HUMAN RIGHTS WATCH

إسرائيل/قطاع غزة: الصواريخ والقصف المدفعي يشكلان انتهاكاً لقوانين الحرب

الدفاع والانتقام كلاهما تبرير مرفوض

(القدس، 1 يوليو/تموز 2007) قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته اليوم إن الهجمات الصاروخية الفلسطينية على المدن الإسرائيلية وكذلك القصف المدفعي الإسرائيلي قرب المناطق المأهولة في شمال غزة قد تسببا في وقوع مئات الإصابات في صفوف المدنيين منذ سبتمبر/أيلول 2005، الأمر الذي يشكل انتهاكاً خطيراً لقوانين الحرب.  

ويكشف التقرير، الذي جاء في 121 صفحة، بعنوان "قصف عشوائي: هجمات صاروخية فلسطينية على إسرائيل وقصف مدفعي إسرائيلي على قطاع غزة"، أن كل من الجماعات الفلسطينية المسلحة والجيش الإسرائيلي لم يُظهرا اهتماماً كافياً بحياة المدنيين. فالجماعات الفلسطينية المسلحة بما فيها حماس، والجهاد الإسلامي، وكتائب الأقصى التابعة لفتح، ولجان المقاومة الشعبية تقول إن تنفيذ هجماتها المتعمدة ضد المدنيين باستخدام صواريخ القسام محلية الصنع التي تتصف بعدم الدقة الشديدة إنما هو انتقام من العمليات الإسرائيلية، ولكن الانتقام ضد المدنيين أمر غير قانوني في جميع الأحوال. من جهة أخرى، تسبب تقليص الجيش الإسرائيلي "مسافة الأمان" التي تفصل بين أهداف المدفعية والمناطق المأهولة في غزة وكذلك التصاعد الحاد في عمليات القصف في أبريل/نيسان 2006 إثر تولي حماس مقاليد السلطة الفلسطينية، في ارتفاع كبير في عدد الإصابات في صفوف المدنيين.  
 
وقال جو ستورك نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "لا يمكن تبرير الانتهاكات ذات الطابع الثأري بالقول بأن الطرف الآخر هو الذي انتهك القانون أولاً"، وتابع يقول: "فقوانين الحرب تهدف إلى حماية المدنيين من الأذى مهما كانت الأسباب، وإلا فإن دوامة العنف تخرج عن السيطرة كما حدث في غزة وإسرائيل".  
 
ويصدر تقرير هيومن رايتس ووتش عشية جلسة الاستماع التي تعقدها المحكمة العليا في 2 يوليو/تموز حول سياسة الجيش الإسرائيلي التي ذكر بأنها قلّصت "مسافة الأمان" بين أهداف المدفعية والمناطق المأهولة من 300 إلى 100 متر، في أبريل/نيسان 2006. ويبين التقرير أن جميع القتلى وجميع الجرحى (باستثناء ثمانية) الذين سقطوا بين سبتمبر/أيلول 2005 ومايو/أيار 2007 نتيجة القصف المدفعي الذي تزعم إسرائيل أنه دفاع عن النفس، قد سقطوا بعد هذا التغير في السياسة.  
 
وفي خضم الاقتتال المستمر في غزة بين حماس وفتح؛ تتابع الجماعات الفلسطينية المسلحة إطلاق الصواريخ على إسرائيل. ففي مايو/أيار 2007 تسببت الصواريخ في مقتل اثنين من المدنيين الإسرائيليين في سديروت وألحقت الجراح بـ 22 آخرين، وفي 20 يونيو/حزيران جرحت الصواريخ 3 مدنيين في هجوم تبنته حركة الجهاد الإسلامي.  
 
وقد علقت إسرائيل قصفها المدفعي على غزة منذ أن تسبب القصف الذي وقع في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 بقتل 23 مدنياً فلسطينياً. ورغم هذا التعليق، يقول الجيش الإسرائيلي إنه لا يزال يعتبر القصف المدفعي رداً شرعياً على الهجمات الصاروخية الفلسطينية "مع الالتزام بالتقييدات التي نص عليها القانون الدولي".  
 
وقال جو ستورك: "ثمة فرصة لإنهاء هذا الاستخفاف المروع بحياة المدنيين، إذا تعلّم كلا الطرفين دروس السنيتين الأخيرتين"، مضيفا بأن "على سلطة حماس في غزة إيقاف الهجمات الصاروخية على المدن الإسرائيلية من قبل جميع الفئات. وبالمقابل على إسرائيل أن تستمر في تعليق استخدام المدفعية ضد غزة أو على الأقل ألا تقصف المناطق المأهولة". وينبغي على حماس أيضاً أن تضمن عدم وقوع أية هجمات من أية جهة انطلاقاً من جوار المناطق المأهولة.  
 
وتدرس هيومن رايتس ووتش في تقرير "قصف عشوائي" استخدام كل من الصواريخ والمدفعية في أعقاب انسحاب إسرائيل من غزة في سبتمبر/أيلول 2005.  
 
فمنذ سبتمبر/أيلول 2005 وحتى مايو/أيار 2007 أطلقت الجماعات الفلسطينية المسلحة قرابة 2700 صاروخ محلي الصنع باتجاه إسرائيل؛ لتتسبب في مقتل 4 مدنيين إسرائيليين وجرح 75 آخرين. وفي مايو/أيار 2007 قام العديد من سكان سديروت، وهي الأكثر تعرضاً للقصف، بمغادرة المدينة إلى مناطق أخرى في إسرائيل. كما أن الصواريخ الفلسطينية تسببت أيضا في إيقاع 23 إصابة على الأقل بين الفلسطينيين نتيجة عدم وصول الصواريخ إلى الحدود. كما تسبب إطلاق الصواريخ منذ منصف 2004 وحتى سبتمبر/أيلول 2005 في قتل 6 مدنيين إسرائيليين.  
 
وخلال الفترة ذاتها بين سبتمبر/أيلول 2005 ومايو 2007، أطلق الجيش الإسرائيلي أكثر من 14600 قذيفة مدفعية من عيار 155 ملم على غزة. وتسببت القذائف التي سقطت قرب المناطق المأهولة في مقتل 59 شخصاً وجرح 270 آخرين ومعظمهم، إن لم يكن جميعهم، من المدنيين.  
 
ووجد تقرير هيومن رايتس ووتش أن الجماعات الفلسطينية المسلحة كانت تستهدف عن عمد مهاجمة المدنيين الإسرائيليين في ما يمثل انتهاكاً لقوانين الحرب. إذ أنه بالإضافة إلى تسببها بعشرات الإصابات؛ كانت الهجمات توقع أضرارا في الممتلكات وتخلق مناخاً من الخوف المعمم في المناطق الإسرائيلية المستهدفة.  
 
كما تقوم الجماعات الفلسطينية المسلحة أحياناً بتعريض حياة المدنيين الفلسطينين للخطر عبر وضع منصات الصواريخ قرب المناطق المأهولة في غزة، الأمر الذي يشكل انتهاكاً لواجب أخذ جميع التدابير المعقولة للتقليل من الإصابات في صفوف المدنيين.  
 
وبالمقابل، فشلت إسرائيل في اتخاذ جميع التدابير المعقولة للتقليل من الإصابات في صفوف المدنيين جراء القصف المدفعي، وتم هذا القصف بشكل عشوائي في حادث واحد على الأقل. وتشير الأدلة في حوادث أخرى إلى أن الهجمات لم تُظهر مراعاة لمبدأ التناسب، مما تسبب في خسائر مدنية أعلى بكثير مقارنة مع الكسب العسكري المتوقع. فقد سقطت العديد من القذائف المدفعية التي أطلقتها إسرائيل على غزة قرب المناطق المأهولة، وأحيانا أصابت المنازل بشكل مباشر متسببة في إصابات بالغة وخسائر في الأرواح وتخريباً واسعاً.  
 
وقد بررت إسرائيل هذه الهجمات بأنها دفاع عن النفس، وادعى ضباط في جيش الدفاع أن عدم دقة الصواريخ الفلسطينية تزايد بعد الضربات المدفعية التي أرغمت منصات إطلاقها على الابتعاد عن الحدود. ولكن تلك الضربات لم تقلل العدد الإجمالي للهجمات الصاروخية الفتاكة، كما لم تؤثر بشكل ملحوظ على قدرة الجماعات الفلسطينية على إطلاق الصواريخ.  
 
وقال جو ستورك: "إذا استأنف الجيش الإسرائيلي قصف غزة فعليه أن يقوم بذلك في الحالات التي يستطيع فيها التمييز بدقة بين المدنيين والمقاتلين".  
 
ويستند التقرير إلى بعثتين ميدانيتين نظمتهما هيومن رايتس ووتش إلى كل من إسرائيل وغزة وأجرى باحثوها خلالهما أكثر من 100 مقابلة مع الضحايا وشهود العيان وغيرهم، وقاموا باختبار الأدلة المادية. كما عقد باحثو هيومن رايتس ووتش اجتماعات مع المسؤولين الحكوميين والعسكريين، الإسرائيليين والفلسطينيين.  
 
وأورد التقرير دراستي حالة مُفصلتين عن الهجمات المدفعية الإسرائيلية القاتلة، إذ عرضت الحالة الأولى نتائج تحقيق هيومن رايتس ووتش في الانفجار الذي تم في 9 يونيو/حزيران 2006 على شاطئ غزة وتسبب في مقتل 7 مدنيين وجرح العشرات منهم. وأكدت هيومن رايتس ووتش أن الانفجار نتج عن قذيفة مدفعية إسرائيلية من عيار 155 ملم، تم إطلاقها مباشرة ذلك اليوم أو عن قذيفة قديمة انفجرت بسبب ذلك القصف. كما كشفت أن التحقيق الإسرائيلي في الحادث لم يأخذ بعين الاعتبار أدلة المصادر الأخرى باستثناء مصادر الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يُظهر عدم اكتراث بالوصول إلى حقيقة ما جرى.  
وتدرس دراسة الحالة الثانية سلسلة الهجمات المدفعية الإسرائيلية التي استمرت أسبوعاً من 24 يوليو/تموز 2006 والتي أصابت، في ست حالات على الأقل، مجمع الندى كثيف السكان قرب المنطقة الواسعة المكشوفة التي أطلق منها الفلسطينيون صواريخهم. وتسببت الهجمات بمقتل 4 مدنيين منهم طفلان وجرح 14 آخرين، كما أجبرت مئات العائلات على الفرار.  
 
وقال جو ستورك: "يكشف مثال مجمع الندى كيف أن أفعال الفلسطينيين والإسرائيليين على السواء تسبب الأذى المميت للمدنيين"، وأضاف: "ويبدو أن الفلسطينيين ينقلون منصات إطلاق الصواريخ إلى جوار الشقق السكنية معرضين حياة سكانها للخطر، فيما قام الجيش الإسرائيلي بقصف هذه الشقق مباشرة رغم تلقيه تحذيرات فورية بأن هناك مدنيين يلقون حتفهم نتيجة القصف. وتشكل ممارسات كلا الطرفين انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي".  
 
وطالبت هيومن رايتس ووتش إسرائيل بإجراء تحقيقات مستقلة وشاملة في الهجمات على شاطئ غزة في يونيو/حزيران وعلى مجمع الندى في يوليو/تموز، وكذلك في هجوم نوفمبر/تشرين الثاني 2006 الذي أفضى إلى تعليق القصف المدفعي. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على إسرائيل إجراء التحقيق مع الأفراد الذين يمكن أن يكونوا مسؤولين عن القصف المدفعي الذي يشكل انتهاكاً خطيراً لقوانين الحرب، وتتخذ بحقهم العقوبات أو تحاكمهم وفق مقتضى الحال.  
 
كما طالبت هيومن رايتس ووتش السلطة الفلسطينية وقادة الجماعات السياسية بإدانة ونبذ الهجمات الصاروخية التي يتم إطلاقها على السكان المدنيين أو تلك التي لا تستطيع التمييز بين المدنيين والمقاتلين. وقالت إن على السلطة الفلسطينية أن تتخذ خطوات ملموسة لمنع هذه الهجمات انطلاقاً من المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وأن تحقق مع المسؤولين عنها وتحاكمهم. وعلى حماس التي سيطرت على مقاليد الأمور في غزة مؤخرا أن تتخذ خطوات مماثلة لمنع وقوع هجمات مثل التي حصلت في 20 يونيو/حزيران 2007.  
 
قصف عشوائي  
صواريخ فلسطينية على إسرائيل وقذائف مدفعية إسرائيلية على قطاع غزة