خرجت سوريا من عزلتها الدولية في عام 2008 ، ولكن سجلها في مجال حقوق الإنسان ما زال سيئا جدا. اعتقلت السلطات السياسيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وفرضت رقابة على المواقع الإلكترونية، واعتقلت المدونين، وفرضت حظر السفر. ولا يزال قانون الطوارئ ، الذي تم فرضه في عام 1963 ساري المفعول، وتواصل الأجهزة الأمنية السورية المتعددة احتجاز الأشخاص دون أوامر اعتقال.

وحكمت محكمة أمن الدولة العليا (وهي محكمة استثنائية لا يوجد فيها تقريبا أية ضمانات قضائية، على 75 شخصا في عام 2008، ومعظمهم من الإسلاميين، بالسجن لفترات طويلة. ويستمر الأكراد السوريون، وهم أكبر أقلية عرقية في الاحتجاج على الاستمرار في التعامل معهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية. وبعد شهور من إطلاق الرصاص على سجناء قاموا بأعمال شغب وقتلهم من قبل الشرطة العسكرية في سجن صيدنايا العسكري، فإنه لم يتم الكشف عن أية معلومات حول الإصابات.

 

محاكمة النشطاء السياسيين

ابتداء من ديسمبر/كانون الأول 2007، اعتقلت الأجهزة الأمنية السورية أكثر من 40 من الناشطين السياسيين الذين حضروا اجتماع المجلس الوطني لإعلان دمشق، والذي يضم عددا من جماعات المعارضة. في حين أطلق سراح معظمهم في غضون 48 ساعة، أحالت السلطات 12 شخصا، بينهم النائب السابق رياض سيف، إلى محكمة جنايات دمشق، وحكمت عليهم،  بتاريخ 29 أكتوبر/تشرين الأول 2008 بالسجن لمدة 30 شهراً بتهمة "إضعاف الشعور القومي" و"نشر أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة". وفي 7 مايو/أيار 2008، اعتقلت أجهزة الأمن الكاتب والمحلل السياسي حبيب صالح بسبب مقالات تنتقد الحكومة ودفاعاً عن المعارض رياض الترك. وهو بانتظار المحاكمة على عدة تهم منها "إضعاف الشعور القومي".

وحكمت محكمة أمن الدولة العليا على أكثر من 75 شخصا في عام 2008 بالسجن لأسباب متعددة، منها العضوية في جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، والنشاط لصالح الأكراد، والعضوية في جماعات سياسية غير مصرّحة وكيل الانتقاد للحكومة.

وفي 23 أبريل/نيسان، حكمت المحكمة العسكرية في دمشق على كمال اللبواني، وهو طبيب ومؤسس التجمع الديمقراطي الليبرالي، بالسجن لمدة ثلاث سنوات لتكراره "إهانة السلطات" أثناء وجوده في السجن، إضافة إلى الـ 12 سنة التي تم الحكم عليه بها في عام2007  لدعوته إلى الإصلاح عبر الطرق السلمية أثناء زيارته الولايات المتحدة وأوروبا.

وفي خطوة مرحّب بها، أفرجت السلطات بتاريخ 7 أغسطس/آب عن أستاذ الاقتصاد الدكتور عارف دليلة، وهو من دعاة الليبرالية السياسية الذي كان يقضي حكماً مدته  10 سنوات بتهمة "محاولة تغيير الدستور بطرق غير قانونية".

حرية التعبير

 تواصل السلطات السورية تقييد حرية التعبير، ولا تزال الصحافة المستقلة غير موجودة. وفرضت الحكومة قيوداً على منافذ الإنترنت مثل تلك التي تطبقها على غيرها من وسائل الإعلام مثل احتجاز الصحفيين لنشر المعلومات على الإنترنت. وتشمل الرقابة السورية على الإنترنت مواقع شعبية مثل محرك بحث جوجل،  والمدونات، وكذلك موقعي فيس بوك  ويوتيوب.

وحكمت محكمة أمن الدولة العليا بتاريخ 7 أبريل/نيسان على الكاتب والشاعر فراس سعد بالسجن لمدة أربع سنوات بتهمة "إضعاف الشعور القومي" بعد نشره مقالات على موقع www.ahewar.org  دافع فيها عن الدعوة لتحسين العلاقات بين لبنان وسوريا، وانتقد دور الجيش السوري في حرب يوليو/تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله. وبتاريخ 11 مايو/أيار حكمت محكمة أمن الدولة العليا بالسجن ثلاث سنوات على المدون طارق بياسي (23 عاماً) الذي اعتقلته الحكومة في يوليو/تموز 2007 بتهمة "إهانة أجهزة الأمن" و"إضعاف الشعور القومي". وفي الوقت الذي يتم فيه إعداد هذا التقرير، فإن كريم أرباجي، 29 عاماً، مشرف منتدى الشباب الإلكتروني الشعبي www.akhawia.net ، بانتظار المحاكمة بتهمة "نشر معلومات كاذبة من شأنها إضعاف الشعور القومي".

الاحتجاز التعسفي والتعذيب و"الاختفاءات"

 تستمر سوريا بأجهزتها الأمنية العديدة في اعتقال أشخاص دون مذكرات توقيف، وكثيرا ما ترفض الكشف عن مكان وجودهم لمدة أسابيع وأحيانا أشهر، مما يعني أنهم فعلياً مختفون. بتاريخ 15 أغسطس/آب، اعتقلت الأجهزة الأمنية السورية مشعل التيمو، المتحدث باسم تيار المستقبل الكردي في سوريا، وهو حزب سياسي غير مرخص، بينما كان يقود سيارته وحده في الليل، واحتجزته لمدة 11 يوما في الحبس الانفرادي. ويعتقد أيضا أن الأجهزة الأمنية تحتجز عددا قليلا من المعتقلين الذين تم اعتقالهم في باكستان في السنوات الأخيرة وتم احتجازهم لبعض الوقت لدى وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه).

وتلقت هيومن رايتس ووتش تقارير عديدة عن سوء المعاملة والتعذيب من قبل الأجهزة الأمنية. ففي يناير/كانون الثاني، ذكر ثمانية من معتقلي المجلس الوطني لإعلان دمشق (من أصل 12 معتقلا) بأن عناصر أمن الدولة ضربوهم أثناء الاستجواب، بمن فيهم الكاتب البارز علي العبد الله الذي تعرض لإصابات بالأذن. وعرض ناشط كردي على هيومن رايتس ووتش صورا لكدمات قال بأن ضباط الأمن السياسي تسببوا بها في يوليو/تموز 2008 أثناء الاستجواب. وأبلغ على الأقل 11 من 75 شخصاً حكم عليهم في عام 2008 من قبل محكمة أمن الدولة العليا أنهم تعرضوا للتعذيب من قبل الأجهزة الأمنية.

وفي 5 يوليو/تموز، فتحت  الشرطة العسكرية النار على نزلاء كانوا يقومون بأعمال شغب في سجن صيدنايا. وقد وقع عدد من السجناء وحراس السجن قتلى، ولكن السلطات لم تكشف عن أية معلومات تخص عدد أو أسماء القتلى والجرحى.

وكما حدث في السنوات السابقة، لم تقر الحكومة بتورط قوات الأمن في "اختفاء" ما يقدر بـ 17000 شخص، معظمهم من جماعة الإخوان المسلمين السوريين وغيرهم من الناشطين السوريين الذين احتجزتهم الحكومة في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، فضلا عن المئات من اللبنانيين والفلسطينيين المعتقلين في سوريا أو الذين اختُطفوا من لبنان. ولا تزال الغالبية العظمى في عداد المفقودين، وكثير منهم يعتقد أنهم قتلوا.

المدافعون عن حقوق الإنسان

لا يزال ناشطو حقوق الإنسان هدفا للاعتقالات والمضايقات من جانب الحكومة. حكمت محكمة عسكرية بتاريخ 22 أبريل/نيسان على  أحمد الحاج محمد خلف، عضو مجلس إدارة المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا، بالسجن لمدة خمسة أيام لانتقاده التعيينات في وزارة التربية والتعليم. وبالمثل، في 23 حزيران/ يونيو حكمت محكمة عسكرية على مازن درويش، رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، بالسجن لمدة خمسة أيام لتقديم تقارير عن اشتباكات عنيفة في ضاحية "عدرا" في دمشق.  وبتاريخ 29 يونيو/حزيران حكمت  محكمة عسكرية على محمد بديع دك الباب، وهو عضو في المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان، بالسجن لمدة ستة أشهر بسبب مقالات انتقد فيها الحكومة لاعتقال المثقفين.

وتواصل الحكومة منع الناشطين،  وعائلاتهم أيضا في بعض الحالات، من السفر إلى الخارج. وتقّدر أعداد الناشطين الممنوعين من السفر بالمئات.

ولا زالت جميع جماعات ومنظمات حقوق الإنسان في سوريا غير مرخصة، حيث يرفض المسئولون باستمرار رفض طلبات التسجيل لهذه المجموعات.

التمييز والقمع ضد الأكراد

يشكل الأكراد، وهم أكبر أقلية عرقية غير عربية في سوريا، حوالي 10% من السكان الذين يبلغ عددهم 19 مليون نسمة. ولا يزالون يخضعون لتمييز منهجي، بما فيه الحرمان التعسفي من الجنسية لما يقدر بـ 300000 من الأكراد المولودين في سوريا. وتقمع السلطات التعبير عن الهوية الكردية، بما في ذلك تعليم اللغة الكردية في المدارس. وفي 20 مارس/آذار 2008 ، فتحت قوى الأمن الداخلي النار على الأكراد الذين كانوا يحتفلون بالعام الكردي الجديد في مدينة القامشلي، مما أسفر عن وقوع ثلاثة قتلى.

وحكمت محكمة عسكرية بتاريخ 14 سبتمبر/أيلول على 50 من الأكراد بالسجن لمدة ستة أشهر لتظاهرهم احتجاجا على اغتيال الزعيم الكردي الشيخ معشوق الخزناوي. واعتقل  مسئولو الأمن عددا من الناشطين السياسيين الأكراد، بمن فيهم محمد موسى، الأمين العام للحزب اليساري الكردي السوري، ومشعل التيمو، ومحمد السيد القادة في تيار المستقبل الكردي في سوريا. وفي وقت كتابة هذا التقرير،  يواجه الثلاثة المحاكمة.

حقوق المرأة

 يضمن الدستور السوري المساواة بين الجنسين، والعديد من النساء ينشطن في الحياة العامة. ولكن قانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات يتضمنان أحكاما تمييزية ضد النساء والفتيات. ويسمح قانون العقوبات للقاضي بتعليق عقوبة المغتصب إذا اختار المغتصب الزواج من ضحيته، ويتيح تسامحا إزاء جرائم الشرف. في حين أن عدد جرائم الشرف غير معروف، فإن مرصد نساء سوريا، وهي مجموعة غير مرخصة ، وثق ما لا يقل عن 10 حالات في عام 2008، بما في ذلك مقتل فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، في شهر أبريل/نيسان، على يد شقيقها؛ لأنها كانت على علاقة بفتى آخر.

ووفقا لتقارير وسائل الإعلام، قدمت لجنة كُلفت بصياغة قانون لمكافحة الإتجار بالبشر مشروع قانون إلى مجلس الوزراء في يوليو/تموز 2008. وحتى كتابة هذا التقرير، لم يتم الإعلان عن المشروع المشار إليه أو إحالته إلى البرلمان.

وضع اللاجئين الفارين من العراق

تستضيف سوريا أكبر عدد من اللاجئين العراقيين خارج العراق، الذين تقدر أعدادهم بـ 1 إلى 1.5 مليون لاجئ، وتتيح لهم اللجوء إلى خدمات المستشفيات العامة والمدارس ولكنها تمنعهم من العمل. وقد فرضت سوريا منذ  العام 2007 قيودا متزايدة ضمن شروط إصدار تأشيرة الدخول للاجئين العراقيين. ومع انعدام فرص العمل في سوريا والتحسن النسبي في الوضع الأمني في العراق، أدى ذلك إلى عودة الآلاف من اللاجئين العراقيين إلى العراق في أوائل عام 2008.  ففي مايو/أيار أشار مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين إلى التقديرات بأن العراقيين الذين يدخلون سوريا في كل يوم يزيدون زيادة طفيفة عمن يغادرون إلى العراق. ولا تزال سوريا ترفض دخول الفلسطينيين الفارين من العراق. وحتى كتابة هذا التقرير، لا زال المئات منهم في مخيمات مؤقتة في المناطق العازلة بين نقاط التفتيش التابعة للحدود السورية العراقية، إلى جانب آلاف آخرين في معسكرات على الجانب العراقي بالقرب من الحدود.

 

الفاعلون الدوليون الأساسيون

خرجت سوريا من عزلتها الدولية في عام 2008، مع زيارة الرئيس الفرنسي ساركوزي وغيره من كبار الشخصيات الأجنبية لدمشق. ومع ذلك، فإن تجدّد العلاقات لم يكن له أثر يذكر على سوريا في مجال حقوق الإنسان. ففي خلال عام 2008 أصدر الاتحاد الأوروبي بيانات عامة عبّر فيها عن قلقه بشأن حالة حقوق الإنسان في سوريا، وداعيا إلى إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، على الرغم من أنه في سبتمبر/أيلول أشار خافيير سولانا، مسئول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أن الاتحاد الأوروبي قد يكون مستعدا لاستئناف المحادثات بشأن اتفاقية الشراكة، والتي جُمّدت بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005.

وتستمرّ إيران في كونها الحليف الإقليمي الرئيس لسوريا، وتزايد تعاون البلدين في المجالات العسكرية والاقتصادية. وتبادلت المملكة العربية السعودية وسوريا انتقادات حادة حول الأدوار الإقليمية؛ مما يكشف عن وجود التوتر بين البلدين.