IX . القضايا الجنائية ضد عاملات المنازل
كان قرار المحكمة أنك إذا وقعت في علاقة جنسية غير مرغوبة وتسببت في وجود أطفال، فسوف تُعاقبين بالسجن لمدة عام ونصف العام، وكانت هذه هي تهمتي. لا أعرف بالضبط ماذا حدث [لصاحب العمل الذي اغتصبني]، لكن أعتقد أنه تم اعتقاله ثم دفع رشوة.
- أمانتي ك.، عاملة منازل عائدة، كاتوناياكى، سريلانكا، 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2006
يمكن أن يمثل نظام العدالة الجنائية السعودي مشكلة جدية تواجه عاملات المنازل المهاجرات. تجد بعضهن أنفسهن عرضة لاتهامات زائفة بالسرقة أو ممارسة السحر يتقدم بها أصحاب العمل ضدهن إذا تقدمن بشكاوى ضدهم بسوء المعاملة أو بالتمييز، وأحياناً تُفرض عليهن هذه الاتهامات من قبل القوانين التمييزية ذات الآراء الأخلاقية المتشددة التي تجرم الاختلاط بالرجال من غير الأقارب والدخول في علاقات جنسية طوعاً. كما قد تتعرض عاملات المنازل اللاتي وقعن ضحايا للاغتصاب أو التحرش الجنسي للمقاضاة بتهمة ارتكاب سلوك غير أخلاقي أو الزنا أو ارتكاب الفواحش. وتشمل العقوبات على هذا الطيف من الجرائم الحبس والجلد وفي بعض الحالات الإعدام. وفي إطار نظام العدالة يُرجح أن يكابدن التأخر أو عدم المساواة في مقابلة المحامين والحصول على خدمات الترجمة أو مقابلة مسؤولين من قنصلياتهن.
وتواجه عاملات المنازل المهاجرات هذه المشكلات في إطار نظام العدالة الجنائية الأوسع الذي تعتوره مشكلات لا حصر لها. ولا يوجد في المملكة العربية السعودية قانون جنائي مكتوب. وعادة ما لا يتبع القضاة القواعد الإجرائية ويصدرون أحكاماً متعسفة تتباين فيما بينها أشد التباين. ولا يُصدر قضاة كثيرون أحكاماً كتابية، حتى في قضايا الإعدام. [211]
الانتهاكات المتعلقة بالإجراءات
نتلقى إخطارات دبلوماسية بشأن مواطنينا ممن وجهت إليهن الاتهامات أو أودعن السجن في 20 في المائة فقط من إجمالي الحالات، وهذا على نحو غير منتظم، ويتم بعد تأخر يبلغ ثلاثة أشهر.
- مسؤول بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 8 مارس/آذار 2008
تنتهك المملكة العربية السعودية بشكل منتظم معايير إجراءات التقاضي السليمة الدولية والمعايير الدولية للعدالة، وعاملات المنازل اللاتي تُنسب إليهن اتهامات بجرائم ربما لا يتسنى لهن الحصول على ترجمة، أو محامي أو مقابلة مسؤولي قنصلياتهن لدى الاعتقال أو الاحتجاز أو أثناء المحاكمة.
وقد قابلت هيومن رايتس ووتش مسؤولين دبلوماسيين من ستة دول راسلة للعمالة أفادوا جميعاً أن شهوراً عديدة تمضي قبل أن يعرفوا بالاعتقالات أو الإجراءات الجنائية أو الإدانة أو ترحيل رعاياهم، ويكون هذا عادة بعد أن يكون أوان الاستعانة بمحامي أو الدفاع عن حقوق المتهمات قد فات. ويستوجب البروتوكول الدبلوماسي السعودي أن يتم إرسال الإخطارات بالاعتقال وغيرها من المجريات الجنائية، وكذلك طلبات الزيارة للرعايا المحتجزين، إلى وزارة الخارجية، مما يؤدي إلى وقوع تأخير. [212]
وعلى أغلب المسؤولين في البعثات الدبلوماسية إعداد خطط لاكتشاف رعاياهم المحتجزين ومساعدتهم. مثلاً يزرع بعضهم لأنفسهم نقاط اتصال شخصية في مراكز الشرطة والسجون. وقال أحد المسؤولين: "إذا انتظرنا وزارة الخارجية [فسوف تقوم السلطات السعودية في هذه الأثناء] باستخلاص الاعتراف، ولن يتوافر للمتهم مترجم جيد، وسيكون التعامل بلغة عربية ركيكة. يجب أن يكون هنالك اتصال مباشر بين [المحققين] والسفارة". [213] وقال مسؤولون من السفارتين الأندونيسية والسريلانكية لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يشتبهون بأن عدداً إضافياً من رعايا دولتيهما قد اعتقلوا وأدينوا في جرائم، لكن لا تتوافر لديهما أية معلومات إضافية عن هذا الأمر. [214]
وقالت السلطات السعودية التي قابلتها هيومن رايتس ووتش إنها تمتثل بهذه الإجراءت ومع مراعاة التزامن. وقال وزير الخارجية: "في وزارة الخارجية نُخطر السفارة على الفور". [215] إلا أن مسؤولين من الدول الراسلة للعمالة قالوا إن هذه الإخطارات والتصاريح تتأخر بشكل مبالغ فيه، وأحياناً لا توجد بالمرة. وقال أحد المسؤولين: "يمر وقت طويل قبل أن يتم إخطارنا. بالأمس تلقينا إخطاراً من وزارة الخارجية بشأن وفيات [لرعايانا] تمت إعادة جثثهم إلى بلادنا منذ شهور خلت. وقد عرفنا [قبل] أسرهم". [216] وقال مسؤول آخر: "إننا لا نتحدث معهم [رعايانا] قبل مثولهم للمحاكمة... [في بعض الحالات] لا يمكننا التحدث إليهم [رعايانا]، فنراعهم عبر النوافذ. إذا كانت المتهمة معها جواز سفر فربما يعيدونها إلى بلدها دون علمنا". [217]
وتنتهك هذه الممارسات نظام الإجراءات الجزائية السعودي، الذي ينص على أن أي شخص يُعتقل أو يُحتجز... يحق له الاتصال بمن يشاء لإخباره"، وأن لكل مدعى عليه الحق في من يمثله أو في محامي يدافع عنه أثناء التحقيقات والمحاكمة. [218] كما أن الممارسات القائمة تخرق التزامات السعودية الدولية بموجب اتفاقية فيينا للشؤون القنصلية، التي تنص على أن يطلع المسؤولون القنصليون على رعايا دولهم وأن يكونوا على اتصال حر بهم، كما أن لرعايا الدول الأجنبية بالمثل الحق في التواصل مع مسؤولي قنصلياتهم. [219] وعلى المملكة العربية السعودية إخطار الأجانب المُحتجزين بحقهم في الاتصال بقنصلياتهم، وأن تسمح للمسؤولين القنصليين بزيارة المحتجز وبالترتيب لتمثيله القانوني. [220] وقد ذكرت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وهي الاتفاقية التي تُعد السعودية طرفاً فيها، ذكرت الحكومة بالتزاماتها التي تُعد جزءاً من الضمانات المفروضة لمواجهة المعاملة المحظورة للمحتجزين "من أجل ضمان أن الأفراد المحتجزين يمكنهم الاستعانة فوراً بالخبرة القانونية أو الطبية التي يختارونها، وأن يقابلوا أفراد الأسرة، وفي حالة الرعايا الأجانب، أن يقابلوا المسؤولين القنصليين". [221]
وثمة ممارسة أخرى تعيق المحاكمات العادلة، وهي عدم الاطلاع على الأحكام المكتوبة. وقد تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى مسؤولين ومحامين يمثلون عاملات المنازل في جرائم جنائية لم يتمكنوا من الحصول على أحكام مكتوبة في حالة الإدانة، مما أعاق من قدرتهم على تقديم الطعون في التمييز أو تحضيرها. وفي القضايا التي يحصلون فيها على معلومات، شرح عدة دبلوماسيين أنهم يصعب عليهم فهم الوثائق: "إنهم يترجمون الأسماء إلى الأبجدية العربية ولا يمكننا تبين لمن هذه الأسماء. وأحياناً تكون المعلومات الواردة من وزارة الخارجية صعبة الفهم، سواء بالنسبة إلى الأسماء أو لمواقع بعينها". [222]
ويجب على عاملات المنازل الاعتماد على ترتيبات ارتجالية للحصول على الترجمة الفورية في مراكز الشرطة وأثناء المحاكمة، وفي عادة ما يكون هذا دون تمثيل قانوني. وفي بعض الحالات تقدم الحكومة السعودية أو سفارة العاملة الترجمة، وفي حالات أخرى يجب أن تعتمد العاملة على لغتها العربية الضعيفة أو لا تفهم المداولات بالمرة. كما أنه وطبقاً لمسؤول بوزارة الداخلية السعودية: "لا تقول الأنظمة إن علينا انتظار مجيئ المحامي قبل أن نبدأ الاستجواب". [223]
وفي قضية ووجهت بالمعارضة والاحتجاجات من مختلف الجماعات من شتى بقاع الأرض، أدانت محكمة سعودية ريزانا نافيك، وهي عاملة منازل سريلانكية تبلغ من العمر 19 عاماً بتهمة قتل طفلة كانت ترعاها، وحكمت عليها بالإعدام. ولم تكن لدى نافيك ترجمة فورية حين استخلصت منها الشرطة الاعترافات، والتي تراجعت عنها فيما بعد، ولم يمثلها محام أثناء محاكمتها التي استمرت عامين. وكانت ريزانا نافيك، وكان عمرها 17 عاماً وقت وقوع الحادث، عاملة منازل غير مُدربة تزعم أن الطفلة اختنقت وهي تشرب اللبن وماتت. و حتى يونيو/حزيران 2008، كانت قضيتها ما زالت في محكمة التمييز.
توجيه اتهامات عكسية بالسرقة وعمل السحر أو بمزاعم كاذبة
رحت أركض في الطريق دون أن أعرف إلى أين أتوجه، ودون أن أكون مرتدية العباءة. خرجت دون عباءة لأنني كنت أخشى أخذها، كانوا ليتهمونني بالسرقة ويقطعون أصابعي.
- جورني ل.، عاملة منازل فلبينية، الرياض، 4 ديسمبر/كانون الأول 2006
من المشكلات الشائعة التي تواجه عاملات المنازل اللاتي يقمن بالهرب من أصحاب العمل أو يتقدمن بشكوى ضدهم، هي مواجهة اتهامات عكسية مزيفة من أصحاب العمل بالسرقة أو عمل السحر. [224] وقال مسؤول بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة: "الشرطة... بما أنها مسلمة، ستصدق الأشخاص المسلمين، وكذلك ذوي الجنسية السعودية... [لكننا] نرى شيئاً مشجعاً للغاية. فالشرطة اعتادت على الاتهامات المُختلقة المزيفة... وقد تحسن الحال كثيراً عن الماضي". [225] وعلى الرغم من تغير السلوك بين بعض رجال الشرطة فإن تهديد الاتهامات العكسية ما زال مشكلة جدية. وقال مسؤول يتعامل في قضايا العمل في سفارته إنه من الصعب على العاملات الزعم بعدم الحصول على الأجور، بما أن "العاملة ربما كانت تخشى كشف الحقيقة [بشأن أجرها] خشية خطر الاتهامات العكسية... وعادة ما تتنازل العاملة عن ادعائها". [226]
ووصفت نوريفا م. ما كابدته بعد أن فرت من أصحاب عملها وسعت للجوء في القنصلية الأندونيسية: "بعد ذلك تقدم أصحاب العمل ببلاغ يزعمون فيه أنني سرقت 60000 ريال (15600 دولار) وبعض الذهب. واتصلت الشرطة بالقنصل وقالت إنني يجب أن أذهب إلى مركز الشرطة. لم تكن معي نقود، إذا كانت معي نقود ما كنت لألجأ للقنصلية، إذا كانت معي كنت لأفر إلى بلدي". [227] وفي قضية نوريفا م.، خلصت الشرطة إلى أنها لم تسرق أية نقود، لكن على الرغم من إرسال أمر استدعاء لأصحاب العمل وزيارة منزلهم عدة مرات، فلم تتمكن نوريفا م. من الحصول على أي من أجرها المفقود.
وفي قضايا أخرى قد تتعرض عاملات المنازل اللاتي يشتكين أصحاب عملهن لتدقيق مكثف ويُتهمن بالإدلاء بمزاعم كاذبة. ونور مياتي المذكورة أعلاه في قسم العمل الجبري، حُكم عليها بـ 79 جلدة للإدلاء بمزاعم كاذبة ضد صاحب العمل على الرغم من اعتراف صاحبة العمل بالإساءة إليها وعلى الرغم من علاجها الطبي الذي احتاجته لعلاج جراحها التي كابدتها من الضرب والحرمان من الطعام. ورفضت محكمة بالرياض الحُكم ضد نور مياتي في أبريل/نيسان 2006. وبعد أكثر من ثلاثة أعوام من رفع القضية في مارس/آذار 2005، أسقطت المحكمة كل الاتهامات بحق صاحبة العمل في مايو/أيار 2008.
كما قد تواجه عاملات المنازل اللاتي يقمن بالفرار عقوبات جراء فسخ عقودهن وهجر أصحاب العمل، مما يعني انتهاك أنظمة الهجرة. وفي قضية في عام 2007 بمحكمة الحائل حُكم على عاملتي منازل سريلانكيتان بالحبس 45 يوماً وبسبعين جلدة لكل منهما جراء الفرار من أصحاب العمل، فيما تم الحُكم على رجلين من سريلانكا بمساعدتهما، وتلقيا أحكاماً بالحبس ثلاثة اشهر و200 جلدة لكل منهما. [228]
قضايا السحر
كما سبق الذكر في الجزء الخاص بالعنف البدني، قامت أسرة سعودية قوامها سبعة أفراد بالاعتداء بالضرب على أربعة عاملات منازل أندونيسيات في مطلع أغسطس/آب 2007، ثم اتهمهن بعمل "السحر الأسود" على ابن الأسرة المراهق. وماتت سيتي تارويا سلاميت، 32 عاماً وسوسمياتي عبد فلان، 28 عاماً، متأثرتين بجراحيهما. فيما تلقت كلاً من رومينيه سورتيم، 25 عاماً وتاري تارسيم، 27 عاماً علاجاً في وحدة العناية المركزة في مجمع الرياض الطبي، قبل أن تقوم السلطات السعودية بإخراجهما من المستشفى ثم تحتجزهما على ذمة التحقيقات بشأن مزاعم "عمل السحر"، وتحرمهما في بادئ الأمر من مقابلة مسؤولي السفارة الأندونيسية. [229]
وتحاول السفارة الأندونيسية استكشاف الخيارات القانونية المُتاحة لصالح عاملات المنازل المُدانات بالفعل بعمل السحر. مثلاً تتابع السفارة قضية عاملة منازل في القسيم تلقت في بادئ الأمر حُكماً بالإعدام إثر إدانتها بعمل السحر ثم تم تخفيف الحُكم إلى السجن لعشرة أعوام. [230] وفي قضيتي السحر الخاصتين بعاملتي المنازل الأندونيسيتين في الحفوف، تعرف السفارة بأنه تم ثبوت الذنب عليهما، لكنها لا تعرف بالحُكم بما أنها لم تتمكن من الحصول على نسخة من الأحكام. [231]
والأحكام الخاصة بقضايا عمل السحر هي أحكام تعسفية وتخرق المعايير الدولية لحقوق الإنسان. فجريمة السحر لا يوجد لها تعريف في القانون السعودي وليس ثمة فهم مشترك أو واضح للأنشطة التي تُعتبر سحراً، مما يفرض تحديات هائلة تواجه المدعى عليهم. وفي مقابلات لـ هيومن رايتس ووتش مع مسؤولين سابقين وحاليين من وزارة العدل، لم يتمكنوا من توضيح التعريف الدقيق للسحر، على الرغم من تأكيدهم على أنه يؤدي إلى تهديد حياة الأشخاص. [232] وعادة ما يستهدف أصحاب العمل الأنشطة التي ربما تكون نتاجاً لاختلاف الممارسات الثقافية، مثل حمل حجاب أو تعويذة كإثبات على ممارسة السحر. وقال مسؤول من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة: "هذه القضايا صعبة للغاية، وهي جد معقدة... إذ يتم اتهامهن بشيء صغير، مثل حمل صورة في حافظاتهن، أو بوجود شعر من رأسهن [في الطعام] سقط سهواً"، [233] فيتم رؤية هذا على أنه دليل على محاولة عمل السحر.
الجرائم "الأخلاقية"
عادة ما نعيدهن إلى الوطن في صمت. كما لا تريد الشرطة النظر في هذه القضايا. لدينا عدة قضايا هذا العام لنساء محتجزات بتهمة الزنا أو ارتكاب الفواحش. عادة لمدة خمسة أشهر. وربما أيضاً يتم عقابهن عقاباً بدنياً.
- مسؤول أ. بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2006
الزنا وارتكاب الفواحش والاشتغال بالبغاء والتواجد مع رجال من غير الأقارب هي من بين الأمور الأساسية التي تُدان بسببها عاملات المنازل ويودعن السجن في المملكة العربية السعودية. [234] والعقوبات مشددة. مثلاً في عينة من القضايا التي حللتها هيومن رايتس ووتش، تلقت عاملات منازل سريلانكيات مُدانات بممارسة البغاء الحكم بالسجن لمدة 18 شهراً وما تراوح بين 60 إلى 490 جلدة. [235] وألمح مسؤول بإحدى السفارات إلى أن المتهمات بممارسة البغاء كُن في العادة في رفقة أحد المعارف من غير الأقارب من الرجال، دون أي دليل يُذكر على ممارسة النشاط الجنسي. [236]
وفيما تعرض بعض عاملات المنازل القوانين في السعودية، فإن بعضهن الأخريات لديهن أقل المعلومات عنها. وغالبية عاملات المنازل جئن من بلدان لا يتم فيها تجريم التواجد في صحبة رجال من غير الأقارب، وربما لم يكن على دراية كاملة بتبعات هذا. وفي بعض الحالات تعرض عاملات المنازل أنفسهن للخطر عند الاعتماد على مساعدة من مُهاجرين رجال من غير أقاربهن من أجل الفرار من أصحاب العمل المسيئين.
وقد وثقت هيومن رايتس ووتش قضايا أدانت فيها المحاكم السعودية عاملات المنازل لارتكاب جرائم "أخلاقية"، عادة ما تكون عبارة عن مواقف وأوضاع لا حيلة لهن فيها. مثلاً تم الحُكم على بيتاري ر. مع صاحب عملها بالجلد جراء دخوله إلى القسم الخاص بالنساء من محل العمل الخاص بها. ولدى وصولها إلى المملكة العربية السعودية أجبرها أصحاب العمل على أداء عمليات تنظيف منزلي موسعة وكذلك رعاية الأطفال إلى جانب العمل لساعات طويلة. كما أن لأصحاب عملها تاريخ طويل من النزاع مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية). ولا يمكن لبيتاري ر. تغيير صاحب عملها أو التفاوض حول مسؤولياتها في العمل. وقالت: "كانوا يصيحون في وجهي. صاحبة العمل كانت متعجرفة للغاية. كانت تعاملنا كأننا عبيد... أغلق المطوعون بيت الأزياء عدة مرات. ولم أكن أرغب في التورط في هذا الأمر". [237]
وأثناء المُحاكمة كانت لمختلف الأطراف رؤية مغايرة للأحداث دون أي دليل دامغ لدى أي منهم. وحكم القاضي على صاحب العمل بالحبس 11 شهراً وبمائتي جلدة في مكان عام. ولم ينظر القاضي في مزاعم بيتاري ر. بأن صاحب عملها اغتصبها. ولام بيتاري ر. على عدم الشكوى بشأن دخول صاحب العمل إلى القسم الخاص بالنساء وعلى العمل لوقت متأخر، وحكم عليها بالجلد 70 جلدة وبالترحيل. [238] وحين تحدثنا إليها كانت السفارة الأندونيسية تحاول التمييز في الحُكم.
وتجريم الاختلاط بالأشخاص من غير الأقارب من الجنس الآخر وكذلك العلاقات الجنسية الطوعية تناقض المعايير الدولية لحماية حقوق الخصوصية وحرية الشخص. كما أن المعايير الخاصة بالأدلة تنطوي على التمييز ضد المرأة، التي يُنظر إلى شهادتها على أن قيمتها تساوي نصف قيمة شهادة الرجل. وطبقاً للشريعة الإسلامية، فالطريقة الوحيدة المضمونة لإثبات الإدانة بالاغتصاب هي إذا اعترف المُتهم أو إذا شهد عليه أربعة رجال بالغين بأنهم شهدوا الواقعة بأعينهم. وبخلاف هذا لا توجد لدى المحاكم معايير متسقة لإثبات الاغتصاب. والنتيجة أن المحاكم أحياناً ترى مزاعم المرأة بالاغتصاب كأنها اعتراف بارتكاب عمل جنسي مُحرم، مما يجعل ضحايا العنف الجنسي عرضة للمقاضاة هم أنفسهم. ويصعب للغاية الوفاء بالمعايير الخاصة بالأدلة لإثبات الاغتصاب بما أن عاملات المنازل يقبعن في عزلة البيوت الخاصة التي لا يوجد فيها أي شهود، ولأنهن ربما لا يتمكنّ من مغادرة البيت للسعي لإجراء فحص طب شرعي يمكن استخدامه كدليل.
والنساء اللاتي يتعرضن للحمل نتيجة الاغتصاب أو العلاقات الجنسية الطوعية يتعرضن لخطر المقاضاة بما أن الحمل يُعد دليلاً على التورط في علاقات جنسية مُحرمة خارج نطاق الزواج. مثلاً عرفت هيومن رايتس ووتش في مارس/آذار 2008 بشأن عاملة منازل نيبالية تزعم أن ابن صاحب العمل اغتصبها. وتم حبسها بعد أن ولدت طفلها ثم أصبحت على ذمة المحاكمة. [239]
وقال مسؤول بإحدى السفارات إنه في الشهور الستة الأخيرة تعامل في أربع إلى خمس قضايا حمل وأن الكثيرات من عاملات المنازل الحوامل ينتهي بهن المطاف في سجن ملاذ. [240] وقال مسؤولون من دول راسلة للعمالة ينظرون في الشكاوى إنه أحياناً ما تتعاون معهم الشرطة السعودية ولا توجه اتهامات إلى النساء الحوامل. وقال مسؤول بإحدى السفارات: "لكن من يضعن أطفالاً يجب أن يتم إيداعهن السجن". [241]
وأصبحت أمانتي ك. حبلى بعد أن اغتصبها صاحب العمل. وحُكم عليها بالحبس تسعة أشهر بتهمة الزنا في عام 2006، وقالت: "قال لي [القاضي]: جئت هنا للعمل ثم ارتكبت جريمة، فقلت إن صاحب العمل هو الذي ارتكب الجريمة ولست أنا. وفيما بعد تم إدخالي المستشفى ووضعت [ابنتي] وانتهي بي المطاف في السجن". [242] وأفادت أمانتي ك. بأنه كان يوجد مترجم بين اللغتين العربية والسنهالية، لكن لم يكن معها محامٍ. ولم تمدها السلطات السعودية بأية فرصة لإخطار البعثة الدبلوماسية السريلانكية بقضيتها ولم تتمكن من الاتصال بأحد أو طلب العون منهم أثناء محنتها بالكامل.
وقال مسؤولون من سفارات بلدان راسلة للعمالة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم عادة ما ينصحون النساء العاملات بألا يرفعن قضايا تحرش أو اعتداء جنسي ما لم يكن لديهن أدلة غير قابلة للدحض. وتشعر أغلب النساء أن الأمر لم يستحق نظراً لمتطلبات الأدلة المشددة والزمن الطويل الذي تستغرقه القضايا الجنائية، وخطر المقاضاة بتهمة الزنا وغيرها من الجرائم "الأخلاقية". وقال مسؤول بإحدى السفارات: "من بين كل 40 قضية اعتداء أو تحرش جنسي، فإن من تقدمن بشكوى كُن أربعة تقريباً". [243] وقال مسؤول آخر:
أحياناً نقول لبعض السيدات: لقد تمت الإساءة إليك، لكن ليس لدينا القدرة على إبقاءك في المأوى لعام أو عامين. ولا أشجع العاملين معي أو السيدات على المضي قدماً في القضايا. فمن يمكنه المجيئ بالشهود؟ الشهود مطلوبون بموجب الشريعة. ولأن هذه هي التداعيات فنحن نخشى رفع هذا النوع من القضايا. [244]
[211] هيومن رايتس ووتش، "عدالة غير آمنة. أيضاً: هيومن رايتس ووتش "كبار قبل الآوان".
[212] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية، الرياض، 2 ديسمبر/كانون الأول 2006. "يوجد أمر صادر من الوزارة مفاده أنه إذا تم اعتقال شخص أجنبي، فيجب إخطار وزارة الخارجية".
[213] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول ج. بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 4 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[214] مقابلات هيومن رايتس ووتش مع مسؤولين بسفارات من سريلانكا وأندونيسيا، الرياض، مارس/آذار 2008.
[215] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع الأمير سعود الفيصل، 2 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[216] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول بسفارة دولة راسلة للعمالة، الرياض، 3 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[217] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ج. من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، 13 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[218] الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، التقرير الأول عن أوضاع حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية (الرياض: الجمعية الوطنية، 2007)، صفحة 11.
[219] اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، تم تبنيها في 24 أبريل/نيسان 1963، 596 U.N.T.S.261, دخلت حيز النفاذ في 19 مارسمآذار 1967، مادة 36 نصت على: "يجب أن تقوم السلطات المختصة في الدولة الموفد إليها بإخطار البعثةالقنصلية للدولة الموفدة ـ بدون تأخير ـ إذا قبض على أحد رعايا هذه الدولةأو وضع في السجن أو الاعتقال في انتظار محاكمته... وللموظفين القنصليين الحق في زيارة أحد رعايا الدولة الموفدة الموجود فيالسجن أو الاعتقال أو الحجز وفي أن يتحدث ويتراسل معه وفي ترتيب من ينوبعنه قانوناً, ولهم الحق كذلك في زيارة أي من رعايا الدولة الموفدة الموجودفي السجن أو الاعتقال أو الحجز في دائرة اختصاصهم بناء على حكم".
[220] المرجع السابق.
[221] نتائج وتوصيات لجنة مناهضة التعذيب: السعودية، 12 يونيو/حزيران 2002، CAT/C/CR/28/5, فقرة 8 (ز).
[222] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول القنصلي س، من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 4 و13 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[223] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع شيخ العبد الله، رئيس مكتب الادعاء والتحقيقات، وزارة الداخلية، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2006.
[224] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول دبلوماسية ب، بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 3 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[225] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 8 مارس/آذار 2008.
[226] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ب، بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 8 مارس/آذار 2008.
[227] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع نوريفا م.، عاملة منازل أندونيسية، جدة، 11 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[228] انظر: Mariam Al Hakeem, "Runaway maids face jail and flogging," Gulf News, 5 أبريل/نيسان 2007.
[229] انظر: "Saudi Arabia: Migrant Domestics Killed by Employers," Human Rights Watch news release بعد مفاوضات مطولة تم إخلاء سبيل المرأتين من الاتهامات وتلقت رومينيه سورتيم 30000 ريال (7800 دولار) وتلقت تاري تارسيم 15000 ريال (3900 دولار) كتعويض، مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول بالسفارة الأندونيسية طلب عدم ذكر اسمه، الرياض، 10 مارس/آذار 2008.
[230] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ناصر الدنداني، محامي، السفارة الأندونيسية، الرياض، 10 مارس/آذار 2008.
[231] المرجع السابق.
[232] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع م. ر. عبد الحميد آل جاليجا، استشاري، وزارة العدل. ومع م. ر. ضيف الله أنزو، باحث بوزارة العدل، ود. ر. ناصر الشهراني، مكتب التحقيق والادعاء العام، الرياض، 12 مارس/آذار 2008.
[233] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول م. بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 10 مارس/آذار 2008.
[234] مقابلات هيومن رايتس ووتش مع المسؤولين ب. وي. من سفارات بلدان راسلة للعمالة، جدة والرياض، 3 و9 ديسمبر/كانون الأول 2006، ومع مسؤول ج. بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 11 مارس/آذار 2008، وانظر أيضاً: "تفاصيل عن السجينات/المحتجزات السريلانكيات"، بيان من مسؤول طلب عدم ذكر اسمه، وزارة الخارجية السريلانكية، كولومبو، سريلانكا، 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2006.
[235] "تفاصيل عن السجينات/المحتجزات السريلانكيات"، مسؤول من إحدى الدول الراسلة للعمالة قال إن العقوبات تتراوح عادة ما بين 50 إلى 250 جلدة في الجرائم "الأخلاقية".مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مسؤول هـ. بسفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 8 مارس/آذار 2008.
[236] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع ناصر الدنداني، 11 مارس/آذار 2008.
[237] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع بيتاري ر.، عاملة خياطة أندونيسية تم إجبارها على أداء أعمال منزلية، الرياض، 11 مارس/آذار 2008.
[238] حكم من محكمة القباء العامة، 15/8/1428، ومقابلة هيومن رايتس ووتش مع ناصر الدنداني، 11 مارس/آذار 2008.
[239] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع مصدر طلب عدم الإفصاح عن هويته، الرياض، مارس/آذار 2008.
[240] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ج.، من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 10 مارس/آذار 2008.
[241] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول م.، من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 10 مارس/آذار 2008.
[242] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أمانتي ك.، عاملة منازل عائدة، كاتوناياكى، سريلانكا، 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2006.
[243] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ب.، من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 3 ديسمبر/كانون الأول 2006.
[244] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المسؤول ج.، من سفارة إحدى الدول الراسلة للعمالة، الرياض، 13 ديسمبر/كانون الأول 2006.






