”كل هذا بسبب سيجارة حشيش“

قانون المخدرات التونسي القمعي وخارطة طريق لإصلاحه

ظُهر الصورة لافتة رفعت في مظاهرة ضد القانون رقم 52 ، المتعلق بالمخدرات، في 28 ديسمبر/كانون الأول 2015 أمام مقر البرلمان التونسي في باردو. ©Nawat.

مُلخص

منذ ربع قرن تقريبا، فرضت قوانين المخدرات في تونس عقوبات سجنية مطولة على جرائم المخدرات، ما أدى إلى ارتفاع عدد مرتكبي الجرائم الخفيفة في السجون التونسية. أحكام السجن المطولة قاسية وغير متناسبة ولها نتائج عكسية على الاشخاص الذين يمسكون او يستهلكون مادة مخدرة للاستهلاك الشخصي. الأشخاص المدانون باستهلاك أو حيازة المخدرات يغادرون السجن بسجل جنائي كثيرا ما يمنعهم من الحصول على عمل، ويجعلهم عرضة للتمييز الاجتماعي ومضايقات الشرطة.

القانون عدد 52ـ92 المتعلق بالمخدرات (القانون 52)، الذي تم تبنيه في 1992، يُلزم المحاكم بفرض عقوبة الزامية بالسجن لمدة لا تقل عن سنة على كل من يُدان باستخدام أو حيازة مخدر غير قانوني، بما يشمل القنب الهندي (ماريجوانا) او الحشيش. كما يفرض عقوبة بالسجن 5 سنوات على من يعاود ذات الجريمة. في كلتا الحالتين، لا يتمتع القضاة بسلطة تقديرية تسمح لهم بتخفيف العقوبة على ضوء ظروف التخفيف. حتى في القضايا المتعلقة بحيازة قطعة صغيرة واحدة، لا يستطيع القضاة فرض عقوبات بديلة، مثل الخدمات الاجتماعية وغيرها من العقوبات الإدارية.

حتى ديسمبر/كانون الأول 2015 بلغ عدد الأشخاص الذين حوكموا بجرائم تتعلق بالمخدرات القابعين في السجون التونسية 7451 شخصا، منهم 7306 رجلا و145 امرأة، بحسب الإدارة العامة للسجون والإصلاح التابعة لوزارة العدل. أدين حوالي 70 بالمائة من هؤلاء ـ 5200 شخصا تقريبا ـ باستهلاك أو حيازة مادة القنب الهندي او الحشيش، المعروفة في تونس بـ "الزطلة". 28 بالمائة من مجموع عدد السجناء في تونس مدانون في جرائم مخدرات.

وثّقت هيومن رايتس ووتش ما ينتج عن انفاذ القوانين الجنائية المتعلقة بالمخدرات في تونس من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. قابلت هيومن رايتس ووتش 47 شخصا في عدة أماكن في تونس، منهم شباب يعيشون في أحياء للطبقات العاملة وطلاب وفنانون ومدونون. أبرزت المقابلات أن تنفيذ سياسات تونس المتعلقة بالمخدرات يكون مصحوبا بانتهاكات من قبيل الضرب أثناء الاعتقال والاستجواب، والتهديد والمعاملة الخشنة والمهينة من قبل الشرطة، وسوء المعاملة أثناء اختبارات البول، وتفتيش المنازل دون إذن قضائي.

بعد أن يُدان شخص ما بموجب القانون 52 ويُرسل إلى السجن، تبدأ محنة من نوع آخر. تحدث مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في تقريره الأخير حول تونس، عن اكتظاظ كبير في السجون التونسية، وقدّر أن بعض السجون كانت تعمل بطاقة 150 بالمائة. ولذلك، يجد الشخص المدان باستهلاك جزء صغير من مادة الزطلة نفسه في زنزانة مكتظة مع سجناء مدانين بجرائم خطيرة.

تُستنفذ موارد أمنية وقضائية قيّمة للنظر في قضايا آلاف المعتقلين بسبب حيازة القنب الهندي كل سنة ـ وهي موارد يُمكن تخصيصها للتعامل مع جرائم أكثر خطورة.

ما يزيد من الجانب القمعي لقانون المخدرات هو الانتهاكات التي كثيرا ما تصاحب الاعتقالات بصفة عامة. تعطي "مجلة الإجراءات الجزائية" في تونس للشرطة سلطة تقديرية كبيرة لاعتقال الأشخاص دون وجود شُبهة معقولة لارتكابهم عملا غير قانوني. وبعد احتجازهم، لا يحق للمشتبه بهم الاتصال بمحام أثناء فترة الاحتفاظ التي يمكن ان تصل الي ستة ايام، قبل أن يُعرضوا على قاض. أثناء هذه الفترة، يكون المحتجزون معرضين بشكل كبير إلى سوء المعاملة من قبل أعوان إنفاذ القانون لأنه لا يُسمح لهم بزيارات من العائلة أو محام، بما يشمل فترة الاستجواب من قبل الشرطة.

منذ أشهر، تصاعدت دعوات منظمات المجتمع المدني ونشطاء حقوق الإنسان لمراجعة القانون 52. أثناء حملات الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 2014، قال الباجي قايد السبسي، المرشح الذي فاز بعد ذلك في الانتخابات، إنه يفضل إلغاء عقوبات السجن في حالات ارتكاب الجريمة للمرة الأولى. وفي 30 ديسمبر/كانون الأول 2015، وافقت الحكومة على مشروع قانون جديد يتعلق بالمخدرات. عند كتابة هذا التقرير، لم يبدا البرلمان بعد في مناقشة مشروع القانون والتصويت عليه.

ترحب هيومن رايتس ووتش بإلغاء عقوبة السجن في القضايا المتعلقة باستهلاك أو حيازة المخدرات للمرة الأولى والثانية في مشروع القانون، وإلغاء العقوبات الإلزامية في حق العائدين، ومنح السلطة التقديرية للقاضي بفرض عقوبات أقل قسوة من السجن. كما ترحب بتركيز مشروع القانون على خدمات العلاج.

رغم هذا التحسن، مازال القانون ينطوي على بواعث قلق.

يحافظ مشروع القانون على عقوبة السجن لمدة سنة لمن يعاود استهلاك أو حيازة مادة مخدرة ممنوعة، ولذلك فهو يتجاهل الدعوات من الخبراء الدوليين في حقوق الإنسان والصحة، التي تحث الدول على إلغاء عقوبات السجن في جميع القضايا المتعلقة باستهلاك وحيازة المخدرات للاستهلاك الشخصي.

للحكومات مصلحة مشروعة في التصدي للأضرار الاجتماعية التي تسببها المخدرات، ولكن تجريم تعاطي المخدرات في حد ذاته يتعارض مع حق الشخص في الخصوصية، والمفاهيم الأساسية التي تقوم عليها استقلالية الفرد في جميع الحقوق.

قرار تعاطي المخدرات، مثل قرار استهلاك الكحول أو الدخان، مسألة اختيار شخصي وممارسة لجانب من جوانب الحق في الخصوصية المكفول في القانون الدولي، وهو جزء لا يتجزأ من احترام الاستقلالية الشخصية. يُمكن تقييد الاستقلالية الشخصية والحق في الخصوصية، ولكن القيود تكون مبررة فقط عندما تستجيب لمعايير المشروعية والتناسب والضرورة وعدم التمييز. تستوجب معايير التناسب والضرورة من الحكومات النظر في الوسائل المتاحة لتحقيق نفس الهدف بفرض أقل قيود ممكنة، أو أقل تدخل في ممارسة الفرد لحقوقه.

تعتقد هيومن رايتس ووتش أن الحجج المستخدمة في تجريم تعاطي المخدرات أو حيازتها للاستهلاك الشخصي نادرا ما تستجيب لهذه المعايير، أو ربما لا تستجيب لها أبدا. الاعتقال والسجن والسجل الجنائي، مع احتمال وجود نتائج ربما تصاحب الشخص مدى الحياة، هي ردود فعل غير متناسبة من قبل الحكومة تجاه شخص لم يفعل أي شيء سوى أنه استهلك مخدرات بغرض الترفيه.

يتضمن مشروع القانون مواد قد تنتهك الحق في حرية التعبير والخصوصية. يُضيف المشروع عقوبة جديدة تتمثل في "التحريض العلني على ارتكاب جرائم متعلقة بالمخدرات"، التي يُمكن أن تنجر عنها نصف عقوبة الجريمة الأصلية. هذه المادة الجديدة، بهذه الصياغة، يُمكن أن تُستخدم لملاحقة أعضاء منظمات المجتمع المدني المدافعين عن عدم تجريم المخدرات، ومغنيي الراب والفنانين الذين يغنّون عن المخدرات، والمنظمات التي تقدم خدمات تهدف إلى تقليص مخاطر المخدرات، وغيرهم ممن يعبرون عن أنفسهم بشكل سلمي في ما يتعلق بالمخدرات. كما وسع مشروع القانون بشكل كبير من إجراءات التحقيق الخاصة المتاحة للشرطة عند تنفيذ عمليات لمكافحة المخدرات، مثل المراقبة والتنصت على الهواتف واعتراض الاتصالات.

التوصيات

للبرلمان

  • تعديل القانون 52 بإلغاء العقوبات الجنائية بسبب تعاطي أو حيازة مخدرات ترفيهية للاستهلاك الشخصي لمن يفعل ذلك للمرة الأولى أو من يعاودها على حد سواء.
  • في مشروع القانون المتعلق بإصلاح القانون 52، يجب التأكيد على أن جريمة التحريض العلني على ارتكاب جرائم تتعلق بالمخدرات لا تجرم النقاشات المتعلقة بالسياسة العامة للدولة في هذا المجال.
  • مراجعة مشروع القانون بالتأكيد على أن آليات التحقيق الخاصة، مثل المراقبة واعتراض الاتصالات، تستخدم فقط كإجراءات استثنائية لاستهداف من يُشتبه فيهم بتجارة المخدرات بشكل عام وليس مجرد المستهلكين.
  • مراجعة مشروع القانون بالتأكيد على أن تكون جلسات الاستماع للمشتبه بهم في جرائم مخدرات علنية، وأن يحق للقاضي إجراء جلسات مغلقة أو مقيدة فقط في الظروف الاستثنائية، التي تستوجب حماية إجراءات المحكمة والضحايا والشهود لوجود خطر قد ينجم عن الجلسات العلنية. يجب أن تكون القيود التي تفرض على الجلسات فقط للفترة الزمنية الضرورية، وألا تكون على حساب حق المتهمين في الاستماع إلى الشهود والاعتراض على الأدلة المقدمة ضدهم.
  • يجب أن يؤكد مشروع القانون أن الشهادات مجهولة الهوية غير مسموح بها إلا في الظروف الاستثنائية جدا، على ألا تكون الأساس الوحيد أو الحاسم في الإدانة.
  • التأكيد في التشريع الجديد على أن مجلس الرعاية الصحية لمستهلكي المخدرات يستطيع أن يأمر المتهمين بحيازة أو استهلاك المخدرات بحضور عدد من الاجتماعات مع أحد مزودي خدمات معالجة الإدمان على المخدرات، على أن تكون الغاية من ذلك التأكد من إطلاع الشخص على خدمات البرنامج التي تساعده على التغلب على الإدمان، والتأكد مما إذا كان يرغب في الاستفادة منها. لا يُمكن للمجلس أن يُجبر الشخص على الخضوع لعلاج إزالة الإدمان.
  • يجب التأكد من أن القانون المتعلق بالمخدرات لا يمنع تقديم النُصح أو المعلومات أو التوجيهات الخاصة بممارسات الاستهلاك التي تكون أكثر أمنا من قبل العاملين في مجال التوعية، ولا يمنع بيع الحقن أو التزود بها، وغيرها من المواد ذات الصلة التي يقدمها العاملون في مجال التوعية.
  • اقتراح تعديل مجلة الإجراءات الجزائية بالتأكيد على ضرورة وجود شبهة معقولة بارتكاب عمل جنائي حتى يتمكن عون الشرطة من اعتقال شخص ما.
  • تعديل مجلة الإجراءات الجزائية لضمان حق الاتصال بمحام منذ لحظة الاعتقال في جميع القضايا، وضمان الاسراع بعرض المشتبه بهم على قاض، في فترة لا تتجاوز عادة 48 ساعة. يجب أن يكون كل تأخير استثنائيا وله أسباب تبرره.
  • إلغاء العقوبات المتعلقة برفض الخضوع لاختبار تحليل البول من مشروع القانون.
  • التأكيد في مشروع القانون على أن يكون اختبار البول طوعيا فقط، وأنه يُحظر استخدام أي أدلة انتزعت بالإكراه، وأن الإكراه يشمل إعلام المشتبه بهم بأن هذا الاختبار إجباري.
  • فرض عقوبات على أعوان إنفاذ القانون الذين يُكرهون الناس على هذا الاختبار.
  • ضمان أن مركز الرعاية الصحية لمدمني المخدرات فيه خبير قانوني، وخبراء آخرون، مثل مهنيين طبيين، وأطباء نفس، وعاملين في مجال الخدمات الاجتماعية، وغيرهم من الخبراء الضروريين في مجال مكافحة الإدمان على المخدرات. كما يجب أن يكون في المركز مستهلكو مخدرات حاليون أو سابقون.

لوزارة الداخلية ووزارة العدل

  • اتخاذ الإجراءات التأديبية المناسبة في حق قوات الأمن العام والأعوان المسؤولين عن سوء معاملة المشتبه بهم في جرائم تتعلق بالمخدرات أثناء الاعتقال والاحتجاز.
  • ضمان فتح تحقيق سريع وشامل ومحايد وإجراء الملاحقات القضائية المناسبة في حق المسؤولين عن انتهاكات خطيرة ارتكبت اثناء اعتقالات تتعلق بجرائم مخدرات، بما يشمل الاحتجاز التعسفي والتعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة، وإجبار المشتبه بهم على إجراء اختبارات البول.

لوزارة الصحة

  • توسيع فرص الحصول على علاج طوعي في المجتمعات المحلية مع التأكد من أنه مناسب طبيا، ويستجيب للمعايير الدولية.
  • توسيع فرص حصول الأطفال على علاج طوعي متوفر في المجتمعات المحلية مع التأكد من أن هذه الخدمة تراعي السن، ومناسبة وفيها عناصر تعليمية.
  • توسيع فرص الحصول على علاج طوعي متوفر في المجتمعات المحلية ضد الإدمان يستجيب للحاجات الخاصة للنساء والفتيات اللاتي يتعاطين المخدرات.

منهجية البحث

في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2015، قابلت هيومن رايتس ووتش 47 شخصا احتُجزوا بسبب حيازة أو استهلاك مادة الزطلة. كما أمضى أغلبهم عقوبات بالسجن بالتهم نفسها. بعد الاعتقال، احتُجزوا جميعا لدى الشرطة لفترات تراوحت بين 3 و6 أيام. بعض المقابلات جرت على انفراد وبشكل سري، وبعضها الآخر مع مجموعات من الأشخاص. تراوحت أعمار أغلب الذين أجريت معهم مقابلات بين 17 و30 سنة، ومنهم مدونون وفنانون وطلبة وشباب من سكان أحياء الطبقات الكادحة، مثل حي الخضراء ودوار هيشر في تونس العاصمة، وحي الزهور وحي النور في القصرين.

حددت هيومن رايتس ووتش الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات لهذا التقرير عبر شبكتها الواسعة التي تضم نشطاء، وعبر جمعية "إنترناشونال آليرت"، التي أعدت دراسة حول الشباب والتهميش في تونس في العام 2013. عبّر جميع المشاركين بشكل شفوي عن موافقتهم على المقابلات، وقد أعلموا بالهدف منها، وبأنها طوعية، وبالطريقة المعتمدة في جمع المعطيات واستخدامها. اختارت هيومن رايتس ووتش عدم الكشف عن أسماء أغلب الذين أجريت معهم مقابلات في هذا التقرير لحمايتهم من الانتقام، وحماية خصوصيتهم. في الحالات التي يكون فيها الشخص معروفا جدا، استخدمنا أسماء حقيقية.

كما راجعت هيومن رايتس ووتش ملفات قضايا تتعلق بالمخدرات، بما يشمل محاضر الشرطة وقرارات المحاكم. هذه الوثائق تسلط الضوء على ممارسات الشرطة أثناء التحقيق في هذه القضايا.

خلفية

يفرض قانون المخدرات في تونس عقوبة إلزامية بالسجن حتى على من يرتكب جرائم لأول مرة تتعلق بحيازة أو استهلاك مواد مخدرة غير قانونية، مثل القنب الهندي او الحشيش. يتبنى القانون المتعلق بالمخدرات (المعروف غالبا بالقانون 52)، الذي تم تبنيه في 1992، مقاربة في معظمها قمعية لجرائم المخدرات.[1] ينص هذا القانون على عقوبة بالسجن لفترة تتراوح بين سنة واحدة و5 سنوات، وغرامة مالية بين 1000 و3000 دينار (بين 562 و1686 دولار أمريكي) في حق كل من يُدان باستهلاك أو حيازة أي نوع من انواع المخدرات المحظورة. أما الإدانة الثانية بنفس الجريمة فيفرض عليها هذا القانون عقوبة الزامية بالسجن لمدة 5 سنوات. حتى في الحالات التي تتوفر فيها ظروف تخفيف، يجرّد الفصل 12 من القانون القاضي من سلطته التقديرية ولا يسمح له بفرض عقوبات دون المستوى الأدنى للفترات المنصوص عليها في القانون.[2] هذا الفصل استثناء لما ينص عليه الفصل 53 من المجلة الجزائية الذي يسمح للقضاة "إذا اقتضت ظروف الفعل الواقع لأجله التتبع ظهور ما يحمل على تخفيف العقاب... بحط العقاب إلى ما دون أدناه القانوني".

حتى منتصف ديسمبر/كانون الأول 2015، كان يوجد في السجون التونسية 7451 شخصا مدانون بجرائم تتعلق بالمخدرات: 7306 رجلا و145 امرأة. حوالي 70 بالمائة من المسجونين بسبب جرائم مخدرات أدينوا باستهلاك القنب الهندي، المعروفة في تونس بـ "الزطلة".[3] بلغت نسبة مجرمي المخدرات 28 بالمائة من مجموع السجناء، ونسبة المدانين باستهلاك الزطلة 20 بالمائة.[4]

التكلفة المالية والاجتماعية لاعتقال الأشخاص وسجنهم بسبب تعاطي القنب الهندي كبيرة جدا. تُستنفذ موارد أمنية وقضائية كبيرة لاعتقال ومحاكمة وسجن الآلاف بسبب حيازة الزطلة سنويا.

بحسب احصائيات رسمية، تعمل السجون التونسية فوق طاقتها بنسبة 53 بالمائة. تبلغ تكلفة كل سجين 21 دينارا في اليوم (10.20 دولار أمريكي)، ما يعني أن سجن 5200 مستهلك للقنب الهندي لمدة سنة يكلف الدولة حوالي 38 مليون دينار (18 مليون دولار) سنويا.[5]

يمنح القانون 52 القاضي الحق في فرض "مراقبة إدارية" ـ إضافة إلى العقوبات الإلزامية ـ لمدة تصل إلى 10 سنوات، ما يعني إلزام الشخص بالتوقيع في مركز للشرطة بشكل يومي أو منتظم. كما يستطيع القاضي معاقبة مرتكب الجريمة بجعله غير مؤهل للحصول على جواز سفر أو وظيفة في الإدارة العمومية.

القسم الرابع من القانون 52 يتناول الرعاية الصحية والوقاية من استهلاك المخدرات. ينص هذا القسم على أن مستهلك المخدرات لا يواجه المحاكمة إذا سعى بصفة طوعية، قبل أن تكتشف قوات الأمن أمره، إلى الحصول على علاج في مركز حكومي لإعادة التأهيل. ينطبق هذا الاستثناء على مرتكبي الجريمة لأول مرة دون سواهم.

اشتكى معظم الأشخاص الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش في الأحياء العمالية في تونس العاصمة والقصرين من البطالة والتهميش وانعدام الفرص والآفاق لمستقبل أفضل. قال فراس (21 سنة)، وهو عاطل عن العمل: "[التدخين] يساعدني على قتل الوقت. ليس لي شيء آخر أفعله". وقال نعيم (30 سنة)، وهو عامل يومي: "لا يوجد شيء هنا قد يصرف انتباهنا عن الزطلة. كما قال أحمد: "بدأت أدخن لأملأ الفراغ. مستقبلنا مظلم، ولا حلّ لذلك".[6]

في هذا الإطار، يزيد سجن الشباب بسبب تدخين الزطلة من مشاعر التهميش لديهم، كما قالوا لـ هيومن رايتس ووتش.

أثناء حملته للانتخابات الرئاسية في 2014، دافع الباجي قايد السبسي عن تعويض عقوبات السجن لمرتكبي الجريمة لأول مرة بعقوبات بديلة، مثل الغرامات المالية.[7] وبعد الانتخابات التشريعية والرئاسية، شكلت الحكومة لجنة تتكون من ممثلين عن وزارات العدل والصحة والشؤون الاجتماعية لصياغة مشروع قانون جديد يتعلق بالمخدرات. استلمت الحكومة المشروع الذي اعدته اللجنة في سبتمبر/أيلول 2015، وطلبت تعديله. في 30 ديسمبر/كانون الأول تبنت الحكومة النسخة المعدلة. عند كتابة هذا التقرير، لم يبدأ البرلمان بعد في مناقشة مشروع القانون وعرضه علي التصويت.[8]

ممارسات الشرطة التعسفية في التحقيقات المتعلقة بالمخدرات

الإطار القانوني العام للاعتقال والإيقاف

يتفاقم الظلم الناتج عن سجن مستهلكي المخدرات لغاية شخصية بالتجاوزات التي كثيرا ما تصاحب تطبيق الشرطة لقانون المخدرات، وكذلك الانتهاكات وغياب الضمانات القانونية التي كثيرا ما يواجهها الموقوفون، سواء بشبهة المخدرات أو غيرها.[9]

تتمتع قوات الشرطة في تونس بصلاحيات واسعة لايقاف الأشخاص وتفتيشهم بغض النظر عما إذا اشتُبه بارتكابهم عمل جنائي. لا تنص مجلة الإجراءات الجزائية على مستوى أدنى معين من الاشتباه في شخص بارتكاب عمل جنائي حتى يتم تفتيشه واعتقاله. تمنح مجلة الإجراءات الجزائية لأعوان الأمن والشرطة العدلية الحق في احتجاز شخص لمدة 3 أيام، قابلة للتجديد مرة واحدة في الحالات التي "تقتضيها ضرورة البحث".[10] وبالتالي فالقانون التونسي يمنح الشرطة مجالا واسعا لاعتقال أي شخص.[11]

عمليا، هذا يعني أن الشرطة، ومن بعدها السلطة القضائية، لا تحتاج للعثور على مخدرات لدى الأشخاص. يُمكن احتجاز شخص فقط للاشتباه في أنه استهلك مادة مخدرة ثم عرضه على اختبار البول. وإذا كانت النتيجة إيجابية، فهو عادة ما يُعتمد كأساس كاف للإدانة.[12] وهذا يعني أيضا أنه يُمكن اخضاع كل محتجز، لأي سبب كان، مثل شجار في مقهى، إلى اختبار البول.

هذه السلطة التقديرية المطلقة لا تتناسب مع المعايير الدولية الخاصة بالاعتقال. تونس طرف في "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" الذي يحظر الاعتقال والاحتجاز التعسفي. كما تنص "المبادئ والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا" على أن تضمن الدول عدم تعرض أي شخص للاعتقال أو الاحتجاز التعسفي، وأن يكون الاعتقال والاحتجاز والسجن فقط تنفيذا لأذن في الغرض، أو لوجود شبهة معقولة لسبب ممكن.[13] هذا الحظر للاعتقال والاحتجاز التعسفي يعني أن حرمان شخص ما من حريته لأسباب جنائية، حتى وإن نص على ذلك القانون، يجب أن يكون ضروريا ومعقولا ومتوقعا ومتناسبا مع أسباب الاعتقال. وحتى يكون الاعتقال معقولا، يجب أن تقنع الأدلة المتوفرة أي مراقب موضوعي بوجود أسس معقولة للاعتقاد في ارتكاب المشتبه به لجريمة.[14]

بعد وضع الأشخاص رهن الاحتجاز، وعملا بمجلة الاجراءات الجزائية، ليس لهم الحق في زيارات العائلة أو الاتصال بمحام لمدة أيام الاحتجاز الستة الأولى، بما في ذلك أثناء استجوابهم من قبل الشرطة. هذا يعرّض المحتجزين بشكل كبير إلى سوء معاملة أعوان الأمن، وخاصة لإجبارهم على التوقيع على المحاضر، التي يُمنعون أحيانا حتى من قراءتها. استناد إلى عدة أشخاص ممن تقابلت معهم هيومن رايتس ووتش وأمضوا فترات في مراكز الاحتفاظ التونسية، فإن الشرطة عادة ما تستخدم الصفع والشتم والضرب، وغير ذلك من أشكال الإذلال وسوء المعاملة، لإجبار المشتبه بهم على توقيع اعترافات. بعد 6 أيام، على الشرطة عرض المحتجز على قاض ليقرر إما الإفراج عنه أو إرجاعه إلى الاحتجاز.

تبرز قضية عدنان المؤدب وأمين مبروك، عضوي لجنة تنظيم مهرجان قرطاج للسينما (أيام قرطاج السينمائية، أحد أهم مهرجانات السينما في أفريقيا) غياب المعايير المتعلقة بالاعتقال، وكيف يتسبب تطبيق القانون 52 في الانتهاكات. استنادا إلى محاميهما، كان الرجلان في طريقهما إلى المنزل في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، بعد أن حضرا سهرة اختتام المهرجان.[15] ولكن محضر الشرطة، الذي راجعته هيومن رايتس ووتش، ذكر أن الشرطة اعتقلتهما بعد بداية حظر التجوال بقليل، الذي كان قد فُرض في تونس عقب الهجوم القاتل الذي استهدف حافلة للأمن الرئاسي في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2015.[16] كما ذكر التقرير أن الأدلة التي عثرت عليها الشرطة هي علبة لأوراق السجائر في سيارة الرجلين. رفض الرجلان اجراء اختبار البول. ورغم غياب الأدلة، قضت المحكمة بسجنهما لمدة سنة.

بعد هذه القضية، نقل موقع "نواة" عن الناطق باسم وزارة الداخلية قوله: "يُمكن اعتقال أي شخص لعرضه على الاختبار. حتى أوراق السجائر يمكن اعتبارها دليل إدانة. واختبار البول من شأنه تأكيد هذه الإدانة أو نفيها".[17]

اعتقالات واسعة وانتهاكات جسدية

قال الشباب الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش والذين يعيشون في مناطق محرومة اقتصاديا إنهم استُهدفوا بشكل متكرر في عمليات توقيف وتفتيش متعلقة بالمخدرات. كما قال بعض الشباب إن الشرطة أوقفتهم دون سبب واضح، وإن التجمعات التي فيها أكثر من 3 أشخاص كانت تثير اشتباه الشرطة وتدفعها إلى تفتيش اغراضهم الشخصية وجيوبهم وجعلهم ينبطحون أرضا. وإذا عثروا على مخدرات أو مواد متصلة بها، مثل أوراق السجائر، يتم على الأرجح فإن ذلك ينتج عنه الاعتقال، الذي يُتبع بالاستجواب.

تحدث أكثر من 47 شخصا ممن قابلناهم عن التعرض لانتهاكات جسدية، مثل الضرب، واشتكوا جميعا من معاملة الشرطة العنيفة، والإهانات والتهديدات.

على سبيل المثال، قال مالك، الذي كان عمره 19 سنة وهو طالب في المرحلة الثانوية لما اعتقل في 31 ديسمبر/كانون الأول 2014، إن الشرطة قدمت في سيارة بيضاء بينما كان مع أصدقائه في حي دوار هيشر في تونس العاصمة حوالي منتصف الليل. طلبوا منه الاستناد إلى سيارتهم، ولما وجدوا معه الزطلة، وضعوا الأصفاد في يديه. وقال إن أحد الأعوان لكمه على بطنه حتى أسقطه أرضا، ثم ركله على رجليه. اقتادوه واصدقاءه إلى مركز الشرطة في دوار هيشر، وهناك تعرض إلى الضرب مجددا.[18]

أ. م.، الذي كان عمره 19 سنة آنذاك، غادر المدرسة للعمل في مصنع للألمنيوم. في مارس/آذار 2012، حوالي منتصف النهار، التقى بعض أصدقائه في حي الخضراء حيث يعيش في تونس العاصمة. كانوا يدخنون، فأبطأ السير وبدأ يدردش معهم. توقفت 3 سيارات شرطة، وشرع الأعوان في تفتيشهم. ورغم أنهم لم يعثروا على مخدرات لدى أ. م.، إلا أنهم اقتادوه مع أصدقائه إلى مركز الشرطة في حي الخضراء. قال إنه تعرض هناك إلى الضرب، وأجبروه على الاعتراف بأنه استهلك المخدرات، وصفعوه على وجهه وركلوه على رجليه، ثم قدموا له محضرا ليوقع عليه. ولما طلب منهم أن يسمحوا له بقراءته، صفعوه، فوقع دون أن يقرأ.[19]

جوهر (21 سنة) يعمل في متجر للملابس المستعملة في الزهروني، وهو حي للطبقات العاملة في تونس العاصمة. في 10 فبراير/شباط 2014، حوالي الساعة 10 مساء، كان مع أصدقائه يدخنون القنب الهندي في ساحة إحدى المدارس الثانوية في الحي. جاءهم 4 أعوان شرطة في ملابس مدنية، واقتادوهم إلى مركز شرطة في الزهروني. قال إن أحد الأعوان ضربه بهراوة على ساقيه في المركز. ثم اقتادوه إلى الطابق العلوي حيث الشرطة العدلية التي كتبت محضرا وقع عليه جوهر دون أن يقرأه لأنه كان خائفا ولا يقوى على طلب ذلك. وفي وقت لا حق نُقل إلى مركز الاحتجاز في بوشوشة. وبعد يومين، اقتادته الشرطة مجددا إلى الشرطة العدلية في الزهروني لإجراء اختبار البول. ولما حاول جوهر أن يرفض ذلك، اقتاده عون الشرطة إلى المرحاض، وملأ سطلا بالماء، ودلقه عليه، وهدده بإدخال أنبوب في شرجه إن رفض. قال جوهر إنه رضخ للاختبار، وأجراه في نفس اليوم في مستشفى شارل نيكول.[20]

سامية المرسني، عمرها الآن 24 سنة، طالبة في الفنون السمعية البصرية، اعتقلت في 9 فبراير/شباط 2013 على الساعة 2 فجرا، مع أحد أصدقائها، وهو من نفس العمر. كانا عائدين من حانة لما أوقفهم أعوان شرطة بالزي الرسمي على متن دراجة نارية في شارع مارسيليا وسط تونس العاصمة. سألوهما ماذا كانا يفعلان، وما إذا كانا في حالة سكر. ثم حاول أحدهم تفتيش سامية، فرفضت. قالت سامية إنه لوى لها ذراعها بعنف، وأجبرها على الجلوس على ركبتيها، ووضع لها الأصفاد في يديها. ولما فتشها، وجد الشرطي لديها قطعة صغيرة من القنب الهندي. ثم اقتادتها الأعوان وصديقها إلى مركز للشرطة يُعرف بـ "الدائرة السابعة" (Septième) وسط العاصمة. كما قالت إنها تعرضت إلى الإهانة هناك، وصفع أحد الأعوان صديقها على وجهه. الساعة 4 صباحا، نُقل الاثنان إلى مركز الاحتجاز في بوشوشة، وفي اليوم التالي إلى مركز شرطة باب البحر.

اقتادوا صديقي والأصفاد في يديه إلى مكان ما. وبعد نصف ساعة، اقتادوني إلى مكتب في طابق تحت الأرض. وهناك رأيت صديقي جالسا على كرسي، ويداه مشدودتان خلف ظهره، وأعوان الشرطة في ملابس مدنية يحيطون به. كان حافي القدمين، وسرواله مشمر إلى مستوى الركبتين، وكانت توجد بركة من الماء حول رجليه، وكأنهم دلقوا عليه الماء. رأيت شرطيا يُمسك بحزام ويضربه على رجليه وركبتيه.[21]

أمضت سامية 5 أشهر في السجن بتهمة استهلاك المخدرات قبل أن يُطلق سراحها في عفو رئاسي.

نفذت الشرطة ـ في حالة واحدة على الأقل ـ اعتقالا بموجب القانون 52 دون وجود أي أدلة على استهلاك المخدرات، للانتقام من المشتبه به بسبب أنشطة أخرى. اعتقل مراد المحرزي، مصور فيديو، في أغسطس/آب 2013 لما صور شخصا يلقي بيضة على وزير الثقافة. قال المحرزي لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة اقتادته، بعد احتجازه 3 أيام، إلى مستشفى شارل نيكول لإجراء اختبار البول.[22] كما قال إنه يعتقد أنه أمر بإجراء الاختبار انتقاما منه لأنه رفض التوقيع على المحضر القديم للشرطة الذي اتهمه بالمشاركة في القاء البيضة على الوزير. وقال أيضا إن الشرطة أوقفت عديد المتهمين في الفناء الخلفي للمستشفى، وأهانتهم، وطلبت منهم التبول في كؤوس بلاستيكية. وفي 5 سبتمبر/أيلول، أطلق سراح مراد المحرزي على ذمة المحاكمة. وفي يناير/كانون الثاني 2015، برأته المحكمة الابتدائية من تهمة التآمر على موظف عمومي والاعتداء على الأخلاق الحميدة. كانت نتيجة اختبار البول سلبية، ولم توجه له أي تهم بموجب قانون المخدرات.

شهاب الجلاصي (27 سنة)، طالب من تونس العاصمة، اعتقل في فبراير/شباط 2015 من قبل شرطيين أثناء دورية عادية للتثبت من الهوية. قال لـ هيومن رايتس ووتش إن أحد الشرطيين لم يجد لديه أي شيء سوى ورق السجائر، فقال له: "أنت موقوف بسبب حيازة مخدرات. سوف نخضعك لاختبار المخدرات". ثم وضعوه في سيارة الشرطة وضربوه على رأسه ووجه، واقتادوه إلى مركز الشرطة لاستجوابه. وبعد 3 أيام من الاحتجاز، اقتادوه إلى مستشفى شارل نيكول لإجراء اختبار البول. قال شهاب إنه كان خائفا، ولم يتجرأ على الرفض. وفي 17 فبراير/شباط، أطلق سراحه قاضي التحقيق في المحكمة الابتدائية دون أن يوجه له تهما لأن نتيجة الاختبار كانت سلبية.

مساء 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، اقتحم حوالي 15 شرطيا منزل المخرج السينمائي علاء الدين سليم وزوجته يُسرى النفطي، التي كانت حاملا في الشهر الثامن، في مدينة نابل التي تبعد حوالي 50 كلم عن تونس العاصمة. في ذلك اليوم، كان سليم وزوجته يستضيفان صديقيهما الفنانين فخري الغزال وعاطف معطالله.[23] حصلت فرقة مكافحة الإرهاب على إذن بتفتيش منزل سليم من النيابة العمومية التابعة للمحكمة الابتدائية بنابل. ذكر إذن النيابة، الذي راجعته هيومن رايتس ووتش، إنه "في إطار مراقبة المجموعات المتطرفة في المنطقة لتفادي أعمال إرهابية، وتبعا لمعلومات حصلت عليها الشرطة بوجود أشخاص مشتبه بهم ويحملون علامات تطرف ديني في منزل في حي الوفاء في نابل، نأذن بتفتيش المنزل المذكور وحجز كل المواد التي يمكن أن تفيد التحقيقات".[24] ورغم أن الشرطة علمت أن الأشخاص لم يكونوا إرهابيين، ولم يجدوا القنب الهندي في المنزل، إلا أنها اعتقلت الرجال الثلاثة والسيدة بموجب القانون 52.[25] أمضى الرجال 6 أيام في سجن نابل بينما أفرج عن المرأة في الليلة نفسها.

في 8 ديسمبر/كانون الأول، قضت المحكمة الابتدائية في نابل بسجن الفنانين الثلاثة لمدة سنة بتهمة استهلاك القنب الهندي، ولكن محكمة الاستئناف في نابل برأتهم من تهمة حيازة المخدرات، وأطلقت سراحهم.

سوء المعاملة أثناء اختبارات البول

بما أن قانون المخدرات يمنع حيازتها واستهلاكها، يستطيع الشرطي اعتقال أي شخص حتى وإن لم يجد لديه مخدرات، وإجباره على إجراء اختبار البول لإثبات الاستهلاك.

وفقا لـ غازي مرابط، محام في مدينة تونس مثّل عديد الأشخاص في قضايا مخدرات، يشعر المحتجزون أنهم مجبرون على إجراء الاختبارات رغم أن القانون لا يلزمهم بذلك.[26] تبرز الشهادات التي جمعناها من محتجزين سابقين لهذا التقرير أن أغلبهم يوافقون على إجراء الاختبار إما لأنهم يجهلون أن من حقهم رفض ذلك أو لأن الشرطة تستخدم معهم القوة أو التهديد عندما يرفضونه، وتخلق جوا من المضايقات يشعر فيه المحتجزون أن لا خيار أمامهم سوى الخضوع. قال أحد الأشخاص ممن قابلتهم هيومن رايتس ووتش: "طبعا نحن نخاف من الشرطة. إذا رفضنا اختبار البول، نتعرض للضرب". كما قال آخر إنه لم يبقَ أمامه أي خيار آخر بعد أن تعرض إلى الإهانات والصفعات وغير ذلك من المعاملة المسيئة.[27] قال واحد ممن قابلناهم إن الشرطي قال له: "إن لم تجر الاختبار، سأصفعك إلى أن يُغمى عليك".[28]

إضافة إلى ذلك، لما يرفض محتجز إجراء الاختبار، جرت العادة في الفقه القضائي التونسي أن يُعتبر ذلك دليل إدانة.[29] كما ذكرنا سابقا، حُكم على عدنان المؤدب وأمين مبروك، على سبيل المثال، بالسجن لمدة سنة بتهمة حيازة مخدرات بعد أن رفضا إجراء اختبار البول، رغم أن الشرطة لم تعثر على أي مخدرات لديهم، بل فقط على أوراق سجائر. اعتبر قضاة المحكمة الابتدائية أن رفضهم إجراء اختبار البول دليل إدانة. لكنهما حصلا على تبرئة في جلسة الاستئناف بسبب أخطاء إجرائية.

لا ينص القانون 52 صراحة على اختبار البول. ينص فقط أن على أعوان الشرطة العدلية يطبقون القانون بالتنسيق مع السلطات المختصة الأخرى.

القانون عدد 54 لسنة 2002، المتعلق بالاختبارات الطبية، ينص على أن يُجرى كل تحليل بيولوجي على الأشخاص تحت إشراف طبيب أو مختص في البيولوجيا في أماكن مرخص لها مثل المستشفيات وغيرها من مراكز الصحة العمومية. وفي غياب الطبيب أو المختص في البيولوجيا، يُمكن إجراء الاختبار من قبل تقني يعمل تحت اشراف طبيب الصحة العمومية.[30] وهذا يعني أن اختبارات البول يجب أن يقوم بها موظفون في مجال الطب. ولكن، أغلب من قابلناهم قالوا إن ضباط وأعوان الشرطة هم الذين أشرفوا على جمع عينات البول، دون وجود أي موظف طبي.

قال الـ 47 شخصا الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش الذين اعتقلوا بشبهة استهلاك المخدرات إنهم خضعوا لاختبارات البول، وبعضهم لأكثر من مرة أثناء فترة الاحتجاز السابق للمحاكمة. راجعت هيومن رايتس ووتش محاضر للشرطة من ملفات تحقيق خاصة بقضايا تتعلق بالمخدرات. تبرز المحاضر أن الشرطة، في هذه القضايا، أمرت بإجراء اختبارات البول حتى في الحالات التي عثر فيها على مخدرات لدى الأشخاص، وحتى بعد اعترافهم باستهلاك مخدرات. في إحدى الحالات، عثر على مادة القنب الهندي لدى تونسي يحمل جنسية مزدوجة من قبل أعوان مراقبة الحدود في أحد المطارات، واعترف أنه اشتراها من هولندا وأنه استهلك بعضا منها هناك. رغم اعترافه بذلك ورغم حيازته لها، عُرض هذا الرجل على اختبار البول.[31]

أ. م.، مغني راب (30 سنة)، قال إنه كان راجعا مع صديقته إلى شقتهما في شارع باريس وسط تونس العاصمة في 8 فبراير/شباط 2014، حوالي الساعة 1 فجرا. ولما وصلا إلى المبنى، اقترب منهما شرطيان على متن دراجة نارية وطلبا منهما وثائق الهوية. ولما لاحظ الشرطيان أنهما قد شربا الكحول، اقتاداهما إلى مركز الشرطة في باب البحر. وهناك فتشوا الرجل فوجدوا معه سيجارة "زطلة". كما قال إن عناصر الشرطة صفعوه على وجهه، وركلوه على بطنه، ووضعوا الأصفاد في يديه ثم اقتادوه حوالي الساعة 3 فجرا إلى مركز بوشوشة، حيث احتجز 6 أيام قبل أن توجه إليه تهم. في اليوم الثالث خضع لاختبار البول فكانت النتيجة إيجابية. حكم عليه بالسجن لمدة سنة، قضى منها 8 أشهر قبل أن يطلق سراحه في عفو رئاسي. [32]

ف. ب. (21 سنة)، عاطل عن العمل، قال إن الشرطة اعتقلته في 6 مايو/أيار 2014 عندما كان على متن دراجته النارية مع أحد أصدقائه في القصرين. طلبت منهم الشرطة التوقف ولكنهما لم يفعلا لأن وثائق الدراجة لم تكن سارية المفعول. بعد مطاردة، تمكنت الشرطة من توقيفهما. وبعد تفتيشهما عثرت على سيجارة "زطلة" في جيب صديقه. وضع الأعوان الأصفاد في يديه، وصفعوه على وجهه، ثم اقتادوهما معا إلى مركز الشرطة الرئيسي في القصرين. في رابع أيام الاحتجاز، اقتادوهما لإجراء اختبار البول في مستشفى القصرين. قال ف. ب. إن عونيّ شرطة كانا واقفين إلى جانبه. ولما فشل في البداية في التبول، ضربه أحدهما بأنبوب مطاطي على رأسه.[33] كانت نتيجة الاختبار إيجابية، وحُكم عليه بالسجن لمدة سنة. أمضى 8 أشهر و10 أيام في سجن القصرين ثم أطلق سراحه في عفو رئاسي.

أ. ج. (23 سنة)، عاطل عن العمل، قال إنه اعتُقل في أغسطس/آب 2013 في القصرين. كان يدرس التصميم في نابل، وعاد إلى القصرين بمناسبة العطلة. كما قال إنه ذهب عند منتصف النهار إلى حي الزهور لشراء السجائر، وفي طريق العودة أوقفته الشرطة للتثبت من هويته. ولما فتشوه وجدوا لديه نصف سيجارة فيها القنب الهندي، فاقتادوه إلى المركز الرئيسي في القصرين، وأمضى 5 أيام رهن الاحتجاز. كما قال إنهم لما اقتادوه إلى مستشفى القصرين لإجراء اختبار البول، كان محاطا بثلاثة أعوان. ولما واجه مشكلة في التبول، صبوا على رأسه ماء باردا. كانت نتيجة الاختبار إيجابية، وحُكم عليه بالسجن لمدة سنة. أمضى 8 أشهر و24 يوما في سجن القصرين قبل أن يُفرج عنه في عفو رئاسي.[34]

حمزة (22 سنة) يعمل دليلا ترفيهيا في فندق في جربة. في أغسطس/آب 2013، عاد إلى تونس العاصمة. ظهر 30 أغسطس/آب، ذهب مع أحد أصدقائه إلى مقهى في حي الخضراء. جاء أعوان شرطة في لباس مدني وفتشوا صديقه. ثم فتشوا حمزة ولكنهم لم يعثروا على أي شيء. اقتادوه إلى مركز الشرطة، وحرروا محضرا كتبوا فيه إنهم يشتبهون فيه باستهلاك المخدرات. أخذوه إلى مركز بوشوشة، وفي اليوم التالي عرضوه على اختبار البول فكانت النتيجة إيجابية. حُكم عليه بالسجن سنة وغرامة مالية بألف دينار (486 دولار أمريكي).[35]

تفتيش المنازل تعسفا

ينص الفصل 29 من الدستور على أنه "لا يُمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي". كما ينص القانون 52 على ضرورة حصول الشرطة العدلية على إذن كتابي من النيابة العمومية قبل دخول المنازل الخاصة حيث يُتوقع وجود مخدرات معدة للاستهلاك أو الإنتاج أو النقل أو التهريب، إلا في حالات التلبس.

يُعرف الفصل 33 من مجلة الإجراءات الجزائية "حالة التلبس" بواحدة من الحالات التالية:

  • إذا كانت مباشرة الفعل في الحال أو قريبة من الحال.
  • إذا طارد الجمهور ذا الشبهة صائحا وراءه أو وجد هذا الأخير حاملا لأمتعة أو وجدت به آثار أو علامات تدل على احتمال إدانته، بشرط وقوع ذلك في زمن قريب جدا من زمن وقوع الفعلة.
  • كل جناية اقترفت بمحل سكنى استنجد صاحبه بأحد مأموري الضابطة العدلية (الشرطة العدلية) لمعاينتها.

في عديد الحالات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش، يبدو أن الشرطة فسرت حالة التلبس بشكل واسع جدا، فسمحت لنفسها بدخول المنازل لتفتيشها دون إذن قضائي.

في الـ 20 ملفا التي راجعتها هيومن رايتس ووتش، يوجد ملفان فقط تم فيهما تفتيش المنازل بحثا عن المخدرات تنفيذا لإذن قضائي.

قال عديد الأشخاص لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة فتشت منازلهم دون اظهار إذن التفتيش. على سبيل المثال، في 21 سبتمبر/أيلول 2013، الساعة 4 فجرا، اقتحمت الشرطة منزل نجيب العبيدي في تونس العاصمة، وهو مخرج سينمائي، واعتقلته مع 7 من أصدقائه بشبهة استهلاك المخدرات. قال العبيدي لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة لم تظهر أي إذن قضائي عندما اقتحمت المنزل، ولم تشرح لهم أسباب اعتقالهم. كما قال إن الشرطة صادرت شريط فيديو كان يُعده في إطار فيلم وثائقي حول المهاجرين في تونس. احتجز الرجال والنساء الثمانية في مركز بوشوشة في تونس العاصمة. قضت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة في 28 سبتمبر/أيلول 2013 بسجن 4 منهم بتهمة تعاطي المخدرات، وبرّأت الآخرين (بمن فيهم العبيدي الذي كانت نتيجة اختبار بوله سلبية).

س. ب. (32 سنة)، نادل في مقهى في حي التضامن في تونس العاصمة، اعتقل في منزله في 12 فبراير/شباط 2014. قال إن فرقة مكافحة الجرائم دقت بقوة على بابه حوالي الساعة 2 فجرا، ولما فتح الباب، اقتحم الأعوان المنزل وراحوا يفتشونه. رفضوا إعلامه بالسبب ولم يظهروا إذن تفتيش. كما قال إنهم لم يعثروا على أي شيء ولكنهم مع ذلك قرروا احتجازه وأخيه، فاقتادوهما في سيارة بيضاء من نوع "كيا" تحمل كلمة "شرطة" على جانبها. وقال س. ب.:

في طريقنا إلى مركز الشرطة كنا نسألهم: "ماذا فعلنا؟ لماذا تعتقلوننا؟ ولكن بدون إجابة. ولما لم يجدوا أي شيء يدينوننا به، قرروا اخضاعنا لاختبار تحليل البول.

قال س. ب. إن نتيجة اختباره كانت إيجابية، فقضت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة في 10 مارس/آذار بسجنه لمدة سنة. أمضى 6 أشهر في السجن ثم أطلق سراحه في عفو رئاسي.

التعرض للاجرام ولظروف مزرية في السجن

يسمح القانون للشرطة باحتجاز شخص يُشتبه بارتكابه لجريمة، بما في ذلك استهلاك أو حيازة مخدرات، لمدة 6 أيام علي اقصي تقدير، قبل أن توجه إليه تهم. في هذه الفترة، المحتجزون ليس لهم الحق في الاتصال بمحام، ويواجهون في معظم الأحيان ظروفا قاسية. خلصت هيومن رايتس ووتش، في بحث أجرته في 2013، إلى أن معظم المحتجزين لا يحصلون على طعام كاف، ويحتاجون إلى الماء والصابون والحمامات، ويعانون من الوسخ وقلة الأغطية، ويعيشون في زنزانات مظلمة ومكتظة ومتسخة. وكانت بعض البنايات القديمة تعاني من مشاكل في نظام الصرف الصحي، ما تسبب في تسرب مياه المجاري إلى الخارج.[36]

بعد احتجازه 6 أيام، على الشرطة عرض المشتبه به على قاضي التحقيق أو إطلاق سراحه. وإذا أمر القاضي بحبسه، يُنقل الشخص إلى السجن في انتظار المحاكمة، وإذا أدين يقضي العقوبة هناك.

ينص القانون التونسي المتعلق بالسجون على 3 أنواع من السجون: "سجون الإيقاف" وتأوي الأشخاص الموقوفين تحفظيا، و"سجون التنفيذ" وتأوي الأشخاص الذين حكمت عليهم المحاكم بالسجن، و"السجون شبه المفتوحة" وهي سجون أقل درجة، وتأوي المحتجزين المحكوم عليهم في جنح خفيفة.[37] ينص الفصل 6 من ذات القانون على أن تصنف إدارة السجن السجناء، بمجرد استقبالهم، حسب الجنس والسن ونوع الجريمة والحالة الجنائيةوبحسب ما إذا كانوا مبتدئين أو معاودين. ولكن على أرض الواقع، فإن التفريق الوحيد الذي يبدو أنه مطبق بشكل منتظم هو بين الذكور والإناث وبين الأحداث والراشدين. ذكر تقرير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان حول السجون التونسية، الصادر في أبريل/نيسان 2014، أن سلطات السجون لا تصنف السجناء اعتمادا على نوع الجريمة أو خطورتها أو الوضع القضائي للشخص. كما خلص إلى وجود سجناء ممن ارتكبوا جرائم خطيرة مثل القتل والاغتصاب في نفس الزنزانات مع سجناء ارتكبوا جرائم أقل خطورة، مثل استهلاك أو حيازة مخدرات. كما خلص التقرير إلى أن السجناء يضطرون بصفة عامة إلى النوم بالتناوب على الأسرّة ـ بسبب الاكتظاظ ـ أو تقاسم نفس السرير من قبل سجينين أو 3 في الوقت نفسه. وقال التقرير أيضا إن عديد السجناء ينامون على الأرض لأن ليس لهم أسرّة. يتسبب نقص الأسرّة في احتكاك السجناء ببعضهم البعض، ما ينتج عنه انتشار الأمراض الجلدية.[38]

تحدث 40 شخصا ممن قابلناهم بنفس الطريقة عن تجربتهم في عدة سجون تونسية، وخاصة في أكبر سجن، سجن المرناقية قرب تونس العاصمة، وسجن القصرين. وقالوا جميعا إنهم وضعوا في زنزانات فيها جميع أنواع المجرمين، بما يشمل المدانين بالقتل وتجارة المخدرات والإرهاب.

مالك، على سبيل المثال، أمضى 4 أشهر في سجن المرناقية، وأطلق سراحه في أبريل/نيسان 2015. حدثنا مالك عن محنته في السجن. قال إنه اضطر في البداية إلى النوم في ما يُعرف بـ "الطريق السريعة" (l’autoroute)، وهو الاسم الذي يطلقه السجناء على الرواق بين الأسرة. كما قال إن الزنزانة التي كانت مساحتها 50 مترا مربعا كان فيها حوالي 100 سجين. وأكد أن المخدرات، وخاصة "الزطلة"، كانت متوفرة، ولكن بأسعار أعلى من الخارج، وأن من بين السجناء الآخرين الذين كان يتقاسم معهم نفس الزنزانة إرهابيون ومدانون بجرائم قتل. لما كان في السجن، وُضع مالك في الحبس الانفرادي لمدة 10 أيام كعقاب بسبب عراكه مع سجين آخر. حُبس في "السيلون"، المصطلح الذي يستخدمه السجناء للدلالة على زنزانة صغيرة في طابق تحت الأرض تأوي قرابة 9 أشخاص.[39]

حمزة، الذي اعتقل قبل أن يبلغ 18 عاما، سُجن في البداية في سجن للأحداث لمدة شهرين، ثم نقل إلى سجن المرناقية حيث وضع في زنزانة فيها جميع أنواع المجرمين، منهم من كان مدانا بتجارة المخدرات والقتل.[40]

أ. ج. حُكم عليه بالسجن لمدة سنة لما كان عمره 20 عاما، أمضى منها 8 أشهر و24 يوما في سجن القصرين. قال إنه وجد نفسه في زنزانة فيها جميع أنواع المجرمين.

كان يوجد أشخاص ارتكبوا جرائم قتل، أحدهم في السجن منذ 33 عاما. ويوجد آخرون مدانون بالسرقة، والعديد من الأشخاص بسبب الزطلة. كأن ليس هناك فارق: أن تقتل أو تسرق أو تدخن الزطلة، حياتك ستدمر.[41]

كما قال أ. ج. إن الأفرشة كانت متسخة، والزنزانات مكتظة، حيث كان يوجد أكثر من 50 شخصا في فضاء صغير. وقال أيضا إنه توجد أنواع مختلفة من الأسرة: الأكثر حظا هم الذين ينامون بشكل ثنائي على أسرة الطابق السفلي أو الطابق الأوسط من سرير متعدد الطوابق، بينما ينام الأقل حظا على الطابق العلوي. كما ينام آخرون في "الطريق السريعة"، الرواق الذي يسير فيه السجناء بين الأسرة.

انكسار بعد السجن

قال معظم من قابلتهم هيومن رايتس ووتش، الذين تراوحت أعمارهم بين 17 و30 سنة، إن الفترة التي أمضوها في السجن أفسدت حياتهم بشكل كبير. كان بعظهم طلابا لما اعتقلوا، وخسروا عاما من التعليم. وفقد آخرون وظائفهم بسبب السجن. قال جميع الذين قابلناهم إنه أصبح من شبه المستحيل العثور على عمل جديد لأن أصحاب الأعمال يطلبون منهم السجلات القضائية، أو يرفضونهم بمجرد العلم بسوابقهم في السجن. يعيش العديد ممن قابلناهم في أحياء مهمشة تقل فيها فرص العمل حتى للأشخاص الذين ليست لهم سجل جنائي.

س. ت. (28 سنة)، أمضى 5 أشهر في سجن القصرين في سبتمبر/أيلول 2014. قال إنه غادر السجن "منكسرا". وأضاف: "ينظر الناس إليّ وكأنني مجرم. كل من يُسجن هو مجرم".[42]

قال عديد الأشخاص ممن قابلناهم إن الشرطة استمرت في مضايقتهم بعد خروجهم من السجن، واحتجزتهم بشكل متكرر لمدة ساعات دون أي سند. فبعد أن يصبحوا معروفين لدى الشرطة باستهلاك المخدرات، يتعرضون إلى الاعتقال والتفتيش بشكل منتظم. على سبيل المثال، قال حمزة، الذي أمضى 8 أشهر في السجن في 2013 بتهمة استهلاك مخدرات، إن نفس أعوان الشرطة الذين اعتقلوه في المرة الأولى استمروا في اقتياده إلى مركز الشرطة، واجباره على الانتظار ساعات قبل أن يطلقوا سراحه دون تهم.[43]

يحيى (25 سنة)، اعتُقل في مارس/آذار 2013 في دورية عادية للشرطة. كان عائدا من المدرسة الثانوية إلى منزله في حي الخضراء في تونس العاصمة، الساعة 6 مساء، وكانت سنته الأخيرة في الدراسة. فتشته الشرطة فوجدت لديه أوراق سجائر، فاقتادته إلى مركز حي التضامن. أمضى 5 أيام رهن الاحتجاز، ثم كانت نتيجة اختبار البول إيجابية، فقضت المحكمة بسجنه لمدة سنة. أمضى يحيى 6 أشهر فقط في السجن، ولكنه قال إن الشرطة واصلت توقيفه دون أي سبب واضح. قال إنه كان يتمشى مع صديقته في حي الخضراء، في أكتوبر/تشرين الأول 2014، فاقتربت منهما سيارة للشرطة نزل منها 4 أعوان في الزي الرسمي. قالوا له: "نحن نعرفك مجرما، أنت زطال"، وبدأوا يفتشونه. وبعد ذلك أخذوه إلى مركز حي الخضراء حيث احتجزوه لساعات قبل أن يطلقوا سراحه.

على سبيل المثال، قال مالك إنه لم يكن يشعر بالحماس للعودة إلى المدرسة بعد أن غادر السجن، رغم أنه حُرم من اختبار الباكالوريا. لم يحضر جنازة والدته لأنه منع من ذلك بسبب السجن أيضا. لم ينجح في إيجاد عمل بسبب سجله الجنائي. قال مالك إنه أصبح مروّج مخدرات بعد أن غادر السجن.

لما سجنوني، كنت فقط مستهلكا. أما الآن، فصرت مروّج مخدرات. ليس أمامي أي حل، لم تعد توجد أي خيارات.[44]

مشروع القانون: خطوات غير كافية للحد من الانتهاكات

في 30 ديسمبر/كانون الأول، تبنت الحكومة مشروعا لتنقيح القانون 52.[45] حافظ المشروع على تجريم استهلاك وحيازة المخدرات، ونص على فرض غرامة مالية بقيمة 5 آلاف دينار (2430 دولار أمريكي) على من يرتكب الجريمة لأول وثاني مرة، وخفّض سقف العقوبة القصوى إلى السجن لمدة سنة واحدة لمن يعاود.[46] كما منح مشروع القانون للقضاة سلطة تقديرية للنظر في ظروف التخفيف وفرض عقوبات أخف، بما يشمل العقوبات غير السجنية مثل الخدمات الاجتماعية.

مشروع القانون وسّع بشكل كبير الأحكام المتعلقة بالرعاية الصحية الواردة في القانون الحالي، وأنشأ "لجنة وطنية للتعهد والإحاطة بمستهلكي المخدرات" ستكون تابعة لوزارة الصحة ولها فروع جهوية هي التي تقرر اخضاع المستهلكين للعلاج. ونص مشروع القانون على أن تحدد تركيبة اللجنة الوطنية واللجان الجهوية بقرار حكومي. وفي الحالات التي يتصل فيها المستهلك من تلقاء نفسه للخضوع لعلاج طبي في أحد مراكز الصحة العمومية، فإنه معفى من الملاحقة القضائية. أما في الحالات التي يواجه فيها الشخص ملاحقة قضائية، او صدر ضده حكم بسبب استهلاك مخدرات لأول مرة، فإن القانون يسمح للنيابة العمومية ولقاضي التحقيق أو المحكمة بإحالته، طوعا، إلى العلاج الطبي أو المراقبة في مركز للصحة العمومية. كما ينص القانون على تعليق الملاحقة القضائية أو الحكم الصادر ضدّ الشخص حتى ينتهي العلاج ما لم يُتهم مرة أخرى باستهلاك المخدرات. أما إذا انقطع عن العلاج، فإنه يصير ملاحقا من جديد. وينص مشروع القانون أيضا على ألا توجه أي تهم باستهلاك مخدرات لشخص تقدم من تلقاء نفسه، قبل كشف أمره من قبل الشرطة، إلى اللجنة الجهوية والتزم بالخضوع لعلاج طبي. مشروع القانون لا يفرض أي علاج طبي إلزامي على مستهلكي المخدرات.

فيما يتعلق بالعقوبات البديلة، تنص المجلة الجزائية التونسية على أن القضاة ـ عند فرض عقوبات بالسجن لفترة لا تتجاوز سنة ـ يُمكنهم تحويل العقوبة إلى عمل اجتماعي غير مدفوع الأجر لفترة لا تتجاوز 600 ساعة، بمعدل عمل لمدة ساعتين يوميا على كل يوم سجن في العقوبة الأصلية. ولأن مشروع القانون يسعى إلى تخفيف عقوبة المعاودين لمدة سنة واحدة وإلغاء الأحكام الإلزامية، سيتمكن القضاة من فرض عقوبات بديلة من هذا النوع.

خلافا للقانون الحالي، يتضمن مشروع القانون أحكاما واضحة تنظم اختبارات البول، وينص على أنه "لا يُمكن إخضاع أي شخص لأخذ عينات بيولوجية لاستكشاف مواد مخدرة ما لم يقع ضبطه بحالة تلبس".[47] وإذا ضبط الشخص متلبسا لكنه رفض إجراء الاختبار، فإنه يُواجه عقوبة بالسجن لمدة سنة وغرامة مالية قيمتها 5 آلاف دينار (2430 دولار أمريكي). كما ينص القانون على أن هذا الاختبار يتم فقط بأمر من النيابة العمومية، ويُجريه طبيب أو مساعد له يعملان في مستشفى عمومي، بحضور عون من الشرطة العدلية.[48] ويتعين على الطبيب أو مساعده، وكذلك عون الشرطة العدلية والمتهم بالتوقيع على تقرير اختبار البول. ويُجرّم مشروع القانون أي محاولة يقوم بها أي شخص لتغيير العيّنة المأخوذة من شخص ما بعيّنة من شخص آخر، ويفرض على ذلك عقوبة بالسجن بين 5 و10 سنوات.

كما يفرض مشروع القانون قيودا مشددة على قدرة الشرطة على تفتيش المنازل بحثا عن المخدرات. الفصل 49 ينص على أن أعوان الشرطة لا يستطيعون دخول المنازل وتفتيشها إلا بعد الحصول على إذن كتابي من النيابة العمومية أو من أحد قضاة التحقيق. هذا مختلف عما يوجد في القانون 52 الذي يسمح للشرطة بالتفتيش دون إذن في حالات التلبس. كما أشرنا سابقا، استخدمت الشرطة هذا الاستثناء لدخول المنازل، باستخدام القوة أحيانا، دون إذن تفتيش.

النقاط الرئيسية في مشروع القانون

  • يلغي عقوبة السجن بسبب استهلاك أو حيازة مخدرات للمرة الأولى والثانية ويعوضها بغرامة مالية تصل إلى 5 آلاف دينار (2430 دولار أمريكي).
  • يخفض العقوبة القصوى لمعاودة استهلاك المخدرات من السجن لمدة 5 سنوات إلى سنة واحدة.
  • ينص على تعليق الملاحقة القضائية أو العقوبة الصادرة ضد المستهلك لأول مرة إذا وافق على الخضوع لعلاج طبي.
  • يُلغي عقوبة السجن الإلزامية لمدة سنة ويمنح القضاة سلطة تقديرية لتخفيف العقوبات في ضوء ظروف التخفيف.
  • يسمح للقاضي بهامش من الحرية لفرض عقوبات بديلة، مثل الخدمة الاجتماعية.
  • يضيف جريمة التحريض على ارتكاب جرائم متعلقة بالمخدرات، بما فيها التحريض على الاستهلاك، ما ينتهك الحق في حرية التعبير.
  • يمنح سلطة للشرطة لتستخدم أساليب تحقيق خاصة لمكافحة جرائم المخدرات، مثل المراقبة والاطلاع على الاتصالات الخاصة والتنصت على المكالمات الهاتفية. قد تستخدم هذه التقنيات، بحسب الصياغة الحالية لمشروع القانون، ليس فقط ضد كبار تجار المخدرات، وإنما أيضا ضد المستهلكين العاديين، وفي ذلك انتهاك لخصوصيتهم بدرجة لا تتناسب مع الجريمة المحتملة التي تتم مكافحتها.

أضاف القانون جريمة جديدة هي التحريض على ارتكاب جرائم متصلة بالمخدرات، وفرض عليها نصف العقوبة الأصلية. هذا الحكم الجديد، بصياغته الحالية، ربما يُستخدم في ملاحقة أعضاء منظمات المجتمع المدني المدافعين عن الغاء تجريم المخدرات، ومغنيي الراب وغيرهم ممن يغنّي عن المخدرات، وكل من يعبّر عن رأيه بشكل سلمي حول المخدرات.

يتضمن مشروع القانون قسما خاصا بإجراءات التحقيق الخاصة في عمليات مكافحة المخدرات، مثل المراقبة. هذا القسم ينص على أنه يُمكن للنيابة العمومية أو لقاضي التحقيق، إذا اقتضت الضرورة، الاذن مراقبة الاتصالات الشخصية لأي كان لمدة لا تتجاوز 4 أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة، عبر التنصت على مكالماته الهاتفية أو "وضع عُدة تقنية تهدف إلى التقاط وتثبيت ونقل وتسجيل كلام وصورة ذي الشبهة أو المشكوك بتورطهم بصفة سرية ودون علمهم بأغراضهم الشخصية أو بأماكن أو عربات خاصة أو عمومية". وينص القانون على أنه إذا لم ينتج عن هذه المعلومات توجيه تهم جنائية، فإنها تُحفظ بموجب القانون التونسي المتعلق بالمعلومات والبيانات الخاصة. لا يفرق مشروع القانون بين المستهلكين العاديين وكبار المروجين، ولذلك فهو ينص على إمكانية استخدام جميع هذه الإجراءات التحقيقية الخاصة مع كل هؤلاء. لا تنص مجلة الإجراءات الجزائية على هذه الإجراءات الخاصة.

تنص المادة 17 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" (العهد الدولي) على أنه "لا يجوز تعريض أي شخص على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، أو لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته". كما تنص أيضا على أنه "من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس".

"لجنة حقوق الإنسان"، المؤسسة التي لها سلطة تأويل العهد الدولي، أكدت في التعليق العام رقم 16 المتعلق بالمادة 17 من العهد على ضرورة أن يكون التدخل في الحق في الخصوصية بشكل قانوني، أي أن يكون محددا بقوانين دقيقة وأوضاع محددة تتماشى مع الأهداف التي يُرجى تحقيقها، ومع أحكام العهد. إضافة إلى ذلك، يجب ألا يكون هذا التدخل تعسفيا، وأن يحترم مبدأي الضرورة والتناسب.[49]

يبدو أن الأحكام المتعلقة بإجراءات التحقيق الخاصة غير متوافقة مع هذه المتطلبات. فمشروع القانون لا يحدد الظروف التي يُسمح فيها بالمراقبة، ويكتفي بالصياغة الغامضة التالية: "في الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث". هذه الصياغة لا تستجيب لشرط أن يكون التدخل في الخصوصية في الظروف الاستثنائية فقط، وفي الحالات التي تكون فيها شُبهة موثوقة من حصول أو احتمال حصول جرائم خطيرة. إضافة إلى ذلك، يبدو استخدام هذه التقنيات مع المستهلكين العاديين غير متناسب، وقد ينتج عنه تدخل كبير في خصوصيتهم. هذه الإجراءات الخاصة تستهدف الجرائم المتعلقة بالمخدرات بشكل خاص، وهي غير موجودة في القانون العام المتعلق ببقية الجرائم.

يسمح مشروع القانون للمحاكم بتجاوز بعض الحقوق المتعلقة بسلامة الإجراءات عندما تعتبر ذلك ضروريا لحماية سلامة الأشخاص ذوي الصلة بالقضية. هذه التجاوزات تشمل السماح للشهود بتقديم شهادات دون الكشف عن هويتهم، وعقد جلسات خارج قاعة المحكمة العادية أو إغلاق الجلسة على الجمهور. ضُمّنت هذه الإجراءات خصيصا لاستهداف الجرائم المتعلقة بالمخدرات، ولا وجود لها في القانون العام المتعلق ببقية الجرائم.

لحماية الحق في المحاكمة العادلة، يتعين على المحاكم ألا تفرض هذه الإجراءات إلا في الظروف الاستثنائية وعلى ضوء ما تقتضيه الضرورة. لا ينص القانون على أنها مرتبطة فقط بالقضايا المتعلقة بتجار المخدرات الخطيرين، ما يعني أنها قد تستخدم أيضا ضد المستهلكين. يجب ألا يُدان أي شخص فقط بالاعتماد على أدلة لم يتمكن من الاعتراض عليها أثناء المحاكمة، بما في ذلك شهادات الشهود.

يجب أن تستجيب جميع المحاكمات للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة. تنص المادة 14 من العهد الدولي على أنه "من حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون". يُمكن للقاضي أن يأمر بجلسة مغلقة، ولكن بعد توفر ظروف بعينها تحددها المادة 14: "يجوز منع الصحافة والجمهور من حضور المحاكمة كلها أو بعضها لدواعي الآداب العامة أو النظام العام أو الأمن القومي في مجتمع ديمقراطي، أو لمقتضيات حرمة الحياة الخاصة لأطراف الدعوى، أو في أدنى الحدود التي تراها المحكمة ضرورية حين يكون من شأن العلنية في بعض الظروف الاستثنائية أن تخل بمصلحة العدالة".

ينص الفصل 68 من مشروع القانون على أنه "يُمكن في حالات الخطر الملم، وإن اقتضت الضرورة ذلك، تضمين جميع المعطيات التي من شأنها الكشف عن هوية الشهود وكل من تكفل بأي وجه من الأوجه بواجب إشعار السلط ذات النظر بالجريمة، بمحاضر مستقلة تحفظ بملف منفصل عن الملف الأصلي. وتُضمن في هذه الحالة هوية الأشخاص... بدفتر سري مرقم وممضى من وكيل الجمهورية [المدعي العام]". يُمكن للمتهم أو لمحاميه التماس الجهة القضائية المعنية بالكشف عن هويات الأشخاص المذكورين في الفصل 68 في غضون 10 أيام من تاريخ الاطلاع على محتوى الشهادات. ويُمكن للجهة القضائية الكشف عن هذه المعلومات عندما يكون الالتماس مبررا، ولا يوجد أي تهديد موثوق لحياة الأشخاص وعائلاتهم. يُمكن استئناف هذا القرار لدى دائرة الاتهام. إضافة إلى ذلك، لا يُمكن في حال من الأحوال أن تمنع إجراءات الحماية المتهم أو محاميه من الاطلاع على الشهادة والبيانات الأخرى.

قد يُعرّض استخدام شهود مجهولي الهوية، كما ينص على ذلك الفصل 68، حقوق المتهم في إعداد دفاع جيد، وقد يمنعه من الاعتراض على الشهود المستخدمين ضده. تنصّ المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق الطرف المتهَم في الاطلاع على الشهود المستخدمين ضدّه. وتنص المبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا، التي اعتمدتها اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، على حق المتهم في مناقشة شهود الاتهام، وحضور شهود لصالحه في الظروف نفسها. كما تنص أيضا على أنه لا يُسمح باستخدام شهادات من شهود مجهولي الهوية أثناء المحاكمة إلا في ظروف استثنائية، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الجريمة وظروفها، والحفاظ على سلامة الشهود، وعندما يكون ذلك في مصلحة العدالة.

موقف حقوق الإنسان من تجريم تعاطي المخدرات

تجريم تعاطي المخدرات بشكل شخصي يتعارض مع حق الشخص في الخصوصية والمفاهيم الأساسية المتعلقة بالاستقلالية الذاتية التي تنبني عليها جميع الحقوق، ويتسبب فعليا في تقويض الحق في الصحة.

اتخاذ قرار بتعاطي المخدرات، تماما كالقرار باستهلاك الكحول أو النيكوتين، هو اختيار شخصي وممارسة لجانب من جوانب الحق في الخصوصية المكفول في القانون الدولي، وهو جزأ لا يتجزأ من احترام الاستقلالية الشخصية. يُمكن فرض قيود على هذه الاستقلالية وعلى الحق في الخصوصية، ولكن لا يُمكن تبرير ذلك إلا إذا استجاب للمعايير الدولية المتعلقة بوجود هدف مشروع واحترام مبادئ التناسب والضرورة وعدم التمييز. تفترض مبادئ التناسب والضرورة أن تنظر الحكومات في الوسائل المتاحة لتحقيق ذات الهدف بأقل قيود ممكنة وبأدنى قدر من التدخل في احترام وممارسة حقوق الإنسان. تعتقد هيومن رايتس ووتش أن مبررات تجريم استهلاك أو حيازة المخدرات لأغراض شخصية نادرا ما يستجيب لهذه المعايير. يُعتبر الاعتقال والسجن وما ينتج عنهما من سجل جنائي ونتائج محتملة قد تمتد طوال حياة الشخص، ردودا حكومية غير متناسبة ضد شخص لم يفعل شيئا سوى أنه تعاطى مخدرات لأسباب ترفيهية.

استخدمت مبررات متعددة لتجريم تعاطي المخدرات. أحدها يتعلق بالأخلاق، فعديد الأشخاص ينظرون إلى المخدرات على أنها مرفوضة أخلاقيا، بغض النظر عما إذا كانت لها أضرار على الشخص. ولكن معايير حقوق الإنسان تحمي الاستقلالية الذاتية للفرد وحقه في الخصوصية، ومن ذلك إتيان أفعال قد يعتبرها أغلب الناس غير أخلاقية، رغم أنها لا تلحق أي ضرر بالآخرين. على سبيل المثال، اليوم لا يترك الاجتهاد في حقوق الإنسان أدنى شك بأنه لا يُمكن اعتماد رأي الأغلبية فيما يتعلق بالأخلاق العامة لتبرير تجريم السلوك الجنسي المثلي الخاص الذي يتم بين بالغين بالتراضي. من حيث المبدأ، يُعتبر الدفاع عن الأخلاق العامة في مسائل لا تلحق ضررا بالآخرين "هدفا غير مشروع" للتجريم.

حماية الصحة هدفا مشروعا، وكذلك حماية الآخرين من ضرر يُمكن أن يلحق بهم بسبب تعاطي شخص ما للمخدرات. أما تجريم المخدرات لحماية ذلك الشخص من الضرر الذي يُمكن أن يُلحقه بصحته الشخصية، فلا يستجيب لمعايير الضرورة والتناسب. يُمكن للحكومات أن تعتمد إجراءات غير عقابية لتخفيف الضرر الذي قد يلحق بشخص جراء تعاطي المخدرات، مثل تقديم العلاج والدعم الاجتماعي. ورغم أن للدولة دورا هاما في حماية الصحة، غير أن ذلك لا يتم عبر معاقبة الشخص الذي تسعى إلى حماية صحته. أما فيما يتعلق بمبدأ التناسب، فالاعتقال والسجن وما ينتج عنهما من سجل جنائي وعواقب قد تمس الشخص طيلة حياته كلها ردود حكومية غير متناسبة ضد شخص لم يفعل شيئا سوى أنه تعاطى مخدرات لأسباب ترفيهية. كما أن التجريم ربما يعطل قدرة الفرد على الحق في توفير رزقه ومسكنه لأن ذلك من شأنه فصل العائلات والآباء والأمهات عن أبنائهم. تستطيع الدولة تشجيع الأفراد على اتخاذ قرارات جيدة تتعلق بالمخدرات دون معاقبتهم.

فرض عقوبات جنائية على حيازة واستهلاك المخدرات بشكل شخصي له نتائج صحية عكسية. فسجن الأشخاص بسبب تعاطي المخدرات لا ينفعهم كثيرا في حماية صحتهم، وقد يتسبب الخوف من العقوبات الجنائية في عزوف مستهلكي المخدرات عن الخدمات الصحية والعلاج، ويجعلهم عرضة للاحتقار والتمييز.

في تقرير للجمعية العامة للأمم المتحدة حول الحق في الصحة والمراقبة الدولية للمخدرات في 2010، دعا المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في الصحة بشكل خاص إلى أن يكون التجريم على أساس الحق في الصحة، وأوصى الدول الأعضاء بضرورة إصلاح القوانين المحلية لإلغاء تجريم أو معاقبة حيازة واستهلاك المخدرات، وزيادة فرص الحصول على الأدوية الضرورية.

في بعض الحالات، يتسبب تعاطي المخدرات، أو يهدد بالتسبب، في الحاق ضرر كبير بالآخرين، وللدولة مصلحة مشروعة في حماية الأطراف الأخرى من الضرر الناتج عن ذلك. في هذه الحالة، يُمكن للدولة أن تفرض عقوبات جنائية متناسبة مع الضرر الناتج عن السلوك المصاحب لتعاطي المخدرات. ولذلك يُمكن للدولة أن تجرم قيادة السيارة أو الطائرة على شخص تحت تأثير المخدرات. كما يُمكنها اعتقال الشخص الذي يُهمل عياله أو يعتدي عليهم نتيجة لإدمان المخدرات. كما يُمكنها اعتبار تعاطي المخدرات سببا في جعل اعتداء ما أكثر خطورة. ولكن في هذه الحالات، لا يكون السلوك الذي يُعاقب أو الذي تفرض عليها عقوبات جنائية هو فقط تعاطي المخدرات، وإنما ما ينتج عنه من ضرر بالآخرين.

 

شكر وتنويه

أجرت بحوث هذا التقرير وكتبته آمنة القلالي، باحثة حول تونس في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش. راجع التقرير إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقدم كلايف بالدوين، مستشار قانوني، مراجعة قانونية. كما قدم ريتشارد بيرهاوس، باحث أول في قسم الصحة وحقوق الإنسان، مراجعة مختصة.

قدم طوم بورتيوس، نائب مدير البرامج، مراجعة خاصة بالبرنامج، وقدمت ساندي الخوري، منسقة أولى في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مساعدة في إعداد النص.

تتوجه هيومن رايتس ووتش بعبارات الشكر لـ "إنترناشيونال آليرت"، منظمة غير ربحية، لمساعدتها في اجراء مقابلات جماعية في أحياء الكادحين في تونس العاصمة والقصرين. النتائج التي توصل لها التقرير لا تعكس بالضرورة آراء إنترناشيونال آليرت.

[1]. قانون عدد 52 لسنة 1992 مؤرخ في 18 مايو/أيار 1992 يتعلق بالمخدرات، http://www.legislation-securite.tn/ar/node/34556

[2]. الفصل 12، قانون عدد 52ـ92 يتعلق بالمخدرات، "لا تنطبق أحكام الفصل 53 من المجلة الجزائية على الجرائم المنصوص عليها بهذا القانون"

[3]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع صابر الخفيفي، مدير عام السجون والإصلاح، تونس العاصمة، 17 ديسمبر/كانون الأول 2015. إضافة إلى الـ 7451 سجينا، كان يوجد 2749 مرتكبي جرائم مخدرات آخرين أطلق سراحهم في 2015 بموجب عفو رئاسي.

[4]. يوجد حاليا 26 ألف سجين في جميع السجون التونسية، مقابلة هيومن رايتس ووتش مع صابر الخفيفي، تونس العاصمة، 17 ديسمبر/كانون الأول 2015.

[5]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع صابر الخفيفي، تونس العاصمة، 18 ديسمبر/كانون الأول 2015.

[6]. مقابلات هيومن رايتس ووتش مع نعيم وفراس وأحمد، 17 أكتوبر/تشرين الأول، القصرين.

[7]. مقابلة على راديو موزاييك أف أم، 19 ديسمبر/كانون الأول 2014، http://www.mosaiquefm.net/fr/index/a/ActuDetail/Element/45571-bce-je-fais-une-campagne-electorale-et-mon-concurrent-fait-une-campagne-contre-moi.

[8].مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محمد صالح بن عيسى، وزير العدل آنذاك، 5 أكتوبر/تشرين الأول 2015، تونس العاصمة.

[9]. انظر تقرير هيومن رايتس ووتش: "ثغرات في النظام: وضعية المحتجزين على ذمة التحقيق في تونس"، 5 ديسمبر/كانون الأول 2013، https://www.hrw.org/ar/report/2013/12/05/256497

[10]. مجلة الإجراءات الجزائية، الفصل 13.

[11]. خلافا لتونس، توجد أنظمة أخرى لها تعريف أفضل للحد الأدنى لاعتقال شخص ما وتفحص هويته. تنص الفقرة 1 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي على أن يكون الإيقاف المتعلق بالتحقيق الجنائي ومنع الجريمة مبنيا على شبهة معقولة ("وجود سبب أو أكثر من سبب منطقي")، على صلة بالسلوك الحالي الذي حاول شخص ما ارتكابه (مخالفة) أو كان يُعد لارتكابه في إطار جريمة. يمنح قانون الشرطة والأدلة الجنائية البريطاني للشرطة سلطة توقيف وتفتيش واحتجاز شخص ما فقط عند توفر "شبهة معقولة" لارتكابه عملا خاطئا. وينص قانون الممارسة المرافق للقانون الأول على أنه: "لا يمكن أن تعتمد الشبهة المعقولة فقط على أساس العوامل الشخصية دون أن يكون ذلك معززا بعمل مخابراتي أو معلومات. على سبيل المثال، لا يمكن الاعتماد على لون الشخص أو عمره أو تسريحة شعره أو طريقة لباسه، أو على كونه أدين سابقا بحيازة مادة غير قانونية، أو على هذه الأسباب مجتمعة، كأساس وحيد لتفتيشه. لا يجب أن يرتكز الاشتباه المعقول على تعميمات وصور نمطية لمجموعات أو فئات من الناس على اعتبار أنها من المرجح متورطة في أعمال جنائية. كما لا يمكن اعتبار الدين أساسا معقولا، ولا يجب ابدا اعتباره سببا لتوقيف شخص ما وتفتيشه".

[12]. مجلة الإجراءات الجزائية، الفصل 13.

[13]. المبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا، اعتمدتها اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في 2003، http://www.achpr.org/instruments/principles-guidelines-right-fair-trial/

[14].في تعليق رسمي له على العهد، أدخل مانفريد نواك عناصر تتعلق بالظلم وعدم القدرة على التنبؤ بحصول شيء ما وانعدام المعقولية وعدم التناسب في معنى التعسف. أنظر Manfred Nowak, UN Covenant on Civil and Political Rights: CCPR Commentary, (2nd rev. ed.). Kehl am Rhein: Engel, 2005 p.225.

[15]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع غازي مرابط، محامي، 18 ديسمبر/كانون الأول 2015، تونس العاصمة.

[16]. محضر شرطة باردو، بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني، نسخة لدى هيومن رايتس ووتش.

[17]. مقال في نواة: "Sous couvre-feu : si vous n’êtes pas un terroriste, vous êtes un zatal"، 4 ديسمبر/كانون الأول 2015، http://nawaat.org/portail/2015/12/04/sous-couvre-feu-si-vous-netes-pas-un-terroriste-vous-etes-un-zatal/

[18].مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مالك، دوار هيشر، تونس العاصمة، 15 سبتمبر/أيلول 2015.

[19]. مقابلة هيومن رايتش ووتش مع أ. م.، حي الخضراء، تونس العاصمة، 21 سبتمبر/أيلول 2015.

[20].مقابلة هيومن رايتس ووتش مع جوهر، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2015.

[21].مقابلة هيومن رايتس ووتش مع سامية المرسني، 1 ديسمبر/كانون الأول 2015، تونس العاصمة.

[22].مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مراد المحرزي، 13 سبتمبر/أيلول 2013، تونس. أنظر البيان الصحفي لـ هيومن رايتس ووتش حول القضية، 2 سبتمبر/أيلول 2013، https://www.hrw.org/ar/news/2013/09/02/250954

[23]. فخري الغزال مصور ومخرج سينمائي، كان قد فرغ للتو من مرحلة ما بعد الانتاج لأول فيلم روائي طويل له. عرضت أعماله الفنية في المتحف الجديد في نيويورك، ومتحف الحضارة الأوروبية والمتوسطية في مرسيليا، ومركز بيروت للفن. علاء الدين سليم مخرج وكاتب سيناريو ومنتج سينمائي، وهو المدير الإداري لـ "إكزيت بروداكشن". مثلت أفلام علاء الدين سليم تونس في عديد المهرجانات السينمائية، وهو حاصل على عدة جوائز، منها الجائزة الدولية الكبرى لمهرجان مرسيليا في 2012. أما عاطف معطالله فهو رسام. بيعت أعماله كجزء من المجموعة الدائمة لمركز بامبيدو في باريس.

[24]. إذن تفتيش ممضي من قبل وكيل الجمهورية (المدعي العام) في المحكمة الابتدائية في نابل، 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، تحتفظ هيومن رايتس ووتش بنسخة منه.

[25].محضر تحقيق شرطة نابل، 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، تحتفظ هيومن رايتس ووتش بنسخة منه.

[26].مقابلة هيومن رايتس ووتش مع غازي مرابط، 10 مارس/آذار 2015، تونس العاصمة.

[27]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أحمد، 15 مارس/آذار 2015، تونس العاصمة.

[28]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع اسكندر، 15 مارس/آذار 2015، تونس العاصمة.

[29].مقابلة هيومن رايتس ووتش مع غازي مرابط، 14 مارس/آذار 2015، تونس العاصمة.

[30]. قانون عدد 54 لسنة 2002 مؤرخ في 11 يونيو/حزيران 2002، يتعلق بمخابر التحاليل الطبية، http://www.vertic.org/media/National%20Legislation/Tunisia/TN_Loi_Laboratoires_Medicales.pdf

[31]. قضية م. أ.، اعتقل في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، وثيقة لدى هيومن رايتس ووتش.

[32].مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أ. م.، تونس العاصمة، 4 سبتمبر/أيلول 2015.

[33]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ف. ب.، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2015، القصرين.

[34]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع "أ. ج.، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2015، القصرين.

[35].مقابلة هيومن رايتس وووتش مع حمزة، 21 سبتمبر/أيلول 2015.

[36]. أنظر "ثغرات في النظام: وضعية المحتجزين على ذمة التحقيق في تونس"، 5 ديسمبر/كانون الأول 2013، https://www.hrw.org/node/256497

[37]. قانون عدد 52 لسنة 2001، مؤرخ في 14 مايو/أيار 2001، يتعلق بنظام السجون، http://www.legislation-securite.tn/ar/node/29283

[38]. مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، "السجون التونسية بين المعايير الدولية والواقع"، أبريل/نيسان 2014، http://www.ohchr.org/Documents/Countries/TN/rapport_prison_inTunisia.pdf

[39]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مالك، دوار هيشر، تونس العاصمة، 15 سبتمبر/أيلول 2015.

[40]. مقابلة هيومن رايتس مع حمزة، تونس العاصمة، 15 سبتمبر/أيلول 2015.

[41]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أ. ج.، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2015، القصرين.

[42]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع س. ت.، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2015، القصرين.

[43]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع حمزة، تونس العاصمة، 21 سبتمبر/أيلول 2015.

[44]. مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مالك، دوار هيشر، تونس العاصمة، 15 سبتمبر/أيلول 2015.

[45]. انظر:

Loi 52 : polémique sur une réforme décidée à huis-clos. Retour sur quelques détails du nouveau projet de loi.، 29 مايو/أيار 2015، http://nawaat.org/portail/2015/05/29/loi-52-polemique-sur-une-reforme-decidee-a-huis-clos-retour-sur-quelques-details-du-nouveau-projet-de-loi/

[46]. مشروع قانون للوقاية والعلاج من تعاطي المخدرات ومكافحة التعامل غير المشروع بها، المادة 23، http://www.legislation-securite.tn/ar/node/36886

[47]. مشروع قانون للوقاية والعلاج من تعاطي المخدرات ومكافحة التعامل غير المشروع بها، المادة 26، http://www.legislation-securite.tn/ar/node/36886

[48]. مشروع قانون للوقاية والعلاج من تعاطي المخدرات ومكافحة التعامل غير المشروع بها، المادة 48، http://www.legislation-securite.tn/ar/node/36886

[49]. اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 16، https://www.google.com.lb/url?sa=t&rct=j&q=&esrc=s&source=web&cd=1&cad=rja&uact=8&ved=0ahUKEwjfo5DWwsfKAhXMbRQKHUnACGsQFggbMAA&url=http%3A%2F%2Fwww2.ohchr.org%2Fenglish%2Fbodies%2Ficm-mc%2Fdocs%2F8th%2FHRI.GEN.1.Rev9_ar.doc&usg=AFQjCNHxmOtQO8XT_fMCdAmMuZ0iAMadGw&sig2=RM29hinXg_jXZaitFGXRvA