ينبغي احترام الحق في التظاهر وحماية الحق في الحياة
أغسطس 2, 2013
لتجنب مذبحة جديدة، يتعين على الحكام المدنيين في مصر ضمان استمرارية حق المتظاهرين في التجمع السلمي، والبحث عن بدائل لتفريق الحشود بالقوة، إذ أن سجل الشرطة الثابت من حيث الاستخدام المفرط للقوة، التي أدت إلى عشرات الوفيات هذا الشهر، وكثافة الاعتصامين، تعني إمكانية خسارة مئات الأرواح إذا تم فض الاعتصامين بالقوة
نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا


(نيويورك) ـ  الحكومة المدنية في مصرأن تأمر فوراً بإيقاف أية خطط لفض اعتصاميْ الإخوان المسلمين في القاهرة بالقوة، وأن تتعامل مع أية مشاكل ناشئة عنهما سلمياً. ينبغي على السلطات احترام حقوق الجميع في التجمع السلمي.

في 31 يوليو/تموز 2013 قامت الحكومة بتفويض وزير الداخلية لـ"اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة" لـ"مواجهة العنف والإرهاب" في الاعتصامين، إلا أنها لم تستفض في شرح ماهية تلك الإجراءات. عند التعامل مع الاحتجاجات، دأبت قوات الأمن في مصر على اللجوء إلى استخدام القوة المفرطة، فقتلت ما لا يقل عن 137 شخصاً في الشهر الماضي وحده.

قال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "لتجنب مذبحة جديدة، يتعين على الحكام المدنيين في مصر ضمان استمرارية حق المتظاهرين في التجمع السلمي، والبحث عن بدائل لتفريق الحشود بالقوة، إذ أن سجل الشرطة الثابت من حيث الاستخدام المفرط للقوة، التي أدت إلى عشرات الوفيات هذا الشهر، وكثافة الاعتصامين، تعني إمكانية خسارة مئات الأرواح إذا تم فض الاعتصامين بالقوة".

كدولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، تلتزم السلطات المصرية بحماية وضمان الحق في التجمع السلمي، مما يعني أن عليها تسهيل المظاهرات وضمان أن تتم سلمياً.

ينبغي لأية قيود مفروضة أن تكون ذات غرض مشروع، وغير تعسفية، ومتفقة مع القانون. ولا يجوز لأي قيود أن تميز على أسس من قبيل العقيدة السياسية، كما يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة مع الغرض المنشود. وينبغي لحظر أية مظاهرة بعينها، بما في ذلك فضها، أن يكون الملجأ الأخير. وينبغي لفرض القيود على المظاهرات وحظرها أن يخضع لإمكانية الطعن أمام محكمة مستقلة ومحايدة.

بموجب القانون الدولي، يؤدي الالتزام العام بضمان حرية التجمع السلمي إلى أنه لا يجوز لسلطات الدولة أن تعامل مظاهرة بأسرها على أنها عنيفة بسبب أفعال قلة من المشاركين فيها، وهذا بحسب هيومن رايتس ووتش. فلا يجوز للسلطات أن تعاقب متظاهرين سلميين على جرائم ارتكبها بعض أفرادهم، أو على حيازة بعض المتظاهرين لأسلحة.

قامت هيومن رايتس ووتش بزيارة موقعي الاعتصامين الرئيسيين، في رابعة العدوية وميدان نهضة مصر، اللذين كانا يتمتعان بكثافة عالية من النساء والأطفال والرجال المنخرطين في اعتصام دام شهراً، احتجاجاً على عزل الرئيس محمد مرسي.

على مدار الأسابيع الماضية، تقدم بعض سكان العقارات المحيطة باعتصام رابعة العدوية بشكاوى رسمية بسبب عجزهم عن الوصول إلى مداخل بناياتهم بسهولة. كما تم تداول تقارير إعلامية تدعي أن بعض مؤيدي مرسي اعتدوا على أفراد يشتبهون في "اختراقهم" للاعتصام. وأفاد شهود برؤية متظاهرين مسلحين بالبنادق في اعتصام الجيزة. أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلة مع رجل واحد قال إنه قام مع مجموعة من الرجال بخطف رجل آخر تحت منصة النهضة، إلى جوار 8 مختطفين آخرين، علاوة على صبي واحد قال إن متظاهري النهضة اعتدوا عليه بالضرب وعرضوه للصدمات الكهربية، وجرحوه بالأسلحة البيضاء.

وقعت اشتباكات مميتة في محيط اعتصام النهضة بين مؤيدي الإخوان المسلمين والسكان. في 5 يوليو/تموز في حي المنيل، وفي 2 يوليو/تموز في بين السرايات، تصادم المتظاهرون مع سكان المناطق المحلية لعدة ساعات، فخلفوا 22 قتيلاً، لكن الشرطة أخفقت في التدخل وإنهاء العنف.

ينبغي على السلطات التحقيق في المزاعم الجنائية، إلا أن تصرفات المتظاهرين الفردية لا توفر تبريراً كافياً للفض بالقوة، بحسب هيومن رايتس ووتش. قالت هيومن رايتس ووتش إن من شأن الفض بالقوة أن ينتهك حقوق الآخرين في التجمع، ويعرض حياة الآلاف من المتظاهرين السلميين الآخرين الموجودين في الاعتصام للخطر. ينبغي لمسؤولي الأمن، بدلاً من هذا، أن يتعاملوا مع الجرائم المرتكبة، ومع عجز السكان عن الوصول إلى منازلهم، على نحو متناسب.

يقع على السلطات المصرية واجب التزام أقصى الحذر عند اختيار الوسائل والأساليب التي تستعين بها أجهزتها الأمنية في مواجهة أو تفريق مظاهرة. وعلى السلطات أن تضمن التخطيط المدقق قبل تنفيذ أية عملية، ثم ضمان تنفيذها على نحو يحد من الأضرار والخطر الذي تتعرض له الأرواح. وينبغي لهذا التخطيط أن يشمل تقديم إنذار مسبق للمتظاهرين بحيث يتسنى لهم الرد على طلبات الانفضاض الصادرة من قوات الأمن.

في 31 يوليو/تموز، واستشهاداً بالتفويض الشعبي "لمحاربة العنف والإرهاب"، قام مجلس الوزراء المصري بتفويض وزير الداخلية في "اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمواجهة هذه الأخطار ووضع حد لها في إطار الدستور والقانون". ينص القانون المصري على اختصاص الشرطة بسلطة تقديرية فضفاضة في تفريق المظاهرات، واستخدام القوة والأسلحة النارية، وبالتالي فهو لا يوفر حماية كافية للحق في الحياة، بحسب هيومن رايتس ووتش. في توقيت لاحق من ذلك اليوم، صرح محمد إبراهيم وزير الداخلية للأسوشيتد بريس بأن الوزارة ستستخدم خطوات متدرجة، مثل "إنذار بضرورة مغادرة المنطقة، ثم استخدام الغاز المسيل للدموع إذا لم يغادر المتظاهرون، وأخيراً ‘الدفاع المشروع عن النفس‘".

سبق لـ هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى توثيق مناسبات عديدة في السنوات الأخيرة، دأبت فيها شرطة مكافحة الشغب المصرية على الرد بالقوة المفرطة والمميتة غير المشروعة عند تفريق المظاهرات التي تنحو إلى العنف.

قال نديم حوري: "بالنظر إلى مستوى التوتر بين المتظاهرين والشرطة، وأعداد المتظاهرين ووجود نساء وأطفال في مساحات محصورة، وسجل الشرطة في تفريق الحشود، فإن ثمة مخاطرة لا يستهان بها في أن ينتهي أي إجراء تتخذه الشرطة بالقوة بخسارة مروعة في الأرواح".

يجب على القادة السياسيين في الاعتصام دعوة أتباعهم إلى ممارسة ضبط النفس ودعوة المتظاهرين إلى الامتناع عن أي شكل من أشكال العنف.

إن وجود عناصر تتبنى العنف في أحد التجمعات لا يبرر معاملة المظاهرة أو الاعتصام برمته على أنه عنيف. وقد نشر ماينا كياي، أول مقرر أممي خاص معني بالحقين في حرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات، نشر تقريره العام الأول في مايو/أيار 2012، لتسليط الضوء على أفضل الممارسات في مجال حماية هذين الحقين. واستشهد فيه بقضية نظرتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وتُقرر أن "الفرد لا يتوقف عن التمتع بالحق في التجمع السلمي نتيجة للعنف العشوائي أو غيره من الأفعال التي يعاقب عليها القانون والتي ارتكبها غيره في سياق المظاهرة، إذا ظل الفرد المعني سلمياً من حيث النوايا والمسلك".

شدد كياي على الأهمية الفائقة للحق في الحياة عند حفظ أمن التجمعات كما "شدد على الأهمية القصوى للحوار الحقيقي، بما في ذلك من خلال المفاوضات، بين سلطات إنفاذ القانون ومنظمي المظاهرة، لضمان سير التجمع العام بسلاسة".

غير أن قانون الشرطة المصري ولوائح وزارة الداخلية تمنح الشرطة سلطة تقديرية فضفاضة في استخدام الأسلحة النارية في محيط أقسام الشرطة أو عند حفظ الأمن في المظاهرات. وتنص المادة 102 من قانون الشرطة رقم 109 لسنة 1971 على منح الشرطة سلطة لاستخدام الأسلحة النارية تتجاوز ما يسمح به القانون الدولي، فهي تتيح للشرطة إطلاق النار على "الحشود" المكونة من أكثر من 5 أشخاص إذا "هددت الأمن العام"، وهو معيار أكثر اتساعاً بكثير مما يتيحه القانون الدولي، الذي يشترط "جريمة خطيرة بوجه خاص وتنطوي على تهديد داهم للحياة".

يتعين على الحكومة توجيه أمر علني إلى قوات الأمن باتباع مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، والتي تنص على أن تقوم قوات الأمن "باستخدام وسائل غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام القوة والأسلحة النارية"، وعلى أنه "في الحالات التي لا مناص فيها من الاستخدام المشروع للقوة أو الأسلحة النارية، يتعين على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين مراعاة: (أ) ممارسة ضبط النفس في استخدام القوة والتصرف بطريقة تتناسب مع خطورة الجرم والهدف المشروع المراد تحقيقه؛ و(ب) تقليل الضرر والإصابة، واحترام وصون حياة الإنسان".

وتقرر مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، في المبدأ 13، أن:

على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، عند تفريق التجمعات غير المشروعة، إنما الخالية من العنف، أن يتجنبوا استخدام العنف، أو إذا كان ذلك غير ممكن عملياً، أن يقصروه على الحد الأدنى الضروري.

وفي حالة التجمعات العنيفة، يقرر المبدأ 14 أنه:

لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يستخدموا الأسلحة النارية لتفريق التجمعات التي تتسم بالعنف إلا إذا تعذر عليهم استخدام وسائل أقل خطراً، وعليهم أن يقصروا استخدامها على الحد الأدنى الضروري. ولا يجوز لهم أن يستخدموا الأسلحة النارية في هذه الحالات إلا حسب الشروط المنصوص عليها في المبدأ 13.

تلتزم كافة سلطات الأمن، وقادتها بوجه خاص، باحترام حق الجميع في الحياة. ويشمل هذا التخطيط لجميع العمليات والأمر بها بحيث يقل الخطر الواقع على الأرواح، وتحترم كافة القوات المبدأ الأساسي الذي يقضي بعدم جواز استخدام القوة العمدية المميتة إلا إذا كانت ضرورية لحماية الأرواح، ومحاسبة أي شخص يخالف هذه القواعد عن طريق ارتكاب القتل غير المشروع أو التواطؤ فيه أو توجيه الأمر به، أو الإخفاق في منعه بطريق التقصير.

قال نديم حوري: "يتعين على مجلس الوزراء المصري أن يبذل قصارى جهده لتهدئة الوضع ومنح الفرصة للتفاوض مع المتظاهرين، والامتناع عن اتباع سياسة حافة الهاوية التي يرجح أن تؤدي إلى المزيد من الوفيات والغضب. فبدء المباحثات هو خير سبيل للتعامل مع الاعتصامين".