وقف الخوف وراء العديد من التطورات الحقوقية الكبرى على مدار العام الماضي. الخوف من القتل أو التعذيب والقمع في سوريا ومناطق نزاع أخرى، دفع الملايين للخروج من ديارهم. الخوف من تبعات تدفق طالبي اللجوء على المجتمعات الأوروبية، أدى بحكومات أوروبية عدّة وغيرها إلى إغلاق أبوابها. الخوف من تزايد الهجمات الإرهابية دفع بعض القادة السياسيين إلى تقييد الحقوق والتضحية باللاجئين أو المسلمين. ثم الخوف من محاسبة الشعوب، أدى بالعديد من الحكام المستبدين إلى بدء حملة قمع غير مسبوقة على مستوى العالم، استهدفت قدرة هذه الشعوب على الاتحاد وتوصيل أصواتها.

في أوروبا والولايات المتحدة، تسرب الاستقطاب حول "نحن في مواجهة الآخرين" من هامش النقاش السياسي إلى متنه. أصبح العداء للإسلام والشيطنة المخزية للاجئين عملة رائجة، في سياق سياسي يتزايد تعصّب أطرافه.

هذه التوجهات هددت حقوق الإنسان بطريقتين. إحداهما معروفة جيّدا، والأخرى ليست واضحة كالأولى. التهديد البارز المعروف هو انتكاس الحقوق على يد حكومات عديدة في مواجهة تدفق اللاجئين وقرارات موازية من "الدولة الإسلامية" (أو "داعش") بشن هجماتها وراء حدود الشرق الأوسط. التهديد الأقل ظهورا هو محاولة عدد متزايد من الحكومات المستبدة تقييد المجتمع المدني، لا سيما المنظمات المعنية برصد وانتقاد سلوكها.

الحكومات الغربية التي تهدد بتقييد الحقوق بينها عدّة حكومات كانت دوما حليفة لقضية حقوق الإنسان. توجد حاجة إليها لمواجهة محاولات عدة دول في شتى أنحاء العالم لخنق المجتمع المدني، ما يعني المخاطرة بحقوق الإنسان وجهود تعزيزها.

لوم اللاجئين أو المسلمين وتضييع فرصة مواجهة الإرهاب

المليون طالب لجوء تقريبا (حسب التقديرات)، الذين فروا إلى أوروبا بحرا خلال العام المنقضي، هم بين أكثر من 60 مليون نسمة أصبحوا في عداد النازحين جراء الحرب أو الاضطهاد. هذا أعلى عدد للمهجّرين منذ الحرب العالمية الثانية. أكبر سبب لهذه الحركة في الآونة الأخيرة كان النزاع الغاشم الذي شهدته سوريا، وتعود بعض أسبابه إلى الفظائع التي ارتكبتها داعش وجماعات مسلحة أخرى. لكن جُل الأسباب تعود لهجمات حكومة بشار الأسد العشوائية على مراكز السكان المدنيين في معاقل المعارضة. في البداية فرّ نحو 4 مليون لاجئ سوري إلى بلدان مجاورة، ومنهم أكثر من 2 مليون قصدوا تركيا؛ كما توجه مليون آخرين إلى لبنان، وأصبحوا يشكلون هناك نحو رُبع السكان.

المليون تقريبا الذين بلغوا أوروبا خلال العام الماضي ليسوا إلا النذر اليسير من سكان الدول الأوروبية التي يقصدونها. لا يزيدون عن 1.25 بالمئة من السكان في ألمانيا، حيث التمست أكبر مجموعة اللجوء، على ضوء البادرة القيادية المهمة من المستشارة أنجيلا ميركل اللافتة؛ أو 0.20 بالمئة من إجمالي تعداد سكان الاتحاد الأوروبي، إذا تشاركت دول الاتحاد في مسؤولية إعادة التوطين.

لكن تدفق اللاجئين العشوائي أدى لإشعال شرارة قلق عميق في شتى أنحاء أوروبا، حتى قبل هجمات داعش على باريس في نوفمبر/تشرين الثاني، التي شنها مُهاجمان على الأقل ربما دخلا أوروبا مع اللاجئين. تلك الهجمات فاقمت رد الاتحاد الأوروبي: نُصبت أسلاك شائكة جديدة، وزادت القيود على الحدود، وتصاعد تخويف الجماهير من الإسلام، كما وعد الاتحاد تركيا بثلاث مليارات يورو من المساعدات مع التفاهم على أن تركيا سوف تقيد تدفق اللاجئين. تعكس هذه الخطوات محاولات الاتحاد الأوروبي القائمة منذ فترة، بتحميل الغير مسؤولية اللاجئين، رغم تصديق الاتحاد على اتفاقيات لحماية حقوق اللاجئين، ورغم استفادة الأوروبيين، قديما، من تدابير حماية اللاجئين أثناء فرارهم من النازية والشيوعية.

انشغال أوروبا الكبير باللاجئين الجُدد كتهديد إرهابي محتمل، هو تشتيت خطير عن التطرف العنيف الذي ينمو داخل أوروبا نفسها، بما أن مهاجمي باريس كان أغلبهم مواطنين بلجيكيين أو فرنسيين. جذور التطرف معقدة، لكنها تتصل جزئيا بالعزلة الاجتماعية المفروضة على مجتمعات المهاجرين؛ تمييز دائم وفقدان للأمل، ويأس يغزو الأحياء الواقعة على أطراف بعض المدن الأوروبية، لا سيما القطيعة بين التوقعات والفرص في أوساط الأجيال التالية من أبناء هذه المجتمعات.

بالنسبة للبعض – والأمر لا يحتاج إلا لقلة – يمكن أن تكون هذه الظروف حاضنة للعنف السياسي. كيفية التصدي لهذه التحديات – عدا عن كيفية معالجة المشكلات الأكبر ذات الصلة، من انعدام للمساواة وبطالة – يجب أن تحتل الصدارة في المناقشات الدائرة حاليا.

لكن ما يحدث هو أن الخطاب العام عجّ بأصوات الكراهية والخوف من المسلمين، ويرى اللاجئين بصفتهم مسلمين. هذه التصورات تحتاج إلى التصدي، أولا لأنها مغلوطة. في عالم السفر الجوي اليسير في عصرنا الحديث، والتغيرات السكانية السريعة، أصبح المسلمون جزءا لا يتجزأ من، تقريبا، كل مجتمع حيوي في العالم. ومثل الجميع، يجب ألا يتعرضوا للتمييز.

أيضا، تشويه صورة مجتمعات كاملة جراء أعمال غير مقبولة لقلّة، لن يأتي إلا بآثار عكسية لجهود مكافحة الإرهاب. هذا هو بالضبط ما تسعى إليه الجماعات الإرهابية، لإنعاش قدرتها على الاتقطاب.  يضعف هذا التشويه تعاون المجتمعات مع السلطات القانونية، وهو تعاون لا غنى عنه لمنع الهجمات الإرهابية. المسلمون هم الأرجح أن يعرفوا التهديد الإرهابي الناتج عن أفكار إسلامية متطرفة، والأقدر على إقناع الغير بالعدول عن أعمال عنف من هذا النوع، والأقدر أيضا على التبليغ عمّن ربما كانوا يخططون لها. تشويه صورة جميع المسلمين يعني تثبيط عزمهم عن هذه الأشكال المهمة من التعاون لإنفاذ القانون.

يجب أن نتعلم من رد الفعل الأمريكي على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، الذي حمل بذور فشله – لم يقتصر فحسب على التعذيب الذي تمت ممارسته، ولا الاختفاء القسري في "المواقع السوداء" التابعة للاستخبارات المركزية، أو الاحتجاز طويل الأجل دون محاكمات في خليج غوانتانامو؛ بل شمل أيضا استخدام الهجرة وقواعد "الشهود الموضوعيون" في احتجاز الأجانب بسبب ديانتهم أو عرقهم، مع تجنب التدابير الجنائية الأكثر احتراما لحقوق الإنسان.

تجاهل الحقوق أو التضحية بالناس من طائفة دينية معينة أو فئة اجتماعية بعينها يعني الإضرار بهم مع إبعادهم عن جهود مكافحة الإرهاب في الوقت نفسه. العكس تماما هو المطلوب. كما يظهر من التجربة المؤلمة، تعتمد سياسة مكافحة الإرهاب الذكية على احترام حقوق الإنسان.

حماية اللاجئين هو أيضا حماية للدول التي تستقبلهم  

الفرار اليائس للاجئين وطالبي اللجوء من عنف لا ينتهي وانتهاكات في بلدان مثل سوريا والعراق وأفغانستان وإريتريا – وفرصهم المحدودة للحصول على عمل مناسب وإسكان وتعليم ووضع قانوني في الدول المجاورة – سيؤدي بالعديد إلى محاولة بلوغ أوروبا بشكل أو بآخر. السؤال هو: هل سيصلون إلى أوروبا بشكل منظم يسمح بالفحص الأمني، أم بشكل فوضوي من خلال المهربين؟

كان أثر السياسة الأوروبية إلى الآن هو عدم إعطاء اللاجئين أية فرصة إلا المخاطرة بحياتهم في عرض البحر للحصول على فرصة للجوء. مع توافد القوارب كيفما اتفق على مختلف الجزر اليونانية، من الصعب إجراء فحص منظم لوقف من سيصبحون إرهابيين من دخول الاتحاد الأوروبي.

البديل الأكثر أمنا وإنسانية هو أن يزيد الاتحاد إعادة توطين اللاجئين والتأشيرات الإنسانية الصادرة من أماكن تواجد اللاجئين الأولى، مثل لبنان أو باكستان.

يمكن لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – إذا جُهزت بالقدر المناسب – أن تزيد قدرتها على فحص اللاجئين وإحالتهم لدول إعادة التوطين. مع التوسع في برامج إعادة التوطين، يمكن لأوروبا أن توضح أن أبوابها لن تُغلق فجأة، لذا فلا حاجة إلى أن يستقل اللاجئون قوارب رثة لعبور المتوسط؛ غرق نحو 3770 شخصا عام 2015، ثلثهم من الأطفال. الفحص الأكثر نظاما للاجئين سيجعل أوروبا أكثر أمنا أيضا.

كما أن زيادة القدرة على التعامل مع طلبات اللاجئين في بلدان اللجوء الأولى ستيسر إعادة التوطين في بلاد أخرى غير أوروبا، يتعين عليها بذل المزيد، وليس فقط الدول التي تستقبل اللاجئين بحكم العادة، مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، بل أيضا دول الخليج وروسيا.

لن يختار كل طالب لجوء هذا المسار الأكثر نظاما، ومن منطلق الحقوق فليس مطلوبا منهم ذلك الاختيار. نجاحه يعتمد إلى حد بعيد على مدى سخائه: كلما أحس اللاجئ بإتاحة فرصة حقيقية له بإعادة التوطين دون المعاناة لسنوات في مخيم، وكلما عاش حياة طبيعية أثناء الانتظار؛ قلّت فرصة اختياره لبديل خطير. من شأن برنامج إعادة التوطين المُجدي والواقعي أن يساعد في تقليل أعداد التدفقات غير النظامية للأفراد التي تُغرق المسؤولين عن فحص طلبات اللجوء على شطآن أوروبا الجنوبية.

طالبو اللجوء الذين ينجحون في دخول أوروبا عن طريق اليونان أو إيطاليا يواجهون فوضى مماثلة إذا – كما تفعل الأغلبية – استمروا في طريقهم إلى الشمال. التنفيذ البطيء لخطة الاتحاد الأوروبي لتنظيم إعادة التوطين، مقترنا بانتشار أسوار عازلة في بلدان مثل المجر وسلوفينيا ومقدونيا، أسهم في التدفق غير المنظم للأفراد، ما يمثل هدية ثمينة لمن يريدون الالتفاف على تدقيق سلطات إنفاذ القانون.

هنا أيضا، ستؤدي عملية أكثر نظاما – مع وفاء جميع دول الاتحاد الأوروبي بتعهداتها بقبول طالبي اللجوء – إلى فحص أكثر فعالية، مع توفير مسار أكثر أمنا كحافز لطالبي اللجوء. كما ستكون خطوة أولى نحو تشارك المسؤولية بين دول الاتحاد، وهو مطلوب لكي يعمل نظام اللجوء المشترك الخاص بالاتحاد بشكل فعال ولتفادي إغراق دول بعينها تحت ضغوط اللجوء وأعبائه. يمكن أن يساعد ذلك أيضا في استبدال نظام دبلن المعمول به حاليا – والذي يحمّل الدول المستقبلة الأولى مسؤولية طالبي اللجوء، ومنها بعض دول الاتحاد الأوروبي الأقل قدرة على التعامل معهم.

ليست أوروبا وحدها التي تعتمد مقاربة مكافحة الإرهاب في مواجهة اللاجئين، لا سيما الوافدين من سوريا. في الولايات المتحدة ندد بعض المسؤولين والساسة باللاجئين السوريين بصفتهم تهديد أمني، حتى رغم السماح لقلة منهم بدخول البلاد بعد تدقيق مشدد استمر عامين، تضمن العديد من المقابلات وفحص التاريخ الشخصي من قبل عدة هيئات أمريكية، وجمع البيانات الشخصية مثل البصمات والصور الشخصية. هذا ليس مسارا جذابا للراغبين في تدبير أعمال إرهابية، الذين سيفضلون الدخول كطلاب أو سائحين مع الخضوع لقدر أقل بكثير من التدقيق. من بين جميع الوافدين على الولايات المتحدة، اللاجئون هم الأكثر عرضة للتدقيق والفحص.

على ذلك، حاول 30 من حُكام الولايات في الولايات المتحدة منع اللاجئين السوريين من إعادة التوطّن في ولاياتهم. وتوسعت الفكرة (وإن رُفضت بشكل عام) لتشمل منع المسلمين غير المواطنين من دخول البلاد كليا. عرضت كندا – في ظل رئيس الوزراء الجديد جستين ترودو – ردا مختلفا تماما: التسريع بعجلة استقبال 25 ألف لاجئ سوري وتوزيعهم على جميع الأقاليم الكندية العشرة، مصحوبين بترحيب حار. مع إعلاء صوت الاحترام على الخوف وانعدام الثقة، رحّب رئيس الوزراء بنفسه بأول دفعة لاجئين مع وصولهم إلى المطار.

المراقبة الجماعية مقابل الردود الذكية على الإرهاب

فضلا عن استخدام اللاجئين ككبش فداء، استغل صناع السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا التهديد الإرهابي كفرصة لالتماس سلطات أكبر لإنفاذ القانون، بما فيها تدابير المراقبة الجماعية، التي تتجاوز المجموعة الواسعة من الأدوات التي يستخدمونها بالفعل.

في الولايات المتحدة، استغل مدير الاستخبارات المركزية جون برينان هجمات باريس للتنديد بأحدث القيود التكنولوجية والقانونية، التي تحدّ من قدرة الوكالات الاستخبارية على جمع البيانات الوصفية للهواتف بشكل جماعي. مع ذلك، هذه القيود متواضعة، نظرا لاتساع مجال المراقبة الجماعية، كما كشف المتعاقد مع وكالة الأمن القومي السابق إدوارد سنودن. كما توصلت هيئتان إشرافيتان، لديهما اطلاع على معلومات سرية، إلى أن هذه البيانات الوصفية ليست ضرورية لمواجهة مخطط إرهابي واحد حتى، رغم انتهاك الخصوصية الواسع الذي يعنيه جمع هذه التفاصيل، الحميمة في العادة، من حياة الناس في عصرنا.

كما استغل مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس كومي هجمات باريس لإحياء محاولات مطالبة شركات الإنترنت بوضع "أبواب خلفية" لأقوى أشكال التشفير التي تستخدمها.

سعت الشركات إلى بناء نظم أكثر أمنا بعد موجة السخط العام إبان قضية سنودن. لكن لا يوجد باب خلفي يمكن لغير المجرمين فحسب استغلاله. سيصل إليه المجرمون بالضرورة يوما ما، ما يهدد بنية تحتية مهمة، واتصالات حساسة للمستخدمين العاديين. سيكتشف الإرهابيون لا محالة أساليب التشفير الخاصة بهم، حتى ولو خارج السوق العامة.

يبدو أن بعض المسؤولين الأوروبيين أيضا أحسوا بإغراء زيادة تدابير المراقبة الجماعية. اعتمدت فرنسا قانونا جديدا للمعلومات عزز سلطات المراقبة الجماعية. والمملكة المتحدة تمر بنفس المرحلة. لكن كان بين الجناة في عدد من الهجمات على أوروبا أشخاص معروفين للشرطة، لم تسع وراءهم نظرا لشح الموارد الأمنية.

يبدو أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أقر بهذه المشكلة، إذ وعد بإضافة 8500 عنصر إنفاذ قانون إضافي للسعي وراء خيوط الجرائم، بدل زيادة تراكم البيانات الجماعية دون سبل للمتابعة. لكن بعد هجمات باريس، اعتمدت فرنسا أيضا تقنيات شرطية قد تكون عشوائية؛ أعلن رئيسها حالة للطوارئ تسمح لقوات الأمن بالتفتيش والاعتقال دون تصاريح.

غياب إشراف القضاء يجعل الاستهداف التصنيفي على أساس العرق مثلا أكثر ترجيحا، والمستهدفون في هذه الحالة هم الشباب المسلم. توقيف الشرطة للأشخاص في الشارع بناء على هذا التصنيف كان ظاهرة ابتلت بها طويلا قطاعات سكانية، الأحرى أن يتم استيعابها للمساعدة في مكافحة العنف.

تمكين الإعلام الاجتماعي لخدمة المجتمع المدني

في حين تقلق أوروبا والولايات المتحدة إزاء اللاجئين والإرهاب، فقد أدت الضغوطات الاقتصادية والسياسية بالحكومات المستبدة إلى القلق إزاء هذا المزيج من المجتمع المدني والإعلام الاجتماعي.

يُساعد المجتمع المدني المزدهر في ضمان خدمة تلك الحكومات لشعوبها. يصادف الأفراد المعزولون صعوبة في رفع أصواتهم بالقدر الكافي لكي تصل، فيتّحدون في جماعات مدنية ترفع أصواتهم وتزيد من قدرتهم على التأثير في الحكومات. المجتمع المدني – وهو مجموعات ومنظمات غير حكومية تمكن الناس من التجمع على قضايا مشتركة – جزء لا يتجزأ من أي نظام يستحق مسمى الديمقراطية. الجماعات المدنية المستقلة والنشطة تساعد في ضمان بناء الحكومات للمدارس، وتوفير الرعاية الصحية وحماية البيئة واتخاذ خطوات أخرى بلا حصر سعيا وراء رؤيتها لتحقيق الصالح العام.

إلا أن بعض المسؤولين لا يرون في هذا المدخل الجيد توجيها للسياسات، بل تهديدا. عندما يكون القادة مهتمون بالأساس برفعة شأنهم الخاص، وشأن عائلاتهم وحاشيتهم، يصبح آخر ما يريدونه جمهور متمكن، قادر على التجمع وتشبيك الموارد للتحقيق والفضح والاحتجاج وإصلاح فساد الحكومة أو انتهاكاتها أو عدم كفاءتها.

في عهد مختلف، ربما كان الحكام المستبدون ليتخلوا عن أي تظاهر بالحكم الديمقراطي، لكن هذه الأيام مطلوب في العادة واجهة من الديمقراطية لإضفاء الشرعية. كما تعلّم هؤلاء الحكام التلاعب بالانتخابات لضمان بقائهم، فهم يعملون الآن بين دورات الانتخابات على منع الجمهور من عرقلة أهدافهم السلطوية. من خلال إغلاق المجال السياسي الذي تعمل فيه الجماعات المدنية، يحاولون خنق الجهود المنظمة التي تتحدى أو حتى تنتقد حُكمهم، الذي لا يخدم إلا مصالحهم.

في السنوات الأخيرة جعل الإعلام الاجتماعي هذا التنافس بين الدولة والمجتمع أكثر مرونة. حتى وقت قريب، كان على المجتمع المدني استخدام الإعلام التقليدي ليصل صوته لقطاعات أعرض. العدد المحدود من المنافذ الإعلامية التقليدية في أية دولة يجعل الرقابة أسهل.

في الوقت الحالي، مع صعود الإعلام الاجتماعي – لا سيما مع توفر القراءة على الهواتف الخلوية – أصبح بإمكان الناس تجنب الإعلام التقليدي والوصول إلى أعداد كبيرة دون وسيط صحفي. كنتيجة، تحسنت كثيرا قدرة المجتمع المدني على إيصال صوته للناس، وإحداث التغيير في نهاية المطاف. ليست آثار الإعلام الاجتماعي إيجابية كلها؛ فمن بين المستخدمين أشخاص يبثون الكراهية و"متعقبون" ممولون من حكومات أو محبون لحكومات يبثون الدعاية الرسمية. لكن قدرة الجمهور على بث مخاوفه وبواعث قلقه عبر الإعلام الاجتماعي مُكمل مهم للإعلام التقليدي، ويصب في صالح مواجهة الرواية الحكومية.

المثال الأبرز والأقوى على هذا التطور هو الانتفاضات العربية التي بدأت أواخر 2010، ثم ثورة "ميدان" في أوكرانيا و"احتلوا سنترال" في هونغ كونغ في 2014. ظهر في تلك الانتفاضات التعاون والتنسيق بين الجمهور الغاضب ونشطاء المجتمع المدني المتمكنين من استخدام الإعلام الاجتماعي لحشد الناس في الشوارع.

لكن هذا المزج بين المجتمع المدني والإعلام الاجتماعي لم يرحب به البعض. من الصين إلى فنزويلا وماليزيا، تعرضت الحكومات التي تفضل ألا ينازعها أحد في الحُكم لضغط المساءلة من قبل الشعب.

يصبح القمع والفساد أو مجرد اللامبالاة في خطر أكبر عندما يواجهه مجتمع أكثر اتصالا وأفضل تنظيما.

رد فعل المستبدين

مع رفض القيود الشعبية على الحُكم، يقاوم المستبدون، فيما ظهر كتوجه مكثف يعزز نفسه بنفسه. كما تعلمت الحكومات القمعية من بعضها البعض وحسنت من أساليبها ومررت لبعضها الدروس المستفادة، فقد أطلقت أيضا أكبر حملة قمعية استهدفت المجتمع المدني منذ جيل.

الأدوات الأكثر انتشارا هذه الأيام هي محاولة حرمان الجماعات المدنية من حقها في التمويل من الخارج عندما لا تتوفر الموارد المحلية، مع إغراق المجتمع المدني في قوانين مبهمة وغير ثابتة. أصبح الوعد بحكومات أكثر تمثيلا للناس – الذي جلبه الإعلام الاجتماعي لمستخدمي المجتمع المدني لها – معرضا للخطر.

الإشارة لهذا التوجه المقلق لا يعني على الإطلاق انتهاء المجتمع المدني. مثلما ضغطت قدرات تمكين الشعوب على المستبدين الخائفين فدفعتهم لمحاولة إعادة المجتمع إلى حالة أكثر تشظيا وخنوعا، هذه الإمكانات نفسها تمكن المجتمع المدني من الرد والمواجهة. لكن ليس من الواضح من سيربح في هذه المبارزة بين سعي الشعوب لمساءلة الحكومات ورغبة المستبدين في الحُكم دون إزعاج.

الأطراف الثالثة الرئيسية في هذه العملية هي الحكومات العديدة التي تعبر عن الإيمان بمبادئ حقوق الإنسان، التي ينهض عليها الحكم الديمقراطي. استعداد تلك الحكومات للالتزام بالمبدأ وليس إغراءات استيعاب المستبدين الأثرياء أو النافذين يمكن أن يكون له أثر حاسم في تحديد الكفة التي سترجح: إما الديكتاتوريات أو الحكومات التي تحترم الحقوق. لكن كما تنتهك القوى الغربية الحقوق أثناء مواجهة اللاجئين أو الإرهاب، فإن قدرتها على حماية الحقوق بشكل أوسع أصبحت على المحك.

أسباب للتغطية

لدى التدقيق، يظهر أن التحركات لقمع المجتمع المدني تبذلها في العادة حكومات لديها ما تخفيه. مقابل كل منتهك للحقوق هناك إخفاقات في الحُكم يفضل المسؤولون عدم مناقشتها، وسجل من الفشل يريدون إبقائه طي الكتمان، وموضوع يريدون تغييره وعدم الحديث عنه. لأن تقييد المجتمع المدني يعني تفادي المساءلة، فإن القضايا التي تختار الحكومات قمعها هي مؤشر جيد على أعمق مخاوفها.

الصين وروسيا أمثلة جيدة، ولعلهما المنتهكان الأكثر نفوذا. كل من هاتين الحكومتين أبرمت اتفاقا ضمنيا مع شعبها: مقابل القيود المشددة على المشاركة السياسية، هناك وعد بالنمو الاقتصادي السريع وتحسين الفرص الفردية. تواجه الحكومتان الآن صعوبات في الوفاء بجانبهما من الصفقة.

السبب جزئيا هو أن غياب تدقيق وانتقاد الجمهور أدى إلى سياسات اقتصادية رديئة. استنزفت النخبة الروسية عوائد النفط والغاز دون تنويع الاقتصاد الروسي المعتمد على مشتقات النفط؛ كان التدقيق والانتقاد الشعبيان سيؤديان إلى تشجيع هذا التنويع. ازداد تدهور الاقتصاد مع انخفاض حاد في أسعار النفط والغاز، مقترنا بعقوبات ردا على أنشطة الكرملين العسكرية في أوكرانيا.

في الصين، تعيق النمو الاقتصادي نفس المشكلات التي تبتلي النظام السياسي: الميل إلى إخفاء وتبرير معلومات مثيرة للجدل، مثل كيفية الرد على تراجع البورصة في أغسطس/آب، والاعتماد على محاكم تطيع الحزب الشيوعي ولا تفصل بشكل محايد في العقود أو المنازعات الأخرى، وحملة مكافحة فساد تضفي شرعية سياسية.

هذه السياسات القادمة من الأعلى والتي لا تقيّدها المناقشات العامة المستقلة، أسهمت في تباطؤ الاقتصاد إن لم يكن كساده. ومع إثارة انحسار الازدهار أسئلة حول كفاءة الحُكام، بدأت كل من روسيا والصين حملات قمعية غير مشهودة منذ عقود.

في البداية كان القمع ردا على المظاهرات المعارضة لبوتين في 2011 و2012، ثم تسارعت عجلته مع حشد الكرملين للمشاعر الوطنية لدعم رؤيته لهوية جديدة لروسيا. سحق الكرملين المجتمع المدني الروسي، وهو من العناصر الأكثر أهمية التي ظهرت في أعقاب سقوط الاتحاد السوفياتي. الأجواء الجديدة المسمومة ساعدت الكرملين في تشتيت الانتباه مع تعمق الأزمة الاقتصادية الروسية.

أما الحكومة الصينية التي أقرت بشيء من الحاجة للوفاء بتوقعات الشعب المتنامية، فهي تتحدث عن سيادة القانون وتقاضي بشكل انتقائي بعض المسؤولين بتهم الفساد. لكنها في الوقت نفسه تعتقل المحامين والنشطاء الذين يجرؤون على انتهاج نفس المساعي والأهداف خارج عباءة الحكومة. غني عن القول إن النظام القانوني الطيع في يد الحكومة ليس سيادة للقانون، في حين أن الاستهداف الحكومي الانتقائي للفساد يقوض إنشاء نظام قانوني مستقل وفعال توجد حاجة مُلحة إليه.

التوجهات نفسها واضحة في أماكن أخرى.

على سبيل المثال، من السمات المشتركة عادة وراء محولات قمع المجتمع المدني، محاولات المسؤولين التهرب من الملاحقة القضائية أو تبعات أخرى للأنشطة غير القانونية:

  • بدأ رئيس الوزراء التركي سابقا (وهو الآن الرئيس) رجب طيب أردوغان حملته القمعية – الأشد منذ 10 سنوات – بعد تظاهرات حاشدة في الشوارع ضد حكمه المستبد الذي يشتد بطشه. عزز هذه الحملة بعد ظهور تسجيلات صوتية توحي بأنه وأسرته ضالعون مباشرة في الفساد. حصد حزبه، الذي يتولى السلطة منذ 3 ولايات انتخابية، شعبية أقل في الانتخابات؛ عندها، في يونيو/حزيران، كثف الرئيس قمعه للإعلام وخصومه السياسيين وأمّن الفوز في إعادة الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني.
  • هاجم بعض كبار المسؤولين في كينيا منظمات المجتمع المدني جراء دعمها لملاحقة المسؤولين عن توجيه العنف الانتخابي في 2007 و2008 أمام المحكمة الجنائية الدولية، وبينهم نائب الرئيس ويليام روتو. كما استهدفت كينيا منظمات مدنية وثّقت انتهاكات قوات الأمن في إطار مكافحة الإرهاب، ضد هجمات بالبنادق والقنابل اليدوية تزايدت في مختلف أنحاء البلاد.
  • طرد السودان المنظمات الإنسانية من دارفور ردا على أمر توقيف صدر عن المحكمة الجنائية الدولية في مارس/آذار 2009 بحق الرئيس عمر البشير، وأغلق مكاتب جماعات روجت علنا للعدالة وحقوق الإنسان.
  • استهدفت حكومة الرئيس جاكوب زوما في جنوب أفريقيا المنظمة التي حصلت على حُكم محكمة ضد ترحيبه بالبشير، كما ضربت أوامر التوقيف من المحكمة الجنائية الدولية بعرض الحائط.
  • مع تصاعد الغضب العالمي على التوسع في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، اعتمدت إسرائيل قانونا – تأكدت أغلب عناصره في 2015 على يد المحكمة العليا – يمكن استخدامه في معاقبة جماعات المجتمع المدني، وكذلك بالمناداة إلى قطع العلاقات الاقتصادية بالمستوطنات أو بإسرائيل، أو علاقات من أي نوع آخر.

تحركت حكومات أخرى عندما هددت الانتخابات أو القيود على مدة ولايتها استمرارها في السلطة:

  • في بوروندي أطلقت الحكومة هجمات مكثفة وعنيفة، في الأغلب على المجتمع المدني، بعد انتشار الاحتجاجات ضد قرار الرئيس بيير نكورونزيزا بالسعي لمدة رئاسية ثالثة مشكوك في دستوريتها. أطلق مسلحون النار على أبرز مدافع حقوقي في البلاد وأصابوه إصابة خطيرة، وهو بيير كلافير مبونيمبا. قُتل 2 من أقاربه في حوادث منفصلة.
  • في جمهورية الكونغو الديمقراطية تعرض المدافعون عن حقوق الإنسان والنشطاء المطالبين بالديمقراطية للسجن والضرب والتهديد، بعد تنظيم مظاهرات سلمية وإعلان رفض التمديد غير الدستوري المحتمل للرئيس جوزيف كابيلا بعد انتهاء ولايته الثانية. زعم المسؤولون الحكوميون – دون سند – أن النشطاء يخططون لـ "أنشطة إرهابية" أو "تمرد عنيف"، فيما استخدمت قوات الأمن القوة القاتلة في فض مظاهرات سلمية نظمتها جماعات النشطاء.
  • الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ضايق واعتقل وشوه سمعة المنتقدين وجماعات المجتمع المدني في الشهر السابق على الانتخابات التشريعية، التي خسرها؛ السبب في رأي أغلب المتابعين، هو سوء إدارته للاقتصاد.
  • استخدمت الشرطة الإكوادورية القوة المفرطة ضد مواطنين تظاهروا ضد تعديلات دستورية تسمح بإزالة الحد الأقصى لمدد انتخاب الرئيس. لم يحقق الرئيس رافاييل كوريا مع ضباط الشرطة المسيئين، إنما هنأهم على "مهنيتهم".
  • تسعى بعض الحكومات لاستغلال الموارد الطبيعية دون مضايقات من المتابعة الشعبية أو الإشراف المستقل. على سبيل المثال:
    • دأبت أذربيجان، الغنية بالنفط، على سجن قيادات المجتمع المدني لتفادي الاضطرابات الشعبية بسبب فسادها وسوء إدارتها الواضحَين. كانت أوروبا مشغولة بشراء نفطها وغازها وبإبعادها عن النفوذ الروسي، فلم تعترض كثيرا.
  • هاجمت أوزبكستان – التي يتربح مسؤولوها شخصيا من قطاع القطن – أشخاصا حاولوا توثيق وتغطية العمل الجبري في هذه الصناعة. زاد البنك الدولي من استثماره في هذا القطاع، لكنه حد من تعبيره عن القلق ليقتصر على محادثات فردية مشكوك في فائدتها وأثرها. تقف وراء هذه الدوافع المتنوعة لقمع المجتمع المدني رؤية الحكام السلطويين، ومفادها أن النقاش العام المنظم مساويا للتهديدات السياسية. منع الناس أو إعاقتهم عن التجمع والاحتشاد معا – في رأي هذه الحكومات على ما يبدو – أفضل من المخاطرة بوصول صوتهم بعيدا وأن تجذب مطالبهم تأييدا أوسع.

من هذا الخوف من النقاش العام غير المقيد، برزت سلسلة من الأدوات التي استخدمت في تقييد وخنق المجتمع المدني؛ تشمل التهديدات والعنف والاعتقالات التعسفية والمحاكمات الملفقة، وتقنيتين يتزايد استخدامهما مؤخرا: تقييد الحق في السعي للتمويل الأجنبي، وفرض قوانين تعسفية وقمعية.

تقييد الحق في التماس الدعم المالي

الكثير من الدول أفقر من أن تتوفر بها مجموعة من المانحين القادرين على كفالة الإسهامات المالية الكبيرة لمنظمات المجتمع المدني. حتى عندما يوجد أفراد أثرياء بالقدر الكافي لتقديم مثل هذه الهبات، يمكن للحكام السلطويين إقناعهم بالعدول عن ذلك عبر مهاجمة أعمالهم التجارية. التهديد بالتحقيقات الضريبية أو منع التراخيص اللازمة لمزاولة الأعمال أو تقييد التعاملات التجارية مع الحكومة، تقنعهم عادة بالعدول عن تقديم الدعم المالي للجماعات المنتقدة للسلطات.

عندما يخاف المانحون المحليون المحتملون أو يفتقرون إلى سبل تقديم الدعم، فمن الطبيعي أن تمارس المنظمات المدنية حقها في التماس المساعدة من الخارج. هذا الحق بدوره أصبح هدفا مفضلا للحكومات القمعية. أولى أولوياتها كانت قطع المصادر الأجنبية للتمويل عن الجماعات الحقوقية أو الساعية لمحاسبة الحكومة.

الهند، بغض النظر عن تقاليدها الديمقراطية العريقة، تمارس هذا الأسلوب منذ فترة طويلة، من خلال قانون تنظيم الإسهامات الأجنبية، الذي يطالب باستصدار الموافقة الحكومية قبل قدرة أية منظمة مدنية على تحصيل إسهام من الخارج. استعداد الحكومة للسماح بهذه الإسهامات يقل كلما زادت "حساسية" نشاط المنظمة. تعمل منظمات تقديم الخدمات إلى حد بعيد دون إعاقة، في حين تعاني عادة المنظمات الحقوقية من القيود. في ظل حكم رئيس الوزراء ناريندرا مودي، عانت المنظمات البيئية تحديدا بسبب تحديها المتصوَّر لخطط التنمية الرسمية. هناك ناشطة أخرى تم استهدافها جراء عملها حول أعمال الشغب ضد المسلمين في 2002 في غوجرات، التي تورط فيها رئيس الوزراء مودي.

طبقت روسيا مثل هذه القيود بشكل عدواني. في البداية، وصمت المنظمات المحلية التي تقبل الإسهامات من الخارج بأنها "عملاء أجانب" (وهو المصطلح المرتبط بالروسية بصفة "الخائن" أو "الجاسوس") ثم منعت بعض المانحين بصفتهم "منظمات أجنبية غير مرغوبة"، مع فرض عقوبات جنائية على أي طرف يتعاون معها.

هناك دول سوفييتية سابقة أخرى تحاكي ما تفعله روسيا حاليا. يبحث برلمان قرغيزستان في إقرار قانون "العملاء الأجانب"، الذي أخذ أغلب مواده من القانون الروسي المماثل. اعتمدت كازاخستان تشريعا يطالب بتقديم تمويل المنظمات المدنية من خلال "قناة" واحدة تعينها الحكومة، لها سلطة التحكم في أوجه إنفاق التمويل. تطالب بيلاروسيا بتسجيل جميع الأموال الأجنبية الواردة لدى هيئة حكومية، يمكنها رفض التمويل إذا لم يكن غرضه ضمن القائمة الرسمية الضيقة المحددة لأوجه الإنفاق. فتحت أذربيجان تحقيقا جنائيا مع جملة من أبرز المانحين الأجانب، وجمدت حسابات مصرفية لعشرات الحائزين على التمويل، وسجنت بعض أبرز قدامى الحقوقيين، وطالبت بترخيص حكومي لجميع المانحين الأجانب وموافقة رسمية على كل مشروع ممول.

تعتمد إلى حد بعيد بعض أهم منظمات المجتمع المدني الصينية – لا سيما تلك التي تحاول حماية حقوق الإنسان –على التمويل الخارجي، لكن من المتوقع أن تتبنى الحكومة قريبا قانونا لإدارة منظمات المجتمع المدني، سيمكنها من ممارسة رقابة أشد على مصادر التمويل الخارجية. ستصبح المنظمات المعنية بالمرافعة، وليس تقديم الخدمات، في وضع حرج للغاية.

إلى جانب الهند، تعتمد أثيوبيا تقنيات رائدة. قيدت أثيوبيا عام 2009 التمويل الأجنبي لأية جماعة معنية بحقوق الإنسان والحوكمة ليقتصر على 10 بالمئة من مصادر دخلها. أدت هذه الشروط فعليا إلى إغلاق أغلب منظمات المراقبة والرصد. أما كينيا، التي تزعم أن مساندي الملاحقة من قبل المحكمة الجنائية الدولية يروجون لـ "أجندة أجنبية"، فتبحث في إصدار قانون يحد التمويل الأجنبي للمنظمات بـ 15 بالمئة على غرار القانون الأثيوبي.

منعت أنغولا التمويل من الكيانات الأجنبية التي لا توافق عليها هيئة حكومية. صدر حكم من المحكمة العليا الفنزويلية في 2010 بإمكانية ملاحقة أية منظمة تتلقى تمويلا أجنبيا بتهمة "الخيانة"، في حين حظرت الأغلبية الموالية للحكومة في المجلس الوطني (البرلمان) المساعدات الدولية لأية جماعة من شأنها (في استعراض ظاهر لخوف الحكومة) "الدفاع عن الحقوق السياسية" أو "مراقبة أداء الهيئات العامة".

يُلاحق المغرب قضائيا 5 نشطاء من المجتمع المدني بتهمة الإضرار بالأمن الداخلي، بعد أن قبلوا تمويلا أجنبيا لتنظيم ورشة عمل حول دعم صحافة المواطن عن طريق تطبيق للهاتف الذكي.

تبرير القيود

يفضل الحكام المستبدون تقييد وصول الجماعات المدنية التي تراقب سلوكهم للمانحين الأجانب، لأن بإمكانهم وضع هذا التقييد في إطار الخطاب القومي: كيف يجرؤ هؤلاء الأجانب على "التدخل" في شأننا الداخلي! لكن الحكومات نفسها – التي تهاجم الجماعات المدنية على سعيها للمنح الأجنبية – تسعى بشكل حثيث إلى استقدام الاستثمار الأجنبي وصفقات التجارة الأجنبية.

كما يسعى العديدون بلهفة إلى تحصيل تلك المساعدات الأجنبية ويشجعون على منحها للمنظمات الخدمية. وينخرط البعض في التحركات للتأثير على المناقشات العامة بالخارج، وهي التحركات نفسها التي يسعون لمنعها داخليا.

لا يمكن تفسير عدم الاتساق هذا بالقول إن المجتمع المدني منخرط في الشأن العام بشكل غير لائق. كثيرا ما تضغط الشركات لصوغ قوانين وأنظمة مفيدة لها وتشارك في مناقشات حول صناعة السياسات العامة. كثيرا ما تذهب المساعدات الأجنبية إلى صلب الأعمال الحكومية، وتكون عموما مشروطة. الحق أن المبالغ التي تسعى المنظمات المدنية لتحصيلها قليلة للغاية مقارنة بالنقود الأجنبية المتدفقة على البلاد من خلال الاستثمار والتجارة والمساعدات.

لماذا إذن يتم استهداف المجتمع المدني دون غيره من القطاعات؟ بسبب قدرته على حشد المواطنين لتحدي وانتقاد مواطن الفساد الحكومية، لا سيما مع بث رسالته بشكل واسع على الإعلام الاجتماعي. وعند تكميم أفواه الإعلام، كما هو الحال عادة في السياقات السلطوية، يصبح المجتمع المدني هو الفاعل الوحيد المتبقي الذي لديه قدرة الضغط على المسؤولين لكي يخدموا المواطنين لا مصالحهم الخاصة. الاعتداء على حق المنظمات في السعي لتحصيل التمويل الخارجي هو في جوهره اعتداء على الجهود المنظمة لمساءلة الحكومة.

تقدم الحكومات مبررات عدة لحرمان المجتمع المدني من حقه في التماس التمويل الخارجي، عادة من خلال مقارنة قيودها بتلك المفروضة في النظم الديمقراطية العريقة. على سبيل المثال، تمنع بعض النظم الديمقراطية المرشحين السياسيين من تحصيل التمويل الأجنبي.

لكن القيود التي تمنع المجتمع المدني من تحصيل التمويل من الخارج لا تطال سياق الانتخابات فحسب. إنها تمتد إلى قدرة المجتمع المدني على التنظيم والانتقاد في إطار قضايا لا علاقة لها بالانتخابات على الإطلاق.

لا القانون الدولي لحقوق الإنسان ولا أي فهم سليم للديمقراطية يسمح بهذا، كما أوضحت مقررة الأمم المتحدة الخاصة ماينا كياي في تقرير صدر مؤخرا. لا غنى عن مشاركة المواطنين الشعبية الحرة لإعطاء معنى حقيقي لمشاركتهم الدورية في التصويت، وتمكينهم من كيل الانتقادات وإسماع أصواتهم بخصوص طيف واسع من القضايا التي يتعامل معها المسؤولون بين الدورات الانتخابية.

أيضا، يشير بعض الحكام المستبدين إلى قوانين في النظم الديمقراطية، مثل قانون تسجيل العملاء الأجانب الأمريكي، الذي يطالب من يتصرف نيابة عن حكومة أجنبية بالتسجيل كعميل لها. لكن ذلك القانون يقتصر على أشخاص وكيانات تتصرف بصفة "العميل" أو "الوكيل" لحكومة أجنبية أو تحت "إشرافها أو سيطرتها". قلة من الإسهامات الأجنبية للمجتمع المدني في هذه البلدان – إن وُجدت – تأتي مصحوبة بمثل هذه التوجيهات أو السيطرة. لا توجد علاقة عمالة أو وكالة تقتضي مثل هذا التسجيل الصريح بهذه الصفة، عدا عن حظرها من الأساس. وفي حالات عديدة لا تأتي الأموال الأجنبية من حكومات، إنما من أفراد أو مؤسسات خاصة.

بعض الحكومات، ومنها حكومات كمبوديا ومصر وطاجيكستان والهند، تبرر القيود على الإسهامات الأجنبية للمجتمع المدني بأنها ضرورية لمكافحة الإرهاب. كما لوّحت دول مثل الصين وباكستان وبنغلادش بالتهديد الإرهابي عندما قدمت مسودات تدابير قانونية تحتوي على قيود مماثلة للتمويل الأجنبي. لكن بما أن الجماعات الإرهابية يمكنها بسهولة إنشاء شركات وأعمال تجارية لتمويل جرائمها، فالمعاملة التمييزية تكشف – من جديد – عن مآرب أخرى.

الباعث الأكبر على السخرية هو أن العديد من هذه الحكومات التي تقيّد حق المجتمع المدني في التماس التمويل من الخارج، تنفق بسخاء على جماعات الضغط أو شركات العلاقات العامة لتحسين صورتها في الخارج. دول مثل روسيا أو الصين أو مصر أو أذربيجان أنفقت ملايين الدولارات في واشنطن وحدها لتغطية وجهها القمعي، في حين تجوّع المجتمع المدني الذي يحاول تخفيف هذا القمع داخليا. قلق الحكومات إزاء التمويل العابر للحدود الذي يؤثر على المناقشات العامة يبدو إذن معتمدا على ما إذا كان التمويل يسهم في انتقاد الرواية الحكومية أو يعززها.

إجمالا، السعي وراء تقييد وصول المجتمع المدني إلى المانحين الأجانب لا يهدف إلى تحقيق الشفافية أو الحكم الرشيد. تتصل هذه التحركات مباشرة بتفادي الرقابة المنظمة على عمل الحكومة، وحجب ما يعد في العادة المصدر الوحيد للتمويل المستقل لمثل هذا النشاط، مع اختفاء المصادر المحلية أو تخويفها.

إذا أرادت الحكومات حقا حجب التمويل الأجنبي عن مجتمعاتها، يمكنها أن تعزل نفسها مثل كوريا الشمالية. لكنها في الواقع تريد قطيعة انتقائية مع العالم الخارجي، تمكّنها من تحصيل التمويل التجاري والمساعدات التي تأخذها بنفسها، مع تقييد أي تمويل يُستخدم في محاسبتها. أي تفرقة حكومية من هذا النوع بين التمويل التجاري والتمويل الخيري، أو بين المساعدات التي تحصلها بنفسها وتلك الذاهبة للمجتمع المدني، يجب أن يُنظر إليها على حقيقتها: محاولة لحجب حقوق المواطنين في حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وضمان مساءلة الحكومة.

القوانين القاتلة

فضلا عن تقييد التمويل، يسعى الحكام المستبدون بشكل متزايد إلى اعتماد قوانين وأنظمة للجم المجتمع المدني. تتميز هذه القواعد بأنها تبدو عادية وروتينية وغير سياسية. بعضها حقا لا يمكن الاعتراض عليه، مثل المطالبة بميزانيات صادقة وشفافة، واحترام قوانين العمل، أو بكل بساطة التسجيل الإداري. لكن المستبدين الساعين إلى خنق المجتمع المدني استخدموا قيودا قانونية لإنجاز ما هو أكثر بكثير: تقويض استقلالية الجماعات المدنية.

من التقنيات الشائعة، الزعم أن المجتمع المدني يعرض للخطر مفهوما مبهما للصالح العام تعرّفه الحكومة، والقصد عادة هو استمرار الحكومة في السلطة أو في سياسات يحبذها مؤيدون نافذون.

  • جرّمت روسيا كشف أي معلومات عن الخسائر العسكرية أثناء "العمليات الخاصة"، التي يصادف أنها تشمل أنشطة الكرملين العسكرية في شرق أوكرانيا. كما أن أي انتقادات لضم روسيا للقرم تواجَه بالملاحقة القضائية.
  • فعّلت الصين جملة من القوانين حول أمن الدولة والأمن المعلوماتي ومكافحة الإرهاب، تساوي بين الانتقادات السلمية وتهديد الأمن الوطني. قانون إدارة منظمات المجتمع المدني الأجنبية المقترح من شأنه منع المنظمات المدنية عن أمور من قبيل "تعريض المصالح الوطنية الصينية للخطر" أو "التعرض للصالح العام للمجتمع" أو "النظام العام والتقاليد العامة".
  • جرّمت كازاخستان "التحريض على النزاع المجتمعي أو الوطني أو العشائري أو العرقي أو الطبقي أو الديني"، وقد استخدمت هذا القانون كثيرا في خنق أصوات المنتقدين.
  • استخدمت المجر اتهامات "التزوير" في مهاجمة جماعات التمويل التي تنشط بمجال الفساد وحقوق الإنسان.
  • سجنت تركيا صحفيين وأغلقت منظمات إعلامية أظهرت استعدادها لانتقاد السياسات الحكومية وفسادها، أو كشف أدلة على نقل الأسلحة إلى جماعات سورية معارضة.
  • اعتمد البرلمان الأوغندي مسودة قانون، إذا تم التصديق عليها ستسمح بسجن قادة المنظمات المستقلة 3 سنوات كحد أقصى، إذا لم يراعوا "التزامات خاصة" مبهمة، تشمل عدم الانخراط في أي عمل "يعرض مصالح أوغندا أو كرامة شعبها للخطر".
  • يواجه الصحفيون ونشطاء المجتمع المدني السودانيون الذين يعربون عن أي معارضة اتهامات بـ "جرائم ضد الدولة" يُعاقب عليها بالإعدام.
  • تغلق كمبوديا مكاتب المنظمات التي "تعرض السلم أو الاستقرار أو النظام العام للخطر أو تضر بالأمن الوطني أو الوحدة الوطنية أو ثقافة وعادات المجتمع الكمبودي".
  • أمرت محكمة مغربية بإغلاق جمعية تروج لحقوق السكان في منطقة إفني على أساس أنها تضر بـ "وحدة التراب" الوطني.
  • منح الرئيس الإكوادوري رافاييل كوريا حكومته سلطة حلّ المنظمات التي "تزعزع السلم العام". ثم استُخدمت تلك السلطة في إغلاق منظمة بيئية تتحدى شركات التنقيب عن النفط في منطقة الأمازون المعرضة لأخطار بيئية.
  • وقّع الرئيس البوليفي إيفو موراليس قانونا وأصدر قرارا في 2013، يمنح حكومته سلطة حلّ أية منظمة مجتمع مدني، ومعاقبة ممثلها القانوني جنائيا إذا نفذت أنشطة "تقوض الأمن أو النظام العام".

مع تكثيف الحكومات الغربية جهودها لوقف الإرهاب، هناك حكومات أخرى أصبحت ماهرة في استخدام صياغات فضفاضة حول الإرهاب، درءا لانتقاد لحملاتها ضد المجتمع المدني:

  • قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن سحق "الإخوان المسلمون" والتهديد الذي كانت تفرضه تلك الجماعة عليه في صندوق الاقتراع هو في حقيقة الأمر مكافحة للإرهاب. تدعم مخططه مليارات الدولارات القادمة من أنظمة الخليج الملكية، الخائفة من حركة سياسية تمزج الإسلام السياسي الذي تزعم هذه الأنظمة اعتناقه، بالانتخابات التي تمقتها.
  • وضعت كينيا منظمتين حقوقيتين في قائمة المشتبه بهم في مناصرة الإرهاب. وثّقت المنظمتان انتهاكات لقوات الأمن أثناء عمليات مكافحة الإرهاب. اضطرت المنظمتان للذهاب للمحكمة ليخلي طرفهما القاضي من أية صلات بالإرهاب ورفع التجميد عن حساباتهما المصرفية.
  • هناك مشروع قانون صيني يعرّف الإرهاب بأنه يشمل "الفكر أو الخطاب أو السلوك" الذي يحاول "التأثير على صناعة السياسات على المستوى الوطني". كما يشمل حظرا معمما على "الأنشطة الإرهابية الأخرى"، وهي الصياغة التي يمكن أن تعتبر أي نشاط عملا إرهابيا.
  • هناك مشروع قانون لمكافحة الإرهاب جاري النظر فيه في البرازيل، يستمر في الصياغات الفضفاضة والمبهمة التي تجرم "مناصرة الإرهاب" دون توضيح مغزاها. هناك مادة أخرى يمكن تفسيرها بأنها تسمح بمقاضاة من "يسيطرون" على الطرق والبنايات أثناء التظاهر بصفتهم إرهابيين.

هذه المحاولات لتقييد المجتمع المدني، بحيث يتفق تماما مع رؤية الحكومة للصالح العام، تخفق في فهم دوره. في المجتمع الذي يحترم الحقوق، يجب أن يكون الناس أحرارا في التجمع معا على مفاهيمهم الخاصة للصالح العام، وألا يخضعوا لقيود سوى تلك التي تحول دون الإضرار المباشر بالغير. تختلف العديد من هذه الأهداف عن تلك الحكومية، وهذا هو القصد في واقع الأمر. فالحكومة تصبح أكثر قدرة على الوفاء باحتياجات شعبها إذا كان حرا في النقاش حول تلك الاحتياجات وكيفية السعي لتحقيقها. ينضم الناس ويتحدون للدفاع عن وجهات نظرهم، في أشكال عديدة ومتباينة من المساعي، وهو جزء لا يتجزأ من العملية.

عندما تُفعّل الحكومات قوانين مبهمة حول الصالح العام أو المصالح الوطنية لتقييد المجتمع المدني، فهي تقيد مجال النقاشات العامة، سواء من خلال رقابتها المباشرة أو الرقابة الذاتية التي تكابدها المنظمات في سعيها لفهم ما المسموح به من تصريحات وأنشطة. هذا لا ينتهك فحسب حقوق من يريدون الانضمام إلى الآخرين لتوصيل أصواتهم، فهو يؤدي أيضا إلى حكومات أقل قابلية لخدمة شعوبها، وأكثر إقبالا على خدمة مصالح قادتها وحلفائها الأكثر نفوذا.

معاداة المثلية الملائمة

هناك وسيلة تتزايد شعبيتها في قمع المجتمع المدني، وهي استهداف المنظمات المعنية بالمثليين والمثليات وذوي التفضيل الجنسي المزدوج والمتحولين والمتحولات جنسيا، أو من يدافعون عن حقوقهم. تزعم بعض الحكومات القمعية – كدعواتها بالحد من الحق في التماس التمويل الأجنبي – أن أصحاب هذه الهويات غير النمطية غرباء على ثقافة الدولة، ومفروضون من الغرب.

لكن لا توجد دولة غربية "تُصدر" المثليين أو المثليات؛ هم موجودون في كل دولة، ومدى "رؤيتهم" يعتمد على مدى القمع الذي يتعرضون له محليا. الأمر الوحيد المفروض بهذا الخصوص، هو وجهة نظر الغالبية حول النوع الاجتماعي والهوية الجنسية التي تفرضها الحكومة المحلية على أقلية ضعيفة.

مثل الهجمات الأعم على المجتمع المدني، تميل الهجمات على الجماعات المعنية بحقوق أصحاب الهويات الجنسية غير النمطية إلى الاشتداد لحظة اعتزام الحكومة تغيير الموضوع. بعض أبرز القادة العالميين فيما يخص تفعيل تشريعات قمعية تجاه أصحاب هذه الهويات – فلاديمير بوتين في روسيا، يوويري موسيفيني في أوغندا، غودلاك جوناثان رئيس نيجيريا السابق، يحيى جاميه رئيس غامبيا – يرزحون تحت عبء ضغوط سياسية جراء الإخفاق في الإدارة الرشيدة للدولة. تصوير أنفسهم كحراس لـ "القيم التقليدية" ضد المثليين هي وسيلة مريحة لتفادي مناقشة أوجه فشلهم في الإدارة. لكن لأن هذه الخطة لا يمكن أن تنفعهم لأجل غير مسمى، فكثيرا ما يكون الموقف الرسمي بمعاداة المثلية الرسمية توطئة لقمع كبير ضد المجتمع المدني.

مجتمعات مغلقة

أشد الحكام المستبدين لا يكتفون بتقييد المجتمع المدني، إنما يمنعونه أو يفككونه بالكامل. في البلدان التي تعاني من القمع الشديد – مثل كوريا الشمالية وأوزبكستان وتركمانستان وإريتريا ورواندا – لا يوجد مجتمع مدني مستقل يُذكر. التعليق المنظم على المسلك الحكومي مسألة مستبعدة من الأساس. في دول أخرى عديدة – مثل البحرين وبيلاروسيا ومصر والسعودية والسودان والإمارات وفيتنام – يعد تشكيل منظمة مجتمع مدني تسعى لمساءلة الحكومة وصفة مثالية لدخول السجن.

لكن اليوم، العديد من الحكومات التي تقود هجمات ترمي لقمع المجتمع المدني، تريد أن يُقال عنها إنها خاضعة للمحاسبة بحسب المبادئ الديمقراطية، لكن ليس من خلال الإشراف المنظم الذي ترعاه منظمات مدنية. كثيرا ما تكون هذه الحكومات الأكثر استخداما للحد من الوصول للتمويل الأجنبي أو فرض قوانين تقييدية مبهمة الصياغة. على الحكومات الملتزمة بالديمقراطية، المؤسسة على حقوق الإنسان، أن توضح جليا أنها ترى حقيقة هذا التلاعب وأنها ستربط تطبيع العلاقات بانتهاء هذه المراوغات. 

حقوق الإنسان كطريق للمستقبل

مع نمو التواصل بين أطراف المجتمع العالمي – كلما ازدادت سهولة السفر والاتصالات – قلّما تبرز القضايا الحقوقية معزولة في دولة واحدة.

النُظم المستبدة في سوريا أو أفغانستان أشعلت فتيل أزمات اللجوء في أوروبا. رد الفعل الأوروبي – أو غيابه – يؤثر في القدرة على بناء مجتمعات في أماكن أخرى تحترم الثقافات والأديان المختلفة أو التوجهات الجنسية غير النمطية. سهولة الاتصالات الحديثة وطابعها الديمقراطي – الإنترنت والإعلام الاجتماعي تحديدا – تتحدى حكومات العالم أن تقبل المساءلة من شعوبها بشكل أنشط وأنجح.

نظرا لكل هذا الصخب في العالم اليوم، فإن التعامل مع هذه التحديات ليس سهلا. قد يبدو التغيير مصدر تهديد، سواء لمجتمع عالق في حنين لوقت كانت فيه الحياة أكثر انسجاما وثباتا، أو أمة تواجه انعداما متزايدا للأمن، أو ديكتاتور يتمسك بالسلطة.

لكن إذا كان الهدف ضمان وجود مجتمعات تحترم جميع أعضائها، وأمم تؤمّن أفضل الاستراتيجيات للدفاع عنهم، أو حكومات تخدم شعوبها بأكبر قدر ممكن من الفعالية، فالحكمة المكفولة في القانون الدولي لحقوق الإنسان مرشد لا غنى عنه.

إذا تخلينا عنه، فلنتقبل مواجهة عواقب خطيرة.

 

كينيث روث هو المدير التنفيذي لـ هيومن رايتس ووتش.