Skip to main content

ما قبل الربيع العربي: بشارات ذوبان الثلج

بقلم: إريك غولدستين

حتى رغم أننا – كمتخصصين في حقوق الإنسان – نقضي وقتاً طويلاً نبحث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من كافة الأوجه، نتحدث إلى المستضعفين، إلى المضطهدين، والمرابطين بكل عناد... كان توقيت ومدى انتشار الثورات التي زلزلت المنطقة في عام 2011 مدهش ومفاجئ لنا، كما كان مفاجئاً لصناع السياسات والباحثين والدبلوماسيين والصحفيين.

لماذا لم نتوقع هذه الأحداث؟ من الأسباب أننا لم نقدر بشكل صحيح مدى غلظة بعض النظم المستبدة، كما لم نقدر مطالب الحياة الأفضل حق قدرها، وتُقاس جزئياً بمعايير حقوق الإنسان. نعم، سمعنا الكثير عن "الحُجرة"، وهو اصطلاح جزائري يُستخدم في شتى أنحاء شمال أفريقيا للدلالة على ازدراء الحُكام لشعوبهم. لكن أخفقنا في رؤية مدى سرعة اشتعال الثورة في المنطقة، والتي كانت إلى حد بعيد، صراع ونضال من أجل الكرامة.

إنه مفهوم محوري في عالم حقوق الإنسان. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يُقر بـ "الكرامة الأصيلة" للإنسان كونها أساس للحرية والعدالة والسلام العالمي. القرآن يقول "ولقد كرمنا بني آدم"، بينما الفلاسفة المعاصرون ربطوا بين الكرامة وحقوق الإنسان. مارثا نوسباوم، على سبيل المثال، كتبت أن جميع الأشخاص "متساوون في الكرامة والاستحقاق". المصدر الأساسي لهذه القيم، على حد قولها، هو سطوة الاختيار الأخلاقي الكامن في البشر الذي يعطيهم حقاً في المطالبة بأنواع بعينها من المعاملة، من المجتمع والسياسة. "هذه المعاملة لابد أن... تحترم وتدعم حرية الاختيار، و... تحترم وتدعم مساواة الأفراد من حيث كونهم مصدر للاختيار" على حد قولها.

إن مفهوم الكرامة محوري للغاية في حقوق الإنسان لدرجة أنه – بالنسبة لي على الأقل – أصبح  معنى مجرداً، إلى أن أجبرتني احتجاجات الربيع العربي على تأمل معنى هذه الكلمة. قبل أن يشعل محمد البوعزيزي النار في نفسه في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 بكثير، احتجاجاً على المعاملة المهينة التي صادفها ذلك اليوم – فأشعل احتجاجات خلعت الرئيس زين العابدين بن علي بعد شهر ونشرت الثورة لمسافات بعيدة، حتى سوريا والبحرين واليمن – كانت هناك احتجاجات لا حصر لها، لا تقل غضباً من المهانة، ومرت مرور الكرام. لكنها أضافت إلى حالة الغضب التي أرجعت صدى فعلة البوعزيزي الغاضبة لآخر مدى.

في 2004 على سبيل المثال، جلس صلاح الدين العلوي – المهندس الزراعي التونسي الذي خرج حينها من 14 عاماً في السجن على نشاطه السياسي – جلس في سوق في تونس ورفع لافتة يعرض فيها بيع بناته، في سخرية لاذعة مريرة. منعته حكومة بن علي من إعال أسرته، إذ ضغطت على اصحاب العمل حتى لا يستخدمون السجناء السياسيين المفرج عنهم، وفرضت عقوبة لمدة 16 عاماً بعد انتهاء مدة السجن من المراقبة الإدارية، عليه بمقتضاها الخضوع لمتطلبات المرور على مركز الأمن والتوقيع بالحضور، وهو ما يستهلك الوقت والمجهود.

هذا السعي الحثيث للكرامة – وتشمل الحق في حكم الإنسان لذاته – اتضح في شتى أنحاء تونس يوم الانتخابات، في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، إذ انضم أكثر من 80 في المائة من الناخبين المسجلين لطوابير طويلة للتصويت في أول انتخابات حرة تشهدها تونس، وفي تلك الانتخابات كان الاختيار لأعضاء المجلس التأسيسي الذي سيكتب الدستور. وقال لي أحد الناخبين: "هذه أول مرة أقف في طابور ثلاث ساعات وأنا أبتسم".

كذلك كان مطلب الكرامة هو الذي لم شمل الطبقة المتوسطة المصرية المشتتة على التحرك الجماعي، كما قال رامز محمد – خريج هندسة الكمبيوتر البالغ من العمر 26 عاماً ويعمل في مجال الاتصالات – لصحيفة نيويورك تايمز في فبراير/شباط 2011:

حجب [الحكومة] للاتصالات والإنترنت في 28 يناير/كانون الثاني كان أحد أسبابي الرئيسية – ومعي الكثيرين غيري – للنزول إلى الشوارع... تخيل أن تجلس في بيتك، دون أي اتصال بالعالم الخارجي. اتخذت القرار: "هذا كلام فارغ، نحن لسنا خراف في قطيعهم". نزلت وانضممت للمظاهرات.

وبالنسبة للكثير من الليبيين، جاءت الكرامة مع تمرد أظهر للعالم "نحن لسنا القذافي" – القائد الذي تماثلت صورته مع ليبيا لأربعين عاماً – بل شعب قادر على تحديد مصيره.

لقد أخفقنا في التنبؤ بالربيع العربي لأننا ركزنا جهودنا على العرض أكثر من الطلب، فيما يخص حقوق الإنسان. أي أننا كنا أكثر اهتماماً بمقدار ما "تعرضه" الحكومات (أو لا تعرضه) من فرصة لممارسة الحقوق الأساسية، أكثر من تركيزنا على مطالب الشعوب الخاصة بممارسة هذه الحقوق، رغم المخاطر التي تأتي مع هذه المطالب.

كنا نميل لأن نرى بالأساس تلك الحكومات المستبدة – التي لم تخف قبضتها عن الشعوب يوماً رغم تسامحها مع تعددية تحت السيطرة وإعلام مطبوع مستقل على استحياء، ومجتمع مدني هش. لم نمنح التوقعات والمطامح المتزايدة حق قدرها، والتي تحولت في عام 2011 إلى ثورات عارمة، وخلالها قدم آلاف المتظاهرين السلميين أرواحهم، في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين.

هو خطأ يمكن تفهمه إلى حد ما. فبعد كل شيء، مع بداية العام، كانت أغلب المجتمعات العربية تعيش في ظل حُكام مستبدين منذ عقود. والأقل ظهوراً كان نشاط حقوق الإنسان، والاحتجاجات الاقتصادية والسياسية التي راحت تحتشد في بطء في العديد من الدول العربية أثناء السنوات العشر الأخيرة

على سبيل المثال، ظهرت حركة كفاية في مصر عام 2004، وخلطت بين مظاهرات الشوارع والنشاط على الإنترنت في سعي لمعارضة فترة جديدة للرئيس حسني مبارك ولرفض تجهيزه ابنه للرئاسة من بعده. اشتدت حمية الحركة العمالية في مصر. في أبريل/نيسان 2008 أدى قمع الشرطة لإضراب عمال الغزل والنسيج في المحلة الكبرى إلى مقتل أربعة أشخاص. وتم تشكيل مجموعة على الفيس بوك بعنوان حركة شباب 6 أبريل للتضامن مع المحلة، وتزايدت سريعاً إلى عشرات الآلاف من الأعضاء، والكثير من الأعضاء شباب ومتعلمون بلا تاريخ من النشاط السياسي. كانت تلك الحركة من بين أهم منظمي مظاهرات ميدان التحرير التي بدأت في 25 يناير/كانون الثاني 2011.

وهناك قصة مماثلة في تونس، حيث عصفت المظاهرات في عام 2008 بمنطقة قفصة القصيةحيث ملأ الفقراء والعاطلين عن العمل الشوارع لمعارضة المحسوبية في استخدام شركات التعدين الحكومية للعاملين. عندما ردت الشرطة بالاعتقالات الجماعية والتعذيب، تشكلت شبكة تضامن قوية، وحزب سياسي، واجتمع نشطاء حقوق الإنسان لدعم ضحايا قفصة. بينما سحق الرئيس بن علي في النهاية مظاهرات قفصة ومنع المؤيدين لها من كسب الزخم، كانت محصلة تظاهرات "الداخل" التونسي المحروم وحركة التضامن في الشمال، مقدمة لثورة ديسمبر/كانون الأول 2010 ويناير/كانون الثاني 2011 التي غيرت النظام.

وبعد اتحاد شمال وجنوب اليمن في عام 1990، ازدهر المجتمع المدني وتمكن إلى حد بعيد من مناوءة جهود الرئيس علي عبد الله صالح منذ عام 2007 الرامية لقمع الإعلام المستقل والجمعيات المستقلة، وهو يتولى السلطة منذ عام 1978. في مطلع عام 2011 أصبح قيادات المجتمع المدني قوة هامة في المظاهرات التي طالبت برحيل الرئيس. (الحركة المعارضة لصالح اكتسبت القوة أيضاً من المتمردين الحوثيين في الشمال والانفصاليين في الجنوب، ويزعم هذان الطرفان أنهما تعرضا للتمييز من الحكومة المركزية، وجاء الدعم أيضاً من فرقة عسكرية منشقة ومن ميليشيات تابعة للقبائل).

حتى في سوريا وليبيا – حيث توجد حكومات من أقسى حكومات المنطقة – تسارعت وتيرة الاهتمام بحقوق الإنسان على مدار السنوات العشر الأخيرة. في سوريا ظهر "ربيع دمشق" الإصلاحي ولجان إحياء المجتمع المدني التي بدأت عملها بعد تولي بشار الأسد بقليل للرئاسة من والده في عام 2000، وكذلك إعلان دمشق عام 2005، الذي ظهر فيه تصميم جديد من مجموعات صغيرة من السوريين راحوا يطالبون بالحقوق الأساسية، رغم أن الكثير منهم انتهى مصيرهم إلى السجن لمدد طويلة. وفي ليبيا، أصبح أهالي ضحايا مذبحة سجن أبو سليم عام 1996 أول مجموعة في ليبيا تتظاهر بشكل منتظم في الأماكن العامة بعد أن أمرت محكمة في شمال بنغازي في عام 2008 بأن تكشف الحكومة مصير سجناء أبو سليم الذين "اختفوا".

بالإضافة إلى هذه المواجهات المباشرة، كانت هناك عناصر أهدأ وأقل ظهوراً للمعارضة في طور التشكل.

في تونس، بعد أن اختفى المتعاطفون مع حقوق الإنسان في مطلع وأواسط التسعينيات تحت ضغوط حكومة بن علي، عادوا للظهور بعد سنة 2000. في عام 2001 على سبيل المثال، وجدنا أستاذ صحافة يحضر فعاليات من تنظيم الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، ويطلع الزوار الأجانب على نقص الحريات الإعلامية. قبل خمس سنوات فقط، كان قد رفض مقابلة هيومن رايتس ووتش لأنه كان يخشى الاستجواب والمراقبة من الشرطة السرية. أما أهالي السجناء السياسيين الذين رفضوا قبل سنوات التواصل مع منظمات حقوق الإنسان الدولية خشية الانتقام منهم أو من أقاربهم المحبوسين، أصبحوا يسعون للتحدث مع هذه المنظمات ويسعون للكشف علناً عن مصاب أقاربهم المحتجزين.

ما الذي تغير؟

بالنسبة لأستاذ الصحافة، كان الإحساس الجديد بأن المجتمع المدني الذي أصيب بالشلل لمدة طويلة وأنه حان وقت اتخاذ موقف. بالنسبة لأهالي السجناء السياسيين، كان إدراك أن الصمت لم يعد عليهم بأي مكاسب وأن أقاربهم ما زالوا في السجون، ولم يعد شيء يخسروه. النتيجة هي تشكل دائرة خارجية حول النشطاء الأصلب، دائرة من الأفراد المستعدين لاتخاذ موقف، ولو حتى بشكل أقل علانية، فيما يخص قضايا حقوق الإنسان.

عزز من هذه التغييرات انتشار تقنيات الاتصال الحديثة التي قربت ما بين النشطاء، بأقل تكلفة، مع توفر جمهور داخلي ودولي لهؤلاء النشطاء. ومع القدرة على تبادل المعلومات والآراء بشكل آمن ودون كشف السرية، شجعت صلات هؤلاء النشطاء بشبكات أكبر على الاستمرار رغم القمع. كما شجعتهم على صياغة مطالبهم الخاصة بالتغيير من منطلقات حقوق الإنسان، وهو إطار عالمي وغير متحيز لأي طرف يمكن لجمهورهم أن يقبله بغض النظر عن توجهاته السياسية.

وفي الوقت نفسه، بدأت الحكومات تقر بأنها غير قادرة على تجاهل صورتها الخاصة بحقوق الإنسان. الزعماء الذين سبق وقللوا من شأن حقوق الإنسان وقالوا إنها مفهوم غربي وأجنبي على الثقافة المحلية، بدأوا في التسعينيات يشكلون هيئات حقوق الإنسان الخاصة بهم ويدعمونها.

بحلول سنة 2000، كانت هذه الهيئات أو المجالس تعمل في كل دول المنطقة تقريباً. عملاً، أغلب هذه المنظمات جمّلت إلى حد ما من سجل الحكومة، بينما حاولت هيئات أخرى تشتيت الانتباه عن الانتهاكات. القصد هنا ليس الغرض من هذه الهيئات، بل كونها تعكس إقرار الحكومات بحقوق الإنسان كعامل هام للحُكم على أداء الحكومات، سواء داخلياً أو دولياً.

هناك مؤشر آخر على الوعي بحقوق الإنسان في هذه الدول، هو عدد الضحايا الكبير أو الشهود الذين أصبحوا يوافقون على إمداد محققي حقوق الإنسان بالأدلة. عندما يسعى باحثونا للاطلاع على أقوال أشخاص، مثلاً بشأن التعذيب أو السجن غير القانوني، يشرح باحثونا لهم أننا نحضر لتقرير علني لفضح الانتهاكات وللضغط على الحكومة كي تكف عن الانتهاكات. ونظراً لقلة ما يمكننا أن نعد به الضحايا وشهود العيان من أمان، كان من المدهش والمؤثر أن نرى كيف يوافق أغلبهم على رواية ما عندهم من أحداث. روايتهم لتجاربهم أعطاهم إحساساً بالكرامة، أو بتكريم الضحايا، وتأطير ما يعتبر دون الحكي واقعة محلية شاهدة على القسوة والظلم يُحكم عليها بإطار قانوني دولي مبني على المواثيق التي التزمت حكوماتهم باحترامها. الشهادة حول القتل غير القانوني يصل الأهالي ببعضهم البعض، ويؤدي لظهور أنماط الانتهاكات مما يؤدي لتقويض جهود الحكومات الرامية للتقليل من شأن الانتهاكات أو عرضها بصفتها حوادث فردية معزولة.

أحداث عام 2011 تذكرنا بأن تأكيد المرء على حقوقه في مواجهة الحكومات المستبدة لا يعني اعتناقه كافة الحقوق لكل الناس. مطالب حقوق الإنسان ربما أعطت الحيوية للمظاهرات التي زلزلت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2011. لكن حماية الحقوق – لا سيما حقوق القطاعات المستضعفة من الشعب – تبقى معركة صعبة في بلدان رحل عنها حكامها المستبدون، وليس فقط في البلدان التي ما زال يحكمها مستبدون.

في الشهور التالية على رحيل بن علي ومبارك على سبيل المثال، تظاهرت السيدات في تونس ومصر للمطالبة بالمساواة، لكن تعرضن للصفع والتحرش والتهديد من قبل معارضين للمظاهرات. قام متظاهرون في تونس في يونيو/حزيران باقتحام دار سينما وأحرقوا منزل مسؤول بقناة تلفزيونية في أكتوبر/تشرين الأول احتجاجاً على برامج يرونها مهينة للإسلام. في ليبيا أساء الثوار الليبيون معاملة الآلاف من العمال المهاجرين الأفارقة، بحجة أنهم مرتزقة لمعمر القذافي. وفي مصر ألقت الأحداث الطائفية بظل ثقيل على الوحدة بين المسلمين والمسيحيين التي رأيناها في المظاهرات المعارضة لمبارك.

هذه المنطقة التي أصبح من الصعب التنبؤ بأحداثها وأحوالها سريعة التبدل، يُرجح أن تأتينا بمفاجآت جديدة في عام 2012. مع زيادة الطموحات للحياة الكريمة التي زلزلت أركان حكومات كثيرة في المنطقة في عام 2011، ربما تظهر ثورات جديدة ضد الحكومات الجديدة في تونس وبلدان أخرى، إذا لم تحقق هذه الحكومات تلك الطموحات. إننا لم نتوقع الربيع العربي لأننا لم نراع بشارات ذوبان الثلج الأولى. لكننا سنتذكر جيداً ما أظهرته لنا الشعوب العربية من قوة الطموح للكرامة، وهي قوة يُرجح أنها لن تتراجع أو تنحسر قريباً.