كان عام 2011 عاماً فاصلاً بالنسبة لليبيا. حدثت انتفاضة شعبية فأدى القمع الحكومي إلى اندلاع ثورة مسلحة وتدخل حلف شمال الأطلنطي (الناتو) وماتدكتاتور صاحب سجل مؤسف في حقوق الإنسان على مدار أكثر من 42 عاماً. حتى كتابة هذه السطور كان المجلس الانتقالي الليبي يناضل من أجل السيطرة على الميليشيات الكثيرة وقوات الأمن المحلية في مختلف أنحاء ليبيا، ويحاول تأمين مخازن السلاح غير المؤمنة، وبناء ليبيا جديدة تستند إلى المؤسسات المستقلة وسيادة القانون. من بواعث القلق الأهم ضعف نظام العدالة الجنائية ومشاكل التعذيب وإساءة معاملة المحتجزين، والهجمات الانتقامية ضد مسؤولي القذافي ومؤيديه، وكذلك ما يبدو أنه إعدام القائد الليبي معمر القذافي ونجله المعتصم والعشرات من مؤيديه.

الثورة

في 15 فبراير/شباط 2011 بدأت مظاهرات معارضة للحكومة في ثاني أكبر المدن الليبية بنغازي، بعد اندلاع ثورات شعبية مماثلة في تونس ومصر المجاورتان. خرجت المظاهرات إثر اعتقال معارضين للحكومة، منهم محام يمثل عائلات نحو 1200 سجين قُتلوا في سجن أبو سليم في طرابلس عام 1996.

ردت القوات الحكومة باعتقال ومهاجمة المتظاهرين السلميين في بنغازي ومدن الشرق الأخرى. استخدمت الحكومة القوة المفرطة عندما انتقلت المظاهرات إلى مدن غربية، في طرابلس العاصمة ومصراتة والزاوية وزوارة والزنتان. وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام الحكومة المميت للذخيرة الحية على المتظاهرين السلميين، وكذلك اعتقال واختفاء مئات الأشخاص المشتبهين بالتورط في مظاهرات معارضة للحكومة.

كان رد الفعل الدولي على حملة قمع القذافي سريعاً. في 25 فبراير/شباط أدان مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الانتهاكات "الجسيمة والمنهجية" في ليبيا وطالب بتشكيل لجنة تقصي حقائق. في اليوم التالي أصدر مجلس الأمن بالإجماع القرار 1970، بفرض حظر على الأسلحة وعقوبات على القذافي وعدد من أفراد اسرته وحكومته، مع إحالة الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية. أعطى القرار للمحكمة اختصاص نظر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في ليبيا منذ 15 فبراير/شباط. في يونيو/حزيران أصدر قضاة المحكمة الجنائية الدولية أوامر توقيف بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد ثلاثة مشتبهين: معمر القذافي ونجله سيف الإسلام ورئيس مخابرات القذافي وصهره عبد الله السنوسي. مات معمر القذافي في 20 أكتوبر/تشرين الأول، لكن حتى كتابة هذه السطور لم يكن قد تم القبض على المشتبهين الاثنين الآخرين.

في مواجهة قمع الحكومة العنيف، سرعان ما تحولت الثورة إلى إلى نزاع مسلح، لا سيما بعد أن سيطرت المعارضة على أسلحة في مخازن سلاح عسكرية هجرها الجيش في شرق ليبيا. في 17 مارس/آذار مع اقتراب قوات القذافي العسكرية من بنغازي، معقل المعارضة الهام، أصدر مجلس الأمن قرار 1973، بفرض منطقة حظر طيران على ليبيا، مع التصريح باستخدام "كل السبل الضرورية" – باستثناء تواجد قوة احتلال – لحماية المدنيين. أدى هذا إلى إنشاء وحدة عمليات الناتو الموحدة للحماية، وتتمثل ولايتها في حمياة المدنيين، مما منع قوات القذافي من استعادة بنغازي وشرق ليبيا. توسعت بعثة الناتو مع الوقت فتجاوزت ولايتها، فأعطت الدعم للقوات المعارضة للقذافي. وفرت فرنسا وقطر والإمارات وربما حكومات أخرى، أسلحة وتدريب لمقاتلي المعارضة. قالت قطر فيما بعد إنها نشرت المئات من قواتها على الأرض.

النزاع المسلح

منذ فبراير/شباط وحتى أغسطس/آب – مع سقوط طرابلس – اعتقلت قوات القذافي الآلاف – وربما عشرات الآلاف – من الأفراد من مختلف أنحاء ليبيا، منهم متظاهرين معارضين للحكومة، وأفراد يُشتبه في انتقادهم للحكومة، وأفراد يُزعم أنهم وفروا معلومات لوسائل الإعلام الدولية ومنظمات حقوق الإنسان. الكثير من المعتقلين كانوا مقاتلين، لكن هناك آخرين كانوا مدنيين، منهم أطباء وصحفيين وأفراد قُبض عليهم في مناطق شهدت قتالاً. لم توفر حكومة القذافي أي معلومات عن كيف تم اعتقال الأفراد أو أماكن احتجازهم أو الاتهامات المنسوبة إليهم. المحتجزون الذين تم الإفراج عنهم من الاحتجاز الحكومي أثناء وبعد النزاع أفادوا بالتعرض كثيراً للتعذيب، وشمل ذلك الضرب بعصي خشبية وأنابيب بلاستيكية، والصعق بالكهرباء. بعض السجناء على ما يبدو ماتوا رهن الاحتجاز بسبب الإساءات أو بسبب نقص الرعاية الطبية.

أثناء القتال، تكرر شن القوات الحكومية لهجمات عشوائية بقذائف الهاون وصواريخ الغراد على مناطق مأهولة بالمدنيين، لا سيما في مصراتة وبلدات الجبل الغربي. مدينة مصراتة الساحلية تعرضت لحصار دام شهرين وشهدت على مدار هذه الفترة هجمات شبه يومية اسفرت عن مقتل الكثير من المدنيين، ومنعت عنها المساعدات الإنسانية لفترة. تأكدت هيومن رايتس ووتش من استخدام الحكومة الليبية في مصراتة لذخائر عنقودية في قذائف هاون في مناطق سكنية، وألغام مضادة للمركبات مُركبة في صواريخ غراد.

زرعت الحكومة الآلاف – وربما عشرات الآلاف – من الألغام المضادة للأفراد والمركبات في مختلف أنحاء ليبيا، بما في ذلك أجدابيا والبريقة ومصراتة والجبل الغربي. تأكدت هيومن رايتس ووتش من استخدام خمسة أنواع من الألغام في ستة مواقع منفصلة، حيث يُرجح أن يستمر خطر هذه الألغام على المدنيين لسنوات. يبدو أن اللغم الأكثر استخداماً كان اللغم البرازيلي المضاد للأفراد طراز تي – أيه بي – 1، ويُصعب محتواه المعدني القليل من القدرة على اكتشافه وإزالته.

وثقت هيومن رايتس ووتش 10 حالات يشتبه في كونها اغتصاب جماعي واعتداء جنسي على رجال ونساء، من قبل قوات القذافي أثناء النزاع، بما في ذلك محتجزين. ما زال معدل العنف الجنسي أثناء النزاع غير واضح، بسبب الوصم بالعار المحيط بالاغتصاب في ليبيا وبسبب المخاطر التي تتهدد الضحية في حال الإعلان عما تعرض له.

أثناء النزاع، لا سيما قبل سقوط طرابلس مباشرة، أعدمت قوات القذافي بعض السجناء. يبدو أن عناصر كتيبة خميس، وهي قوة عسكرية قوية تحت إشراف خميس القذافي، أعدمت 45 محتجزاً على الأقل في مخزن بطرابلس في أغسطس/آب. تم استخراج 34 جثماناً من مقبرة جماعية قرب بلدة قوالش في غربي ليبيا في أغسطس/آب يبدو أنها جثامين رجال احتجزتهم قوات القذافي في مطلع يونيو/حزيران. وفي سبتمبر/أيلول تم اكتشاف جثث 18 محتجزاً ماتوا اختناقاً عندما قامت قوات القذافي في يونيو/حزيران في الخمس غربي ليبيا بدفنهم. وفي مايو/أيار يبدو أن قوات الأمن أعدمت 10 متظاهرين معارضين للحكومة في بني وليد.

حتى كتابة هذه السطور كانت ليبيا ما زالت تواجه مشكلات المفقودين أثناء النزاع. عدد المفقودين والقتلى ما زال غير واضحاً. ويستمر اكتشاف المقابر الجماعية، لكن بسبب نقص خبراء الطب الشرعي تفاقمت مشكلة التعرف على الجثث.

وربما ارتكبت قوات المعارضة انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني أثناء النزاع المسلح. أوضح حالة موثقة كانت في أكتوبر/تشرين الأول عندما قامت ميليشيات من مصراتة على ما يبدو بإعدام 53 من مؤيدي القذافي في سرت.

وفي مناطق شرق ليبيا الخاضعة للمجلس الانتقالي منذ أواخر فبراير/شباط ومطلع مارس/آذار، قامت جماعات مسلحة تطوعية باعتقال مشتبهين بالولاء للقذافي تعسفاً. أدى هذا إلى انتهاكات جسيمة، شملت التعذيب. وثقت هيومن رايتس ووتش وفاة أثناء الاحتجاز على يد جماعة أمنية محلية في البيضاء، وسمعت بتقارير موثوقة عن وفيات أخرى من هذا النوع. هناك 10 على الأقل من مسؤولي أمن القذافي عُثر عليهم قتلى في بنغازي ودرنة فيما يبدو أنه عمليات قتل انتقامية.

عندما انسحبت حكومة القذافي من الشرق، تعرض عشرات الآلاف من الأفارقة جنوبي الصحراء ممن يعملون في ليبيا لتهديدات العنف والاعتقال التعسفي، مما اضطر الآلاف منهم إلى الفرار. هؤلاء المهاجرون، بالإضافة إلى الليبيين داكني البشرة، اتُهموا بشكل موسع دون أدلة ظاهرة أنهم قاتلوا في صفوف القذافي كمرتزقة، وإن كان قد جاء إلى ليبيا مرتزقة من بعض الدول للقتال.

وفي يوليو/تموز قُتل قائد قوات المعارضة، اللواء عبد الفتاح يونس، مع اثنين من مساعديه في حادث مبهم. ورغم الوعود، يبدو أن السلطات لم تجر تحقيقاً مستقلاً في الحادث.

وفي الجبل الغربي، اشتبكت قوات المعارضة في هجمات انتقامية على بعض البلدات التي دخلتها، وشملت الهجمات أعمال نهب وإحراق وبعض العنف البدني.

ومع تولي قوات المجلس الانتقالي لمقاليد الأمور في غربي ليبيا في أواخر أغسطس/آب، اعتقلت الميليشيات المحلية تعسفاً المئات – إن لم يكن الآلاف – من الأفارقة من جنوب الصحراء، وليبيين داكني البشرة من الجنوب، مع اتهامهم بالعمل كمرتزقة للقذافي. وفي بعض الحالات عرضت الميليشيات هؤلاء المحتجزين للإساءات البدنية والعمل الجبري أثناء الاحتجاز. التمس آلاف المهاجرين الأفارقة اللجوء في مخيمات أعدت على عجل، أوضاعها المعيشية صعبة ويغيب عنها الأمن.

تبين أن أوضاع السجون في غرب ليبيا بعد القذافي أقل من المفترض أن تكون عليه، مع ازدحام مراكز الاحتجاز بالنزلاء وعدم كفاية الطعام والمياه، وتقارير كثيرة عن الإساءات، وتشمل أعمال الضرب واستخدام الصعق بالكهرباء أحياناً. أخفق المجلس الانتقالي في إمداد أغلب المحتجزين بالمراجعات القضائية اللازمة لاحتجازهم، دعك من توفير محامين لهم.

من المشكلات الأساسية كثرة أعداد قوات الأمن المحلية في طرابلس والمدن والبلدات الأخرى، والكثير من هذه القوات لديها مراكز الاحتجاز الخاصة بها. حتى كتابة هذه السطور كان المجلس الانتقالي يجاهد من أجل ضم هذه القوات الكثيرة تحت لواء قيادة مدنية موحدة.

كذلك زادت الهجمات الانتقامية ضد الأفراد المتصور أنهم كانوا يناصرون القذافي، في شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول. قامت ميليشيات من مصراتة تحديداً بمنع 30 ألف شخص من العودة إلى ديارهم في تاورغاء، وهي بلدة قريبة من مصراتة، بعد اتهامهم بأنهم ارتكبوا أعمالاً وحشية في مصراتة مع قوات القذافي. تعرض النازحين عن تاورغاء للاعتقال التعسفي والتعذيب رهن الاحتجاز، وفي بعض الحالات أدى ذلك إلى الوفاة. كذلك ظهرت تقارير عن تعرض أفراد قبيلة مشيشية في الجبل الغربي – المتهمة بموالاة القذافي – للمضايقات والهجمات الانتقامية.

في 20 أكتوبر/تشرين الأول، بعد أسابيع من القتال الضاري في سرت، قبضت قوات المجلس الانتقالي على معمر القذافي ونجله المعتصم. يظهر من مقاطع الفيديو للواقعة أنه قد تم إعدامهما بعد القبض عليهما. قال المجلس الانتقالي إنه سيشكل لجنة للتحقيق في تلك الوفيات.

بعد ثلاثة أيام من وفاة القذافي، عثرت هيومن رايتس ووتش على 53 جثماناً لأشخاص يبدو أنهم من مناصري القذافي قريباً من فندق مهاري في سرت، حيث أقامت قوات معارضة من مصراتة. بعض الضحايا كانت أيديهم مربوطة وراء ظهورهم، ويبدو أنهم جميعاً قد قُتلوا في ذلك المكان. قال المجلس الانتقالي إنه سيحقق.

ورغم الوعود، أخفق المجلس الانتقالي حتى أكتوبر/تشرين الأول في تأمين بعض مخازن الأسلحة والذخيرة التي هجرتها قوات القذافي. هذه المخازن تشمل صواريخ سام أرض جو وكميات كبيرة من الأسلحة التفجيرية. الكثير من هذه المواقع تعرضت للنهب من قبل مدنيين وجماعات مسلحة.

رد المجلس الانتقالي بشكل إيجابي على بعض طلبات منظمات حقوق الإنسان أثناء النزاع وبعده، إذ منح على سبيل المثال لـ هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى حق الدخول إلى مراكز الاحتجاز الخاصة بالمجلس بلا قيد أو شرط. ووعد المجلس الانتقالي الليبي علناً باحترام قوانين الحرب والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وتكررت إدانة القادة السياسيين للهجمات الانتقامية. وفي 28 أبريل/نيسان تعهد المجلس الانتقالي رسمياً بعدم استخدام الألغام المضادة للأفراد والمركبات، ووعد بتدمير جميع الألغام تحت سيطرة قواته. وفي الوقت نفسه، قال قادة بالمجلس الانتقالي إن سيطرتهم محدودة على الكثير من الميليشيات المحلية والكتائب التي ارتكبت انتهاكات أثناء النزاع وبعده.

شنت قوات الناتو بقيادة فرنسا وبريطانيا – بمساعدة من الولايات المتحدة – آلاف الغارات الجوية على أهداف حكومية أثناء النزاع، وبعضها أسفرت عن مقتل مدنيين. بناء على تحقيق جزئي لـ هيومن رايتس ووتش، يبدو أن عدد القتلى المدنيين أقل بكثير مما زعمت حكومة القذافي، لكنه أعلى من العدد الذي أقر به حلف الناتو.

وفي مطلع أغسطس/آب حققت هيومن رايتس ووتش في أربع مواقع تسيطر عليها قوات القذافي غربي ليبيا، ويبدو أن 50 شخصاً قد ماتوا فيها، وبعضهم يبدو بوضوح أنهم مدنيين. ولم يكن من الممكن في تلك الظروف تحديد إن كان أي من المدنيين القتلى في هذه الأماكن قد قُتلوا بسبب هجمات غير قانونية للناتو. أخفق الناتو في توفير معلومات تفصيلية عن هذه الأسباب وأسباب وقوع خسائر في صفوف المدنيين. كما تم اتهام قوات الناتو بالإخفاق في إنقاذ المهاجرين الأفارقة من البحر أثناء هروبهم من النزاع، مما أدى في إحدى الوقائع إلى وفاة 63 شخصاً.

الأطراف الدولية الرئيسية

الكثير من الدول لعبت دوراً هاماً في ليبيا في عام 2011، لا سيما تلك التي شاركت في حملة الناتو. وفرت قطر والإمارات دعماً هاماً لمعارضة القذافي، ثم لبعض الجماعات التي ظهرت بعد سقوط القذافي. جميع تلك البلدان ومعها الاتحاد الأوروبي، من مصلحتها أن تحترم الحكومات الليبية في المستقبل حقوق الإنسان وسيادة القانون. هناك بعثة من الأمم المتحدة مُكلفة بالمساعدة في العملية الانتقالية في ليبيا، لا سيما إجراء انتخابات ديمقراطية وتوفير عدالة انتقالية.

يواجه قادة ليبيا الجدد تحد هائل: بناء دولة تستند إلى سيادة القانون بعد 42 عاماً من حُكم أسرة واحدة، مع منع الهجمات الانتقامية في الوقت نفسه، وضمان المحاسبة على انتهاكات جميع أطراف النزاع، وتعزيز خطط المصالحة. جميع هذه العمليات سوف تستغرق وقتاً وسوف تتطلب مساعدات خارجية. لكن أحداث 2011 منحت الليبيين فرصة البدء في هذه العملية الشاقة.