XI . تدابير وثغرات الحماية في الدول الراسلة للعمالة
أتصلت بالوكيل وأتصلت بالسفارة، ولم تجبني إلا السفارة فمنحتني الأمل في الحل... أتمنى لو كانت السفارة يمكنها فعل المزيد، أو الأفضل. على حكومة أندونيسيا أن تتحرك. أتمنى لو كانت السفارة صارمة مع السعوديين. كل الإجراءات تتحرك هنا ببطء شديد.
- سري هـ. عاملة منازل أندونيسية، الرياض، 5 ديسمبر/كانون الأول 2006
أنا دبلوماسي، ولست عاملة منزلية.
- المسؤول ج. بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 10 مارس/آذار 2008
في مواجهة سياسات الهجرة التقييدية التي تتسبب في حصار النساء المهاجرات، وفي غياب آليات الانتصاف المحلية الفعالة لضحايا الانتهاكات، فإن البعثات الدبلوماسية للدول الراسلة للعمالة تلعب دوراً هاماً في توفير المأوى والخدمات والمساعدة القانونية لعاملات المنازل. وكما سبقت المناقشة في القسم بعنوان "نطاق الإساءات" في الفصل الثالث أعلاه، فإ، البعثات الدبلوماسية تتعامل مع آلاف الحالات سنوياً. [312]
وقد أوضح دبلوماسيون في سفارة الفلبين أنه على الرغم من أن عاملات المنازل "يمثلن 10 إلى 20 في المائة من الفلبينيين [في السعودية]، فهن يمثلن 90 في المائة من كم المشكلات". [313] وقال السفير السريلانكي لـ هيومن رايتس ووتش إنه كانت توجد 185 امرأة في المأوى وقت إجراء المقابلة. كما قال إنه يستقبل 400 شكوى وطلب كل أسبوع من سريلانكا من أسر عاملات المنازل وعاملات المنازل العائدات. [314]
وتيسر سفارات كل من أندونيسيا وسريلانكا والفلبين ونيبال من إعادة رعاياهم بالتحقق من الجنسية وتحضير وثائق السفر المؤقتة التي يمكن استخدامها بديلة عن جواز السفر. كما يحاولون التفاوض على الوصول إلى تسويات مالية بين أصحاب العمل وعاملات المنازل ومكاتب الاستقدام في حالة عدم دفع الأجور أو لدى عدم توفير تذكرة العودة. وبعض البعثات الدبلوماسية انشأت بيوت آمنة توفر المأوى لعاملات المنازل بانتظار إعادتهن أو لمن يجب عليهن الانتظار شهور أو سنوات حتى الانتهاء من نظر قضاياهن في المحكمة. وأخيراً فربما توفر هذه البعثات مساعدة قانونية وخدمات ترجمة ورعاية طبية.
كما حاولت العديد من السفارات تحسين قدرتها على جمع البيانات ومراقبة أوضاع عاملات المنازل بواسطة التصدق على العقود، وتعقب أسماء وعناوين أصحاب العمل ووضع أصحاب العمل الذين يرتكبون الإساءات على قائمة سوداء. مثلاً قال أحد المسؤولين: "من ارتكبوا إساءات يتم وضعهم على قائمة سوداء لخمس أو عشر سنوات. ومن ارتكبوا إساءات جسيمة، يتم وضعهم على القائمة بشكل دائم". [315]
القيود المفروضة على العمل في المملكة العربية السعودية
قد يواجه الدبلوماسيون من الدول الراسلة للعمالة بعض القيود، وتشمل مطالبة عاملات المنازل باستخراج تأشيرات خروج قبل التمكن من مغادرة البلاد، أو نقص التمويل اللازم لشراء تذاكر الطيران، وكذلك مقاومة السعودية لفكرة البيوت الآمنة الخاصة بالسفارات. وقال مسؤولون من عدة سفارات لـ هيومن رايتس ووتش أن بقاء البيوت الآمنة في حد ذاته غير نهائي أو مستقر، بما أن السلطات السعودية لا تسمح بعملها إلا بصعوبة وعلى استحياء. وقال أحد المسؤولين: "ليس لدينا تصريح بتشغيل البيت الآمن... إنهم يرون الحاجة إليه لكنهم لا يريدون منحنا اعتراف رسمي به". [316]
ويقع عبء إخراج عاملات المنازل من أوضاع تحديد الإقامة قسراً على عاتق السفارات، التي تتلقى المكالمات من عاملات المنازل الساعيات للمساعدة، لكن لا يمكنهم الترتيب لإجراء عمليات الإنقاذ دون تعاون من الشرطة السعودية. وفي بعض الحالات يتعاون العاملون بالسفارة مع الشرطة لإنقاذ عاملة محبوسة داخل محل العمل. وفي الحالات التي لا تتعاون فيها الشرطة، تخبر السفارات عاملات المنازل أن عليهن العثور على وسيلة لمغادرة البيت على عاتقهن. وبعض عاملات المنازل قد يجدن الفرصة للفرار أو قد يضطررن إلى اللجوء إلى أساليب خطيرة مثل القفز من النوافذ. وقالت إحدى عاملات المنازل:
كنت أبكي يومياً وأنا أفكر في الأمر... تحدثت مع السفارة السريلانكية وقالوا لي إنهم لا يمكنهم المجيئ لإنقاذي. بدلاً من هذا قالوا لي أن أهرب وأذهب إلى السفارة. ولم أهرب لأنني كنت خائفة. [317]
ومن يهربن يخاطرن بالتعرض للإساءات في الطريق إلى السفارة من قبل أفراد يدعون مساعدتهن، أو بالاعتقال والترحيل جراء التنقل دون أوراق الهوية. وعلى الجانب الآخر فإن السفارات تتعرض لضغوط سياسية وعليها مقاومة فكرة شائعة بين أصحاب العمل السعوديين والسلطات السعودية بأن السفارات تشجع عاملات المنازل على الفرار. وقال وزير الشؤون الاجتماعية د. عبد المحسن العكاس لـ هيومن رايتس ووتش: "تتمادى السفارات وتؤجر بيوتاً آمنة لتشجيع العاملات على الفرار، ثم تنقلهم السفارات إلى أصحاب عمل جدد مقابل عمولات". [318] وقال مسؤول دبلوماسي: "في الماضي كانت الشرطة النظامية تحاول إغلاق البيوت الآمنة، لكنهم اعتادوها الآن". [319]
ونظراً لدور السفارات في توفير الملجأ لعاملات المنازل الهاربات من العمل، فيجب أن تبقى مفتوحى حتى في أيام الإجازة الأسبوعية وأثناء الليل، بما أن هذه هي الأوقات التي يُرجح أن تفر خلالها العاملات. وبعض أجزاء السفارة الفلبينية تبقى مفتوحة يومي الخميس والجمعة لمساعدة عاملات المنازل اللاتي قد يقمن بالفرار في عطلة نهاية الأسبوع. وعلى النقيض، لا يوجد في سفارة سريلانكا في الرياض حراسة على مدار الأربع وعشرين ساعة، لذا فحين تُغلق السفارة قد تبقى عاملات المنازل القادمات من مسافة بعيدة عالقات في الطريق. ويمثل هذا موقف ينطوي على التهديد البالغ للسيدات في السعودية، بما أنها تكون غير مصحوبة بولي أمر وبما أنها تخالف قوانين الهجرة لأنها "تهرب" من كفيلها.
نقص الموارد والاستجابة غير المنتظمة
الشيء الوحيد الذي يحزنني هو الوقت الذي أمضيته في العمل المكتبي الإداري، في الإجابة على مكالمات والتعامل مع زوار وتذاكر طيران وما إلى هذا. لا يمكنني إجراء جلسات العلاج الجماعي. أنا مسؤولة عمل اجتماعي وهذا هو تخصصي، وأود الاشتغال بهذا العمل. لكن لا يمكنني بسبب كل الواجبات الإدارية على عاتقي.
- عاملة اجتماعية، البيت الآمن لسفارة الفلبين، الرياض، 7 ديسمبر/كانون الأول 2006
عادة ما تكون السفارات هي الجهة الوحيدة التي تدافع عن عاملات المنازل وتدعم قدرتها على الحصول على الانتصاف، وقد حسنت من خدماتها وسعتها الخاصة بالعمل في السنوات الأخيرة. إلا أن أغلب البعثات الدبلوماسية ما زالت غير مجهزة بالعاملين الكافين للتعامل مع حجم الشكاوى الهائل، وربما لا يوجد بها عاملون متخصصون مثل المشتغلين بالعمل الاجتماعي أو المحامين. ويكافحون من أجل الوفاء بالمتطلبات الدنيا من أجل توفير المأوى المؤقت وإدارة القضايا وغيرها من الخدمات لعاملات المنازل، لكن عادة ما يفشلون في الوفاء بهذا الحد الأدنى.
وتتباين جودة الخدمات من بعثة دبلوماسية إلى أخرى وتعتمد عادة على توجهات وسلوك العاملين. ففيما يُكرس بعض الأشخاص جهدهم لمساعدة رعاياهم، فغيرهم يشعرون بالضيق من شكاوى العاملات ويميلون إلى تجاهلها. مثلاً رفض مسؤول بإحدى السفارات استخدام تمويل السفارة من أجل مساعدة عاملات منازل عالقات في البلاد برفضه تمويل تذاكر العودة وقال: "لابد من تواجد نقود مخصصة لهن، لأن بنود الإنفاق مُحددة، فإذا فتحت الباب فسوف نغرق في الطلبات". [320] وأضاف: "هل تلوم صاحب العمل السعودي إذا لم يدفع لها راتبها لمدة عامين لأنه إذا فعل فسوف تهرب وتعمل لدى صاحب عمل آخر؟" [321]
والبعثات الدبلوماسية لا تتواجد إلا في الرياض وجدة، مما يعني عزلة العاملات في المناطق البعيدة. وكثيراً ما ذكر الدبلوماسيون هذه المشكلة، فيقولون: "بعض عاملات المنازل في مناطق بعيدة ولا يمكنهن اللجوء إلى السفارة". [322] كما تتطلب الاستجابة في مثل هذه الحالات المزيد من الوقت والعاملين والموارد. وقال أحد المسؤولين القنصليين: "[مثلاً] وقعت حالة تحرش جنسي في المنطقة الغربية، في العسير، على بعد 1200 كيلومتر. إذا اشتكت السيدة... فعلينا أن نرسل أشخاصاً إلى مكان على بعد 1200 كيلومتر لتنسيق فرارها وجلبها إلى جدة. وقد قمنا بالفعل برفع قضية في أبها". [323]
وربما يساعد العاملون بالسفارات عاملات المنازل بالاتصال بالشرطة أو المحاكم في القضايا الجنائية، ويمكن أن يوفروا المساعدة القانونية لمن يواجهن اتهامات جنائية. وعلى العاملين بالسفارات توفير وثائق سفر لعاملات المنازل أثناء مجريات الترحيل. وفيما وفرت الحكومة الفلبينية مساعدة قانونية دائمة للعمال الذين توجه إليهم الاتهامات الجنائية، فإن الحكومتين السريلانكية والأندونيسية لم تكن متسقة في توفيرها للمساعدة في هذا الصدد.
ريزانا نافيك، فتاة مراهقة سريلانكية حُكم عليها بالإعدام جراء مزاعم بقتل طفلة كانت ترعاها، لم تحصل على مساعدة قانونية طيلة المحاكمة لمدة عامين إلى أن انبعثت حملة الاستنكار الدولية الموسعة بعد الحُكم عليها (انظر أعلاه). وقال مسؤول رفيع المستوى من السفارة السريلانكية: "في قضية ريزانا نافيك كانت كلفة دراسة التمييز في الحُكم تبلغ 50000 ريال [13000 دولار]. خمسون ألف ريال. هل يستحق الأمر إنفاق هذا المبلغ على المجرمين؟" [324] وتم الحُكم على أمانتي ك.، عاملة المنازل السريلانكية التي أصبحت حبلى بعد أن اغتصبها صاحب العمل، بالحبس جراء التورط في علاقات جنسية خارج الزواج، وقالت: "لم يحضر أحد ليقابلني في السجن بعد ذلك اليوم في المحكمة. لم توفر لي السفارة أو المحامي أية وسيلة للاتصال بهما". [325]
ويعد تدخل السفارات بالنيابة عن رعايا الدولة، بما في ذلك أثناء التحقيقات وفي توثيق الإساءات، يعد تدخلاً غير متسقاً. ففيما أفادت بعض عاملات المنازل بأنه قد تم توثيق ما خبرنه بالكامل، قالت أخريات إنهن أصبن بكدمات بارزة لكن لا الشرطة ولا السفارة وثقت هذه الكدمات بالصور الفوتوغرافية. مثلاً قالت آني ر. "كنت مصابة بندبات من الضرب... وأثناء إقامتي في المأوى اختفت الندبات. لم يلتقط لي أحد صوراً هنا. وقد تسبب الضرب في إحداث ندبات وفي احمرار معصميّ وظهري". [326] وأبدى أحد المسؤولين بإحدى السفارات سلوكاً متعالياً ينطوي على التجاهل والإهمال تجاه حالات الاعتداء الجنسي وقال: "ما لم يكن حوامل، لا نسأل الكثير. هذه هي المعلومة المطلوبة... إذا لم تكن حبلى تصبح قضية التحرش الجنسي غير مفيدة لنا". [327]
وقد برزت مشكلة عدم كفاية العاملين في المقابلات التي أجريت مع العاملين في كل من البعثات الدبلوماسية التي زارتها هيومن رايتس ووتش. ونقص العاملات من النساء اللازمات لمساعدة عاملات المنازل، خاصة في البيوت الآمنة وفي وظيفة الاخصائيات الاجتماعيات، كانت ثغرة واسعة بالنسبة للعاملين. وقال أحد المسؤولين من الرجال: "تبعاً لثقافتنا لا يمكن للرجل أن يسأل المرأة مباشرة عما تعرضت له من إساءات جنسية". [328] وأوضح دبلوماسي آخر طبيعة المعوقات التي تحول دون وجود عاملات من النساء: "ليس من السهل على المرأة أن تعمل في السعودية دون ولي أمر. إذا أردنا إجراء مقابلات رسمية يُفضل إرسال عاملين من الرجال، فلا قيود عليهم". [329] وقابلت هيومن رايتس ووتش عدة عاملات منازل عانين من إساءات بدنية ونفسية مروعة، لكن لم يحصلن على أي رعاية نفسية وصحية لشهور وسنوات طيلة إقامتهن في البيوت الآمنة الخاصة بسفاراتهن.
واشتكت عدة عاملات منازل قابلتهن هيومن رايتس ووتش في مأوى السفارات من أن لديهن أقل المعلومات عن قضاياهن، وعن الوقت الذي عليهن انتظاره قبل حل مشكلة وثائق السفر والمطالبة بالأجور المتأخرة والقضايا الجنائية وتذاكر العودة. ودون معلومات عن الإجراءات أو اطلاع منتظم على الجديد في قضاياهن، فعادة ما لا تتمكن عاملات المنازل من اتخاذ قرارات مستنيرة، وعادة ما يشعرن بالاكتئاب البالغ أو القلق والتوتر الشديدين أثناء الانتظار في المأوى. وقالت ديان و. عاملة المنازل الأندونيسية:
إنهم لا يعطون إلا الوعود بأنني سأرحل، لكنني هنا منذ عام ولم يحدث أي شيء... على الأقل كان بإمكانهم إخباري بالمرحلة التي بلغتها قضيتي في المحكمة... لا أحد يرعى شؤوني. يجب أن أحصل على تفسير على الأقل، عما إذا كنت سأنال العدالة أم لا. أريد العودة إلى بلدي وأن أعمل وأربي طفلي. [330]
ويوجد مستوى مرتفع من التباين بين توفير مختلف البعثات الدبلوماسية للمأوى المؤقت. مثلاً يوجد في مأوى السفارة الفلبينية أسرّة صغيرة للنزيلات ومنطقة يمكنهم التحرك فيها بحرية والاستمتاع بالهواء النقي. وعلى النقيض زارت باحثة هيومن رايتس ووتش المأوى الأندونيسي ووجدت أن 200 امرأة تقريباً ينمن في حجرات مكتظة وموبوءة بالصراصير والفئران. وسعة المأوى أقل من 100 نزيلة. وتنام 200 عاملة منازل تقريباً في البيت الآمن السريلانكي في الرياض على الأرض، وتقتصر إقامتهن على الطابق الثاني من المأوى. وتتشارك النساء في دورتي مياه وقلن إنهم لا يمكنهن الاستحمام غير مرة أو مرتين أسبوعياً. وقالت عاملة منازل سريلانكية في مأوى وزارة الشؤون الاجتماعية السعودية وقت المقابلة: "[في السفارة] لا يوجد مكان للنوم، ولا يمكننا التحرك والسير. في السفارة الوضع مقيت". [331] ولا يوجد لسفارة نيبال بيت آمن لعاملات المنازل، ولا تزيد السفارة النيبالية عن إجراء ترتيبات مؤقتة عشوائية لهن.
وبخلاف الطعام والمأوى فلا يتم توفير خدمات أخرى، مثل المنتجات الصحية الخاصة بالنساء أو الأطفال. ديان و. التي رزقت بطفل بعد اغتصابها على يد صاحب العمل والتي كانت قد أمضت عاماً في البيت الآمن الخاص بالسفارة الأندونيسية لدى مقابلتها، قالت إنه من الصعب الحصول على مياه ساخنة للطفل. وبدأت في البكاء وهي تقول:
إذا مرض أحدهم يصعب نقله إلى المستشفى لأنه يجب أن يذهب مصحوباً برسالة من السفارة أو من الشرطة. طفلي أصيب بالسعال والبرد... ويجب أن أتدبر أمره بنفسي. ولم يتم الكشف على الطفل بعد الولادة. ويصعب كثيراً شراء العقاقير الطبية رخيصة الثمن، بل حتى شراء الحفاظات أمر صعب لأنها مكلفة للغاية. كل من تغادر إلى بلدنا تعطيني عشرة ريالات. ويكلف شراء الحفاظات 55 ريالاً. ولا تدفع السفارة كلفة الحفاظات، ولا أحصل على شيء من السفارة. [332]
التحكيم في النزاعات العمالية من قبل البعثات الدبلوماسية
حين اتصلت السفارة بصاحب العمل قال: إذا أرادت أ، تعود للفلبين يمكنها الذهاب لمركز الترحيل... ولم يمنحوني تأشيرة خروج أو جواز سفري أو راتبي. وراحت السفارة تتصل بأصحاب العمل، لكنهم لم يردوا. لا يريدون المجيئ إلى هنا، ربما لأنهم خائفون.
- ساندرا س.، عاملة منازل فلبينية، جدة، 9 ديسمبر/كانون الأول 2006
نظراً لعدم كفاية آليات الانتصاف لعاملات المنازل من أجل استرداد أجورهن في السعودية، فإن أقسام العمل في السفارات بدأت في التحكيم في الكثير من هذه الخلافات بنفسها. ويجمع العاملون بالسفارة المعلومات عن شكوى العاملة ويحاولون الاتصال بمكتب الاستقدام وصاحب العمل. وفي العادة يطلبون من صاحب العمل المجيئ إلى السفارة لتسليم أوراق هوية العاملة ومتعلقاتها ولدفع الأجور المتأخرة والنقود اللازمة لشراء تذكرة العودة. وقال أحد المسؤولين: "نتصل بصاحب العمل ونطلب منه أن يحسن من سلوكه السيئ. نهدده بأننا سنبلغ عنه. إذا تمت تسوية النزاع، يمكن للعاملة العودة للعمل. وفي العادة لا يريد أصحاب العمل التخلي عنها". [333]
وينجم عن مفاوضات العمل هذه نتائج مختلفة في كل مرة. ومن المعوقات الأساسية التي تحول دون السعي للحصول على الانتصاف أن الكثير من عاملات المنازل، المحبوسات في محل العمل مع عائق اللغة، تعوزهن المعلومات الكافية عن أسماء صاحب العمل وعنوانه أو المعلومات اللازمة للاتصال به. مثلاً واتي س. وصفت محنة عاملات منازل كثيريات حين قالت: "لا أعرف رقم هاتف صاحب العمل أو عنوانه. أطلق عليه مستر حسن لا أكثر". [334] وسيسي ر. تنتظر في السفارة منذ 11 شهراً حتى تتلقى أجر ستة أعوام يدين لها به أصحاب العمل. ومن أجل تعقب مكان أصحاب العمل سألها العاملون بالسفارة ورجال الشرطة أن توجههم إلى بيت أصحاب العمل. وقالت: "حاولنا ست مرات... وفي كل مرة أضل الطريق، ولا يمكنني العثور على البيت". [335]
وفيما يتعين على إدارة الهجرة السعودية وعلى سفارات الدول الراسلة للعمالة تسجيل معلومات أصحاب العمل لدى إعداد تأشيرات العاملات، فإنه في حالات كثيرة لا يتمكن المسؤولون من تحصيل هذه المعلومات. ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من إجراء اجتماع مع إدارة الهجرة السعودية ولم تتلق أي رد منها على عدة رسائل للمطالبة بالمعلومات عن هذا الموضوع. وقال مسؤول من وزارة العمل إنه في بعض الحالات لا تقدم عاملات المنازل أسمائهن الحقيقية لأنهن يخشين تبعات الفرار من أصحاب العمل. [336] وأوضح عدة مسؤولين بالسفارات إن سجلاتهم لا يظهر فيها إلا العاملات اللاتي جئن إلى السعودية بتصريح رسمي، لكن لا توجد ضمنها تواريخ دخول البلاد أو التأكيد على الدخول. وعلى المملكة العربية السعودية والبلدان الراسلة للعمالة أن تحسن من تنسيقها وإعدادها لقاعدة بيانات كفيلة بتعقب أسماء وعناوين ومعلومات الاتصال الخاصة بكل من أصحاب العمل والعاملات. وإلا لن يتمكن المسؤولون من تحديد أماكن أصحاب العمل لتسوية النزاعات أو لرفع دعاوى جنائية.
وحتى حين تتمكن السفارات من الاتصال بصاحب العمل، فالتفاوض من أجل حل مشكلة الأجور غير المدفوعة أو التذاكر تنجم عادة عن تسويات مالية تعكس اختلال القوى في غير صالح كلمة العاملة مقابلة كلمة أصحاب العمل، وعدم وجود سلطة إنفاذ لدى البعثة الدبلوماسية على المواطن السعودي. وقد اشتكى كل من مسؤولي السفارات وعاملات المنازل من الأوضاع التي يرفض فيها أصحاب العمل الحضور إلى السفارة لمناقشة نزاعات الأجور. وقال مسؤول قنصلي رفيع المستوى في جدة: "يمكنني أن أحصي على أصابع يد واحدة عدد المرات التي حضر فيها أصحاب العمل بعد أول اتصال". [337]
ونظراً لقدرة صاحب العمل على حجب الإذن عن العاملة في الحصول على تأشيرة الخروج أو الانتقال إلى وظيفة أخرى، فإن لديه سلطة تفاوض هائلة لدى النظر في تسوية النزاعات حول الأجور. وقالت سري هـ. "حاولوا الحصول على أجري لمدة تسعة أشهر وثمن التذكرة، لكن كفيلي لا يجيب". [338] وقالت لاثا ب.:
راح بابا يقول إنه دفع راتبي. وقال الناس في السفارة للشرطة: إذا كنتم تزعمون أنها حصلت على راتبها، كان يجب أن تحصل على راتبها أمامنا... وأصروا على أنني كاذبة وأنني حصلت على راتبي. لقد استسلمت وقلت للعاملين بالسفارة: ضعوني في بيت آخر أتمكن من كسب ثمن التذكرة بالعمل فيه. وقد حاولوا هذا لكن لم يفلحوا لأن بابا كتب بيان مفاده أنه لا يمكنني العمل في بيت آخر. [339]
وعادة ما تؤدي الإجراءات المتبعة حالياً إلى اضطرار عاملة المنازل لقبول أي نقود يعرضها صاحب العمل. وروت أندراني ب. تفاوضها وقالت: "منحوني أجر ستة أشهر مرة واحدة لكن ليس الشهرين المتبقيين. منحوني الراتب وعنفوني قائلين: اصمتي وخذي ما نعطيكي إياه". [340] ويشتكي بعض الرعايا من أن بعثاتهم الدبلوماسية لا تدافع عنهم بما يكفي. وقال ناشط بمنظمة غير حكومية لـ هيومن رايتس ووتش: "يقول العاملون بالسفارة لعاملات المنازل أن يقبلن بالتسويات وإلا تضيع القضية بالكامل. لكن ليس هذا حقيقياً، إذا لم يوافقوا، يمكنهن المضي قدماً في قضاياهن". [341]
وفي حالات كثيرة فإن محاولات السفارة باستعادة أجر العاملة تستمر بلا طائل في ظل احتياج العاملة الماسة للعودة إلى الوطن. ونظراً لأنهن يكن منفصلات عن أسرهن لفترات طويلة، وأحياناً تحت وطأة المعاناة من العمل وما خبرنه خلاله، وبسبب الضغوط المالية التي تدفعهن للاستمرار في العمل، تشعر عاملات المنازل عادة بأن لا خيار أمامهن سوى التنازل عن أجورهن الكاملة ودفع تذكرة العودة بأنفسهن. وقال مسؤول من إحدى الدول الراسلة للعمالة: "تأتينا الضغوط من الأسرة، ومن الحكومة السعودية والفتاة نفسها. تبكي وتقول إنها تريد العودة لبلدها دون الحصول على أجرها. وعادة ما نضطر للجوء للحلول الوسط. ونشعر بالامتنان لمجرد الحصول على النقود اللازمة لعودتها للوطن ولتأمين سلامتها". [342] وقالت مارجوري ل. "كنت مستعدة لشراء تذكرتي بنفسي، لكنني كنت بحاجة لتأشيرة خروج ولجواز السفر. وهكذا اتصلت [القنصلية] بصاحب العمل الأول وقالوا إن عليك الحصول على راتبك. وساعدوني على رفع قضية. لم أكن راغبة في القضية، ومر شهران عليها الآن، وما زلت هنا. وقال [المسؤول القنصلي]: لا، نريد الحصول على النقود. وأنا أريد العودة إلى الفلبين وإذا كنت أقدر على السباحة أو الطيران كنت لأذهب... لأنني أريد رؤية طفلي". [343]
وفي بعض الحالات تعود عاملات المنازل إلى بلدانهن دون الحصول على أجورهن الكاملة ثم يرسلن طلبات إلى سفاراتهن لمساعدتهن على تحصيل الرواتب. وقال مسؤول بإحدى السفارات: "عادة ما ينتظرن خمسة أو ستة أشهر بعد الوصول ثم ينتظرن أن يرسل إليهن أصحاب العمل النقود. ونحاول نحن تسوية هذا الأمر". [344] وما إن تغادر العاملة البلاد، حتى يشعر أصحاب العمل بالتزام أقل بالاستجابة لجهود السفارة الخاصة بحل مشكلة الأجور المتأخرة وغيرها من النزاعات.
[312] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، ديسمبر/كانون الأول 2006.
[313] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤولين بالسفارة الفلبينية، الرياض، ديسمبر/كانون الأول 2006.
[314] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أ. م. ج. صادق، سفير سريلانكا، الرياض، ديسمبر/كانون الأول 2006.
[315] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول بالسفارة الأندونيسية طلب عدم ذكر اسمه، الرياض، نوفمبر/تشرين الثاني 2006.
[316] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ب. من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 8 مارس/آذار 2008.
[317] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع جاناياداني أ.، عاملة منازل عائدة، كاندي، سريلانكا، 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2006.
[318] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع د. عبد المحسن العكاس، الرياض، 2 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[319] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ب. بإحدى سفارات الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 3 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[320] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول س. من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 4 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[321] المرجع السابق.
[322] مقابلات هيومن رايتس ووتش مع مسؤولين بالسفارة والقنصلية من دولة راسلة للعمالة، الرياض وجدة، ديسمبر/كانون الأول 2006 ومارس/آذار 2008.
[323] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ي. من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، جدة، 9 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[324] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول بالسفارة السريلانكية، الرياض، ديسمبر/كانون الأول 2006.
[325] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أمانتي ك.، عاملة منازل عائدة، كاتوناياكى، سريلانكا، 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2006.
[326] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع آني ر.، عاملة منازل أندونيسية، الرياض، 5 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[327] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ج. من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 10 مارس/آذار 2008.
[328] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ن.، من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 10 مارس/آذار 2008.
[329] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول أ، من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2006.
[330] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ديان و.، عاملة منازل أندونيسية، الرياض، 11 مارس/آذار 2008.
[331] مقابلة جماعية لـ هيومن رايتس ووتش مع عاملات منازل، مركز وزارة الشؤون الاجتماعية، الرياض، 6 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[332] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ديان و.، عاملة منازل أندونيسية، الرياض، 11 مارس/آذار 2008.
[333] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول أ.، من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2006.
[334] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع واتي س.، عاملة منازل أندونيسية، جدة، 11 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[335] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع سيسي ر.، عاملة منازل أندونيسية، الرياض، 11 مارس/آذار 2008.
[336] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع فوزي الدهان، 10 مارس/آذار 2008.
[337] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ي. من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، جدة، 9 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[338] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع سري هـ. عاملة منازل أندونيسية، الرياض، 5 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[339] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع لاثا ب.، عاملة منازل سريلانكية، الرياض، 15 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[340] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أندراني ب.، عاملة منازل سريلانكية، الرياض، 15 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[341] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع دانيل س.، عامل وناشط فلبيني مهاجر، 8 مارس/آذار 2008.
[342] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ج. من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 13 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[343] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مارجوري ل.، عاملة منازل فلبينية، جدة، 9 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[344] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول أ. من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2006.
Delicious
Digg
StumbleUpon
Reddit
Ma.gnolia
Facebook
Google
Yahoo
Technorati