الالتزامات القانونية
ينظم أعمال القتال بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب). والقواعد الخاصة بأساليب وسبل إجراء النزاع المسلح موجودة في البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف (البروتوكول الأول) وأنظمة لاهاي لعام 1907.[71] وأغلب الأحكام ذات الصلة في الصكين الدوليين يعتبران ما يعبر عن لسان حال القانون الإنساني الدولي العرفي، وهي قواعد قانونية مستندة إلى ممارسات ثابتة وملزمة لجميع أطراف النزاعات المسلحة، سواء من الدول أو الجماعات المسلحة من غير الدول.
والأركان الأساسية لقوانين الحرب هي "حصانة المدنيين" ومبدأ "التمييز"،[72] وفيما يقر القانون الإنساني بأن وقوع بعض الضحايا من المدنيين هو أمر لا مفر منه، فهو يفرض على الأطراف المتقاتلة واجب التمييز في جميع الأوقات بين المقاتلين والمدنيين، واستهداف المقاتلين والأهداف العسكرية فقط. والهجمات المتعمدة بحق المدنيين محظورة تماماً.[73] والمدنيون تسقط عنهم الحصانة من الهجوم فقط حين يشاركون بشكل مباشر في أعمال القتال وطيلة مدة مشاركتهم في القتال لا أكثر.[74]
كما يحمي القانون الإنساني الدولي الأعيان المدنية، وهي تُعرّف على أنها أي أغراض لا تعتبر عسكرية.[75] ومحظورة أيضاً الهجمات المباشرة التي تستهدف الأعيان المدنية، كالمنازل والشقق السكنية وأماكن العبادة والمدارس والمستشفيات، ما لم تكن مستخدمة لأغراض عسكرية.[76]
ويجب ألا يهدد أطراف النزاع أو يتعهدوا بأعمال عنف "الغرض الأساسي منها هو بث الذعر بين السكان المدنيين".[77] وتُحظر أيضاً أعمال الرد التي تشمل هجمات تستهدف السكان المدنيين.[78]
كما تحظر قوانين الحرب الهجمات العشوائية التي لا تميز بين المدنيين والعسكريين. والهجمات العشوائية هي بطبيعتها الهجمات التي تستهدف الأعيان العسكرية والمدنية على حد سواء دونما تمييز. أمثلة على الهجمات العشوائية، هي تلك التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد أو التي تستخدم أسلحة لا يمكن تسديدها بدقة إلى هدف عسكري محدد. من ثم، إذا شن أحد الأطراف هجمة دون محاولة التصويب الدقيق على هدف عسكري، أو قام بذلك بأسلوب أوقع المدنيين في مرماه دون مراعاة لاحتمال إلحاق الوفيات أو الإصابات بهم، فهذا يرقى إلى كونه هجوم عشوائي.[79]
ويطالب القانون الإنساني الدولي الأطراف في النزاعات بالحرص طيلة فترات العمليات العسكرية لتفادي إلحاق الخسائر بالسكان المدنيين واتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة لتفادي الخسارة العرضية في حياة المدنيين وتقليلها، وكذلك الإصابات في صفوف المدنيين والضرر اللاحق بالأعيان المدنية.[80] والاحتياطات المستطاعة هي "الاحتياطات العملية أو التي يمكن بشكل عملي أخذها في الحسبان في كافة الظروف الراهنة، بما في ذلك الاعتبارات الإنسانية والعسكرية".[81] وفي تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على البروتوكول الأول، وهو التعليق التفسيري الآمر، قالت إن الاحتياطات "المستطاعة" تعني من بين عدة أشياء، أن الشخص الذي يشن الهجوم مطلوب منه اتخاذ الخطوات الضرورية للتعرف على الهدف وتبين أنه هدف عسكري مشروع "في الوقت المناسب لإعفاء المدنيين من الخسائر قدر الإمكان".[82]
ولا يحظر القانون الإنساني الدولي القتال في المناطق الحضرية، رغم أن تواجد المدنيين يفرض التزامات أكبر على الأطراف المتقاتلة كي تتخذ الاحتياطات اللازمة لتقليص الضرر اللاحق بالمدنيين. وانتشار القوات في المناطق المأهولة بالسكان يجب أن يتم بطريقة تتفادى وضع الأهداف العسكرية قرب مناطق مكتظة بالسكان،[83] مع بذل الجهد لإبعاد المدنيين عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية.[84] ومحظور على المتقاتلين استخدام المدنيين كدروع لحماية عمليات أو أهداف عسكرية من الهجوم. ويشير "استخدام الدروع" إلى الاستخدام المتعمد لتواجد المدنيين لاعتبار القوات أو المناطق العسكرية حصينة من الهجوم.[85] إلا أنه إذا اعتبر أحد الأطراف أن قوات الخصم مسؤولة عن وضع أهداف عسكرية في أو بالقرب من مناطق مأهولة بالسكان، فهذا لا يعفيه من واجب اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة لتقليص الخطر اللاحق بالمدنيين لدى شن الهجمات.
الهجمات الصاروخية على المناطق المأهولة بالسكان والمسؤولية الجنائية الفردية
الخروقات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي التي تُرتكب بشكل عمدي أو عن إهمال، تعتبر جرائم حرب، وتنشئ الحق في المسؤولية الجنائية الفردية.[86] وجرائم الحرب تشمل الهجمات المتعمدة أو العشوائية على المدنيين – وكذلك الهجمات التي من المتوقع فيها أن تكون خسائر المدنيين أكبر بكثير مقارنة بالمكسب العسكري المتوقع. ويمكن أيضاً تحميل الأفراد المسؤولية الجنائية جراء محاولة ارتكاب جريمة حرب، مثل التخطيط أو التحريض أو المساعدة أو التيسير أو تقديم العون أو الدفع إلى ارتكاب جريمة حرب.[87] ويمكن مقاضاة القيادات العسكرية والمدنية جراء جرائم حرب من واقع مسؤولية القيادة حين يكونون على دراية بارتكاب جرائم حرب مع اتخاذهم رغم ذلك لاحتياطات غير كافية لمنعها أو لمعاقبة المسؤولين عن ارتكابها.[88]
وكما سبق الذكر، فإن حركة حماس وغيرها من الجماعات المسلحة أعلنت مسؤوليتها علناً عن عدد كبير من الهجمات الصاروخية على المدنيين في إسرائيل، ومنها ثلاث هجمات قاتلة على مدنيين إسرائيليين تم توثيقها في هذا التقرير. وقد أعرب قيادات حماس وغيرها من الجماعات المسلحة علناً عن نيتهم استهداف المدنيين الإسرائيليين، سعياً لتبرير هجماتهم بوصفها بأنها رد مشروع على الهجمات الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين.[89] كما زعم قيادات في حماس بأن الهجمات الصاروخية ضد المدنيين الإسرائيليين مبررة على ضوء "الحق في مقاومة" الاحتلال الإسرائيلي.[90] مثل هذه التصريحات، في سياق شن هجمات صاروخية متعمدة أو عشوائية على المدنيين الإسرائيليين، كما هو موثق في هذا التقرير، هي أدلة على وقوع جرائم حرب. ولم تُحمل سلطات حركة حماس – على حد علم هيومن رايتس ووتش – المسؤولية لأي من أعضاء حماس أو غيرها من الجماعات المسلحة في قطاع غزة، على شن هجمات صاروخية غير قانونية ضد مراكز تجمع المدنيين في إسرائيل.
[71] انظر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف بتاريخ 12 أغسطس/آب 1949، والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات الدولية المسلحة (البروتوكول الأول)، 1125 U.N.T.S. 3 دخل حيز النفاذ في 7 ديسمبر/كانون الأول 1978. واتفاقية لاهاي الرابعة – قوانين وأعراف الحرب البرية: 18 أكتوبر/تشرين الأول 1907، 36 Stat. 2277, 1 Bevans 631, 205 Consol. T.S. 277, 3 Martens Nouveau Recueil (ser. 3) 461, دخلت حيز النفاذ في 26 يناير/كانون الثاني 1910.
[72] انظر البروتوكول الأول، مواد 48، و51(2) و52(2).
[73] البروتوكول الأول، مادة 48، ورد فيها: "تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية".
[74] البروتوكول الأول، مادة 51 (3).
[75] المرجع السابق. المادة 52 (1). وتنحصر الأهداف العسكرية فيما يتعلق بالأعيان على تلك التي تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري سواء كان ذلك بطبيعتها أم بموقعها أم بغايتها أم باستخدامها، والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة. مادة 52 (2).
[76] البروتوكول الأول، مادة 52 (2).
[77] المرجع السابق. المادة 51 (2).
[78] البروتوكول الأول، مادة 51 (6). تُعرف أعمال الرد على أنها فعل غير قانوني لكن "في ظروف خاصة تعتبر قانونية بموجب القانون الدولي، حين تستخدم كإجراء رداً على الأعمال غير القانونية للخصم"، انظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانون الدولي الإنساني العرفي، صفحة 513.
[79] المادة 51 (4) و51 (5) من البروتوكول تُعدد خمسة أنواع من الهجمات العشوائية: 1) تلك التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد. 2) التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن أن توجه إلى هدف عسكري محدد. 3) التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلبه هذا اللحق "البروتوكول". 4) معاملة الأهداف العسكرية الحضرية المنفصلة بصفتها هدفاً واحداً (القصف الشامل) أو 5) انتهاك مبدأ التناسب.
[80] البروتوكول الأول، مادة 57.
[81] انظر بروتوكول الحظر والقيود على استخدام الأسلحة الحارقة (البروتوكول الثالث)، 1342 U.N.T.S. 171, 19 I.L.M. 1534 دخل حيز النفاذ في 2 ديسمبر/كانون الأول 1983، مادة 1(5).
[82] اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تعليق على البروتوكولات الإضافية، صفحات 681 و682.
[83] البروتوكول الأول، مادة 58 (ب).
[84] المرجع السابق، مادة 58 (أ).
[85] المرجع السابق، مادة 51 (7).
[86] انظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانون الإنساني العرفي الدولي، صفحات 568 إلى 574.
[87] انظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر: (ICRC), Customary International Humanitarian Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), صفحة 554.
[88] انظر: See ICRC, Customary International Humanitarian Law, قاعدة 153.
[89] انظر "الملخص" أعلاه، المقتبسة فيه تصرحيات لأبو عبيدة ومحمود زهار. الأول وارد في: Hanan Awarekeh, “Hamas Ready for Battle; Victory’s coming, ‘God willing,’” Al-Manar 5 يناير/كانون الثاني 2009، على: http://www.almanar.com.lb/NewsSite/NewsDetails.aspx?id=69218&language=enتمت الزيارة في 29 أبريل/نيسان 2009. تصريحات زهار منقولة عن: Ethan Bronner, “Israelis push deep into Gaza City,” International Herald Tribune, January 5, 2009, http://www.iht.com/articles/2009/01/05/mideast/mideast.php?page=1U.S تمت الزيارة في 16 مارس/آذار 2009.
[90] انظر "الملخص" أعلاه مقتبساً مقابلة مع خالد مشعل: “Transcript: Interview with Khaled Meshal of Hamas,” May 5, 2009, New York Times, http://www.nytimes.com/2009/05/05/world/middleeast/05Meshal-transcript.html






