للعمل. ويبدو أن عددا من فرص العمل في القطاعين العام والخاص تحدد جنسا مفضلا للموظفين المحتملين، ويبدو أن غالبية هذه الوظائف الشاغرة تفعل ذلك دون أي مبرر معلن.

أثناء مقابلتها مع باحثات عن العمل، علمت هيومن رايتس ووتش أن شركة لإدارة مشاريع البناء، مقرها في طهران، وظفت رجالا فقط في جميع المناصب. وعندما سألت هيومن رايتس ووتش عن هذه السياسة التمييزية، أشار أحد موظفي الشركة إلى أن إدارة الشركة الأم اتخذت هذا القرار بعد شائعات بأن العديد من الموظفين الذكور والإناث كانوا متورطين في علاقات رومانسية. قال روزبه، مدير صغير في الشركة: "بما أن الإدارة لم تكن سعيدة بشأن العلاقات [غير المشروعة] داخل الشركة، قررت أن إقصاء النساء هو الحل لمشكلتها".[96]

التمييز في عملية التوظيف في القطاع الخاص

درست هيومن رايتس ووتش مئات الوظائف الشاغرة على مختلف المواقع الإلكترونية والصحف العمومية، بما في ذلك الوظائف المعلنة على "إيران تالنت"، أحد مواقع البحث عن عمل الأكثر شعبية بالنسبة للعمالة المؤهلة في القطاع الخاص بين مايو/أيار وسبتمبر/أيلول 2016. في العديد من الحالات، تفضل إعلانات التوظيف بشكل واضح المرشحين الذكور في مجالات العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، والرياضيات. في المقابل، العديد من الوظائف الموجهة إلى النساء هي مناصب مساعدات، أو سكرتيرات، أو غيرها من الوظائف الإدارية. الوظائف في مجال الأعمال التجارية، مثل المبيعات أو التسويق، كانت معلنة بشكل عام لكل من الذكور والإناث.

من بين 66 وظيفة شاغرة مفتوحة فحصتها هيومن رايتس ووتش وحددت الأنثى كجنس مفضل في 19 سبتمبر/أيلول 2016، يمكن تصنيف فقط 12 منها على أنها مناصب "متخصصة". أما الباقي فهي إدارية، منها 19 وظيفة شاغرة لتوظيف سكرتيرات. من 176 إعلانا عن مناصب شاغرة لتوظيف سكرتيرات على موقع "همشهري" الإلكتروني (موقع شهير للبحث عن وظائف) في يوم واحد (20 سبتمبر/أيلول 2016)، ذكر 173 صراحة تفضيلها للنساء. في المقابل، من بين 58 إعلانا  نصت صراحة على تفضيل الرجال على موقع إيران تالنت في اليوم نفسه، 55 وظيفة كانت فنية وتقنية.

يشير تحليل هيومن رايتس ووتش للإعلانات عن الوظائف أيضا إلى أن بعض الشركات والفروع الأجنبية اتبعت أنماطا تمييزية مماثلة. على سبيل المثال، ذكرت شركة محاماة سويسرية في إعلان عن عمل محلي أنها تفضل توظيف سكرتيرة، في حين ذكرت شركة اتصالات فرنسية أنها تفضل ذكرا لمنصب مدير مشروع إقليمي. عندما سُئل لماذا ينشر فقط إعلانات تشغيل إناث كسكرتيرات في شركته، قال علي، رئيس مجلس إدارة شركة إعلانات على الانترنت، لـ هيومن رايتس ووتش إنه يعتقد أن "وجود نساء كسكرتيرات سيخلق واجهة ألطف لشركته. من المهم بالنسبة لنا أن نبعث بهذه الصورة لزبائننا واتصالاتنا الخارجية".[97]

تشير تجارب النساء اللواتي تمت مقابلتهن لأجل هذا التقرير إلى أن مثل هذه الممارسات التمييزية منتشرة على نطاق واسع. قالت نغمه، وهي امرأة تبلغ من العمر 26 عاما من مدينة طهران: "أنا مهندسة ميكانيكية، تمت مقابلتي لمنصب في حقول الغاز والنفط الإيرانية في ميناء أسالوية (حيث توجد منطقة بارس الخاصة للطاقة الاقتصادية). قال لي الشخص الذي أعرفه في الشركة إنهم أحبوني حقا، لكنهم لا يريدون توظيف امرأة للذهاب إلى الحقول".[98]

قال بوريا، وهو مهندس مدني عمره 30 عاما وعمل في مشاريع بناء خارج طهران، لـ هيومن رايتس ووتش إنه لا توجد نساء في مواقع البناء التي يعمل بها. في الوقت ذاته لدى شركته 3 أو 4 نساء يعملن في المكتب. "لا أعتقد أن الإدارة كانت حريصة جدا على توظيف النساء. أعتقد أنهم شعروا أن ذلك سيضيف ’تعقيدات‘ إلى بيئة [العمل]".[99]

غياب إطار قانوني شامل في هذا المجال يسمح لفرق الموارد البشرية بإرساء ممارسات توظيف تمييزية بصراحة، وهي ممارسة تؤخذ في الحسبان فقط من قبل مبادرات فردية أو سياسات الشركة. نيوشا، مديرة الموارد البشرية في إحدى أكبر شركات التأمين في إيران، قالت لـ هيومن رايتس ووتش إنها حاولت ضمان أن تكون المناصب مفتوحة لكلا الجنسين في شركتها. "وبما أنه لا يوجد قانون يحظر الإعلان عن [تفضيلات] الجنس، فإن الأمر متروك للمدير لضمان المساواة بين الجنسين. وانطلاقا من عمل [سابق] مع منظمات دولية، اهتممت بعمق بضمان المساواة بين الجنسين في مكان العمل. لم يستغرق وقتا طويلا بالنسبة للشركة لتعتاد على وجود نساء مديرات مثل الرجال".[100]

التمييز في ممارسات التوظيف في القطاع العام

تُملأ آلاف الوظائف في القطاع العام عبر امتحانات تديرها إدارة التقييم، المعروف بالفارسية باسم "سنجش". في أبريل/نيسان 2015، وحدت إدارة روحاني امتحانات الدخول إلى عدة وكالات حكومية، وبدأت إجراء امتحانات شاملة لمراكز الفروع التنفيذية. حللت هيومن رايتس ووتش 7026 إعلانا عن مناصب شاغرة للامتحانات الثلاثة الأخيرة الماضية إلى الوظائف العمومية. كانت نتيجة هذا التحليل أنه في حوالي 60 بالمئة من إعلانات الوظائف الشاغرة، التي راجعتها هيومن رايتس ووتش، تم التعبير بشكل واضح عن تفضيل الرجال. غالبية الإعلانات عن مناصب إدارية، التي راجعتها هيومن رايتس ووتش، مخصصة حصريا للرجال دون أي مبرر. في الامتحان الأول الذي قُدم في مايو/أيار 2015، اقتصرت على الرجال أكثر من 80 بالمئة من 2649 إعلانا عن مناصب شاغرة في وكالات معينة، مثل وكالة الضرائب، التي خصصت 96 بالمئة من وظائفها للرجال.

يظهر تحليل هيومن رايتس ووتش أن توزيع الوظائف تحسن بشكل طفيف في الامتحان الثاني الذي نظمته الحكومة في مارس/آذار 2016. ومع ذلك، في الامتحان الثالث، من 2545 إعلان عن مناصب شاغرة، خصصت أكثر من 46 بالمئة منها حصرا للرجال.

نُقلت هذه الممارسات التمييزية لأول مرة إلى علم الحكومة من قبل شهيندخت مولاوردي، نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة في أبريل/نيسان 2015.[101] في 31 يوليو/تموز 2016، أجّل الرئيس روحاني الامتحان للتحقيق في التمييز الواضح ضد المرأة في سوق العمل.[102] ورحبت كتلة النساء البرلمانيات بهذه الخطوة.[103]

مجموع

مناصب مفتوحة لكلا الجنسين

مناصب مفتوحة للنساء

مناصب مفتوحة للرجال

وظائف شاغرة في امتحانات التوظيف الشاملة[104] 

2649

493 (18.6 بالمئة)

29 (1 بالمئة)

2127 (80.3 بالمئة)

أول امتحان توظيف شامل في القطاع الحكومي

1832

911 (49.7 بالمئة)

36 (2 بالمئة)

885 (48.3 بالمئة)

ثاني امتحان توظيف شامل في القطاع الحكومي

2545

1067 (41.95 بالمئة)

299 (11.85 بالمئة)

1179 (46.3 بالمئة)

ثالث امتحان توظيف شامل في القطاع الحكومي

لا تقتصر الممارسات التمييزية في التوظيف في القطاع العام على الامتحانات الشاملة في قطاع الحكومة. في الوظائف الشاغرة التي أعلنتها مؤسسة الضمان الاجتماعي عام 2015، من بين ما مجموعه 1435 منصبا، فُتح 618 منصبا حصرا للرجال، في حين أن 151 فقط فُتحت حصرا للنساء. فتحت مؤسسة الضمان الاجتماعي 566 منصبا للرجال والنساء. ويكشف تحليل للمناصب الشاغرة في المحافظات في جميع أنحاء البلد عن مستويات مماثلة من التمييز ضد المرأة في القطاع العام.

لم يقتصر التمييز في الحصول على عمل على ممارسات التوظيف في القطاع العام. في 9 يوليو/تموز 2014، نشرت "وكالة أنباء جمعية التلاميذ" (بانا)  صورة لملاحظات من اجتماع محافظة طهران الذي انعقد في 11 مايو/أيار 2014. أظهرت الملاحظات أن البلدية طلبت من المديرين الكبار والمتوسطين توظيف الرجال فقط ككتّاب إداريين (سكرتير)، وطابعين، ومديري مكاتب، وعاملي هاتف، الخ.[105] في 13 يوليو/تموز 2014، أكد فرزاد خلافي، مسؤول إعلامي في بلدية طهران، وجود الملاحظات في مقابلة مع "وكالة أنباء العمل الإيرانية" (إيلنا)، مدعيا أن العمل كمساعد إداري أو سكرتير "طويل ويستهلك الوقت"، وبالتالي فقد اتخذ القرار من أجل "راحة المرأة".[106] في 28 يوليو/تموز 2014، نشرت وسائل إعلام إيرانية رسالة بعثها نائب الشؤون الدولية في وزارة العمل إلى بلدية طهران يطلب فيها من المكتب إلغاء الممارسة.[107] نصت الرسالة على وجه التحديد على أن "الشروط" الواردة في الملخص المكتوب تنتهك التزامات إيران بمكافحة التمييز بموجب اتفاقيات منظمة العمل الدولية وتشكل انتهاكا لحقوق الإنسان.[108] وردا على هذه الرسالة، نفت بلدية طهران أن تكون قد أصدرت في أي وقت مضى مثل هذا الأمر، واتهمت وزارة العمل بترديد ادعاءات وسائل إعلام أجنبية.[109]

التمييز ضد المرأة في التوظيف في المناصب الإدارية والترقيات

يتعين على النساء الإيرانيات الصراع ضد القوالب النمطية المجتمعية للعمل كمديرات ومشرفات. في حين أن بعض الوظائف الإدارية لديها تفضيلات جندرية واضحة (تفضل عادة الرجال)، ترى العديد من النساء اللواتي تمت مقابلتهن أن فرصهن في تعيينهن مديرات أو ترقيتهن إلى هذا المنصب تقلصت أكثر بسبب جنسهن. قالت ثريا، 29 عاما، وهي امرأة ساعدت في إدارة شركة بناء في قزوين: "شعرت أن في شركتنا العائلية على النساء أن  يبذلن جهدا مضاعفا لإثبات أنفسهن عندما يتعلق الأمر بالأدوار الإدارية. نتوقع من النساء أن يبرهنّ عن التزامهن وجديتهن بدرجة أكبر بكثير من الرجال".[110]

أكد العديد من الأشخاص، أرباب عمل وباحثين عن عمل، أن النساء يُعتبرن أقل جدية من الرجال في القوى العاملة. التصور أن المرأة هي الراعية الأولى والمسؤولة عن الأعمال المنزلية يجعلها أقل جاذبية من بين المرشحين لوظائف تتطلب ساعات عمل لا يمكن التنبؤ بها ومستويات أعلى من المسؤولية. قال العديد من الذين تمت مقابلتهم لـ هيومن رايتس ووتش إن النساء العازبات مفضلات في أماكن عملهن على المتزوجات لأن أصحاب العمل يعتقدون أنه بإمكانهن الالتزام بالعمل لساعات أطول. قال علي، مدير تنفيذي إيراني: "أحاول أن أكون مرنا مع موظفيَّ وأتفهم القيود التي يواجهونها. لكن بما أن الأولوية العليا للنساء هي الأمور العائلية، فلا يمكنني ترك شركتي بين أيديهن".[111]

عانت بعض المديرات من صعوبات في عملهن من موظفين ذكور. قالت ثريا: "بصفتها المديرة المسيّرة للشركة، كان على والدتي الذهاب إلى عدة مواقع بناء للتفاوض على صفقات مع مديري المشاريع، لكن كان أي حراس [ذكور] وعمال [ذكورا] يمنعونها من دخول المواقع. كان عليها حرفيا الالتفاف عليهم للدخول".[112]

قال عدد من المديرين وأرباب العمل لـ هيومن رايتس ووتش إن الشركات أقل ميلا إلى توظيف النساء في المناصب العليا التي تمثل المؤسسة خارجيا بسبب التصور الذي قد لا يجعل الشركة تؤخذ على محمل الجد. أشارت فاريبا، التي عملت كممثلة لمقاول مستقل لدى محافظة خارج طهران، إلى الضغط الذي تعرضت له لأن العديد من المسؤولين العموميين الذين تعاملت معهم في مهنتها لم يرغبوا في التعامل مع امرأة. "أحتاج إلى الذهاب إلى المحافظة من أجل مشروعي، لكن المدير الذي كنت بحاجة لإجراء حديث معه كان يرفض ببساطة الاجتماع بي، ويهاتف رئيسي ليقول له إنه من الأفضل أن يسيّر المشروع رجل".[113]

قالت نساء كثيرات لـ هيومن رايتس ووتش إنهن لا يشعرن بأن لهن فرصا متساوية للترقية في شركات أرباب العمل. تقول صفورا، التي تعمل في شركة استشارية في طهران في منصب متوسط: "غالبا ما أثير إعجاب مديري من خلال النقاط التي أطرحها حول البرمجة، لكن نادرا ما تتاح لي فرصة المشاركة في عملية صنع القرار. طلب مني مديري مرة الحضور لشرح نقاطي في اجتماع، لكنه تراجع على الفور عن اقتراحه، قائلا إنها ليست فكرة جيدة لأنه نادٍ للرجال".[114]

تشعر مريم، التي اجتازت امتحانا للتوظيف في بنك في طهران، أنه في حين أن رؤساءها حكموا عليها حسب مزاياها عندما وظفوها في البداية، فإنها لم تعد تتصور فرصة للترقي في منصبها. "يتم التعامل معنا على قدم المساواة كموظفين من درجة أدنى، لكن عندما يتعلق الأمر بالترقية لا تتم أبدا ترقية النساء إلى مناصب إدارة".[115] وبالمثل، قالت شبنم، وهي صحفية تغطي القضايا الاجتماعية لمنشور مستقل، إن النساء في مجالها نادرا ما يصبحن مديرات تحرير أو رئيسات تحرير للجرائد.[116] نيغار، صحفية أخرى أجرت أبحاثا عن عمل المرأة في محافظتها، تشاركها هذا الاعتقاد، مشيرة إلى وجود عدد قليل جدا من النساء في هيئات تحرير الجرائد الإيرانية، حتى المنشورات المحلية.[117]

انتهاكات الحق في المساواة في الأجر عن عمل متساوٍ

يتضمن القانون الإيراني أحكاما بشأن الأجر المتساوي عن العمل المتساوي، غير أن عدة تقارير تشير إلى أن أجر المرأة في الواقع أقل من أجر الرجل في سوق العمل. تنص المادة 38 من قانون العمل على أن يتم دفع نفس الأجر للرجال والنساء الذين يؤدون عملا ذا قيمة متساوية في مكان عمل تحت نفس الظروف، و تشترط المادة 49 من قانون العمل على الشركات الملزمة بقانون العمل وجوب تحديد فئة التصنيف التي تقع فيها كل وظيفة وتقديم تقرير عن الرواتب والفوائد وفقا لتلك الفئة.[118] على أماكن العمل التي لديها أكثر من 50 موظفا اتباع بروتوكول تصنيف الوظائف.[119]

مع ذلك، يقدر التقرير العالمي عن الفجوة بين الجنسين لعام 2016 أن النساء يتقاضين 41 بالمئة أقل من الرجال عن العمل المتساوي، وأن الرجال بشكل عام يكسبون 5.79 مرات أكثر من النساء.[120] وفقا لتقرير موقع إيران تالنت السنوي بشأن الرواتب لعام 2015، والذي أنجز على عينة تتكون من 36 ألف مشارك، تتقاضى النساء 23 بالمئة أقل من الرجال. الفجوة في الدخل في مناصب إدارية هي أعلى، في حدود 36 بالمئة، و 28 بالمئة بالنسبة للوظائف المصنفة في خانة "خبير". في حين لا توجد إحصاءات رسمية متاحة للعموم عن التفاوت في الدخل بين الرجال والنساء، اعترف عدد من المسؤولين بهذه التفاوت. قال سهيلة جيلودرزاده، استشارية لدى وزير الرعاية الاجتماعية وعضوة سابقة في البرلمان، لوكالة أنباء العمال الإيرانية في 21 يونيو/حزيران 2015 إنه "وفقا للقانون، يجب أن يتلقى العمال الذكور والإناث راتبا متساويا، لكن في الممارسة العملية، في كثير من الحالات، يدفع أرباب العمل للإناث ما يصل إلى ثلث الحد الأدنى القانوني للأجر".[121]

قالت نساء ومديرات عملن لشركات كبيرة في إيران لـ هيومن رايتس ووتش إن النساء المشغلات هناك يحصلن على نفس رواتب الرجال. ومع ذلك، قال العديد منهن إنه عندما يتعلق الأمر بالمستحقات (مثل العمل الإضافي والمكافآت)، يتلقى الرجال معاملة أفضل. قالت نيلوفر، التي عملت لدى شركة في القطاع العام في طهران، لـ هيومن رايتس ووتش إنها تتلقى أقل من زملائها الرجال عندما يتعلق الأمر بالمكافآت والعمل الإضافي. "من الناحية النظرية، لدينا الراتب الأساسي نفسه، لكن الرجال في الواقع يكسبون أكثر في راتبهم عند إضافة المستحقات".[122] اتفقت مريم، وهي محاسبة، مع هذا الرأي، موضحة أن "يمكنك زيادة دخلك بشكل مهم إذا كنت تعملين ساعات أكثر، لكن العمل الإضافي يقتصر على الرجال في البنك".[123] يبدو أن مبرر هذه الممارسة يرتكز على التحيز الواضح من قبل المديرين الذكور بشأن المرأة العاملة. يقول علي، رئيس مجلس إدارة شركة صغيرة، إن سبب إعطائه الأولوية للرجال أثناء الزيادات في الأجور والفوائد، هو أنه يدرك أن عليهم أن يصرفوا على أسرهم، على عكس النساء "اللواتي يحتفظن بالمال [من أجل إنفاقهن الخاص] إذا كن يردن ذلك".[124]

قالت نيايش، وهي محاسبة تبلغ من العمر 35 عاما وتعيش فى طهران: "في مجال عملي، هناك فرق واضح في الأجور بين الرجال والنساء عندما يتعلق الأمر بالوظائف الإدارية".[125] وأضافت: "التمييز واضح جدا أيضا عندما يتعلق الأمر بفوائد الضمان الاجتماعي. العديد من أرباب العمل يرفضون توفير التأمين الصحي [للنساء]، بمبرر أنهن لسن في حاجة إليه".[126]

غياب الحماية من التحرش الجنسي

تعترف منظمة العمل الدولية ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالتحرش الجنسي في مكان العمل باعتباره شكلا من أشكال التمييز. وذكرت لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية في دراستها الخاصة لعام 1996 بشأن الاتفاقية رقم 111 أن "التحرش الجنسي يقوض المساواة في مكان العمل عن طريق التشكيك في سلامة الأفراد ورفاه العمال؛ إنه يضر المؤسسة من خلال إضعاف الأساس الذي تقوم عليه علاقات العمل ويضعف الإنتاجية".[127] حددت اللجنة كذلك التحرش الجنسي على أنه "أي إهانة أو ملاحظة، نكتة، تلميح، تعليق بشكل غير مناسب على لباس الشخص، أو جسده، أو سنه، أو وضعه العائلي، إلخ؛ وأي تعاط فوقي أو أبوي له تبعات جنسية تقوض الكرامة؛ وأي دعوة أو طلب غير مرحب به، صراحة أو ضمنا، مصحوب بتهديدات أم لا؛ وأي نظرة فاحشة أو أي لفتة أخرى مرتبطة بالممارسة الجنسية؛ وأي اتصال جسدي لا لزوم له مثل اللمس، أو المداعبات، أو القرص أو الاعتداء".[128] طلبت اللجنة من الحكومة الإيرانية تحديد جميع أشكال التحرش الجنسي بشكل واضح وحظرها، بما في ذلك المقايضة وبيئة التحرش العدائية في العمل".[129]

العام 2016، أكدت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الحاجة إلى تشريعات بشأن التحرش الجنسي، فنصت على أنه "ينبغي ألاّ يتعرّض أي عامل للمضايقات البدنية والعقلية، بما في ذلك التحرش الجنسي. وينبغي أن تتضمن التشريعات، من قبيل قوانين مكافحة التمييز وقانون العقوبات وقانون العمل، تعريفا واسعا للمضايقة، مع الإشارة صراحةً إلى التحرش الجنسي وغيره من أشكال المضايقة، مثل المضايقة على أساس الجنس والإعاقة والعرق والميل الجنسي والهوية الجنسانية وحمل صفات الجنسين. ويحبَّذ وضع تعريف محدد للتحرش الجنسي في مكان العمل، وينبغي أن تجرّم التشريعات التحرش الجنسي وتعاقب عليه، حسب الاقتضاء".[130]

ذكرت عدة نساء أشكالا مختلفة من التحرش الجنسي - أغلبها لفظية - في أماكن عملهن، وحددت اللواتي قابلناهن، خاصة في القطاع العام، مكاتب الأمن، التي تطبّق "القواعد الأخلاقية" في الشركة، على أنه القسم الذي يتلقى الشكاوى حول التحرش. ومع ذلك، وبسبب وجود وصمة عار اجتماعية تُلصق بالضحايا وانعدام الثقة في مكاتب الأمن كمؤسسة، لا ترتاح النساء لنقل الشكاوى إلى رب عملهن. وكثيرا ما لا يكنّ على دراية بالآليات والإجراءات القائمة للإبلاغ عن مثل هذه الانتهاكات. قال أرباب العمل وموظفون تمت مقابلتهم لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يكونوا على علم بأية سياسات مناهضة للتحرش الجنسي في شركاتهم.

لا توجد أية إشارة إلى التحرش الجنسي في القانون الإيراني. ومع ذلك، يعاقب القانون على الجماع بالإكراه ("الزنا بالعنف") مع امرأة بالإعدام بموجب قانون العقوبات الإيراني، ويمكن أيضا إحالة التقبيل و"ممارسة الحب"، إن تم بالقوة، على المحكمة.[131] على الرغم من أن مكتب نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة يستعد لتقديم مشروع قانون شامل لحماية النساء من العنف إلى البرلمان، لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد أي جهد لمنع التحرش في أماكن العمل.[132]

تتذكر فاريبا أن في مؤسسة القطاع العام التي عملت معها عن قرب، اتهم موظف باغتصاب سكرتيرته. قالت إنه مُنح إجازة مدفوعة الأجر فقط لأن العديد من الناس اكتشفوا ذلك. "كان أول شيء أن المرأة تركت المؤسسة وتحدث عنها الجميع كما لو أنها المذنبة. في نهاية المطاف، عندما انتشرت الشائعات وبدأ الجميع يتحدثون عن ذلك، منح المدير إجازة، لكن كل جهد المؤسسة ارتكز على وضع الأشياء تحت البساط".[133]

انزعجت ستاره، التي تعمل مندوبة مبيعات، عندما قال لها مديرها، ولزميلتها، أن عليهما قبول دعوة زبون لتناول العشاء بعد ساعات العمل. وأوضحت ستاره: "بصراحة، لم تعتقد زميلتي أن من المناسب قبول دعوة الزبون لتناول العشاء بعد ساعات العمل، ولكن مديرنا أصر على أننا يجب أن نكون منفتحتين للقاء الزبائن بعد ساعات العمل، قائلا إنه لن يحدث لي شيء إن [خرجنا] مع رجل إلى مطعم بعد ساعات العمل".[134]

في 6 فبراير/شباط 2016، نشرت شينا شيراني، مذيعة تلفزيونية في هيئة "إذاعة وتلفزيون الجمهورية الإسلامية" الرسمية، تسجيلا صوتيا لمديرها يطلب منها الدخول في علاقة جنسية معه. وقالت لـ هيومن رايتس ووتش إنها نقلت خلال 8 سنوات التي قضتها في المؤسسة عدة حوادث التحرش إلى مكتب الأمن في الهيئة، لكن الرد كان دائما بأن عليها تغيير سلوكها لتجنب التعرض للتحرش. وقالت شينا إنها لم تغادر عملها خلال هذا الوقت لأن مديرها "ساعدني دائما في المؤسسة" واستقالت في نهاية المطاف من وظيفتها بعد أن طلب منها ممارسة الجنس معه.

التمييز بناء على قانون اللباس

النساء في إيران ملزمات بارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة، بما في ذلك أماكن العمل. ويُفهم قانون الزي الإلزامي من قبل المجتمع على أنه لباس فضفاض والمنديل الذي ترتديه بعض النساء المسلمات.[135] النساء اللواتي يظهرن بدون الحجاب الذي يتوافق مع تفسير السلطات للحياء في الأماكن العامة، يمكن أن يعاقبن بالسجن لمدة تصل إلى شهرين أو غرامة.[136]

استنادا إلى الحق في حرية الدين ومبادئ عدم التمييز، حتى يستطيع رب العمل أن يطلب من الموظفين الالتزام بزي إلزامي معين في مكان العمل، يجب أن يكون هناك مبرر موضوعي لهذا المعيار. حثت لجنة خبراء منظمة العمل الدولية إيران مرارا على "اتخاذ تدابير ملموسة للتصدي لأية عوائق أمام عمل المرأة، بما في ذلك الزي الإلزامي".[137]

أكدت جميع النساء اللواتي تحدثن إلى هيومن رايتس ووتش أنهن يشعرن أنهن عرضة لمعايير تعسفية وتمييزية عندما يتعلق الأمر بالزي. قالت سعيدة، التي عملت في مؤسسة حكومية لعدة سنوات: "اخترت ارتداء التشادور في الأماكن العامة. كان ذلك إيماني، ولكن بقيت أتعرض لمضايقات من قبل حراس الأمن بسبب لون ملابسي".[138]

تشعر المحاميات، بشكل خاص، أنهن مستهدفات عندما يذهبن إلى المحاكم نيابة عن موكليهن. رغم عدم وجود شرط ارتداء التشادور في المحكمة، قالت عدة نساء لـ هيومن رايتس ووتش إن المحاكم تطلب من المحاميات اللواتي يمثلن أمام المحاكم ارتداء التشادور. قالت إحدى المحاميات، مرضية، لـ هيومن رايتس ووتش: "عليك فقط ارتداء الحجاب [في المحكمة] ، لكن، ولأنني لم أرتد التشادور، لم يسمح لي الحراس بالدخول إلى المحكمة بعد السفر لمدة 8 ساعات من طهران".[139]

وبالمثل، روت مرجان، إحدى العاملات في مستشفى عمومي تبلغ من العمر 40 عاما، تجربة مماثلة. قالت "كنت رئيسة الممرضات في جناحنا في المستشفى لمدة 10 عاما. لكني ما زلت مستشارة، وليس موظفة، لأن مكتب الأمن لم يوافق على طريقة لباسي في العمل".[140]

لا تقتصر القيود التعسفية على وظائف القطاع العام. قالت صفورا، وهي موظفة في شركة خاصة، بصوت مستاء: "نحن مطالبات بالالتزم بالمبادئ الإسلامية. في حين أن الرجال يرتدون بشكل مريح قمصانا قصيرة الأكمام، عقدت الإدارة، وكلهم رجال، اجتماعا الشهر الماضي في الشركة، وقررت أنه ينبغي التأكد من أن النساء لا يضعن الماكياج أثناء العمل".[141] وأضافت: "كيف سمحوا لأنفسهم بالجلوس واتخاذ قرار حول مظهرنا في غيابنا؟ هذا مهين!"[142]

بينما قالت أغلبية اللواتي تمت مقابلتهن إنهن يتعرضن لضغوط لاتباع قواعد لباس أكثر محافظة، اشتكت بعضهن من أنهن، على العكس من ذلك، تعرضن لضغوط من قبل أرباب عملهن لارتداء لباس أكثر تحررا، ورأوا أن حريتهن في اختيار الزي لم يُحترم. قالت سعيدة: "تقدمت بطلب للحصول على وظيفة في شركة خاصة للهندسة المعمارية، لكن لم يعجبهم ارتدائي للحجاب، حتى في فضاء خاص". وذكرت سهماز مشكلة مشابهة، قائلة: "أذهب في بعض الأحيان إلى العمل بعد دروسي في الجامعة، وفي كل مرة يؤكد مديري أن عليّ ارتداء مانطو أضيق وأقصر".

التمييز المتعلق بالحمل

سعى القانون الإيراني إلى إطالة الإجازة مدفوعة الأجر للأمهات، وللآباء إلى حد أقل بكثير، ولكن هذا الحكم القانوني فشل في ضمان حماية فعالة لوظيفة العمال الذين أخذوا إجازة.

وفقا لقانون العمل الإيراني، للنساء الحق في 90 يوما كإجازة أمومة مدفوعة الأجر. إذا دفعن، هن أو أزواجهن، خلال السنة السابقة على ولادة الطفل، مساهمة التأمين لمدة لا تقل عن 60 يوما، سيتلقين ثلثي رواتبهن خلال تلك الفترة، التي تدفعها مؤسسة الضمان الاجتماعي.[143] رفع قانون لتشجيع الرضاعة الطبيعية ولحماية الأمهات المرضعات إجازة الأمومة إلى 4 أشهر في عام 1995، و6 أشهر في عام 2006.[144] في عام 2013، أقر البرلمان قانونا يسمح للحكومة برفع إجازة الأمومة إلى 9 أشهر ومنح أسبوعين كإجازة أبوة للآباء. مع ذلك، لا يتضمن هذا القانون أحكاما محددة لحماية الموظفين ضد الطرد أو خفض الرتبة بسبب أخذ إجازة، كما لم يشمل فرض عقوبات على أرباب العمل الذين يتخذون مثل هذه التدابير. وافقت الحكومة أيضا على لائحة ترفع إجازة الأمومة إلى 9 أشهر. ومع ذلك، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن عددا قليلا فقط من الوكالات الحكومية رفع إجازة الأمومة إلى 9 أشهر، على ما يبدو بسبب النقص في الميزانية.[145] وفقا لصحيفة همشهري، اعتبارا من مايو/أيار 2015، قدمت أكثر من 5 آلاف شكوى لدى محكمة القضاء الإداري من قبل نساء يطالبن بتسعة أشهر كإجازة أمومة.[146] في 12 مايو/أيار 2015، أصدرت محكمة القضاء الإداري رأيا موحدا تطلب فيه من القطاع العام منح المرأة 9 أشهر كإجازة أمومة.[147] في 12 يوليو/تموز 2016، أكدت المحكمة أن الالتزام بمنح 9 أشهر إجازة أمومة للأمهات وأسبوعين للآباء يشمل أيضا القطاع الخاص.[148] في 11 يناير/كانون الثاني 2017، أقر البرلمان تشريعا يمنح 9 أشهر إجازة أمومة للأمهات وأسبوعين للآباء كجزء من خطة التنمية السادسة.[149] مع ذلك، نقض مجلس الشورى الإجازة المقترحة للآباء، مما أدى إلى تقليصها من قبل البرلمان إلى 3 أيام فقط. فشلت أيضا هذه القوانين اللاحقة والإجراءات القضائية في خلق حماية فعالة للوظيفة بالنسبة للعمال الذين أخذوا إجازة. تشير أبحاث هيومن رايتس ووتش إلى أن العديد من شركات القطاع الخاص لا تزال تمنح 6 أشهر فقط كإجازة أمومة.

في 31 يوليو/تموز 2015، قال محمد حسن زودا، وكيل الشؤون التقنية والإيرادات في مؤسسة الدولة للضمان الاجتماعي، في مقابلة مع إيسنا، إنه وفقا للدراسات التي أجرتها المؤسسة، 47 ألف من أصل 145 ألف (حوالي الثلث) من النساء اللواتي أخذن إجازة الأمومة القانونية، ومدتها 6 أشهر، طردهن أرباب العمل لدى عودتهن.[150] مع ذلك، لم يقدم زودا أية معلومات عن عدد الشكاوى المقدمة بشأن هذه المسألة. أعرب زودا عن مخاوف من أن زيادة مدة إجازة الأمومة يمكن أن يؤثر سلبا على فرص عمل المرأة، لكنه لم يقل شيئا عن غياب أحكام لحماية الوظيفة بموجب القانون.

اعترفت أيضا شهيندخت مولاوردي، نائبة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة والأسرة، بأن النساء يفقدن وظائفهن لأخذهن إجازة أمومة. وقالت لوسائل إعلام محلية في 25 مايو/أيار 2014 إنها تستقبل "20 شكوى في الأسبوع من نساء فقدن وظائفهن بعد أخذ إجازة أمومة".[151]

أيد أرباب العمل والمديرون الذين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش مفهوم إجازة الأمومة، لكنهم أعربوا عن قلق بشأن رفع مدة الإجازة إلى 9 أشهر، خوفا من أن يضطروا إلى توظيف عدد أقل من النساء. أكد علي: "لا يمكنني ببساطة ترك منصب شاغرا لمدة 9 أشهر. شركتي صغيرة". أشار مرجان إلى أنه يوجد "نقص في عدد الموظفين في القطاع الطبي بحيث لأي شخص فرصة الحصول على وظيفة بغض النظر عن جنسه، لكن على مدى العامين الماضيين لدينا شعور متزايد بأن المرأة ليست منتجة بالنسبة لنا. يتم توظيفهن من قبل المستشفى ويذهبن في إجازة طويلة لتربية أطفالهن. لا يمكننا ترك تلك المناصب شاغرة، وليس لدينا المال لتوظيف عامل مؤقت".[152]

في حين أن أحكام منظمة العمل الدولية تمنح عادة إجازة الأبوة للمرأة، تقر التوصيات الأخيرة للمنظمة بأنه "يجب أن تكون للوالدين إمكانية، في غضون الفترة التي تلي مباشرة إجازة الأمومة، الحصول على إجازة (إجازة أمومة)، من دون التخلي عن العمل ومع الحقوق الناتجة من حماية العمل".[153] إجازة الأبوة هي خطوة مهمة نحو الاعتراف بالمسؤولية المشتركة لكل من الأمهات والآباء في تربية أبنائهم، والرابط بين المساواة في المنزل والمساواة في مكان العمل.[154] منح إجازة لكلا الوالدين يمكنه أن يلعب دورا حاسما في حماية الوظائف لكل من النساء والرجال في سوق العمل المدفوع الأجر أثناء ولادة الطفل وبعدها، ويسهم أيضا في دعم المساواة بين الجنسين فيما يتعلق بتوزيع العمل غير مدفوع الأجر في المنزل.[155]

بينما أشارت لجنة خبراء منظمة العمل الدولية إلى أهمية الترتيبات اللازمة لمساعدة العمال على التوفيق بين مسؤوليات العمل والأسرة، طلبت العام 2013 من الحكومة الإيرانية "تقييم وتكييف الإجراءات قيد النظر بغية التأكد من أنها في الواقع لن تعزز  الأدوار التقليدية والنمطية، بما في ذلك أن النساء وحدهن مسؤولات عن الأسرة أو أنه ينبغي أن يقتصر عملهن على أنواع معينة من الوظائف، مما يحد عمليا بشكل أوسع من وصولهن إلى سوق العمل".[156] طلبت اللجنة أيضا من الحكومة "تقييم ومعالجة تأثير التشغيل والعقود المؤقتة على فوائد التوظيف واستحقاقات المرأة، بما في ذلك بسبب عدم تجديد هذه العقود عندما تصبح المرأة حاملا".[157]

المفاوضة الجماعية والوصول إلى جبر الضرر

القيود المفروضة على حرية تكوين الجمعيات والاتحادات العمالية

يمكن للاتحادات العمالية أن تلعب دورا هاما في الترافع من أجل حقوق العاملات. مع ذلك، تؤثر الحكومة بقوة في الاتحادات العمالية في إيران، مما يحد من فعالية تمثيلها لمطالب القوى العاملة.

يعترف الدستور الإيراني بالحق في حرية تكوين الجمعيات والتجمع السلمي، بشرط ألا تناقض "أسس الاستقلال، والحرية، والوحدة الوطنية، والقيم الإسلامية، وأساس الجمهورية الإسلامية".[158] لكن عمليا، يقيد قانون العمل عمل النشطاء، كما أن المنظمات الوحيدة التي تعمل بترخيص رسمي مرتبطة بالحكومة.

وفقا لقانون العمل الإيراني، يمكن تمثيل العمال فقط بأحد الأنواع الثلاثة التالية من منظمات العمال: مجلس العمل الإسلامي، أو جمعية مهنية، أو هيئة ممثلة للعمال.[159] كل الأنواع الثلاثة من المنظمات لديها صلاحية الترافع من أجل حقوق العمال ومصالحهم، لكن مجلس العمل الإسلامي هو المنظمة الأكثر شيوعا وتأثيرا، كما يمكن إنشاؤه في الشركات بأكثر من 35 عاملا، وله صلاحية التدخل في نزاعات العمل بسبب إنهاء العقد.[160]

لشغل مناصب في هذه المنظمات، على المرشحين الالتزام بالدستور ونظرية "ولاية الفقيه"، وألا تكون لهم سوابق جنائية، وألا يكون لهم أي سجل بشأن عضوية في أحزاب سياسية محظورة.[161] في حين أنه يتم فحص المرشحين للجمعيات المهنية ولممثلي العمال من قبل مكاتبها الداخلي، يتم فحص المرشحين لمجلس العمل الإسلامي من قبل مجلس يتضمن مسؤولين من وزارة العمل، وهو ما يمس باستقلالية هذه المنظمات.[162] بموجب قانون العمل، يمكن للقائد الأعلى تعيين ممثلين في أي من منظمات العمل كما يرى مناسبا.

"المجلس الإسلامي الأعلى للعمل" يمثل إيران في منظمة العمل الدولية. كما يشارك المجلس أيضا في مجالس الحكومة المتعلقة بالعمل، مثل "هيئات التشخيص"، لجان فض المنازعات، ولجان الضمان الاجتماعي. وللمجلس الإسلامي الأعلى للعمل ممثلين أيضا في "المجلس الأعلى للعمل"، وهو هيئة تقترح تشريعات، وسياسات، ومبادئ توجيهية إلزامية للشركات.

"دار العمال في إيران" هي كيان يعمل بترخيص من وزارة الداخلية. وتنسق أيضا الأنشطة بين جمعيات مجالس العمل الإسلامية.[163] عام 2002، تم تأسيس "الجمعية الوطنية للنساء العاملات" تحت مظلة دار العمال للمرافعة عن حقوق العاملات وردم الهوة بين المرأة والرجل فيما يتعلق بمشاركتهن في الاقتصاد.[164]

على مدى العقد الماضي، حاول العمال الإيرانيون التجمع في مجموعات مستقلة عن هذه الجمعيات للدفاع عن حقوق العمال. وتشمل هذه المجموعات "نقابة عمال شركة حافلات طهران والضواحي"، "نقابة عمال هفت تابه لقصب السكر"، و"الاتحاد الحر لعمال إيران". ردت السلطات بالمضايقات المتكررة، والاستدعاء، والاعتقالات، والإدانة ضد العمال المنتسبين لهذه وغيرها من الاتحادات العمالية المستقلة.[165]

على مدى سنوات الثلاث الماضية، استهدفت السلطات أيضا أعضاء في نقابات مسجلة مثل جمعية المعلمين بسبب نشاطهم السلمي.[166] يقضي إسماعيل عبدي، الأمين العام السابق لهذه الجمعية، وهو معتقل حاليا في سجن إيفين في طهران، حكما بالسجن لمدة 6 سنوات بتهمة "الدعاية ضد الدولة" و"التجمع والتواطؤ ضد الأمن القومي".[167]

 غياب إجراءات فعالة للشكاوى ضد التمييز

يتضمن قانون العمل الإيراني آلية لتسوية المنازعات، تعتبر مجالس العمل الإسلامية فاعلا رئيسيا فيها، تحت إشراف وزارة العمل. عمليا، من المحتمل أن تكون هذه الآلية أساسية لحصول النساء على الحماية من مختلف أشكال التمييز في مكان العمل.  لكن، وبسبب غياب البيانات المتاحة للجمهور، ليس واضحا إلى أي مدى توفر هذه الآلية بشكل فعال حلولا للنساء المتضررات من التمييز.

وفقا للمادة 27 من قانون العمل، لا يمكن لصاحب عمل أن ينهي عقد عامل لسوء السلوك، ما لم يحصل على موافقة من أحد مجالس العمل الإسلامية أو هيئة عمل مشابهة. وفقا للمادة 157 من قانون العمل، ينبغي أن تحل النزاعات بين رب العمل والعامل أو المتدرب، التي تنشأ عن تنفيذ قانون العمل واللوائح الأخرى ذات الصلة بالعمل، أولا من خلال المصالحة. إذا فشل الطرفان في الوصول إلى توافق، يمكن البت في القضية من خلال هيئات تسوية المنازعات على أساس المادتين 157 من قانون العمل الإيراني و 164 من القواعد الإجرائية. تتم الإجراءات على مرحلتين، تشمل "هيئة التشخيص" في المرحلة الأولى، ولجنة تسوية المنازعات في مرحلة الاستئناف. كل الأحكام الصادرة عن هيئة التشخيص يمكن الطعن فيها خلال مرحلة "تسوية المنازعات". يمكن للعاملين في المؤسسات الحكومية أيضا تقديم شكوى أمام المحكمة بشأن المسائل المتعلقة بالعقد والمستحقات.[168]

هناك حاليا عدة آلاف من النزاعات العمالية رهن التحكيم في النظام القانوني الإيراني، لكن ليس واضحا العدد المرفوع من قبل النساء. يشير خبراء السوق المحلية إلى أن النزاعات حول الراتب والمستحقات هي الأكثر شيوعا بين أرباب العمل والموظفين.[169] وفقا لوكالة "مهر" للأنباء، قُدمت في الفترة ما بين مارس/آذار2014 و مارس/آذار 2015، 934131 شكوى أمام هيئات تسوية المنازعات، أكثر من نصفها نابع من خلافات حول الراتب والمستحقات.[170]

منذ عام 2012، حاولت الحكومة تعديل قانون العمل لإزالة شرط موافقة مجلس العمل الإسلامي من المادة 27. تم تقديم مشروع القانون لتعديل قانون العمل لأول مرة من قبل إدارة أحمدي نجاد في 3 ديسمبر/كانون الأول 2012.[171] في 20 يونيو/حزيران 2016، قدمت إدارة روحاني مجددا مشروع قانون بمقتضيات مماثلة تلغي شرط موافقة ممثل العمل لإنهاء عقد عامل لسوء السلوك.[172] وبعد انتقادات عارمة من قبل نشطاء حقوق العمل، ذكرت وسائل إعلام إيرانية يوم 18 يناير/كانون الثاني 2017، أن علي ربيع، وزير العمل، طالب رسميا بإعادة مشروع القانون من البرلمان.[173]

مشروع قانون يميز ضد المرأة في سوق العمل

على مدى السنوات الخمس الماضية، أعادت الحكومة الإيرانية هيكلة سياساتها فيما يتعلق بإدارة السكان، وذلك بهدف زيادة النمو السكاني. ونتيجة لهذا الهدف الديموغرافي الجديد، أدخلت عدة تشريعات تميز ضد المرأة من أجل تعزيز دورها الأساسي كأم مسؤولة عن تربية الأطفال. العديد من هذه المشاريع قدمت إلى البرلمان السابق، لكن البرلمان الجديد، الذي شُكل في مايو/أيار 2016، لديه القدرة على المضي قدما واعتماد مشاريع القوانين هذه أيضا. أعلنت كتلة النساء البرلمانيات أنها تهدف إلى جعل تشغيل النساء أولوية، لكنها لم تقدم حتى الآن أي مقترحات تشريعية.[174]

في 5 ديسمبر/كانون الأول 2016، قالت شهيندخت مولاوردي في مؤتمر أن مكتبها أعد خطة لتوفير فرص عمل مستدامة للمرأة، مع إعطاء الأولوية لخريجات الجامعات وربات البيوت، وقدم مشروع القانون إلى المجلس الأعلى للتوظيف.[175] لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من الاطلاع على مشروع الخطة.

قانون لتقليص ساعات عمل النساء مع شروط خاصة

في 10 مايو/أيار 2016، أقر البرلمان تشريعا للحد من ساعات العمل من 40 إلى 36 بالنسبة للنساء اللواتي هن ربات أسرهن، أو اللواتي لديهن أطفال تحت سن السادسة، أو اللواتي لديهن أطفال أو زوج من ذوي الإعاقة الشديدة أو مرض غير قابل للعلاج. سابقا، شهيندخت مولاوردي، نائبة رئيس شؤون المرأة والأسرة، قالت لـ إيسنا إن جهد مكتبها لتعميم الإعفاء على الرجال في ظروف مماثلة قد رفض من قبل اللجنة الاجتماعية في البرلمان. وافق مجلس الشورى على مشروع القانون في 19 سبتمبر/أيلول 2016. ولأن هذا لا ينطبق على الرجال، فإن تخفيض ساعات عمل النساء (بينما يحصلن على نفس التعويض) قد يؤدي بأرباب العمل إلى تفضيل توظيف الرجال بسبب انخفاض التكاليف. حذر عدد من نشطاء حقوق المرأة وخبراء السوق الإيرانية في وسائل الإعلام الإيرانية من الآثار السلبية المحتملة لهذا المشروع في تعميق تهميش النساء وسط القوى العاملة في إيران.[176]

"خطة التميز الشاملة للسكان والأسرة"

في 27 مايو/أيار 2013، قدم 50 عضوا في البرلمان مشروع قانون بعنوان "الخطة الشاملة لامتياز السكان والأسرة". على الرغم من أن مشروع القانون هذا، الذي لا يزال أمام البرلمان، يشمل عدة مجموعات إيجابية وتحفيزية لتشجيع الزواج والإنجاب، فإنه يشمل أيضا أحكاما تمييزية مثل إنشاء تراتبية للتوظيف في القطاعين العام والخاص على أساس الجنس والحالة الزوجية. وفقا للمادة 9 من مشروع القانون، على الشركات إعطاء الأسبقية في التعاقد على النحو التالي: الرجال المتزوجون الذين لديهم أطفال؛ الرجال المتزوجون بدون أطفال؛ والنساء اللواتي لهن أطفال.[177] تحظر المادة 10 من مشروع القانون أيضا التعاقد مع أفراد غير متزوجين لحيازة منصب أكاديمي لمدة 5 سنوات. فقط في حالة غياب مرشح مؤهل يمكن لمؤسسة تعليمية النظر في التعاقد مع مرشح غير متزوج. كما يلزم مشروع القانون المحامين بالتوسط في النزاعات العائلية لتفضيل المصالحة، بما في ذلك من خلال تقديم حوافز مالية، ما يقوض قدرات المرأة على الطلاق. لتسهيل الإنجاب، ترفع المادة 24 من مشروع القانون من إجازة الرضاعة الطبيعية للنساء لمدة 9 أشهر، ويسمح بوقت للراحة لمدة تصل إلى 5 سنوات بعد ولادة الطفل.

أثارت الأحكام التمييزية ضد المرأة ردود فعل بين المسؤولين والناشطين الإيرانيين. في 1 ديسمبر/كانون الأول 2016، انتقدت شهيندخت مولاوردي الأحكام التمييزية في المادتين 9 و10 من مشروع القانون، مشيرة إلى أنهما تتعارضان مع الغرض من مشروع القانون.[178] وفي أعقاب الانتقادات، صوتت لجنة الصحة في البرلمان ضد المادتين 9 و10، لكن من الممكن إعادة إدراج أحكامهما في مشروع القانون خلال مداولات البرلمان.[179]

خطة زيادة الولادات ومنع تراجع النمو السكاني

في 10 أغسطس/آب 2014، أقر البرلمان الإيراني بأغلبية ساحقة مشروع قانون للحد من تنظيم الأسرة، بما في ذلك من خلال حظر أشكال دائمة من وسائل منع الحمل.[180] المادة 1 من مشروع قانون "زيادة الولادات ومنع تدني النمو السكاني" تحظر "كل العمليات الجراحية التي تجرى لأغراض منع الحمل بشكل دائم إلا في الحالات التي تهدد الصحة البدنية". وتحظر المادة 2 أيضا "أي إعلان لمنع الحمل والحد من الإنجاب".[181] وقد أعيد مشروع القانون من قبل مجلس الشورى إلى البرلمان نظرا لغياب الوضوح بشأن الإجراءات العقابية على انتهاك القانون، ولا يزال قيد الدرس في البرلمان.[182]

إذا أقر مشروع القانون، فإن من شأنه أن يقيّد بشكل كبير الحصول على خدمات تنظيم الأسرة، والتراجع عن الآثار الإيجابية لبرنامج الأسرة الإيراني لعام 1988. يمكن أن تؤدي هذه القيود إلى تزايد الحمل غير المرغوب فيه بالنسبة للنساء، مما يؤثر سلبا على قدرتهن على اتخاذ القرار بشأن البقاء في القوى العاملة، وتعريضهن للخطر بطرق أخرى مثل الإجهاض غير الآمن.

خطة لحماية "قدسية" الحشمة والحجاب

في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2014، قدم 36 عضوا في البرلمان مشروع قانون لمكافحة "معارضي قدسية الحجاب". تسمح المادة 2 من مشروع القانون للوكالات التنفيذية بمعاقبة الموظفات اللواتي لا يلتزمن بـ "الحجاب الإسلامي" مع اقتطاع يصل إلى ثلث راتبهن، طيلة مدة تتراوح بين شهر وسنة. وينص مشروع القانون أيضا على ألا يختلط عمل النساء مع الرجال، وأن يقتصر على ساعات العمل المعتادة (من 7 صباحا إلى 10 ليلا)، باستثناء بعض المهن التي تحتاج إلى إناث يعملن خارج هذه الأوقات.

يتضمن مشروع القانون قيودا تمييزية على حق المرأة في العمل. إذا أقر مشروع القانون، سيقوي رب العمل لدرجة ليس فقط مضايقة الموظفات لاختيارهن شكل لباسهن، ولكن أيضا معاقبتهن على ذلك.

شكر وتنويه

أجرت تارا سبهري فار، باحثة إيران في هيومن رايتس ووتش، أبحاث هذا التقرير وكتبته. راجع التقرير نائب مدير في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و روثنا بيغوم، باحثة بقسم حقوق المرأة.

أجرى كلايف بالدوين، مستشار قانوني، المراجعة القانونية. راجعه أيضا توم بورتيوس، نائب مدير قسم البرامج.

نود أن نشكر كل من الأفراد والمنظمات الذين دعموا بحث وتحليل هذا التقرير. ونود أيضا أن نعرب عن امتناننا لجميع الذين تحدثوا إلينا خلال هذا البحث.