ملخص
بعد أن بادرت إسرائيل بحملتها العسكرية الموسعة على غزة في 27 ديسمبر/كانون الأول 2008، اتخذت سلطات حركة حماس في القطاع إجراءات فائقة للعادة ترمي إلى الرقابة والتهديد والعقاب وفي بعض الأحيان إزالة الخصوم السياسيين الداخليين، ومن يُشتبه في تعاونهم مع إسرائيل. واستمرت الهجمات طيلة الحملة الإسرائيلية، وقد قلت، لكنها لم تتوقف، منذ توقف أعمال القتال الأساسية في 18 يناير/كانون الثاني 2009.
وأثناء فوضى الهجوم الإسرائيلي، الذي أسفر عن مقتل نحو 1350 مدنياً ومقاتلاً فلسطينياً، وألحق الإصابات بنحو 5000 آخرين، قامت قوات الأمن التابعة لحماس أو رجال مسلحون مُقعنون يُعتقد أنهم يتبعون حماس، بإجراء عمليات إعدام بلا محاكمة بحق 18 شخصاً، وهم بالأساس المتهمون بالتعاون مع إسرائيل. كما قام رجال مسلحون بضرب وتشويه خصوم سياسيين بإطلاق النار عليهم، بالأخص أعضاء ومؤيدي الخصم السياسي الأساسي لحماس، وهو حركة فتح.
وقد استمر العنف الداخلي في غزة منذ سحب إسرائيل لقواتها. وقد أفادت منظمات حقوق الإنسان في غزة بوقوع 14 عملية قتل أخرى في الفترة ما بين 18 يناير/ كانون الثاني و 31 مارس/ آذار 2009.
وإلى الآن، مرت أعمال العنف في الغالب دون عقاب. ورغم وعود بالتحقيق في عمليات القتل غير القانونية وغيرها من الإساءات، فإن سلطات حماس، على حد علم هيومان رايتس ووتش، قامت بالتحقيق فقط في حالة واحدة لقتل مزعوم ارتكب من قبل عناصر قواتها الأمنية أو جناحها المسلح.
وأغلب الفلسطينيين الذين أعدمهم فلسطينيون آخرون أثناء العمليات العسكرية الإسرائيلية كانوا رجالاً تم اتهامهم بالتعاون مع إسرائيل. وبالإضافة إلى آخرين، فقد فروا من سجن غزة الرئيسي بعد قصف إسرائيل للمركز في 28 ديسمبر/كانون الأول. وبالإضافة إلى عمليات القتل الاثنتين والثلاثين المذكورة أعلاه، فإن أقارب أحد المشتبهين بالتعاون أرداه قتيلاً رمياً بالرصاص "لاستعادة شرف العائلة" فيما لم تتدخل سلطات حركة حماس.
كما استخدمت قوات حماس الأمنية العنف ضد أعضاء من حركة فتح، خاصة من كانوا يعملون في الأجهزة الأمنية التي تديرها فتح في إطار السلطة الفلسطينية. ومما يثير القلق على الأخص تفشي ممارسة تشويه الأشخاص بإطلاق الرصاص على أرجلهم، وهو الأسلوب الذي لجأت إليه حماس أول ما لجأت في يونيو/حزيران 2007، حين استولت على السلطة في غزة من فتح. وطبقاً للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وهي المنظمة الحقوقية الرقابية في السلطة الفلسطينية، فقد تعمد رجال مسلحون مقنعون غير معروفي الهوية إطلاق النار على أرجل 49 شخصاً على الأقل بين 28 ديسمبر/كانون الأول 2008 و31 يناير/كانون الثاني 2009.
وفي يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2009، قابلت هيومن رايتس ووتش ثلاثة رجال تم إطلاق النار على أرجلهم، والظاهر أن الفاعل عناصر من قوات حماس الأمنية، كما هو مذكور أدناه. واثنان منهم كانا من مؤيدي فتح، وأحدهما عضو بقوات الأمن الوقائي التي تديرها فتح، والتابعة للسلطة الفلسطينية. والرجل الثالث سُمع وهو ينتقد حماس على قارعة الطريق.
ومما يثير القلق أيضاً أعمال الاختطاف والضرب المبرح. فطبقاً للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، فإن جناة مجهولون أساءوا بدنياً إلى 73 رجلاً فلسطينياً بين 28 ديسمبر/كانون الأول و31 يناير/كانون الثاني، مما أدى لكسر أرجلهم وأذرعهم. ووثقت هيومن رايتس ووتش ثلاث من حالات الاعتداء على مؤيدي فتح أثناء وبعد الهجوم الإسرائيلي، وكذلك حالة لما يبدو أنه تقييد إقامة في المنزل لدوافع سياسية.
والهجمات التي شنتها قوات حماس الأمنية على فلسطينيين آخرين أثناء وبعد أعمال القتال الموسعة مع إسرائيل، تُعد أسوأ نوبات تفشي العنف الداخلي منذ استيلاء حماس على السلطة في غزة في يونيو/حزيران 2007. لكن أصناف العنف المبذولة ليست بالجديدة. فقد سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق إساءات مشابهة اقترفتها قوات شرطة حماس والأمن الداخلي، وشملت الاعتقالات التعسفية المصحوبة بالضرب المبرح وإطلاق الرصاص على الأرجل والتعذيب، الذي أفضى أحياناً إلى الموت.
وعلى الجانب الآخر من الشقاق الفلسطيني؛ فإن سلطات فتح في الضفة الغربية زادت بدورها من الإجراءات القمعية بحق أعضاء ومؤيدي حماس. فالفترة بين 28 ديسمبر/كانون الأول 2008 و28 فبراير/شباط 2009، سجلت فيها منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية 31 شكاية من سكان قالوا إنهم تعرضوا للتعذيب على يد عناصر قوات الأمن التابعة لفتح. كما سجلوا حالة وفاة واحدة لشخص رهن احتجازه، والاعتقال التعسفي لصحفيين اثنين من محطة تلفزيونية خاصة تُعد مؤيدة لحماس. ولم تبد الولايات المتحدة والمانحون من الاتحاد الأوروبي الذين يمولون ويدربون هذه القوات أي انتقاد علني لهذه الانتهاكات الحقوقية الجسيمة.
وفي كل من غزة والضفة الغربية تنتهك هذه الإساءات القانون الفلسطيني. فالقانون الأساسي الفلسطيني، الذي يُعد بمثابة الدستور المؤقت، يكفل الحق في المعاملة بالمساواة أمام القانون، وحرية التعبير وتكوين الجمعيات، وحقوق إجراءات التقاضي السليمة الأساسية. ويُحظر التعذيب وغير ذلك من أوجه المعاملة السيئة.
وتحظر هذه الإساءات أيضاً جملةٌ من الصكوك الدولية، منها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وتزعم سلطات كل من حماس وفتح أنها الرئيسة الشرعية للسلطة الفلسطينية. ولأن السلطة الفلسطينية ليست دولة معترف بها؛ فلا يمكنها التصديق على هذه الاتفاقيات، لكن المسؤولين في السلطة الفلسطينية تكرر تعهدهم باحترام المعايير الواردة في الاتفاقيات. وبصفة حماس حزب سياسي، فقد أعلنت الحركة في عدة مناسبات وعلناً أنها ستحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وقال مسؤولو حماس إنهم سيحققون في مزاعم الإساءات على أيدي قواتها الأمنية، وأنكروا وجود أية سياسة لاستهداف الخصوم أو المنتقدين السياسيين. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية في حماس إيهاب الغصين لمراسلي رويترز في 29 يناير/كانون الثاني إن حماس تحقق في مزاعم فتح وسوف تُحاسب أي طرف يثبت ذنبه. [1] وفي مطلع فبراير/شباط، قال غازي حمد المتحدث باسم حماس لمحطة الجزيرة: "لا أنكر وقوع بعض الأخطاء على أيدي أعضاء من حماس، لكن أعتقد أنها ليست سياسة تتبناها القيادة هنا". [2]
وقد صرّح مسئولون من حماس بأنهم قاموا في حالة واحدة بتأديب ضباط شرطة ثبت تورطهم في وفاة أثناء الاحتجاز. وبتاريخ 31 مارس/ آذار، فصلت وزارة الداخلية 11 شخصا من ضباط الشرطة ووضعتهم في الحبس بانتظار محاكمة أمام محكمة عسكرية. وي ُ تهم ضباط الشرطة بالتورط في مقتل زايد عايش مبروك جرادات (40 عاما)، الذي، وفقا لمنظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، توفي تحت التعذيب بتاريخ 16 مارس/ آذار. وكانت الشرطة في رفح قد أفادت بأنها اعتقلت جرادات لحيازته مخدرات.
ومن الصعب تقرير ما إذا كانت الإساءات التي جرى توثيقها في هذا التقرير يقف وراءها قرار سياسي لقيادات حماس، لكن حجم ومعدل تكرر الانتهاكات يوحي بقوة بأنها سياسة. وعلى الأقل، فإن قوات أمن حماس لا تبذل ما يكفي من جهد لمنع هذه الإساءات ومعاقبة من يرتكبها.
وأثناء فترات النزاع المسلح، فإن حركة حماس، بصفتها السلطة الفعلية في غزة، مُلزمة باتخاذ الإجراءات اللازمة لكفالة الأمن، بما في ذلك احتجاز الأفراد الذين يشكلون خطراً أمنياً حقيقياً. لكن عمليات الاحتجاز يجب ألا تكون تعسفية أو تستهدف مجموعة أو فئة من الأشخاص لأسباب سياسية وليست أمنية. ويُحظر على الإطلاق وتحت أي ظرف من الظروف الإساءات البدنية بحق المحتجزين، بما في ذلك التعذيب والإعدام دون محاكمة.
[1] انظر: Reuters, “Hamas accused of torture death of Gaza critic,” January 29, 2009, http://www.reuters.com/article/latestCrisis/idUSLT773276 (تمت الزيارة في 27 فبراير/شباط 2009).
[2] انظر: Mike Kirsch, “Hamas accused of killing Palestinian opponents - 08 Feb 09,” Al Jazeera English, available at http://www.youtube.com/watch?v=tJCGqQrxCaA (تمت الزيارة في 27 فبراير/شباط 2009).






