الهجوم على مسجد عمر بن الخطاب

السلطات الأمريكية لم تتخذ الاحتياطات الكافية

الملخص

قبيل السابعة مساء 16 مارس/آذار 2017، هاجمت طائرات أمريكية مسجد عمر بن الخطاب قرب الجينة، وهي قرية بريف حلب شمالي سوريا. كان بالمسجد نحو 300 شخص اجتمعوا لحضور محاضرة دينية وأداء صلاة العشاء. دمر الهجوم تماما قسم الخدمات بالمسجد وقتل ما لا يقل عن 38 شخصا.

أقرت السلطات العسكرية الأمريكية بتنفيذ الهجوم، قائلة إنها استهدفت اجتماعا لأعضاء تنظيم "القاعدة". قال ناطق باسم الجيش الأمريكي إن القوات الأمريكية نفذت أعمال مراقبة ورصد موسعة قبل الغارة، وإنها تتخذ "تدابير استثنائية لتخفيف الخسائر في أرواح المدنيين" في مثل هذه العمليات. لكن يُظهر بحث "هيومن رايتس ووتش" أن السلطات الأمريكية لم تتخذ كافة الاحتياجات الممكنة لتفادي أو تقليص الخسائر في صفوف المدنيين خلال الهجوم، وهو إجراء ملزم بموجب قوانين الحرب.

في حين أقر مسؤولون أمريكيون بأنه كان ثمة مسجد بالجوار، فقد زعموا أن المبنى المستهدف كان قاعة عامة غير مكتملة البناء. لكن المعلومات المتوفرة من السكان والصور ومقاطع الفيديو للمبنى قبل الهجوم وبعده تُظهر أن المبنى المستهدف كان أيضا مسجدا. في حين لم يكن بالمسجد مئذنة أو قُبة بحيث تظهر من المراقبة الجوية هويته كدار عبادة، فقد قال سكان محليون إن عشرات – وربما المئات – من الناس كانوا يتجمعون في المسجد في مواقيت الصلاة. يُفترض أن المراقبة الجوية للمبنى أظهرت هذا النشاط. قال السكان المحليون أيضا إن المسجد كان معروفا بصفته هذه ويُستخدم كمسجد على نطاق واسع من قِبل سكان المنطقة. أية محاولة للتأكد ممن يعرفون طبيعة هذا المبنى كانت لتوضح أنه مسجد.

في حين يبدو أن السلطات الأمريكية أساءت فهم طبيعة المبنى الذي هاجمته تماما، فمن الواضح أيضا أنها لم تفهم طبيعة الحياة في المنطقة بالقدر الكافي. قال مسؤول أمريكي إن الهجوم وقع بعد انتهاء الصلاة المسائية، ملمحا إلى أن المدنيين كانوا قد غادروا المنطقة. في حين أنه ليس من الواضح أية صلاة كان يشير إليها المسؤول، فإن التصريحات الأمريكية حول توقيت الهجوم والمعلومات المتوفرة ممن كانوا في المسجد تُظهر أن الهجوم وقع حوالي الساعة 6:55 مساء، قبل 15 دقيقة من صلاة العشاء ذلك اليوم. معلومة أن صلاة العشاء كانت على وشك البدء مهمة حتى لو كانت السلطات الأمريكية تعتقد أن المبنى المستهدف قاعة عامة، بما أنها كانت تعرف بوجود مسجد قريب. من السهل معرفة مواقيت الصلاة على الإنترنت، ولابد أن السلطات الأمريكية كانت تعرفها جيدا.

قال سكان محليون أيضا إنه من المعروف بالمنطقة أن الجماعة الدينية المسؤولة عن المسجد تعقد دروسا دينية في المبنى المستهدف كل خميس بين صلاة المغرب وصلاة العشاء، في الوقت الذي وقع فيه الهجوم تقريبا. أية محاولة لجمع معلومات عن نمط الحياة بالمنطقة المحيطة بالمبنى المستهدف ممن لديهم معرفة محلية، كانت لتنبه السلطات الأمريكية إلى هذه الحقيقة.

قابلت هيومن رايتس ووتش هاتفيا 14 شخصا لديهم معرفة شخصية بالهجوم، بينهم 4 أشخاص كانوا في المسجد وقت الهجوم، و8 أشخاص من سكان محليين، مسعفين، وصحفيين وصلوا إلى الموقع بعد الهجوم بقليل، وعاملين بالمجال الطبي عالجا المصابين من الهجوم. أثناء التحقيق، استخدمت هيومن رايتس ووتش بعض الأبحاث التي وفرتها مجموعة التحقيق المفتوحة المصدر "بيلنغكات"[1]، التي حللت مقاطع فيديو وصور خاصة بالهجوم، ومجموعة "فورينسك أركيتكتشر"،[2] التي أعدت نماذج للمسجد وأعادت تمثيل الهجوم. إلا أن هيومن رايتس ووتش وبيلنغكات وفورينسك أركيتشكتر قادت تحقيقات منفصلة في الهجوم.

قال الأشخاص الذين كانوا في المسجد إن الدرس الديني في قسم الخدمات بالمسجد، الذي ينعقد كل خميس، كان على وشك الانتهاء فتفرق الناس في المسجد استعدادا لصلاة العشاء، ثم وقع الهجوم. أول موجة من الغارة ضربت قطاع الخدمات بالمسجد، فحولته فورا إلى أنقاض. قال موظف بالمسجد كان في منطقة الخدمات:

دُفن نصفي الأسفل تحت الأنقاض. لم أتمكن من تحريك رأسي. كانت ساقا أحدهم تحتي. بعد نصف ساعة بدأنا نسمع صوتا خافتا، إذ كان الناس ينادون فصرخنا لنرد عليهم. بدأ الدفاع المدني إخراجنا بأيديهم العارية. بعد ساعتين وصلوا إلينا عن طريق حُفرة حفروها. كانت الأنقاض بارتفاع 4 أمتار فوق رؤوسنا. بقوا هناك يعملون حتى الصباح، محاولين إنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس. تعرضت لإصابات في كل مكان بجسدي.

الموجة الثانية في الهجوم قتلت وأصابت أشخاصا كانوا يحاولون الفرار.

لم تجد هيومن رايتس ووتش أدلة تدعم الزعم باجتماع أعضاء من القاعدة أو أي تنظيم مسلح آخر في المسجد. قال سكان محليون إنه لم يتواجد عناصر من تنظيمات مسلحة في المسجد أو بالمنطقة وقت الهجوم. قالوا إن الضحايا جميعا من المدنيين والسكان المحليين. قال مسعفون إن القتلى والمصابين كانوا يرتدون ثيابا مدنية ولم يروا أسلحة في الموقع. لم تُصدر السلطات الأمريكية بعد معلومات تدعم مزاعمها.

حتى إذا كان عناصر تنظيم مسلح قد تواجدوا في المسجد، فإن فهم طبيعة المبنى المستهدف ونمط الحياة من حوله ذات أهمية بالغة في تقييم المخاطر التي قد تلحق بالمدنيين وفي اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليص الخسائر في أرواح المدنيين. قصف مسجد قبل وقت الصلاة مباشرة ثم مهاجمة من يحاولون الفرار من المنطقة دون معرفة إن كانوا مدنيين أم مقاتلين قد يشكل إجراء غير متناسب ويخرق قوانين الحرب، حتى إذا تواجد عناصر من الجماعة المسلحة في المسجد.

قال "الدفاع المدني السوري"، وهي مجموعة بحث وإنقاذ تعمل في معاقل المعارضة، إنه انتشل 38 جثمانا من الموقع. نشرت المجموعة أسماء 28 شخصا تعرف عليهم أقاربهم في موقع الهجوم، بينهم 5 أطفال، وقالت إن 10 جثث مجهولة الهوية.

تحظر قوانين الحرب بصرامة الهجمات التي تستهدف المدنيين أو الأعيان المدنية (بما يشمل المساجد، ما لم تكن مستخدمة وقت الهجوم في أغراض عسكرية). كما تحظر الهجمات العشوائية التي لا تميّز بين الأهداف العسكرية والمدنية، والهجمات غير المتناسبة، حيث الخسائر في صفوف المدنيين أو الضرر اللاحق بالأعيان المدنية مفرط مقارنة بالمكسب العسكري الناتج.

الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب قد ترقى إلى مصاف جرائم الحرب. تشمل جرائم الحرب الهجمات المتعمدة على المدنيين أو الأعيان المدنية (ومنها المساجد)، أو إطلاق هجمات مع العلم بأنها عشوائية أو غير متناسبة تسفر عن مقتل وإصابة المدنيين، أو إطلاق هجمات تتسم بالاستهتار الإجرامي وتؤدي إلى النتيجة نفسها. إخفاق السلطات الأمريكية في فهم الجوانب الأساسية للهدف ونمط الحياة حول الهدف يثير تساؤلات ما إذا كان الضباط الذين صرحوا بالهجوم قد مارسوا الاستهتار الإجرامي.

قالت السلطات الأمريكية إنها ستحقق فيما إذا كان قتل مدنيون في الهجوم، وما إذا كان المبنى المصاب جزءا من مجمّع تابع لمسجد.

تدعو هيومن رايتس ووتش السلطات العسكرية الأمريكية إلى إجراء تحقيق موضوعي ومستفيض، والكشف علنا عن نتائج التحقيق وتوفير الجبر المناسب للضحايا المدنيين أو أسرهم. إذا توصلت السلطات إلى وقوع انتهاكات خطيرة لقوانين الحرب فعليها إحالة المسؤولين إلى الملاحقة الجنائية المناسبة. يجب أن تضم النتائج معلومات عن إجراءات المساءلة المُتخذة، مصحوبة بتفسيرات، وما قدمته من جبر للضرر إلى الضحايا أو أسرهم.

منهجية التقرير

قابلت هيومن رايتس ووتش عن طريق الهاتف 14 شخصا لديهم معرفة مباشرة وشخصية بالمسجد والهجوم وضحاياه. من قابلناهم بينهم 4 أشخاص كانوا في المسجد وقت الهجوم؛ 8 أشخاص هم مسعفون وصحفيون وسكان محليون وصلوا إلى الموقع فور وقوع الهجوم؛ وعاملان بالمجال الطبي عالجا المصابين.

توصلت هيومن رايتس ووتش إلى الشهود عن طريق أشخاص تعرفهم أصلا في المنطقة، وعن طريق التواصل مع من نشروا معلومات عن الهجوم على منصات التواصل الاجتماعي. أجريت المقابلات بالعربية. قدمت هيومن رايتس ووتش لمن أجريت معهم المقابلات خيار أن يطلبوا منّا عدم نشر معلومات تعريفية إذا كانوا قلقين على سلامتهم وأمنهم. يحتوي التقرير على معلومات تعريفية فقط حيث وافق من أجريت معه المقابلة على نشر هذه المعلومات، وفي حال لم تجد هيومن رايتس ووتش أن هذه المعلومات ستعرض الشخص للخطر.

أثناء البحث تبادلت هيومن رايتس ووتش معلومات مع بيلنغكات، وهي مجموعة مختصة بتحليل المعلومات المنشورة على الإنترنت، وتشمل مقاطع فيديو وصور فوتوغرافية. الكثير من مقاطع الفيديو المذكورة في هذا التقرير توصلت إليها أولا وحللتها مجموعة بيلنغكات.

تبادلت هيومن رايتس ووتش أيضا معلومات مع فورينسك أركيتكتشر، وهي منظمة مختصة ببناء نماذج ثلاثية الأبعاد وإعادة تمثيل الأحداث المتصلة بانتهاكات حقوق الإنسان. بنت فورينسك أركيتكتشر نموذجا للمسجد واستعادت أحداث الهجوم بناء على تحقيقها.

I. المسجد

يقع مسجد عمر بن الخطاب على مسافة 1.5 كيلومتر جنوب غربي الجينة، وهي قرية يسكنها نحو 10 آلاف نسمة غربي ريف حلب. قال سكان محليون لـ هيومن رايتس ووتش إن المكان كان في البداية مسجدا صغيرا على طرف الطريق، لكن بدأ إنشاء بناء أكبر خلف الجامع القديم في 2013.[3] ظل البناء غير مكتمل بسبب نقص التمويل، على حد قولهم.

أدى هجوم 16 مارس/آذار إلى تدمير الجزء الشمالي من الإنشاءات الجديدة بالكامل. أثناء مؤتمر صحفي وفي بيانات تحريرية إثر الهجوم، أقر مسؤولون عسكريون أمريكيون بتنفيذ الهجوم، لكن قالوا إنهم لم يتعمدوا استهداف أي مسجد، إنما كان هدف الهجوم "قاعة عامة غير مكتملة البناء"، وإن الجامع القريب ظل سليما بعد الهجوم.[4] يظهر من التعليقات الواردة في رسالة بالبريد الإلكتروني مصحوبة بصورة جوية للموقع بعد الهجوم أن المسؤولين الأمريكيين أشاروا إلى المسجد الأصلي.

لكن جميع السكان المحليين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش قالوا إن المبنى الجديد كان بدوره مسجدا. قال "أبو العز"، وهو من السكان المحليين وقُتل بعض أقاربه وأصيب بعضهم في الهجوم:

هذه منطقة مدنية. منطقة سكنية، مليئة بالناس والبيوت وهذا المسجد مجاور لها. هذا المسجد للناس، مكان للشيوخ، للمصلين، مركز ديني، بيت الله. يمكن أن يتوقف عنده أي شخص ليصلي.[5]

تُظهر مقاطع الفيديو والصور الخاصة بالمبنى قبل الهجوم وبعده – وقد جمعتها وحللتها بيلنغكات – أن المبنى مسجد.[6] بناء على هذه الشواهد والمعلومات التي تم جمعها من السكان المحليين، صممت مجموعة فورينسك أركيتكتشر نموذجا ثلاثي الأبعاد للمسجد، الذي يتكون من قسمين، شمالي وجنوبي، متصلين بدرج. تُظهر الصور ومقاطع الفيديو وجود مكبرات صوت على سطح المسجد، وهي لرفع الآذان، ولافتة عند المدخل الغربي للمسجد مكتوب عليها "مسجد سيدنا عمر بن الخطاب". هناك مقطع فيديو قدمه موظف بالمسجد يُظهر أيضا أن اللافتة كانت معلقة قبل الهجوم.

بحسب السكان ومقاطع الفيديو والصور، فإن الجزء الجنوبي، الذي لم يتضرر كثيرا من الهجوم، يضم قاعة كبيرة. توجد سجاجيد على الأرض وعند مدخل القاعة يوجد محراب، وهو تكوين على هيئة نصف دائرة في الجدار يشير نحو القبلة، الاتجاه الذي يصطف نحوه المسلمون أثناء الصلاة. تحت الدرج، إلى جوار مدخل قاعة الصلاة، توجد رفوف لوضع الأحذية أثناء الصلاة.

الجزء الشمالي – الذي دُمر تماما أثناء الهجوم – هو قسم الخدمات. يتكون الطابق الأرضي من مطبخ ومنطقة لتناول الطعام ودورات مياه ومنطقة للوضوء. الطابق الثاني من قسم الخدمات يحوي عدة حجرات كانت تستخدم أحيانا في إلقاء دروس دينية على الأطفال ولاستضافة الأئمة. قال بعض الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش من السكان إن العائلات النازحة كانت تقيم في المسجد بدورها.

II.الهجوم

قابلت هيومن رايتس ووتش 4 سكان محليين – كل على انفراد – بينهم موظف بالمسجد، كانوا في المسجد وقت الهجوم. قدموا شهادات متماثلة حول ما حدث.

قال الشهود الأربعة إن الهجوم وقع قبل السابعة مساء مباشرة أو نحو ذلك التوقيت. هذا الزعم تدعمه مصادر أخرى. أحد المسعفين، الذي كان ينتظر إذن الذهاب للموقع ومن ثم راح ينظر إلى ساعته، قال إن توقيت الهجوم كان 6:55 مساء.[7] قال مسؤول أمريكي أيضا إن الهجوم وقع حوالي السابعة بالتوقيت المحلي.[8]

بحسب تقارير إعلامية، قال إريك باهون، الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية، إن المراقبة الأمريكية لمنطقة الهدف تشير إلى أن صلاة "المساء" كانت قد انتهت قبل الهجوم، ما يشير لمغادرة المدنيين للمنطقة.[9] في حين ليس من الواضح تماما أية صلاة ليلية هي التي أشار إليها باهون، فقد يكون يقصد صلاة المغرب، التي كانت قد انتهت بالفعل وقت الهجوم. في 16 مارس/آذار، بدأت صلاة المغرب في حلب الساعة 5:39 مساء، بحسب موقع "إسلاميك فايندر" على الإنترنت.[10]

لكن الهجوم وقع أيضا قبل صلاة العشاء بـ 15 دقيقة تقريبا، وكان من المقرر في 16 مارس/آذار أن تنعقد الساعة 7:09 مساء. لأن صلاة العشاء تنعقد بعد صلاة المغرب بقليل، فالكثير من الناس يبقون في المسجد بين الصلاتين. قال "أبو العز": "عادة ما ينتقل الناس من قاعة الصلاة إلى المطبخ بعد صلاة المغرب لتناول الطعام والراحة قبل صلاة العشاء".[11]

كما قال سكان محليون – بينهم موظف بالمسجد – لـ هيومن رايتس ووتش إن الأئمة كانوا يعقدون درسا دينيا في المسجد بين المغرب والعشاء كل خميس، وهو يوم الهجوم. في ذلك اليوم، كما يفعلون كلما كان الطقس باردا بالخارج، كانوا يستخدمون منطقة الطعام في قسم الخدمات للدرس، لأن قاعة الصلاة الكبيرة في الجزء الجنوبي غير مجهزة جيدا للتدفئة.

قال الشهود الأربعة جميهم إنه كان بالمسجد نحو 300 شخص، يحضرون المحاضرة الدينية الأسبوعية. كانت المحاضرة قد انتهت للتو وراح الناس يتفرقون في أنحاء المسجد في انتظار صلاة العشاء. قال موظف المسجد: "مكث البعض في قاعة الصلاة وذهب آخرون لتناول الطعام أو لدخول دورة المياه، أو مضوا إلى قاعة الصلاة الكبرى لقراءة القرآن والصلاة أو الحديث إلى بعضهم البعض".[12]

قال الشهود إن الموجة الأولى من الهجمات أصابت قسم الخدمات بالمسجد. قال "أحمد" لـ هيومن رايتس ووتش:

حدث كل شيء بسرعة بالغة، في أقل من دقيقة. لم نسمع طائرة، لكن فجأة سمعنا شيئا يسقط. سمعنا صوتا خافتا أو صوت شيء يسقط، ثم الانفجار. وكأن المسجد كله انهار فوق رؤوسنا. سقطت أول قنبلة على المسجد مباشرة، شمالي المدخل.[13]

قال "محمود" (اسم مستعار): "ملأ الهجوم الأول المكان بغبار كثيف ودخان فوضعت قماشة على أنفي وفمي وخرجت من الباب. كان الوضع مروعا. لم أر شيئا سوى الأنقاض".[14]

أرسل ناطق باسم الجيش الأمريكي للصحفيين صورة جوية للمبنى تم التقاطها قبل الهجوم بقليل، ويظهر فيها النصف الشمالي من المسجد وقد تحول إلى أنقاض. هناك عدة مقاطع فيديو وصور أرضية جمعتها وحللتها بيلنغكات تُظهر تدمير المبنى.[15]

قال الشهود إن بعض الناس ممن كانوا في قاعة الصلاة الكبيرة بالجزء الجنوبي خرجوا من المبنى بعد الهجمة الأولى فيما قرر الباقون المكوث. قالوا إنهم سمعوا انفجارات أخرى، لكن ليست بنفس القوة، بعد بدء الهجوم بقليل. قال "محمود"، الذي عاد إلى المسجد:

حين عدت وقع هجوم آخر بالخارج. حوالي 4 صواريخ. كنت بالداخل، فلم أر ما الذي أصيب تحديدا، لكنه إما الشارع أو المسجد نفسه. أصيب بالخارج من كانوا يحاولون الفرار ومن كانوا بالجوار وهرعوا لمحاولة إنقاذ المصابين، فتقطّعوا. مات الكثيرون في ذلك الهجوم.[16]

وصف المسعفون وسكان محليون وصحفيون وصلوا إلى الموقع بعد الهجوم مشهد الدمار والدم لـ هيومن رايتس ووتش. قال عمار سلمو، مدير قسم حلب في الدفاع المدني السوري:

مع اقترابنا بدأنا نسمع صراخ الناس وهم يتوسّلون المساعدة. جرينا إلى مجمع المسجد. كان الدمار شاملا. دُمر المبنى وأصبح انقاضا. كان الانفجار كبيرا لدرجة أن الناس تطايروا هنا وهناك، بين التراب والحجارة. كان تمييزهم صعبا. سمعنا الصراخ من تحت الأنقاض.[17]

قال صحفي وصل إلى الموقع بعد ساعة تقريبا من الهجوم لـ هيومن رايتس ووتش إن عناصر الدفاع المدني السوري انتشلوا نحو 35 جثة حينها وكانوا على وشك المغادرة، عندما سمعوا فجأة الناس يصرخون من تحت الأنقاض. قال الصحفي: "كان علينا أن نناديهم ليعودوا ويخرجوا الناس. كان المشهد مرعبا تلك الليلة. رأيت أشياء، أقسم بالله، أشياء لا يمكن تخيلها، لحم على الأرض وعظام وثياب الناس، كل شيء على الأرض".[18]

III. الضحايا

قال مسؤولون عسكريون أمريكيون إن هدف الهجوم كان عناصر للقاعدة في سوريا اجتمعوا في المبنى المستهدف، وإن الهجوم قتل العشرات من "إرهابيي القاعدة الرئيسيين" وبينهم "أفراد يُرجح أن يكونوا ذوي أهمية بالغة".[19] قالوا إنهم نفذوا عملية مراقبة موسعة للمنطقة.[20] في أعقاب الهجوم مباشرة، ذكر موقع إخباري أيضا أن مركزا للتجنيد والدعاية يتبع "هيئة تحرير الشام"، المعروفة أيضا بـ "القاعدة في سوريا"، قد هوجم، لكن تم سحب هذه المعلومات لاحقا، فقيل إن المركز لا ينتمي إلى هذه المجموعة.[21]

لم تتوصل هيومن رايتس ووتش إلى أدلة تدعم مزاعم استخدام المسجد كمكان لاجتماعات عناصر القاعدة في سوريا أو أية جماعة مسلحة أخرى. على النقيض، قال الشهود الذين كانوا في المسجد وقت الهجوم إنه لم يتواجد في المسجد أي أفراد من جماعات مسلحة. قال "محمود": "كان البعض مسنين، في السبعين والثمانين من عمرهم، وبعضهم في العشرينات، وأطفال. أعرف أغلبهم، فهم من القرية. لم يكن هناك أشخاص ينتمون إلى تنظيمات مسلحة، لا شيء كهذا بالمرة".[22]

أدلى "أحمد" برواية مماثلة: "هذا مسجد. كان وقت الصلاة. من تعتقد كان هناك؟ أشخاص جاؤوا للصلاة. أشخاص مسنون، رجال دين، أطفال. كان الأطفال بالداخل. كنا جميعا مدنيين، ولم يكن بالمسجد حتى أفراد من الجيش السوري الحر".[23]

قال شخص من المنطقة، يسكن على مسافة 500 متر من المسجد: "لم تتواجد هنا تنظيمات إسلامية مسلحة، ولا القاعدة، إطلاقا. المسجد مخصص ليصلي فيه المدنيون، وليس لاجتماعات القاعدة. حتى في القرية، لا توجد مقرات لتنظيمات مسلحة".[24]

قال سكان محليون وموظف بالمسجد إن المسجد والمركز الديني يديرهما "أحباب الدعوة والتبليغ"، وهي جماعة سنية مسلمة لها تواجد عالمي تبشر بتعاليم دينية وتقول إنها غير مسيسة وترفض العنف. قال "أبو العز" عن هؤلاء الدعاة:

هؤلاء مدنيون مئة بالمئة. يسمون أنفسهم "الأحباب". لا يبشرون بالجهاد أو الحرب. يبشرون بالله والإسلام فحسب. هم يتجولون بين عدة قرى. هناك 10 إلى 15 فردا منهم من قريتنا، و10 أو 15 آخرين من قرية أخرى، وهكذا. هؤلاء الناس يدعون إلى الاعتكاف [المكوث في المسجد لعدد من الأيام وتكريس المرء نفسه للعبادة والنأي بالنفس عن شؤون الدنيا]. إنهم ينشرون كلام الله فقط.[25]

هناك سكان محليون آخرون – بينهم من كانوا حاضرين وقت الهجوم – قدموا شهادات مشابهة في وصف المجموعة وأفرادها الداعين إلى الالتزام الديني.

قال أيضا مسعفون وصحفيون وصلوا إلى الموقع بعد الهجوم بقليل إنه لم يوجد ما يدل على اجتماع جماعة مسلحة هناك. قال عمار سلمو مدير الدفاع المدني السوري في حلب لـ هيومن رايتس ووتش:

كان المصابون يرتدون ثيابا عادية غير عسكرية. حضر أهل المنطقة وسألوا عن أقاربهم الذين كانوا في المسجد، لذا عرفنا أنهم مدنيون من القرية. حين كنا نسعف الناس وننقذهم لم أر أي قوات مسلحة في المنطقة. لا يوجد في هذه المناطق مقاتلين، ولا توجد هناك قواعد. يتواجدون في مناطق أخرى. هنا لا يوجد سوى المدنيين...[26]

قال محمد حلاق مدير الدفاع المدني السوري في الأتارب: "لم نجد أية أسلحة، ولم يكن مع أي أشخاص انتشلناهم من الأنقاض أسلحة. لا يوجد ما يشير إلى انتمائهم إلى تنظيمات مسلحة، لا شيء معهم يوحي بذلك ولا شيء في الجوار. لا توجد مقار [لتنظيمات مسلحة] في المكان".[27]

بحثت هيومن رايتس ووتش على الإنترنت عن اسم كل من القتلى وراجعت حسابات "فيسبوك" الخاصة بالذين أمكن تحديد حساباتهم، لكن لم تتمكن من العثور على ما يشير إلى أن أيا من القتلى ينتمون إلى جماعة مسلحة. في حالة أحد المصابين، فإن صورة بروفايل مستخدم فيسبوك، يتطابق اسمه مع اسم المصاب، تُظهر راية سوداء لـ "جبهة النصرة"، وهي يُشار إليها أحيانا بأنها القاعدة في سوريا، لكن الاسم شائع ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تأكيد انتماء حساب فيسبوك المذكور إلى الشخص المصاب.

قال عدة سكان محليين إن الجيش السوري الحر كان يسيطر بشكل عام على المنطقة المحيطة بالجينة، لكن لم تتواجد جماعات مسلحة في القرية.

تتباين التقارير حول عدد القتلى في الهجوم. يقول الدفاع المدني السوري إن عناصره انتشلوا 38 جثمانا لقتلى في الموقع. نشرت المنظمة أسماء 28 شخصا منهم، وهم من تعرف عليهم أقاربهم.[28] ظلت 10 جثث مجهولة. من بين الـ 38 يوجد 5 أطفال.[29] بين القتلى أيضا إمام المسجد وزوجته. كانت زوجة الإمام في شقة العائلة في الطابق الثاني وقت الهجوم، بينما كان الإمام في قاعة الصلاة الشتوية، بحسب المسعفين وموظف المسجد الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش. في مقابلات مع السكان المحليين وعاملين بالمجال الطبي، تأكدت هيومن رايتس ووتش بشكل مستقل من أسماء 8 من المذكورين في القائمة.

ذكرت مصادر أخرى تعدادا أكبر للقتلى. ذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان" في 17 مارس/آذار أن تعداد القتلى جراء الهجوم بلغ 49 شخصا.[30] قال أحد السكان المحليين لـ هيومن رايتس ووتش في 18 مارس/آذار إن الهجوم قتل أكثر من 50 شخصا.[31]

أصاب الهجوم أيضا عشرات الأشخاص. نشر الدفاع المدني السوري أسماء 27 شخصا مصابا.[32]

قُتل أشخاص في الموجة الأولى للهجمات – التي دمرت المسجد جزئيا – وفي الموجة الثانية، التي يبدو أنها استهدفت من حاولوا الفرار، بحسب الشهود. محمد حلاق من الدفاع المدني السوري في الأتارب، وهي أقرب البلدات إلى القرية، قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه وزملاؤه رأوا بين 20 و30 شخصا راقدين على الأرض قرب الطريق إلى غرب المسجد القديم عندما وصلوا. "كانوا داخل المسجد عند وقوع الهجوم وحاولوا الفرار فوجدناهم راقدين على مسافات متقاربة. كان بعضهم مصابين وبعضهم قد فارقوا الحياة". قال حلاق إنهم تمكنوا من انتشال 10 أشخاص من الأنقاض أحياء، لكن وجدوا نحو 8 جثامين لقتلى تحت الأنقاض.[33]

IV.الأسلحة

قال مسؤولون عسكريون أمريكيون إن طائرات بطيار وبدون طيار نفذت هجوم 16 مارس/آذار قرب الجينة.[34] تشير صور مخلفات الأسلحة التي عُثر عليها في الموقع، والمعلومات من الشهود، وآثار الدمار جراء الهجوم، إلى أن القوات الأمريكية استخدمت على الأقل نوعين من الذخائر في الهجوم: قنابل موجهة بنظام التموضع العالمي "جي بي إس" ملقاة جوا وصواريخ "هيلفاير".

تُظهر صور التقطها أحد السكان في الموقع وأطلع هيومن رايتس ووتش عليها مخلفات وحدة ذخيرة من طراز "جي دي أيه إم" Joint Direct Attack Munition-JDAM  وهي أجهزة تحوّل القنابل غير الموجهة إلى ذخائر مناسبة لكافة أنواع الطقس وموجهة بدقة. تُضاف معدات توجيه الذيل الحاسوبية المصحوبة بنظام جي بي إس إلى رؤوس حربية زنة 500 و1000 و2000 رطل. هناك صورة لوحدة توجيه ذيل مقذوفة من إنتاج شركة "وودوارد إتش آر تي" في سانتا كلاريتا، كاليفورنيا، التي تدرج هذه المعدات في لائحة منتجاتها الخاصة ببرنامج قنبلة جي دي أيه إم. هناك صورة أخرى تُظهر نوعا من وحدات التحكم في الذيل لم يسبق رؤيتها علنا، لكن المخلفات التي تم تصويرها يبدو أنها ذيل توجيه من النوع المستخدم في قنابل جي دي أيه إم طويلة المدى.

ربما اشتمل الهجوم على استعمال أكثر من نوع واحد من قنبلة جي دي أيه إم. في حين أن الصورة الجوية الأمريكية وصور الموقع غير قاطعة، فهي تُظهر حفرتين كبيرتين من أثر انفجارات. قال بعض الشهود الذين حضروا إن موجة الهجمة الأولى استخدمت فيها وحدتا ذخيرة. قال أيضا ناطق باسم الجيش الأمريكي إن الهجوم خلّف حفرتين كبيرتين.[35]

نقل خبر في "واشنطن بوست" عن مسؤول عسكري لم يُذكر اسمه قوله إن الهجوم اشتمل على استخدام قنبلة موجهة زنة 500 رطل.[36] يتسق تدمير جزء كبير من المبنى الضخم مع معلومة استعمال قنبلة زنة 500 رطل.

يظهر من صور ومقاطع فيديو مواقع الانفجار، وكذلك الصورة الجوية الأمريكية، أن القنبلة الموجهة المستخدمة استخدمت تقنية الإشعال المتأخر للفتيل. الإشعال المتأخر للفتيل يسمح للذخائر باختراق الإنشاءات والانفجار داخلها. تؤدي هذه التقنية إلى انهيار المباني المستهدفة على نفسها وتحد من حجم الانفجار والدمار الناتج عن تطاير الشظايا على المنشآت المجاورة. على سبيل المثال، يظهر على سيارات متوقفة قرب المبنى آثار الدمار الحراري (تشوه الطلاء الخارجي) جراء حرارة الانفجار، لكن لا تظهر عليها آثار الشظايا أو ضرر جراء موجة الانفجار (نوافذ السيارات سليمة).

تُظهر صور مخلفات الأسلحة بالموقع أيضا مخلفات ذيول منع الاهتزاز الخاصة بصواريخ هيلفاير، وهي صواريخ أمريكية جو-أرض قصيرة المدى موجهة بالليزر يمكن إطلاقها من طائرة حربية أو طائرة بدون طيار. صاروخ هيلفاير له أطرزة عدة، لكن لم يكن ممكنا التعرف على الطراز المستخدم من المخلفات كما تظهر في الصور.

في حين أن القنابل من طراز جي دي أيه إم المستخدمة في تدمير الجزء الشمالي من المبنى تحتوي على 89 كيلوغرام من المتفجرات، فإن صاروخ هيلفاير يحتوي على 8 كيلوغرامات. من ثم فشهادات الشهود أن الانفجارات في موجة الهجوم الثانية كانت أصغر تتسق مع فرضية استعمال صواريخ هيلفاير.

تُظهر الصور أيضا مخلفات بطارية ليثيوم حرارية صنعتها شركة "إيغل بيتشر تكنولوجيز" في جوبلين، ميسوري. هذا النوع من البطاريات يُستخدم في صواريخ هيلفاير وقنابل جي دي أيه إم.

يظهر من صور القتلى والمصابين في الهجوم جروح تتسق مع الإصابة بشظايا وآثار الانفجار المباشرة، من النوع الذي تسببه الأسلحة الانفجارية الملقاة جوا. يظهر في عدة جروح وأنماط إصابات آثار الضغط المفرط التي يسببها انفجار ذخيرة ضخمة زنة 500 رطل.