بعد 7 سنوات من خلع الرئيس السلطوي زين العابدين بن علي، مازالت تونس تواجه تحديات عديدة في تعزيز حماية حقوق الإنسان.

حقق المشرعون التونسيون خطوات مهمة لتعزيز حقوق المرأة والمحتجزين، لكنهم لم ينجحوا في إنشاء المؤسسات الأساسية التي يوكل إليها الدستور مهمة حماية حقوق الإنسان، مثل "المحكمة الدستورية". كما اعتمدوا قوانين تهدد الانتقال الديمقراطي، مثل قانون المصالحة الإدارية، الذي يمنح عفوا لموظفي الدولة المتهمين بالفساد.

فرضت السلطات قيودا تعسفية على سفر مئات الأشخاص بموجب حالة الطوارئ التي أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2015. كما استمرت محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية في جرائم معينة، وتواصل استخدام القوانين التي تجرّم "اللواط" لسجن المتهمين بسلوك مثلي بالتراضي، وأحيانا باستخدام الفحوص الشرجية القسرية لإثبات السلوك الجنسي رغم التزام تونس باتخاذ إجراءات لوضع حدّ لهذه الفحوص. كذلك لم تحقق تونس تقدما في المحاسبة على التعذيب، وبقيت أغلب التظلمات القديمة، وبعضها تتعلق بسوء المعاملة والتعذيب أيام الدكتاتورية، عالقة في مرحلة المحاكمة.

الدستور

يكفل دستور 2014 العديد من الحقوق المدنية، السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية الأساسية، ولكنه لم يُلغ عقوبة الإعدام، رغم أن السلطات لم تطبقها منذ بداية التسعينات.

حققت السلطات بعض التقدم في ملاءمة التشريعات مع الدستور.

على سبيل المثال، يضمن دستور 2014 استقلالية القضاء وينص على إنشاء "المجلس الأعلى للقضاء"، ومن مهامه تعيين القضاة والإشراف على مسائل التأديب والترقيات المهنية. في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، اعتمد البرلمان قانونا يُنشئ المجلس الأعلى للقضاء، وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2016، انتُخب 33 من أصل 45 عضوا فيه من قبل زملائهم (قضاة، محامون، عدول، وأساتذة قانون)، وهو تحوّل جذري مقارنة بنظام بن علي حيث كانت الحكومة هي التي تعيّن القضاة، ما تسبب في تقويض استقلالية القضاء).

نصّ الدستور على إنشاء محكمة دستورية لها سُلطة النظر في دستورية القوانين، وإسقاط القوانين التي لا تتلاءم مع معايير حقوق الإنسان المكفولة في الدستور. في 3 ديسمبر/كانون الأول 2015، تبنى البرلمان قانونا يُنشئ المحكمة الدستورية، ولكن حتى كتابة هذا الملخص، لم تُنشئ السلطات المحكمة بعد، ولم تعيّن أعضاءها.

حرية التعبير

في 2011، حرّرت السلطات الانتقالية قانون الصحافة والقانون المتعلق بوسائل الإعلام، وألغت معظم العقوبات الجنائية التي كانت هذه القوانين تفرضها على جرائم التعبير. غير أن السلطات استمرّت في استخدام "المجلّة الجزائية" (قانون العقوبات) و"مجلة العقوبات والمرافعات العسكرية" لمحاكمة الأشخاص على جرائم تتعلق بالتعبير.

استخدمت محكمة بتونس العاصمة الفصل 128 من المجلة الجزائية، الذي يُجرّم "من ينسب لموظف عمومي... أمورا غير قانونية متعلقة بوظيفته دون أن يُدلي بصحة ما يثبت ذلك"، للحكم على وليد زرّوق، عون السجون السابق وعضو "نقابة الأمن الجمهوري" في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بالسجن سنة بسبب مقابلة تلفزيونية اتهم فيها السلطات بتلفيق تهم ضدّ من ينتقدها. وفي نفس اليوم، قضت دائرة أخرى تابعة لنفس المحكمة بسجن زروق 8 أشهر بسبب انتقاده وزير الداخلية في صحيفة يومية. وفي 7 فبراير/شباط 2017، حكمت عليه محكمة أخرى بتونس بالسجن سنة بسبب تعليقات له على "فيسبوك" انتقد فيها أحد قضاة التحقيق وناطق باسم القضاء. مازال زروق يقضي عقوبته بالسجن عند كتابة هذا الملخص، وهو متهم بالتشهير في كلا القضيتين.

اعتُقل المدوّن نبيل الرابحي في 23 يوليو/تموز، ثم حُكم عليه في 5 أغسطس/آب بالسجن 5 أشهر وغرامة قدرها 1,200 دينار (487 دولار) بموجب المادة 125 بتهمة "هضم جانب" (إهانة) شخصيات عامة في تعليقات نشرها على فيسبوك،. وكان الرابحي قد استخدم في تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 21 يوليو/تموز عبارات مبتذلة ضدّ حافظ قايد السبسي، المدير التنفيذي لحزب "نداء تونس" ونجل الرئيس، وضدّ أعضاء آخرين في الحزب.

استُخدم الفصل 125 من المجلة الجزائية، الذي يُجرّم "هضم جانب [إهانة] موظف عمومي"، من قبل الشرطة لاعتقال الأشخاص – بعضهم تعرّض للمحاكمة والسجن – فقط لأنهم جادلوا الشرطة أو لم يمتثلوا لأوامرها بسرعة. كما استُخدم ضدّ أشخاص رفعوا دعاوى، أو يُعتقد أنهم سيرفعون دعاوى، ضدّ الشرطة.

في مايو/أيار 2017، حُكم على الصحفيَّين سلام وسلوى مليك بالسجن 6 أشهر، قبل أن تُخفف العقوبة إلى غرامة مالية. اتُهم الصحفيان بإهانة الشرطة أثناء مداهمة منزلهما لاعتقال شقيقهما، وتهديد أحد الأعوان بـ "تفجير" رأس ابن شقيقهما البالغ من العمر 7 سنوات، بحسب ما أفادت به سلوى مليك.

كما استمرت محاكمة المدونين البارزين مريم منوّر ولينا بن مهني في 2017. حُوكمت الأولى في 2012 بتهمة إهانة موظف عمومي، والثانية في 2014 بنفس التهمة، بعد أن رفعت كلاهما دعوى ضدّ أعوان شرطة لاستخدام العنف ضدهما.

في أكتوبر/تشرين الأول، حُكم على شخصين بالسجن 7 أشهر بتهمة "الاعتداء على الأخلاق الحميدة"، وإهانة موظف عمومي بموجب الفصل 125 من المجلة الجزائية بعد أن وجدتهما الشرطة يقبلان بعضهما البعض في سيارتهما.

العدالة الانتقالية والمحاسبة

في 24 ديسمبر/كانون الأول 2013، تبنى "المجلس الوطني التأسيسي" "القانون الخاص بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها".

نص القانون أيضا على تشكيل "هيئة الحقيقة والكرامة" (الهيئة) المكلفة بالكشف عن حقيقة الانتهاكات المرتكبة منذ يوليو/تموز 1955، قبيل الاستقلال عن فرنسا، وحتى 2013، تاريخ تبني القانون. أعلنت الهيئة في يونيو/حزيران 2016 أنها استلمت 62,065 تظلّما من أشخاص حول مزاعم تتعلق بانتهاكات حقوقية، وأنها بدأت في دراسة الملفات.

 وفي 17 و18 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، عقدت الهيئة أولى جلساتها العلنية للاستماع لشهادات الضحايا حول انتهاكات الماضي. تم بث الجلسات مباشرة على محطات التلفزيون والإذاعة الوطنية. ومنذ ذلك الحين، نظمت الهيئة 11 جلسة استماع أخرى تناولت انتهاكات حقوقية مختلفة أثناء فترتي حكم بن علي وبورقيبة، مثل التعذيب، انتهاك الحقوق النقابية، الاعتداءات الجنسية ضدّ نساء مسجونات لأسباب سياسية، وانتهاك الحقوق الاقتصادية.

شهد مسار العدالة الانتقالية انتكاسة كبيرة عندما اعتُمد "قانون المصالحة في المجال الإداري"، في 13 سبتمبر/أيلول 2017، بأغلبية 117 صوتا مقابل 9، وامتناع واحد عن التصويت. يضمن القانون افلاتا شاملا من المحاسبة لموظفي الدولة المتورطين في الفساد واختلاس المال العام والذين لم يستفيدوا منه شخصيا. نصّ القانون على إيقاف جميع المحاكمات الجارية ضدّ هذه الفئة من الأشخاص، ومنع أي ملاحقات مستقبلية بحقهم. لذلك سوف يقوّض هذا القانون عمل الهيئة، التي مُنحت صلاحية التحقيق في الجرائم الاقتصادية ووضعها في السياق الأوسع للفساد المنهجي الذي شهدته فترة حكم بن علي.

كما عانى مسار العدالة الانتقالية من غياب المحاسبة الجنائية على الانتهاكات الحقوقية الخطيرة. لم تنجح السلطات على امتداد السنوات السبع التي تلت خلع بن علي في فتح تحقيقات أو محاسبة أي شخص في أغلب قضايا التعذيب، بما فيها الحالات التي حصلت فيها وفاة رهن الاحتجاز بسبب التعذيب. نصّ قانون العدالة الانتقالية على إنشاء دوائر متخصصة في صُلب منظومة المحاكم لمحاكمة الانتهاكات الحقوقية التي حصلت بين يوليو/تموز 1955 وديسمبر/كانون الأول 2013. لم تر هذه الدوائر المتخصصة النور بعد.

الأمن وحالة الطوارئ

حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس الباجي قايد السبسي على إثر الهجوم الانتحاري، الذي استهدف حافلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 وراح ضحيته 12 عونا من الأمن الرئاسي، ما زالت قائمة حتى كتابة هذا الملخص. تعتمد حالة الطوارئ على مرسوم يعود إلى سنة 1978 يخوّل السلطات حظر المظاهرات والمسيرات التي تعتبرها تهديدا للنظام العام، ومنع التجمعات "التي من شأنها الإخلال بالأمن أو التمادي في ذلك". كما يمنح المرسوم للحكومة سلطات واسعة لتقييد وسائل الإعلام ووضع الأشخاص قيد الإقامة الجبرية.

في مايو/أيار 2017، اعتقلت السلطات شفيق جراية، رجل أعمال له علاقات واسعة، وأشخاص آخرين، ووضعتهم قيد "الإقامة الجبرية" في مكان مجهول، وهو إجراء مسموح به في حالات الطوارئ. قالت السلطات إن الأشخاص متورطون في الفساد ويُشكّلون تهديدا لأمن الدولة، ثم نقلتهم إلى السجون.

في مرحلة الإقامة الجبرية، لم يُسمح لهم بمقابلة محامين أو الاتصال بعائلاتهم لأكثر من 10 أيام، وهو انتهاك واضح لحقوقهم في سلامة الإجراءات. تجري الآن محاكمة جراية وصابر العجيلي، الرئيس السابق لوحدة مكافحة الإرهاب، أمام محكمة عسكرية بتهم الخيانة وإطلاع جيش أجنبي على معلومات استخبارية، وهي تهم عقوبتها الإعدام. يواجه الرجال الآخرون محاكمات أمام محاكم مالية على جرائم مالية.

منذ بداية تطبيق قانون الطوارئ في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، وُضع 139 تونسيا على الأقل قيد الإقامة الجبرية إلى أجل غير مسمى، دون توجيه تهم إليهم، بموجب قرارات صادرة عن الشرطة بشكل شفهي، ما يحرم الأشخاص المتأثرين من إمكانية الطعن في القرارات في المحاكم. تسببت هذه الإجراءات في صعوبات اقتصادية، ووصمت الأشخاص المستهدفين، ومنعتهم من الدراسة والعمل.

خففت السلطات من هذه الإجراءات في 2016، ولكن الكثيرين من المشمولين بها بقوا خاضعين لإجراء حظر سفر يُعرف بـ "S17"، ينطبق على كل من تشتبه الدولة في أنه ينوي الالتحاق بجماعة مقاتلة في الخارج. يسمح الإجراء بتقييد تنقل الأشخاص في الداخل أو إلى الخارج. كل شخص خاضع لإجراء S17 قد يخضع لاستجواب مطوّل كلما أوقف في فحص روتيني للشرطة. يستند الإجراء إلى صياغة غامضة في القانون المنظم لعمل وزارة الداخلية. كما سجنت السلطات حوالي 200 مقاتل عائدين من سوريا، العراق، أو ليبيا.

حقوق المرأة

استمرت تونس في تحقيق تقدم في تعزيز حقوق المرأة.

في 26 يوليو/تموز، اعتمد البرلمان قانونا شاملا لمكافحة العنف ضدّ النساء تضمّن عناصر أساسية لمنع هذا العنف، حماية الناجيات من العنف الأسري، ومحاكمة الجناة. كما ألغى القانون بندا من المجلة الجزائية كان يسمح للمغتصب بالإفلات من العقاب إذا تزوج ضحيته.

في 14 سبتمبر/أيلول، أعلنت وزارة العدل أنها ألغت مرسوما يعود إلى سنة 1973 يمنع المرأة التونسية من الزواج من غير المسلم ما لم يقدّم هذا الأخير شهادة تثبت تحوله إلى الإسلام. إذا تزوجت امرأة تونسية من شخص غير مسلم في الخارج، دون الشهادة المذكورة، كانت السلطات ترفض تسجيل هكذا زواج.

في أغسطس/آب، دعا قايد السبسي إلى إصلاح هذا التشريع التمييزي. لكن "مجلة الأحوال الشخصية" التونسية ما زالت تتضمن بعض البنود التمييزية، بما فيها اعتبار الرجل ربّ الأسرة، والسماح للذكور بالحصول على ضعف نصيب الإناث من الميراث في بعض الحالات.

قانون المخدرات

في 25 أبريل/نيسان، اعتمد البرلمان تنقيحا حسّن قانون المخدرات القاسي الذي يتسبب في سجن مئات الشباب سنويا بتهم حيازة كميات صغيرة من الماريجوانا للاستخدام الشخصي.

يفرض القانون رقم 92-52، الموروث عن حقبة بن علي، عقوبة سجنية إلزامية مدتها سنة بسبب تعاطي المخدرات أو حيازتها. منح التنقيح القضاة سلطة تقديرية لأخذ ظروف التخفيف بعين الاعتبار لتقليص العقوبة.

التوجه الجنسي والهوية الجندرية

يعاقب الفصل 230 من المجلة الجزائية السلوك الجنسي المثلي بالتراضي بالسجن حتى 3 سنوات. تُستخدم الفحوص الشرجية كواحدة من أهم وسائل الإثبات لإدانة الرجال بـ "اللواط". قالت "جمعية شمس" لحقوق مجتمع الميم إن 10 رجال على الأقل حوكموا بموجب الفصل 230 في مناطق مختلفة من تونس في 2017، ونال 2 منهم عقوبة بالسجن سنتين.

في أبريل/نيسان، دعت "العمادة الوطنية للأطباء" الأطباء إلى الكف عن إجراء فحوص شرجية قسرية وفحوص للأعضاء التناسلية، ووصفتها بـ "الممارسة المناقضة للكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية والمعنوية للإنسان". في 21 سبتمبر/أيلول، وافقت تونس أثناء اعتماد تقرير المراجعة الدورية الشاملة بـ "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" (مجلس حقوق الإنسان) على توصية من إيرلندا بالكف فورا عن إجراء فحوص شرجية، ولكنها لم توافق على 11 توصية أخرى بإلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية.

الأطراف الدولية الرئيسية

في 21 سبتمبر/أيلول، تم اعتماد تقرير النتائج المنبثق عن الاستعراض الدوري الشامل الثالث لتونس أثناء الجلسة 27 لمجلس حقوق الإنسان. وافقت تونس على 198 من أصل 264 توصية قدمتها الدول الأعضاء، ومنها التعهد بتعزيز المحاسبة على انتهاكات قوات الأمن والقضاء على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وضمان عدم تقويض إجراءات مكافحة الإرهاب والأمن الوطني لحقوق الإنسان.

في 13 أبريل/نيسان، وقعت تونس على إعلان  لـ "المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" يمنح الأشخاص والمنظمات غير الحكومية الحق في الوصول إلى المحكمة مباشرة في الدعاوى المتعلقة بحقوق الإنسان المرفوعة ضدّ الدولة.