Skip to main content

من يكتب الأخبار؟

تغير المشهد الإعلامي ومنظمات المجتمع المدني

الافتتاحية

 
التقرير العالمي 2011: فعالية مظهرية

إساءة استخدام لغة الحوار، والتعاون، مع منتهكي حقوق الإنسان

المقالات

 
المدارس ساحات للقتال

حماية الطُلاب والمعلمين والمدارس من الهجمات

 
من يكتب الأخبار؟

تغير المشهد الإعلامي ومنظمات المجتمع المدني

بقلم كارول بوغارت

هذا زمن رديء على المراسلين الأجانب. فقد أدى مزيج من التحديات التكنولوجية وعوامل الكساد الاقتصادي إلى خصومات كبيرة في ميزانية الأقسام الخارجية في الكثير من المنافذ الإعلامية الغربية. فقد الكثير من المراسلين الأجانب وظائفهم، وهناك عدد كبير ممن ما زالوا يعملون يخشون فقدان وظائفهم ويخشون على مستقبلهم. وفي الوقت نفسه فإن جمهور الأخبار يراقبون التغطية الدولية في المنافذ الإعلامية تتقلص في صفحات الصحف الكبرى. ورد في دراسة ظهرت مؤخراً أن عدد المواضيع الإخبارية الخارجية المنشورة في صحف بريطانية تراجعت بنسبة 80 في المائة من عام  1979  إلى عام 2009.[1] وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن 20 من دولها الأعضاء الـ 31 تواجه تراجعاً في مقروئية صحفها،[2] لأن التغطية الخارجية مكلفة مادياً فعادة ما تكون صفحات العالم الخارجي هي أول ما يخضع للاقتطاع.

بينما قد تكون التغيرات التي يشهدها عالم الإعلام صعبة على الصحفيين ومقلقة لجمهور الإعلام والأخبار، فإن لها أيضاً تداعيات كبيرة على منظمات المجتمع المدني الدولية مثل هيومن رايتس ووتش. فلطالما كان المراسلون الصحفيون في أقسام التغطية الخارجية قناة هامة للمنظمات غير الحكومية الدولية على مسار نشرها لما لديها من أخبار على نطاق واسع، والانحسار في التغطية الإخبارية على مستوى العالم يشكل تهديداً لفاعليتها إذن. وفي الوقت نفسه، فليست كل تداعيات هذا التغيير سلبية. فهناك أيضاً في أيامنا هذه فرص تتهيأ لمن يهتمون بمحاولة نشر ما لديهم من أخبار. هذا المقال محاولة لفحص المخاطر المترتبة على منظمات المجتمع المدني الدولية[3] وما لها من فرص متاحة، في خضم هذه التغيرات المصيرية في المشهد الإعلامي.

بالطبع منظمات المجتمع المدني من كافة المشارب والتوجهات قادرة على إنجاز الكثير دون الحاجة للإعلام على الإطلاق. نشطاء حقوق الإنسان يتّمون أغلب مهامهم البحثية بعيداً عن أعين الرأي العام، إذ يعقدون الاجتماعات الخاصة مع الدبلوماسيين، ويعقدون مباحثات وراء الأبواب المغلقة مع المسؤولين الحكوميين، وينظمون جلسات لمناقشة التوجهات الإستراتيجية مع منظمات مجتمع مدني أخرى زميلة. وبالطبع فإن المقابلات مع الضحايا وشهود العيان الواجب حماية خصوصيتهم وسلامتهم يجب أن تتم بعيداً عن الترويج الإعلامي. منظمات المجتمع المدني التي تضطلع بجهود بحثية ميدانية قد تكون بينها والصحفيين روابط قوية، لكن البحوث هي جزء من مهمتها الهامة المتمثلة في الدفع من أجل التغيير المجتمعي.

ليست جميع منظمات المجتمع المدني تتعامل مع المراسلين الأجانب. في واقع الأمر، فالعكس هو الصحيح. فأغلب نشطاء منظمات المجتمع المدني يعملون داخل حدود دولهم. إذا كان الإعلام المحلي حراً إلى حد ما على الأقل، فمن المرجح أن يكون هنالك تركيزاً أكبر على نشاطهم في الإعلام المحلي. الإعلام الدولي والإٌليمي قد يخدمان كسبل إضافية للضغط على حكومات هؤلاء النشطاء، لكن التغييرات في تمويل وقوام المراسلين الأجانب ليس ذات أثر كبير على نشاطهم على طول الخط.

ولمنظمات المجتمع المدني علاقات معقدة ومتقلبة مع الصحفيين. فهم يعملون بمعدلات مختلفة عن معدلات العمل الإعلامي، ويستغرقون في كل الحالات تقريباً وقتاً أطول قبل نشر نتائجهم، ويشعرون بأن لا صلة لهم بتغذية أجبار الساعة والحديث عن الشخصيات المعروفة والمشاهير، مما يسيطر في بعض الحالات على الإعلام التجاري. وكثيراً ما يشعرون أنه في خضم الهرولة للحاق بدورة الأخبار، فإن حقائق هامة قد تُنسى أو تُنزع من سياقها، وأن الخبر الرئيسي للموضوع قد لا يكون وحده هو الزاوية الأهم أو الأقرب لما يريدونه من جهودهم الخاصة بالضغط من أجل التغيير.

وفي الوقت نفسه، ومع وجود استثناءات قليلة، فإن منظمات المجتمع المدني تسعى دائماً لتسليط الإعلام الأضواء على ما تبذل من عمل وجهد. المشهد الإعلامي المتغير إذن يفرض تحديات واحتمالات جديدة على هذه المنظمات، لا سيما من تتبنى منها فكرة أن الإعلام الدولي قناة هامة للانتشار الواسع لما لدى هذه المنظمات من معلومات.

منظمات المجتمع المدني والمراسلين الأجانب: علاقة تبادلية

أحد أنجع أدوات منظمات المجتمع المدني الدولية كانت دائماً وتبقى "فضح الانتهاكات" أي الكشف عن انتهاكات محددة لحقوق الإنسان والتعريف بمن هم مسؤولين عنها. يمكن قياس فائدة هذا الأسلوب جزئياً من خلال الموارد التي تكرسها الحكومات للرد على هذه الفضائح. في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بجنيف، على سبيل المثال، تجري وفود الحكومات جهوداً وحملات دبلوماسية مضنية من أجل تفادي التعرض للانتقاد العلني.

يمكن أن تؤدي الدعاية السيئة المترتبة على الدول إلى تحرك الحكومات. عندما ظهر مقطع فيديو في أكتوبر/تشرين الأول 2010 يظهر فيه مزارعان اثنان من بابوا نيو غينيا يتعرضان للتعذيب على أيدي جنود أندونيسيين؛ لا شك أن الحكومة الأندونيسية أحست بالضغط كي تتحرك. كان من المقرر أن يزور الرئيس الأمريكي باراك أوباما إندونيسيا ذلك الشهر ولم ترغب أي من الحكومتين في أن تهيمن قضية التعذيب المذكورة على عناوين الأخبار. من ثم فإن الحكومة الأندونيسية - المعروفة بالتخاذل في معاقبة جنودها على انتهاكات حقوق الإنسان - قامت فوراً بمحاكمة وإدانة أربعة جنود بتهمة التعذيب.[4] وكان من الواضح أن ما فعلته هو رد على الضغوط الإعلامية التي تطلبت منها هذا التحرك.

أما بالنسبة للمنظمات التي لا تتمتع بدعم شعبي واسع أو نظام موسع للعضوية فيها، فإن التغطية الإعلامية قد تكون بديلاً ناجعاً للضغط الجماهيري. في بلدان قليلة للغاية - وفي ظروف جد محدودة - يتم تحريك الرأي العام بجدية بشأن قضايا السياسة الخارجية. مثلاً النزاع الإسرائيلي الفلسطيني له القدرة على جمع الآراء العامة حوله من خارج المنطقة - مساندة لطرفي النزاع - وكذلك استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية في الخارج. حملة "إنقاذ دارفور" جمعت مئات الآلاف من الطلاب وغيرهم من المناصرين إلى المظاهرات في الشوارع. لكن هذه استثناءات. بشكل عام، فإن الشؤون الخارجية تجذب اهتمام قطاع محدود من أي مجتمع. التغطية الإعلامية الموسعة لقضية ما قد تساعد في التأثير على السياسات المتخذة حيالها حتى إذا ظل الرأي العام صامتاً إزاء القضية. المذابح الصربية في كوسوفو نهاية التسعينيات من الأمثلة التي تتداعى إلى ذهني؛ فالنقاش العام الموسع في الإعلام وغيره من القنوات، ساعد على بناء الضغط على صناع السياسات بحلف الناتو من أجل التحرك.

كما أن التغطية الإعلامية قد تخدم كـ "خاتم بالموافقة" على جهود الضغط التي تبذلها المنظمات الدولية. عندما تقتبس مطبوعة شهيرة بارزة أقوال مسؤول بمنظمة مجتمع مدني في خبر تنشره، فهي تشير إلى أن كاتب الخبر، المفترض أنه على دراية بالموضوع الذي يغطيه، قد تبين أن المنظمة المذكورة تتمتع بالمصداقية. عندما يظهر متحدث باسم منظمة مجتمع مدني في برنامج تلفزيوني معروف، فهو من ثم يصبح له ثقل أكبر لدى صناع السياسات الذي يحاول الوصول إليهم. قدرة هذا المتحدث على الوصول إلى الإعلام، تجعل منه تهديداً أكبر، وشخصاً يُعامل من قبل صناع السياسات بقدر أكبر من الاهتمام.

إذا كانت منظمات المجتمع المدني المعنية بالضغط من أجل التغيير بحاجة للإعلام، فعلى الجانب الآخر، لابد أن الإعلام يحتاج إليها بدوره. في بلدان عديدة، حيث الصحافة غير مستقلة بشكل كامل، يعتمد الصحفيون على منظمات المجتمع المدني الدولية في قول الأمور التي لا يمكنهم البوح بها. في البحرين على سبيل المثال، تروج العائلة الحاكمة لنفسها على أنها إصلاحية لكنها في الواقع صعبة للغاية في التعامل مع صحيفة مستقلة بحرينية فيما يخص تغطية وقائع تعذيب أثناء تحقيقات الشرطة. أدلى النشطاء والمحتجزون بهذه المزاعم على نطاق واسع، لكن اعتُبرت حساسة للغاية بحيث لا يمكن الحديث عنها بشكل موسع محلياً. عندما نشرت هيومن رايتس ووتش تقريراً عن هذه القضية،[5] غطت الصحيفة المحلية المستقلة هذه القضية بشكل موسع، ونشرت أجزاء كبيرة من التقرير على صفحاتها دون خوف من الانتقام.

المراسلون الأجانب الذين يعملون في بلدان قمعية لا يواجهون نفس التبعات التي يواجهها الصحفيون المحليون لدى الحديث عن حقوق الإنسان أو العدل الاجتماعي. لكنهم بدورهم عليهم الاحتراس من الحين للآخر لتفادي الوقوع في مشكلات فيما يخص تأشيراتهم أو تراخيص العمل. الاقتباس من تقارير لمنظمات مجتمع مدني انتقادية الطابع يصبح إذن أكثر أمناً من نسب المرء الأقوال الانتقادية لنفسه.

ويشعر صحفيون كثيرون برباط قوي يربطهم بمنظمات المجتمع المدني المعنية بالقمع السياسي وإساءة استخدام السلطات. سواء كان مراسل الواشنطن بوست بوب وودوارد أو كارل برنستاين وهما يميطان اللثام عن فضيحة ووترغيت، أو الصحافة الدولية تغطي الحروب في يوغوسلافيا السابقة، فإن الصحفيين عادة ما تحركهم الرغبة في الكشف عن جرائم القادة السياسيين والرغبة في تحقق العدالة.

كارثة على من؟

الغريب أن البلدان الأكثر ثراء هي التي يعاني الإعلام فيها من المرض في زمننا هذا. في الولايات المتحدة، فإن الضربة الثلاثية: الإنترنت والكساد الاقتصادي والإدارة السيئة لعدد قليل من الصحف الكبرى قلّصت كثيراً من كادر المراسلين الأجانب في الصحف الكبرى. العديد من الصحف اليومية، مثل بوسطن غلوب ونيوزداي أغلقت مكاتبها الخارجية تماماً. والشبكات التلفزيونية أغلقت تقريباً جميع مكاتبها الإخبارية بالخارج، وتركت ممثلين محليين لها في بعض العواصم القليلة. صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست، أكبر صحيفتان من حيث التغطية الدولية، يبدو أن مكاتبهما الخارجية مستمرة، من واقع الالتزام الشخصي للعائلات التي ما زالت تملك الصحيفتين، قبل أي سبب آخر. في الولايات المتحدة على الأقل، يبدو أن النموذج التجاري لجمع المعلومات الدولية وتوزيعها قد انكسر.

لا أحد يعلو صوته بشأن التبعات المؤلمة لهذه الاقتطاعات والخصومات أكثر من المراسلين الأجانب للصحف أنفسهم. باميلا كونستابل، مراسلة أجنبية هامة في واشنطن بوست، كتبت عام 2007 قائلة: "إذا كفت الصحف عن تغطية الشؤون العالمية، فأخشى أن ينتهي بنا المطاف بوجود نخبة ميكرسكوبية تقرأ دورية فورين آفيرز وأمة خدرة الأطراف تراقب التفجيرات الإرهابية تظهر للحظات على الشاشات وسط طوفان من المقالات المحلية وترديد الشائعات الخاصة بالمشاهير".[6] وقال كبير المراسلين الخارجيين بصحيفة نيويورك تايمز: "عندما يسألني الشباب النصيحة عن كيف يصبحون مراسلين أجانب، أقول لهم: لا تفعلوا. فالأمر أشبه بأن تصبح حداداً في عام 1919؛ مهنة محترمة ولا يمارسها إلا المحترفون، لكنها على طريق الاندثار".[7]

لكن المراسل الصحفي س. ل. سولزبرغر، أدلى بتعليق مشابه في عام 1969. كل عصر يبكي اندثاره، والمراسلين الأجانب الكبار في السن ليسوا استثناء على هذه القاعدة. ليس من الواضح تماماً إن كان الرأي العام الأمريكي، أو في أي بلدان أخرى حيث المراسلين الأجانب في انحسار، أقل دراية بالمعلومات عن الحال في السابق. فقد أظهرت دراسة واحدة على الأقل، أن الرأي العام الأمريكي في واقع الأمر يعرف بالشؤون الدولية بنفس قدر ما كان يعفر قبل 20 عاماً، قبل الانحسار الموسع في أساليب التغطية الخارجية التقليدية.[8] وبشكل مجمل، حتى في أوساط الرأي العام الغربي، فإن الاستهلاك الإعلامي في زيادة.[9]

وفي الوقت نفسه، ففي بلدان مثل ماليزيا وسنغافورة وفيتنام ودول أخرى، تسمح الإنترنت للعامة بالاطلاع على مصادر إخبارية أجنبية دون فلترة ورقابة حكوماتهم - وهو تقدم هام على مسار توفر المعرفة في شتى أنحاء العالم.[10] وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنه بينها مقروئية الصحف تنحسر من قبل القراء، فالانحسار يوازنه ويعوض عنه كثيراً النمو والازدهار الكبير في صناعة الصحف على مستوى العالم.[11]

هناك عدد من المنافذ الإعلامية في الجنوب العالمي حسّنت من وجودها الدولي في السنوات الأخيرة. قناة الجزيرة والجزيرة الإنجليزية، بتمويل من الأمير القطري، تغطي جملة من القضايا العالمية، رغم أن الشبكة لجأت إلى اقتطاعات في واحدة من مراكز بثها التلفزيوني الدولية الأربع الكبرى. لكن هناك شبكات أخرى لا تفعل المثل. فشبكة زينهوا Xinhua، وكالة الأنباء الصينية التي تديرها الحكومة، ومنافذ إعلامية صينية أخرى مثل قناة CCTV، نادراً ما تتحمس لنشر الأخبار المتعلقة بحقوق الإنسان وهي حساسة للغاية لمثل هذه الأخبار عن الصين أو الدول الحليفة للصين.

خطر ومكسب محتمل

ثورة المعلومات التي تحققت من خلال الإنترنت تعتبر خطر ومكسب محتمل في الوقت نفسه، بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني الدولية التي تراقب انحسار التغطية الإعلامية الغربية للأنباء الخارجية. على جانب، فإن فيضان المطبوعات على الإنترنت والمدونات والفيس بوك والتويتر ومحطات التلفزة وغير ذلك من أصناف الإعلام على الإنترنت، هي فيض صاخب ومُربك. كيف لمنظمات الضغط من أجل التغيير أن تعرف أي وسائل إعلام بينها هي الأهم؟ إذا كان أحد أغراض التغطية الإعلامية، كما هو موضح أعلاه، هو بلوغ صناع القرار، فكيف لنا أن نعرف يقيناً أي قنوات إعلامية يتابعها صناع القرار؟ فيما سبق، في أغلب البلدان، كانت صحيفتان يوميتان ومجلة أسبوعية أو أكثر، وبعض محطات الإذاعة والتلفزة هي جملة ما يُرجح أن يتابعه صناع القرار الحكوميين في هذه الدولة أو تلك. في وقتنا هذا، فإن عاداتهم القرائية أصبح من الصعب كثيراً تخمينها. جمهور الأخبار الدولية تشظى وكثرت فرقه وتنوعت.

هناك دراسة تمت عام 2008 على يد طلاب بجامعة كولومبيا سألوا فيها جملة من المسؤولين المرتبطين بالأمم المتحدة في نيويورك أي وسائل الإعلام يقرأون أو يسمعون أو يشاهدون. من غير المدهش أن ثلاثة أربع المبحوثين ردوا بأنهم يقرأون النيويورك تايمز يومياً. 15 في المائة يقرأون الإكونومست - وهذه ليست بدورها من المفاجآت. لكن عدد غير قليل من المبحوثين قالوا إنهم كثيراً ما يقرآون التدوينات على مدونة "إنر سيتي بريس"، التي تغطي شؤون الأمم المتحدة عن كثب لكنها غير معروفة تقريباً خارج دوائر وأروقة الأمم المتحدة.[12]

الإنترنت تفرض تحدياً وافراً. فمنظمات الدعوة لأجل التغيير، على كل حال، لا تسعى فقط للتغطية الإعلامية بل أيضاً ترد على أسئلة الإعلام. أي من بين من يطرحون الأسئلة يستحقون اهتمام منظمات المجتمع المدني في الوقت القليل المُتاح لها للرد في هذه القضية أو تلك؟ أي من المدونين لن ينجزوا أكثر من تضييع وقت العاملين مع إحداث أثر محدود؟ وكيف يمكن للمرء أن يميز بين هذا وذاك؟ وكم من الوقت ينبغي للعاملين بمنظمات المجتمع المدني أن يقضوه منكبين على أحدث ما يظهر من معلومات على موقع ويكيليكس؟

لكن هناك مكسب محتمل. نفس الإنترنت التي أحدثت ثغرات كبيرة في ميزانيات المنافذ الإعلامية، سمحت لمنظمات المجتمع المدني ببلوغ جمهورها مباشرة. التقنيات التي كانت يوماً محصورة على فئة العمالة المحترفة أصبحت متوفرة للجميع. التقاط صورة شرطي وهو يضرب متظاهر ونقل الصورة إلى الجمهور العالمي هو أمر كان يتطلب نفقات ومعدات باهظة والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا. لم يكن بإمكان أحد أن ينجح في مثل هذا المسعى، إلا حفنة من الصحفيين المُدربين أفضل تدريب. الآن الصور نفسها يمكن أن تُلتقط وتُنقل إلى العالم باستخدام هاتف نقال لا يكلف أكثر من 35 دولاراً. في مصر، أثناء الانتخابات النيابية في نوفمبر/تشرين الثاني 2010 على سبيل المثال، رفضت الحكومة المراقبين الدوليين وقيدت كثيراً من تواجد المراقبين المحليين. لكن نشطاء المجتمع المدني تمكنوا من تصوير عمدة على صلة بالحزب الحاكم وهو يملأ بطاقات انتخاب، وفي مكان آخر، رجال في ثياب مدنية يحملون العصي ويتجمعون أمام صندوق اقتراع.

هل نشغل المقعد الشاغر؟

بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني ذات التواجد الميداني الكبير - وحتى تلك التي ترسل من الحين للآخر محققين أو ممثلين لها إلى بلدان أخرى - فإن القدرة على توليد وتوزيع المحتوى الإخباري شهدت طفرة كبيرة. لكن الأمر يتطلب ما هو أكثر من التقاط الصورة الفوتوغرافية بكاميرات الهواتف النقالة وأكثر من مجرد نشر المحتوى الإخباري للمنظمات على صفحاتها على الفيس بوك. المسألة مرتبطة أكثر بما إذا كانت منظمات المجتمع المدني ستقبل على العمل المنهجي في الفراغ الذي خلفه الإعلام التجاري. لفعل هذا يحتاج الأمر لتغيير زوايا المعلومات التي يتم جمعها، واكتساب مهارات لبلوغ الرأي العام مباشرة بمحتوى إلكتروني قادر على جذب انتباه الرأي العام. في الوقت الحالي لا توجد منظمات مجتمع مدني كثيرة لديها الموارد الكافية لتغيير مجرى منهجها البحثي والمعلوماتي بحيث تُنتج محتوى يسير على الجمهور. أغلبها تعمل بالاستعانة بالكلمة المكتوبة بالأساس. وكثيراً ما يكون هذا المحتوى الكتابي موجهاً لخبراء آخرين أكثر من كونه موجه للجمهور بشكل عام. والأهم، فإن المعلومات البصرية المتوفرة للمنظمات هي بشكل عام قليلة بشكل يعز معه دعم كل ما تتوصل إليه من نتائج.

هذا الوضع بدأ يتغير. هيومن رايتس ووتش تكلف مصورين محترفين ومصورين فيديو ومنتجين إذاعيين بالعمل ميدانياً إلى جانب باحثيها، إذ يوثقون بالاستعانة بالمالتي ميديا ما يوثقه الباحثون بالكلمة المكتوبة.[13] منظمة العفو الدولية شكلت "وحدة أخبار" مستقلة يشغلها خمسة صحفيين محترفين، لتوفير أخبار عن حقوق الإنسان. منظمة أطباء بلا حدود أصبحت بدورها تستخدم الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو بشكل موسع، بينما مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية بدأ يكلف الصحفيين بالكتابة عن قضايا بيئية.

حتى إذا كانت منظمات المجتمع المدني قادرة على إنتاج محتوى يسهل على الجمهور فهمه والتعامل معه، يبقى السؤال، حول كيفية توزيعه ونشره على نطاق واسع. يمكن للمنظمات أن تنشر ما تنتج من محتوى على مواقعها الإلكترونية، فتبلغ آلاف الأشخاص، وربما عشرات الآلاف. التوزيع على الفيس بوك والتويتر واليو تيوب وغيرها من منافذ الإعلام الاجتماعي يمكنها أن تحشد بضعة آلاف أخرى من الجماهير. المحتوى الذي يكون له أثر "الانتشار كانتشار العدوى" ويبلغ ملايين الناس ما زال استثناءات نادرة. آجلاً أو عاجلاً، يعود سؤال التوزيع إلى وسائل الإعلام التقليدية المعروفة، التي ما زال جمهورها عملاقاً مقارنة بجمهور قطاع المنظمات غير الهادفة للربح. هل توزع هذه المنافذ الإعلامية إذن ما تنتجه منظمات المجتمع المدني من محتوى؟

مع تراجع ميزانيات مكاتب الأخبار الخارجية، قد يعن للمرء أن يتساءل عما إذا كان المحررين والمعدّين سيمتنون لعرض منظمات المجتمع المدني بتوفير المحتوى لتلك المنافذ. لكن ليس هذا هو الحال على طول الخط، والإجابة تعتمد على الدولة والمنفذ الإعلامي المعني ومنظمة المجتمع المدني المعنية. هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) على سبيل المثال، نادراً ما تقبل محتوى من منظمات المجتمع المدني لأجل بثه عبر قنواتها الإخبارية. مؤسسة سي بي إس الإعلامية، في الولايات المتحدة، شددت مؤخراً من قيودها على قبول المحتوى من مصادر خارجية.[14] مجلة "تايم" لا تقبل الصور من مصورين خرجوا في مهام بتكليف من منظمات المجتمع المدني.

والعديد من المعلقين الإعلاميين، أثناء كتابتهم عن الأهمية المتزايدة لمنظمات المجتمع المدني كمصادر للمعلومات، حذرون من هذا التوجه. "بينما الصحفيين - وإن كانوا أحياناً غير مجيدين بشكل تام - يعملون على مبدأ الحياد، فإن المنظمات الإنسانية في أغلب الأحوال تسعى لكي تصل رسالتها للناس: فهي تجمع النقود وتعمل على التوعية للجماهير، وعلى تغيير الوضع".[15]

قضايا الموضوعية والحياد

منظمات المجتمع المدني من قبيل هيومن رايتس ووتش لا تعرض المعلومات بغرض التغطية الإخبارية، بل بغرض إخبار الرأي العام بما يحدث وللدفاع عن ضحايا الانتهاكات. من هذا المنطلق يختلف عملها عن الصحافة التقليدية ويثير سؤال هام للغاية، عما إذا كانت المعلومات التي يتم جمعها من قبل هذه المنظمات أقل مصداقية من غيرها. ما لم تكن منظمة المجتمع المدني شفافة تماماً إزاء أهدافها، وبشأن كيفية جمع المعلومات التي تبثها، وبشأن المعايير التي تلجأ إليها في جمع المعلومات، فإن القارئ - سواء صحفي أو زائر للموقع - يحق له أن يقلق.

أفضل العاملين بالإعلام يمضون حياتهم بأكملها يحاولون بقدر المستطاع، تخليص ما يكتبون ويبثون من التحيز، وأن يكونوا عادلين لكل الأطراف. يعتقدون، وهم مصيبون في هذا الاعتقاد، بأن المعلومات غير المتحيزة هي خير عام وأن المعلومات المتحيزة يمكن أن تضلل القراء، ومنهم صناع القرار، فيتخذون قرارات غير سليمة - حتى في حالة الاضطرابات الاجتماعية والعنف. الكثير من منظمات التدريب الإعلامي في مناطق النزاع في شتى أنحاء العالم تكافح كي تتخلص من مفاهيم التحيز في التغطية الإخبارية حيث نقص الحياد كان له آثار كارثية. في الوقت نفسه، فهناك عدد قليل من الناس يعتقدون أن الإعلام الأمريكي، حيث الكلام الكثير عن ثقافة التغطية الإعلامية الحيادية غير السياسية، هو في واقع الأمر إعلام غير متحيز.

منظمات المجتمع المدني المشغولة بالأساس بالأبحاث تركز كثيراً على التغطية المحايدة الدقيقة لأقصى حد. إذا كانت تخطط لإنتاج إخباري سريع مع عدم الاكتراث كثيراً بصدق ما تذكر من حقائق، فهي تخسر مصداقيتها ومن ثم تخسر أسباب ما لها من ثقل لدى صناع القرار. سمعتها تعتمد على التغطية الموضوعية من الميدان. وفي الوقت نفسه، فهي تخدم قضية، وهي الدفاع عن حقوق الضحايا وإنصافهم من الجناة الذين يجب أن يتحملوا مسؤولة ما اقترفوا. بينما لمختلف منظمات المجتمع المدني معايير مختلفة لجمع المعلومات والتحقق منها والتدقيق فيها، فإن الغرض الأساسي هو أن تؤدي المعلومات إلى حماية الكرامة الإنسانية. أولئك الذين يجمعون المعلومات يجب أن يتمتعوا بالحياد وتجنب التحيز لأي من الأطراف، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا محايدين إزاء الأعمال الوحشية المرتكبة التي يجمعون المعلومات عنها.

منظمات الإعلام وجماعات الضغط لأجل التغيير تبقى مستقلة عن أحدها الأخرى لسبب وجيه. فهي تسعى لأهداف مختلفة. الصحفيون في رفضهم لتوزيع المحتوى الذي ينتجه آخرون يحمون أنفسهم من التحيز في الفضاء الإعلامي. وفي الوقت نفسه، فإن المنظمات الدولية تحذر من الحيد عن مهمتها الأساسية بأن تنشغل بالإعلام. لكن التحديات التي تفرضها التكنولوجيا والاعتبارات التجارية، في بعض الدول على الأقل، تدفع بالطرفين إلى الاقتراب من أحدهما الآخر.

وحتى تنتج منظمات المجتمع المدني محتوى أكثر يسراً على الجمهور، فعليها أن تبقي عين الاعتبار المبادئ القليلة التي ترسي الأساس لمصداقيتها: أولاً، الشفافية في أساليب جمع المعلومات. ثانياً، السجل السليم والسمعة الطيبة، على مدار سنوات من البحوث الموثوقة التي تتمتع بالمصداقية. ثالثاً، الشفافية التامة حول أهداف المنظمة وما يحيط بما تضع من مؤلفات من حقائق وظروف.

وما زالت منظمات المجتمع المدني بصدد إلى مدى تسبح في تيار إنتاج المحتوى اليسير على الجمهور. يبدو أن منظمات قليلة مستعدة لتغيير مسار هويتها بحيث تصبح مصادر إنتاج معلومات في عصر المعلومات الجديد. ملء الفراغ الحادث في فضاء الأخبار الخارجية يحتاج إلى أموال، بينما أغلب منظمات المجتمع المدني تناضل من أجل الوفاء بميزانياتها القائمة، دعك من التوسع في مجالات جديدة يبدو أنها تحيد عن مسار مهامها الأساسية. لكن إذا أدارت ظهرها لهذا التوجه الجديد، فسوف تفوت على نفسها فرصة هامة كي يُسمع صوتها.

هذه الثورة المعلوماتية كانت لها تداعيات كبرى على ما هو أكثر من مجرد بعض منظمات الدعوة للتغيير. أي كيان يُنتج مواد مقروءة أكثر لصالح جمهور متخصص عليه أن يدرك الآن أن أولئك الذين يحولون المنتج المعلوماتي المتخصص إلى منتج مستصاغ من قبل الرأي العام الأعرض - أي باختصار الكتابة الصحفية - هم ببساطة في انحسار. لكي يعظم الأثر في عالم اليوم، يجب أن يُعاد النظر في زوايا إنتاج المعلومات بحيث تصبح جاهزة لكي يستقبلها أنواع متباينة من الجماهير، ولكي تصلح لمنصات إعلامية متعددة، مثل بذرة تنمو متحولة إلى نبتة تزدهر في كل الاتجاهات. وهذا توجه لا يمكن لأي شخص يسعى للتأثير على الرأي العام أن يتجاهله.

كارول بوغارت هي نائبة المدير التنفيذي للعلاقات الخارجية في هيومن رايتس ووتش.


 


[1]  انظر: Martin Moore, Shrinking World: The decline of international reporting in the British press (London: Media Standards Trust, November 2010), p 17. فحصت الدراسة الأخبار الخارجية التي تظهر على أول عشر صفحات من أكبر صحف يومية.

[2]  انظر: Organisation for Economic Co-operation and Development: Directorate for Science, Technology and Industry Committee for Information, Computer, and Communications Policy, "The Evolution of News and the Internet," June 11, 2010 http://www.oecd.org/dataoecd/30/24/45559596.pdf (تمت الزيارة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2010)، ص 7. الانخفاض الأكبر كان في الولايات المتحدة وبريطانيا واليونان وإيطاليا وكندا وإسبانيا.

[3]  هذا المقال يُركز بالأساس على منظمات المجتمع المدني الدولية التي تبذل جهوداً بحثية ودعوية في بلدان عديدة ومن ثم تتفاعل بشكل منتظم مع الصحفيين الذين يغطون دولة لصالح القراء في دولة أخرى. أغلب التعليقات تخص منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان وغيرها من قضايا العدل الاجتماعي، وليس - على سبيل المثال - ظاهرة الاحترار العالمي أو البيئة، رغم أن تلك المنظمات تواجه بعضاً من هذه التحديات الواردة هنا.

[4]  أدين الأربعة في واقع الأمر بالتعذيب فيما يخص واقعة أخرى ظهرت في مقطع فيديو آخر لا علاقة له بالمذكور. انظر: "Indonesia: Investigate Torture Video From Papua," Human Rights Watch news release, October 20, 2010, http://www.hrw.org/en/news/2010/10/20/indonesia-investigate-torture-video-papua

[5]  هيومن رايتس ووتش: Torture Redux: The Rivival of Physical Coercion during Interrogations in Bahrain, February 8, 2010, http://www.hrw.org/en/reports/2010/02/08/torture-redux

[6]  انظر: Pamela Constable, "Demise of the Foreign Correspondent," The Washington Post, February 18, 2007.

[7]  انظر: John Maxwell Hamilton, Journalism's roving eye: a history of American foreign reporting (Lousiana State University Press, 2010), p. 457.

[8]  انظر: "Public Knowledge of Current Affairs Little Changed by News and Information Revolutions: What Americans Know: 1989-2007," The Pew Research Center for the People & the Press, April 15, 2007 http://people-press.org/report/319/public-knowledge-of-current-affairs-little-changed-by-news-and-information-revolutions (تمت الزيارة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2010).

[9]  انظر: Richard Wray, "Media Consumption on the Increase," The Guardian, April 19, 2010 http://www.guardian.co.uk/business/2010/apr/19/media-consumption-survey (تمت الزيارة في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2010).

[10]  انظر على سبيل المثال: Temasek Review في سنغافرة و Malaysiakini في ماليزيا وغير ذلك من مواقع الأخبار في ماليزيا ومدونات كثيرة فيتنامية وموقع democratic voices of Burma وموقع Mizzima ومواقع أخرى.

[11]  منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2010.

[12]  انظر: "Mass Media and the UN: What the Advocacy Community Can Do to Shape Decision Making," Columbia University School of International Public Affairs, May 2009, توجد نسخة لدى هيومن رايتس ووتش. المبحوثون من سكرتارية الأمم المتحدة ومن عدة أقسام بالأمم المتحدة يشمل عملهم قضايا حقوق الإنسان، ودبلوماسيين يمثلون 12 من بين 15 دولة أعضاء في مجلس الأمن.

[13]  الكثير من المصورين بدأوا في جمع التمويل اللازم من مؤسسات التمويل كي يعملوا بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني. من بين أنشط المانحين على سبيل المثال، مشروع التصوير الوثائقي التابع لمؤسسة أوبن سوسايتي: http://www.soros.org/initiatives/photography (تمت الزيارة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2010). المصورون في مؤسسة ماغنون تزايدت قابليتهم واستعدادهم لـ "الشراكة... مع مجموعة مختارة من المؤسسات الخيرية وتوفير أرشيفات صور ماغنوم مجاناً": http://magnumfoundation.org/core-programs.html (تمت الزيارة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2010).

[14]  محادثة مع مُعد تابع لـ سي بي إس، أكتوبر/تشرين الأول 2010.

[15]  انظر: Glenda Cooper, "When lines between NGO and news organization blur," Nieman Journalism Lab, December 21, 2009, http://www.niemanlab.org/2009/12/glenda-cooper-when-lines-between-ngo-and-news-organization-blur/ (تمت الزيارة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2010).