Skip to main content

بعد السقوط: آمال ودروس مستفادة بعد 20 عاماً من سقوط الاتحاد السوفيتي

بقلم: راشيل دنبر

قبل عشرين عاماً، في يوليو/تموز 1991، كنت على وشك البدء في وظيفة باحثة في انتهاكات حقوق الإنسان في الاتحاد السوفيتي. بعد شهر، أدت محاولة الانقلاب الفاشلة على زعيم الحزب الشيوعي ميخائيل غورباتشوف إلى تغييرات سياسية سريعة أدت في النهاية إلى تفكيك الاتحاد السوفيتي. بينما كانت أسرتي تشاهد هذه الأحداث، قالوا لي إن عملي المقرر أن أبدأ فيه في سبتمبر/أيلول لم يعد له وجود. وكالكثيرين منّا، افترضوا أن نهاية الشيوعية تعني بداية عهد جديد من الديمقراطية وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان في الدول التي ستخلف الاتحاد السوفيتي. بدأت وظيفتي الجديدة كما كان مخطط لها، ولم آخذ من وقتي غير خمس دقائق لأكتشف أن هذه الافتراضات خاطئة.

هذه لحظة جيدة لتأمل بعض الدروس المستفادة من عشرين عاماً من جهود تحسين تدابير حماية حقوق الإنسان في دول الاتحاد السوفيتي السابق. هل كانت افتراضاتنا خاطئة؟ ما الذي كان يمكن عمله بشكل أفضل أو مختلف لتحسين حقوق الإنسان أثناء تلك التغيرات المجتمعية العميقة؟ هذه محاولة هامة وذات أهمية تتجاوز حدود المنطقة، لا سيما نظراً للتغيرات التاريخية الحالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

الفرق بين 1991 وما حدث بعدها وأحداث المنطقة العربية في 2011 فارق كبير، ومهمة مقارنة هذين الحدثين التاريخيين صعبة ولا يمكن لهذا المقال وحده أن يؤديها. لكن، أتمنى أن تكون تأملات سقوط الاتحاد السوفيتي بعد 20 عاماً من ذلك الحدث ذات صلة وأهمية للمراقبين وصناع السياسات وجماعات حقوق الإنسان التي تركز على الاتحاد السوفيتي السابق وغيره من الموضوعات.

 

1. لا يوجد شيء "حتمي" في التحول إلى الديمقراطية

أول درس يتعلق بالافتراضات الكبرى. مشاهدة عقود من الحكم المستبد تسقط في مصر وتونس مسألة مثيرة ورائعة، فمن لا يتمنى أن يكون هذا إيذاناً بعهد جديد من الديمقراطية وسيادة القانون؟ لكن مراقبي الاتحاد السوفيتي رأوا كيف انهار نظام قمعي سلطوي – فأدى ذلك إلى شهور من السعادة وبدء عملية الانتقال السياسية المعقدة – لكن لم يكفل بأي حال من الأحوال وصول حكومات إلى سدة الحكم ملتزمة بتدابير حماية حقوق الإنسان. مع استقرار الأوضاع، عادت القوى التاريخية التي شكلت المجتمع على مدار عقود إلى المقدمة، فمع غياب التغير المؤسسي العميق، يمكن أن يعود الحكم المستبد.

المؤكد أن نهاية الحكم الشيوعي كان بداية لحريات لم تخطر على بال أحد أثناء حقبة الاتحاد السوفيتي. تباينت الأوضاع إلى حد بعيد في الاتحاد السوفيتي السابق بعد الانهيار، فأصبح بإمكان الناس العبادة بحرية أكبر والسفر إلى الخارج وأن تكون لديهم ممتلكات وأن يعبروا عن هوياتهم الإثنية بسبل لم تكن متاحة في ظل الشيوعية. وكان هناك نقاش وجدل واسعين حول التاريخ السوفيتي الإرث الستاليني، حتى رغم بقاء جرائم العهد الستاليني المروعة بلا عقاب.

لكن في أجزاء كثيرة من المنطقة، كان سجل الحكومات الخاص بحقوق الإنسان في غاية السوء. عام وراء عام، شهدت فصول عن بلدان الاتحاد السوفيتي السابق في هذا التقرير السنوي على ذلك. الأسباب تتباين، لكن في العديد من دول آسيا الوسطى لم تكن لقيادات والطبقات السياسية في عام 1991 أي مصلحة في التخلي عن السلطة. وبدلاً من التزامهم بالسير في مسار فترة انتقالية فترة ما بعد الشيوعية، استخدم الكثير من القادة الشرطة والجيش والمخابرات ونظام العدالة الجنائية في التخندق في السلطة. عملوا على تصفية القوى السياسية البديلة التي طالبت بتغيير عميق. النتيجة أن الإصلاحات المؤسسية الضرورية لمساءلة الحكومة وللتعددية السياسية وتدابير حماية الحقوق الفعالة، لم تحدث أبداً.

التركيز على النخب السياسي يساعد، وإن كان بشكل جزئي، في تفسير لماذا كانت التغييرات والإصلاحات أكثر وأهم في أوروبا الشرقية عنها في دول الاتحاد السوفيتي المنهار. السبب في الأغلب أن النخب السياسية في عهد الاتحاد السوفيتي في تلك الدول – وكذلك في دول البلطيق – تمت الإطاحة بها. خلّف هذا مساحة أكبر للفاعلين السياسيين الجدد كي يبنوا المؤسسات القوية، مع فرض التوازنات وسبل الرقابة الفعالة على السلطة التنفيذية، وتنفيذ إصلاحات تشريعية مع إعطاء الأولوية لإجراءات التقاضي السليمة وتدابير حماية حقوق الإنسان. لكن بالطبع كانت هناك عوامل أخرى هامة، مثل إرث الحكومات الديمقراطية فيما قبل الحرب العالمية الثانية في العديد من الدول، والتلويح بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بالنسبة لأغلب هذه الدول.

أما الدول التي ظهرت بعد الاتحاد السوفيتي، فقد تنافست فيما بينها على معدلات القمع بكافة أشكاله. كانت أوزبكستان وتركمانستان من بين الحكومات الأكثر قمعاً، ليس فقط في المنطقة، بل في العالم أجمع. تشكل الطابع الاستبدادي لهذه الحكومات بقوة بعد الانهيار في عام 1991 مباشرة. تركمانستان دولة حزب واحد لا تسمح بأي نشاط مدني مستقل، وتفرض قيوداً تعسفية على قدرة المواطنين على السفر إلى الخارج، وتحظر أي شكل من أشكال مراقبة حقوق الإنسان المستقلة. ولا توجد حريات صحفية، وتسجن السلطات من يعملون مع المنافذ الإخبارية الأجنبية. في أوزبكستان لا تسمح الحكومة إلا بهامش ضئيل من الحركة لعدد محدود من نشطاء حقوق الإنسان المستقلين، وتفرض العقوبات عليهم بالسجن لفترات مطولة بناء على اتهامات ملفقة، وهناك رقابة شديدة على الإعلام. تعذيب الشرطي ممنهج ووبائي، كما قامت الحكومة بحبس آلاف المسلمين الملتزمين للاتهام بـ "الأصولية" الدينية، بسبب ممارستهم لشعائرهم الدينية خارج سيطرة الدولة، أو لانتمائهم لمنظمات دينية غير مسجلة.

روسيا نفسها ليست بالمثال الذي يمكن اتباعه. في ظل "الحكم المستبد الناعم" في روسيا، الذي صُقل واتخذ هيئته أثناء حُكم فلاديمير بوتين الذي دام ثمانية أعوام، تم التسامح مع وجود المجتمع المدني المستقل، لكن كان من يفضحون وقائع الفساد والانتهاكات يتعرضون للقتل والتهديد، ولم يُترك للإعلام حريات تُذكر أكثر مما سُمح به في عهد "الجلاسنوست". لا توجد منافسة سياسية حقيقية أو محاسبة علنية لمؤسسات الدولة. أعلن بوتين في الذكرى السنوية العشرين إنه سيترشح للرئاسة مجدداً، مما يعني أن إجمالي عهده بالرئاسة 24 عاماً، وهو ما يذكرنا بحُكم برجنيف الذي دام 18 عاماً.

الكثير من النخب السياسية في المنطقة تسبح فوق برك من الفساد البيّن، واستخدمت السلطة السياسية في الإثراء لها ولمن يتبعها. ليس من المدهش أن هذه النخب تستعين بآليات الرقابة المستبدة كي تستمر في الحُكم، من رقابة على الإعلام وقمع للمنتقدين وانتخابات مزيفة. فالخروج من السلطة بالنسبة لهذه النخب لا يعني فحسب فقدان السلطة، بل أيضاً فقدان الثروة وربما ما هو أسوأ. في دول مثل أذربيجان وروسيا وتركمانستان وكازاخستان تزيد ثروة النخب كثيراً من صعوبة تخليها عن السلطة.

وفي أغلب دول المنطقة، سمح القادة المستبدون في فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي بهامش ضئيل من الانفتاح، لكنهم تمسكوا بالسلطة، مما أدى إلى حالة ركود سياسي واجتماعي. في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان، انكسر هذا الركود بجولة ثانية من التغيرات السياسية بعد عشر سنوات من سقوط الاتحاد السوفيتي، هذه المرة بانتفاضات شعبية ممتلئة بالآمال بالتغيير الحقيقي. وفي مشاهد لا تختلف كثيراً عمّا رأينا في العالم العربي في عام 2011، خرج الناس في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان إلى الشوارع للمطالبة بانتخابات نزيهة وانتهاء الفساد والمساءلة للسلطة. لكن تجربة ما يُعرف بالثورات الملونة في 2003 إلى 2005 تذكرنا بقوة بأن هذه الانتفاضات الشعبية لا تؤدي بالضرورة أو بشكل تلقائي إلى نتائج جيدة على مضمار حقوق الإنسان.

"ثورة التيوليب" في قرغيزستان في عام 2005 نجحت في إقصاء عسكر آكاييف لكن سرعان ما تحطمت آمال الإصلاح في عهد خليفته، كرمانبيك باكييف. أثبت باكييف أنه أكثر اهتماماً بكثير بإثراء أسرته وشبكات مصالحه، وخلال عام بدأت حكومته في مضايقة نشطاء حقوق الإنسان والصحفيين المستقلين. تدهور سجله الحقوقي كثيراً حتى لحظة خلعه في أبريل/نيسان 2010.

"الثورة البرتقالية" في أوكرانيا عام 2004 شهدت تظاهر آلاف المواطنين سلمياً على تلاعب الحكومة في الانتخابات الرئاسية لصالح فيكتور يانوكوفيتش. وقتها هزم المرشح الإصلاحي غربي الرؤية، فيكتور شيفتشنكو، هزم يانوكوفيتش في انتخابات الإعادة. لكن حكومة شيفتشنكو وجدت نفسها بعد ذلك عالقة في أزمات سياسية مزمنة وفساد وغير قادرة على إجراء الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية. كما لم تكن مجهزة جيداً للتعامل مع مشكلات حقوق الإنسان الجسيمة في أوكرانيا، وتشمل التعذيب والمعاملة السيئة رهن الاحتجاز وانتهاكات حقوق المهاجرين وملتمسي اللجوء، وانتهاكات بسبب عدوى الإيدز. خرج شيفتشنكو من السلطة بعد أن خسر خسارة ثقيلة في انتخابات 2010.

"ثورة الروز" في جورجيا عام 2003 جلبت ميخائيل ساكشفيلي إلى الرئاسة ومعه آمال بإصلاحات قضائية وسياسية واقتصادية. جلبت الإصلاحات بعض النتائج الإيجابية، لكن استخدام الحكومة للقوة المفرطة ضد المتظاهرين في عام 2007 ظهر منها هشاشة التزام الحكومة بحقوق الإنسان وسيادة القانون. سجل حقوق الإنسان الجورجي حالياً سجل مختلط. الرئيس ملتزم بموجب الدستور بترك السلطة في عام 2013، لكن لأنه يهيمن على النظام السياسي، هناك تساؤلات وشكوك حقيقية حول ما سيحدث وقتها. بعد تسع سنوات، مهدت ثورة الروز الطريق لقائد أعلن الالتزام بالحقوق، لكن ليس من الواضح إن كانت قد نجحت في تهيئة نظام سياسي تنافسي قادر على حماية الحقوق.

 

2. موقف من "لوم في غير محله"

في أعقاب الاضطرابات السياسية، أحس الكثير من الناس بالشقاء أثناء تعاملهم مع عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. لام الكثيرون منهم "الديمقراطية" على معاناتهم. أنصار حقوق الإنسان والديمقراطية عليهم اتخاذ موقف من هذا اللوم في غير محله. لابد من فترات عصيبة ستمر على الشرق الأوسط فترة ما بعد الثورات، من ثم فهذا الدرس المستفاد مهم.

جلبت نهاية الاتحاد السوفيتي المعاناة الحقيقية والجسيمة للملايين الذين فقدوا مدخراتهم ووظائفهم وإحساسهم بالهوية. في روسيا على سبيل المثال، كان يبدو أن الفساد بلا حدود: برامج الخصخصة في عهد يلتسن فضلت حفنة من مهللي الكريملين الذين اشتروا أصول الدولة القيمة بأسعار زهيدة مقابل الدعم السياسي المطلوب للنظام. ومن غير المدهش أن الكثيرين أحسوا أن السبب وراء مصابهم ليس العيوب العميقة في النظام القديم أو فساد السلطة، بل "الديمقراطية" وحركات حقوق الإنسان، ورأوا أنها أساس الفوضى. استغل بوتين هذا الغضب والإحساس المتنامي بالحنين للنظام السوفيتي لمصلحته. ساوى فريقه عن عمد بين الفوضى والديمقراطية لتبرير إصلاحات في عام 2004 صعبت على أحزاب المعارضة ربح مقاعد في الدوما، وإصلاحات أدت إلى جعل اختيار حُكام الأقاليم بالتعيين وليس بالانتخاب. بعد "الثورات الملونة" اتهم الكريملين منظمات المجتمع المدني بأنها واجهات للحكومات الأجنبية الساعية للتدخل في الشأن الداخلي الروسي، وبدأ في حملة من المضايقات الحكومية والبيروقراطية ضد هذه المنظمات. المحصلة النهائية كانت الإضعاف البالغ لسبل الرقابة والتوازن الضرورية لنظام سياسي خاضع للمحاسبة.

من الدروس ذات الصلة هنا أن صناع السياسة في الغرب المهتمين بحقوق الإنسان عليهم دعم المؤسسات وليس القادة الأفراد. الدعم الحماسي من الغرب في بعض الأوقات ليلتسن أثناء فوضى التسعينات، أو لساكاشفيلي أثناء الأيام الأولى لثورة الروز، كان له أثر عكسي على المدى البعيد. الرأي العام المؤيد للديمقراطية تراجع، وكذلك تراجعت المساندة للإصلاحات الديمقراطية والخاصة بحقوق الإنسان.

 

3. "مأسسة" تدابير حماية قوية لحقوق الأقليات

أثناء وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وقعت الكثير من بلدان المنطقة في نزاعات مسلحة ترجع جذورها في الأغلب إلى الماضي السوفيتي، بما في ذلك مناطق حاولت استغلال التوترات الإثنية لصالحها عن طريق المعاملة التفضيلية لفئات على حساب أخرى، وكذلك بسبب السياسات السوفيتية التي كانت تقمع التعبير عن الهوية القومية أو الإثنية أو الدينية.

الحكومات الجديدة – في بعض الحالات مدعومة بحالة يقظة قومية جديدة – تصادمت مع الأقليات أو الجماعات المهمشة، التي أحست بقوة بأن القيادة الجديدة عليها الاعتراف بحقوقها وفرصها التي حرمها منها النظام القديم لفترات طويلة. ونحو نهاية العهد السوفيتي وبعده، رد الكريملين والدول التي ظهرت بعد الاتحاد السوفيتي على المطالب القومية الجديدة والحركات الوطنية باستخدام القوة. في بعض الحالات، كما في أبخازيا وحرب الشيشان الأولى، سقطت الحكومات في نزاعات مسلحة. لكن النتيجة في السيناريوهين كانت كارثية.

هذا المقال لا يحاول تحليل أسباب الحروب الانفصالية في ناغورنو كاراباخ أو جنوب أوسيتيا أو أبخازيا أو الشيشان أو ترانسدنيستريا، أو العنف المجتمعي المدمر في أماكن مثل أوش وإنغوشيتيا. (الحرب الأهلية في طاجيكستان نشبت بسبب نزاعات إقليمية وليست إثنية، وإن كانت تستحق الذكر بدورها). إلا أن في كل حالة تحمل السكان المدنيون المعاناة الرهيبة بسبب الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي، وفي بعض الحالات تعرضوا للنزوح لفترات طويلة. بعد عشرين عاماً هدأت بعض النزاعات، وتجمدت بعضها، وما زال أكثر من مليون نسمة في عداد النازحين. الضرر طويل الأثر بسبب هذه النزاعات المعقدة تحذير من أن الحكومات والمجتمعات المدنية، عليها – كما في الشرق الأوسط – احترام حقوق الأقليات وحشد التسامح في أوساط الأقليات والأغلبية.

على الحكومات الجديدة أن تقر بشكاوى ومظالم الأقليات التي شهدتها في الماضي، وأن تضمن الحقوق اللغوية والدينية، وأن تمنح الاقليات مكاناً في هيئات إنفاذ القانون وهيئات الأمن، وأن تتحرك سريعاً لحماية الأقليات من العنف، وتبادر بمناقشات علنية تركز على المصالح المشتركة الملموسة التي تعلو فوق الاختلافات العرقية والدينية. كما أن عليها أن تعمل سريعاً على نزع الأسلحة من الميليشيات الانفصالية والميليشيات الموالية للدولة، وأن تسعى لفرض المحاسبة على جرائم الحرب، وتصلح القطاع الأمني.

 

4. المؤسسات الدولية مهمة

درس مستفاد آخر هو أهمية دفع الدول في المراحل الانتقالية للانضمام إلى المؤسسات والآليات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان. لعل الاتحاد السوفيتي فريد من نوعه في هذا الصدد، نظراً للدور الهام الذي لعبته دول الاتحاد السوفيتي السابق في العضوية في الاتحاد الأوروبي والمجلس الأوروبي. لكن الدرس أكثر عمومية: النظام الدولي الآن يضم باقة من الآليات والمؤسسات الخاصة بحماية حقوق الإنسان وإصلاح القضاء والأجهزة الأمنية وغيرها من الهيئات الحكومية المطلوبة لتقدم حقوق الإنسان. هذه المؤسسات يجب ألا تكتفي بتصديق الدول على المواثيق الدولية الخاص بها. من الضروري أن تشارك هذه المؤسسات بقوة في دعم الإصلاح الديمقراطي والحقوقي في الدول "الانتقالية".

بصفة الكثير من دول أوروبا الشرقية كانت تنتظر الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد الثورات، فقد كان لديها الدافع لتنفيذ إصلاحات في نظمها السياسية والقضائية. عضوية الاتحاد الأوروبي لم تكن من الكروت التي تم التلويح بها لدول الاتحاد السوفيتي السابق، باستثناء دول البلطيق. بعض الدول – منها روسيا وأوكرانيا ودول جنوب القوقاز – عُرض عليها العضوية في المجلس الأوروبي. كان المتوقع أن تجري إصلاحات مؤسسية كبيرة كجزء من عملية الانضمام والعضوية. على سبيل المثال كان المطلوب منها إلغاء عقوبة الإعدام وإصلاح منصب المدعي العام بما يدعم المحاكم ونقل السجون من الداخلية إلى العدل. لا يجب المغالاة في أثر هذه الإصلاحات. على سبيل المثال ما زال مكتب المدعي العام في أغلب دول الاتحاد السوفيتي السابق المنضمة للمجلس الأوروبي يتمتع بسلطات غير متناسبة، وما زالت المحاكم تعاني من قلة الاستقلالية. لكن الإصلاحات التي جرت تاريخية وهامة.

الأهم، أن العضوية منحت المواطنين بتلك الدول حق اللجوء للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فوفرت لهم محفلاً للعدالة في حال خذلتهم نظمهم العدلية المعيبة.

وفي الوقت نفسه، تمت دعوة كل من هذه الدول إلى الانضمام مبكراً – قبل أن تستقيم سياساتها الحكومية على النحو الكافي مع معايير المجلس الأوروبي، مع مجادلة أنصار الانضمام للمجلس الأوروبي بأنه كان من الأفضل إدخال هذه الدول في وقت أبكر، حتى إذا لم تقم بالوفاء بالمعايير. قالوا إنه كان من الممكن إنجاز ما هو أكثر بالاستمرار في الاشتباك مع الإصلاحات ما إن تصبح هذه الدول أعضاء في المجلس الأوروبي. لكن بعد عشرة أعوام، فالكثير من انتهاكات حقوق الإنسان التي كانت تعاني منها هذه الدول قبل الانضمام، ما زالت مستمرة، وتدهور حالها، وتبذل آلية المراقبة بالمجلس قصارى جهدها من أجل حمل هذه الدول على الامتثال. أذربيجان على سبيل المثال أُدخلت إلى المجلس الأوروبي في عام 2000، بعد أيام من انتخابات برلمانية معيبة للغاية. الانتخابات منذ ذلك التاريخ تعتبر ممارسة جوفاء، وأدت إلى إشعال العنف السياسي في عامي 2003 و2005.

رغم أن روسيا دخلت المجلس الأوروبي وسط حربها المروعة الأولى في الشيشان، فإن التجمع البرلمان للمجلس الأوروبي كانت لديه الشجاعة السياسية لتجميد حقوق روسيا في التصويت لمدة ستة أشهر بسبب الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني أثناء نزاع الشيشان الثاني. إلا أن التجمع البرلماني أعاد حق التصويت دون فرض أي ضمانات بأن الجناة في المذابح وأعمال التعذيب والاختفاءات القسرية سيحملون المسؤولية. بعد عشرة أعوام، ما زال هذا لم يحدث.

أدخل المجلس الأوروبي دول الاتحاد السوفيتي السابق ذات سجل حقوق الإنسان الرديء، مما أعطى الملايين الحق في اللجوء للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لكن أدى هذا أيضاً إلى النيل من موارد المحكمة. ما كان هذا ليصبح مشكلة كبرى إذا لم تخفق تلك الحكومات في تنفيذ أحكام المحكمة. هذا الإخفاق يهدد سلامة المحكمة ويؤدي إلى إغراقها بقضايا مماثلة لقضايا سبق وأصدرت فيها أحكاماً ملزمة. من الأمثلة الواضحة، إخفاق روسيا العنيد في تنفيذ نحو 170 حكماً للمحكمة الأوروبية، خلصت فيها المحكمة إلى مسؤولية روسيا عن الاختفاءات القسرية والتعذيب والإعدام وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان في الشيشان.

 

5. إنشاء معايير مرجعية قوية لحقوق الإنسان

تجربة منطقة الاتحاد السوفيتي السابق – لا سيما وسط آسيا – تلقي الضوء على أهمية فرض معايير مرجعية قوية لحقوق الإنسان، كشرط للاشتباك مع المجتمع الدولي، مع السعي الحثيث لتنفيذ هذه المعايير.

أحد التطورات المحبطة في هذا المجال إخفاق الاتحاد الأوروبي في التمسك بالمطالبة بتحسين أوضاع حقوق الإنسان في أوزبكستان، كشرط لإسقاط العقوبات المفروضة على الحكومة إثر قيام القوات الحكومية في مايو/أيار 2005 بقتل مئات المتظاهرين المدنيين، وأغلبهم عُزل، في مدينة أنديجان. كانت العقوبات مخففة وتستهدف أفراداً بعينهم، من فرض حظر أسلحة رمزي وحظر تأشيرات سفر على حفنة من المسؤولين الحكوميين. لكن ما إن تم تبني العقوبات، قامت عدة دول بالاتحاد الأوروبي بتقويضها، إذ أرسلت رسائل مختلطة لم تخطئها الحكومة الأوزبكية.

لقد جعل الاتحاد الأوروبي الإفراج عن نشطاء حقوق الإنسان شرطاً لرفع العقوبات، لكن عندما أنهى نظام العقوبات في عام 2009، كان هناك 12 ناشطاً ما زالوا داخل السجون. وفي تحرك ما كان ليؤدي إلا لتشجيع الحكومة الأوزبكية على بقاء الحال على ما هو عليه، برر الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات بالإشارة إلى "الخطوات الإيجابية" التي اتخذتها الحكومة الأوزبكية، مثل الموافقة على عقد حوار لا ضرر ولا نفع منه، بمجال حقوق الإنسان، مع الاتحاد الأوروبي. بعد عامين، لم يؤد الحوار مطلقاً لأي نتائج على حالة حقوق الإنسان في أوزبكستان.

الدرس هنا ليس أن العقوبات غير مجدية، بل أنها لن تجدي إلا إذا اتحدت الدول في المطالبة بتنفيذها بالشكل السليم. المسؤولون الإقليميون ليسوا أغبياء. فهم يعرفون متى يكون نظرائهم جادين في خطابهم ومتى يكون خطابهم محض كلام، وإن كان سيكون ذات أثر حقيقي عليهم أم لا.

من الدروس المتصلة، أن منح الحكومات المسيئة وضعاً استثنائياً على ضوء أهميتها الاستراتيجية، يخرب الجهود الرامية لتحسين سجلها الحقوقي. صناع السياسة الغربيون وصناع السياسة في الاتحاد الأوروبي يشيرون إلى كازاخستان دائماً بصفتها قيادي إقليمي في منطقة صعبة الأحوال. بقيادة من ألمانيا وفرنسا رحب الاتحاد الأوروبي بعرض كازاخستان برئاسة منظمة الأمن والتعاون  في أوروبا في عام 2010 ورئاسة قمة المنظمة، رغم ما هو معروف عن كازاخستان بالاستبداد الناعم، مما يعني أنه اختيار غير ملائم لمنظمة مهمتها تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان.

الرهان على أن رئاسة المنظمة ستدفع بكازاخستان للإصلاح كان خائاً. مر عام على القمة وعلى انتهاء الرئاسة، وسجل كازاخستان يتدهور. على سبيل المثال، تبنت السلطات قانوناً قمعياً جديداً عن الأديان في أكتوبر/تشرين الأول، وأعادت نظام السجون إلى اختصاص وزارة الداخلية، وحبست أحد أبرز نشطاء حقوق الإنسان.

على الفاعلين الدوليين أن يتعلموا من تجربة ما بعد الاتحاد السوفيتي، أن النظر إلى حقوق الإنسان والمصالح الأمنية ككروت يمكن المساومة عليها وتبادلها اختيار غير موفق، وأن القادة القمعيين يريدون من الفاعلين الدوليين اللجوء لهذه العملية، وأن المساومة مع المستبدين على حقوق الإنسان لن تؤدي إلى نتاج جيد، وهذا من حيث المبدأ.

في أحيان كثيرة، يقاوم الفاعلون الغربيون رؤية ما لديهم من نفوذ في العلاقات مع الحكومات المسيئة. على سبيل المثال، مع اللهفة على تأمين طرق بديلة إلى داخل أفغانستان لتفادي باكستان الأقل استقراراً، طورت الولايات المتحدة ما يُعرف باسم شبكة التوزيع الغربية، وهي شبكة من الممرات تمر في روسيا وآسيا الوسطى – وتمد أفغانستان بإمدادات من غير الأسلحة. ومن أجل "تحلية" العلاقات مع أوزبكستان، وهي دولة هامة في هذه الشبكة، تلوح الولايات المتحدة بالتنازل عن القيود المفروضة على المساعدات، وتشمل المساعدات العسكرية، للحكومة الأوزبكية، وهي القيود التي ظهرت في عام 2004، وذلك بالتخلي عن قضايا حقوق الإنسان.

يبدو أن صناع السياسات يقللون من شأن المساعدات المالية وغيرها من الامتيازات التي تجلبها شبكة الطرق المذكورة لأوزبكستان، في الوقت الذي يجب فيه التلويح بهذه الامتيازات لقاء مراعاة المسوؤلين الأوزبك لقضايا حقوق الإنسان. لكن بالتنازل عن جميع القيود على المساعدات – ومنها المساعدات العسكرية – دون الإصرار على تحسين الأوضاع، تساعد الولايات المتحدة في استتباب وضع حكومة قمعية للغاية، وربما يؤدي ذلك في النهاية إلى اضطرابات طويلة الأمد في أوزبكستان وآسيا الوسطى. كما يرسل ذلك رسالة خاطئة للمواطن الأوزبكي العادي، مفادها أن الولايات المتحدة لا تبالي بمشاكله.

 

6. دعم مجتمع مدني قوي

من الدروس الإيجابية في السنوات العشرين الماضية، أهمية دعم المجتمع المدني في البلدان التي تمر بمراحل انتقالية، وما بعد المراحل الانتقالية. هناك منظمات ومنافذ إعلامية – في غياب توازنات الحكم وآليات الرقابة في نظم ما بعد الاتحاد السوفيتي القمعية – تبذل قصارى جهدها لمحاسبة حكوماتها، وذلك في أغلب الأحيان بتوفير خدمات لمساعدة الجمهور على معرفة ما يدور في أروقة الحكومات من فساد.

في بلدان كثيرة، أصبحت هذه المجتمعات الحقوقية والإعلامية الآن عميقة الجذور ومزدهرة، مما يؤدي إلى نسيان أنها حديثة التشكيل. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يخطئ أحد ويرى أن حيوية هذه المؤسسات دائمة وراسخة. شهدت السنوات العشر الأخيرة تبني حكومات المنطقة واحدة تلو الأخرى قوانين تقيد عمل منظمات المجتمع المدني مع استخدام مجموعة من الأدوات البيروقراطية في مضايقة وتحميل هذه المنظمات بالأعباء، وفي بعض البلدان، قامت بسجن أعضاء المنظمات. إن تهيئة مجتمعات مدنية في شتى أنحاء المنطقة من الإنجازات التي شهدها عهد الجلاسنوست، وعلى صناع السياسات دعم هذه المنظمات الآن أكثر من ذي قبل.

الفرق بين سقوط الاتحاد السوفيتي وثورات الربيع العربي كبير وواضح. لكن عشرين عاماً هي عمر تجربة ما بعد الاتحاد السوفيتي تجربة ثرية لابد أن يرى معها صناع السياسات ضرورة التماس مختلف فرص التغيير في الشرق الأوسط، ويقودهم في ذلك ما هو أكثر من التفاؤل، يقودهم الالتزام الدائم بإحقاق المبادئ العالمية، والإصلاحات المؤسسية بعيدة الأثر، والدعم القوي لشعوب مستمرة في النضال من أجل المبادئ والإصلاحات معاً.