أحداث عام 2011

شهدت تونس تحولات تاريخية سنة 2011. بعد أن أقدم محمد البوعزيزي، بائع متجوّل من سيدي بوزيد، على إشعال النار في نفسه يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، انتشرت الاحتجاجات الشعبية من مدينة إلى أخرى. ورغم تصدي الشرطة باستعمال الذخيرة الحية للاحتجاجات التي كانت في معظمها سلمية ، أدت المظاهرات إلى فرار الرئيس زين العابدين بن علي إلى خارج البلاد يوم 14 يناير/كانون الثاني. وكانت الاحتجاجات تشتد بسبب المظالم التي لطالما ارتكبتها حكومة عمدت إلى خنق المعارضة ومنع التعددية الحقيقية وتسببت قوانينها القمعية في حرمان التونسيين من حرية التعبير، وتكوين الجمعيات، والتجمع.

كما تحسنت وضعية حقوق الإنسان سنة 2011، وخاصة مع اعتماد قانون انتخابي تعددي في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، والمصادقة على نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية والانضمام إليها، ورفع معظم تحفظات تونس حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واعتماد قانون جديد للصحافة، وسن مراسيم خاصة بالأحزاب السياسية والجمعيات. وصار مسموحًا للتونسيين بالتظاهر، والتعبير عن آرائهم، وتكوين الأحزاب والجمعيات بقدر من الحرية لم تشهده البلاد منذ استقلالها سنة 1956.

ولكن تدعيم حماية حقوق الإنسان في فترة ما بعد بن علي شهد عوائق من قبيل لجوء الشرطة إلى القوة المفرطة في مواجهة الاحتجاجات المتواصلة، والتأخر في تبني إصلاحات جوهرية تفضي إلى استقلالية القضاء، والتحديات التي واجهت حرية التعبير التي فشلت الحكومة الانتقالية في التعامل معها بالشكل المناسب.

أهم التطورات السياسية

تعاقبت على السلطة في تونس حكومتان اثنتان على إثر خلع زين العابدين بن علي في يناير/كانون الثاني. وبعد احتجاجات واسعة النطاق شهدتها تونس العاصمة، تكونت حكومة انتقالية ثالثة يوم 7 مارس/آذار وتعهدت بتنظيم انتخابات حرة وشفافة لمجلس وطني تأسيسي تُعهد إليه مهمة صياغة دستور جديد للبلاد. وجرت انتخابات المجلس الوطني التأسيسي يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول.

وبعد أحداث الثورة تم منح تراخيص قانونية لأكثر من 106 أحزاب، بما في ذلك حزب النهضة ذي الخلفية الإسلامية وحزب العمال الشيوعي التونسي، اللذان كانا محظوران وعرضة للاستهداف تحت حكم بن علي. كما تمكنت عديد الجمعيات التي كانت محظورة في أيام بن علي من الحصول على التراخيص القانونية، ومنها الجمعية الدولية لمساندة السجناء السياسيين والجمعية التونسية لمناهضة التعذيب.

كما قامت الحكومة الانتقالية بحلّ التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب بن علي الحاكم، وأعلنت حلّ ما يُسمى بالبوليس السياسي الذي كان عناصره يتواجدون في كل مكان ويرتدون ملابس مدنية عادية لمراقبة نشطاء المعارضة والتضييق عليهم.

في 19 فبراير/شباط، تبنت الحكومة الانتقالية قانون العفو التشريعي العام الذي تم بموجبه إطلاق سراح ما يفوق 500 سجينًا كانوا يقضون عقوبات بسبب جرائم سياسية. وكان معظم هؤلاء مدانون أو يواجهون تهمًا بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب.

كما انظمت الحكومة الانتقالية إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري وصادقت على البروتوكول الاختياري المتعلق باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة، الذي يفرض آليات مراقبة لمناهضة التعذيب، والبروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يفرض على الدول إلغاء عقوبة الإعدام.

المحاسبة على جرائم الماضي وإصلاح القضاء

اتخذت الحكومة الانتقالية بعض الخطوات الايجابية للتحقيق في الجرائم التي أُرتكبت أثناء الانتفاضة والتعويض للجرحى وعائلات القتلى. وأنشأت الحكومة الانتقالية الأولى لجنة وطنية للتحقيق في الانتهاكات التي تم ارتكابها أثناء الاحتجاجات، وقد نشرت هذه اللجنة نتائجها الأولية الخاصة بالانتهاكات التي حصلت بين 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 وموفى شهر يناير/كانون الثاني.

وخلُصت اللجنة إلى أن 240 مدنيا قُتلوا، معظمهم على يد الشرطة، أثناء الاحتجاجات في عدد من القرى والمدن في كامل أنحاء البلاد. كما خلصت إلى أن عدد الجرحى بلغ 1464 شخصًا خلال شهر من الاحتجاجات، إضافة إلى عشرات السجناء الذين لقوا حتفهم أثناء عمليات تمرد وإطلاق نار بين 13 و16 يناير/كانون الثاني. وفي 24 أكتوبر/تشرين الأول، تبنت الحكومة قانون معالجة ضحايا الثورة الذي يمكنهم من الحصول على منح شهرية والعلاج والتنقل المجاني لهم ولعائلاتهم.

وفي 14 سبتمبر/أيلول، أعلن مكتب النائب العام العسكري عن توجيه تهم إلى زين العابدين بن علي ووزيرا الداخلية أثناء الاحتجاجات، و40 ضابطا رفيع المستوى من جهاز الأمن لارتكابهم مجزرة دولية أثناء الانتفاضة. والى غاية كتابة هذا التقرير، لم تتم محاسبة أي شخص على عمليات القتل التي ارتكبها عناصر قوات الأمن رغم أنه توجد عديد المحاكمات لعناصر من الشرطة في المحاكم المدنية والعسكرية. 

وفي أولى المحاكمات، تمت إدانة الرئيس السابق وزوجته ليلى الطرابلسي، وعدد من أفراد عائلتيهما ومن المقربين منهما بتهم اختلاس، وتم الحكم عليهما بالسجن لمدة 35 سنة.

وبينما حسّنت السلطات القضائية من المنظومة القضائية العسكرية، وخاصة من خلال إضافة إمكانية الاستئناف، إلا أنها تعاملت ببطء مع إصلاحات جهاز القضاء التي طال انتظارها والتي لعبت دورًا قمعيًا أثناء حكم بن علي.

حرية التعبير والصحافة وتكوين الجمعيات

تضمنت الترسانة القمعية إبان حكم بن علي عددا من القوانين التي تمت صياغتها ليقع تأويلها بشكل تعسفي لدى المحاكم قصد إخماد صوت المعارضة. وتبنت الهيئة العليا لحماية أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي قوانين جديدة تمت المصادقة عليها من طرف رئيس الدولة المؤقت.

وألغى مرسوم القانون المتعلق بالجمعيات، الذي تمت المصادقة عليه يوم 24 سبتمبر/أيلول، جريمة "الانتماء إلى" أو "توفير خدمات" لمنظمة غير معترف بها، بعد أن كان النص القانوني يُستعمل لسجن آلاف النشطاء من أحزاب المعارضة. كما ألغى مرسوم القانون المتعلق بالأحزاب السياسية فصلا ينص على أنه لا يمكن للحزب أن يؤسس مبادئه، وأنشطته، وبرامجه على دين أو لغة أو أصل أو جنس أو جهة، وهو نفس النص القانوني الذي كان يُعتمد في الماضي لتضييق الأسس التي كان يمكن للتونسيين أن يؤسسوا عليها أحزابًا سياسية.

وفي نفس الإطار، أصبحت مجلة الصحافة الجديدة أكثر انفتاحًا من خلال إلغاء تجريم التشهير بمؤسسات الدولة و"الاعتداء على" رئيس الجمهورية. ولكن نفس المجلة حافظت على اعتبار التشهير عملا جنائيًا، رغم إلغاء عقوبة السجن والمحافظة على الغرامات المالية. وحافظت أيضًا على اعتبار التشهير بالأديان "المسموح بممارستها" على أنه عمل إجرامي وكذلك "نشر معلومات خاطئة"، وهو نفس المفهوم الذي اعتمد عليه بن علي لمقاضاة عديد المعارضين من نشطاء حقوق الإنسان.

وفي بعض الأحيان، عمدت الحكومة الانتقالية إلى الاستفادة من هذه النصوص القمعية. على سبيل المثال، اعتقلت السلطات في 29 مايو/أيار الضابط سمير الفرياني بتهم تنص عليها المجلة الجزائية وتتمثل في "تعريض أمن الدولة الخارجي للخطر" ونشر معلومات "من شأنها زعزعة الأمن العام" بعد أن بعث برسالة مكتوبة إلى وزير الداخلية اتهم فيها ضباطًا رفيعي المستوى بالمسؤولية عن قتل المحتجين أثناء الثورة التونسية. كما اتهم سمير الفرياني ضباطًا من وزارة الداخلية بإتلاف وثائق سرية تثبت تعاون إدارة زين العابدين بن علي و جهاز المخابرات الإسرائيلي.

وأفرجت المحكمة العسكرية في تونس العاصمة عن سمير الفرياني بشكل مؤقت يوم 22 سبتمبر/أيلول، وبعد ذلك بأسبوع برّأته من تهمة تهديد أمن الدولة الخارجي. وإلى غاية كتابة هذا التقرير، لا يزال سمير الفرياني يواجه تهمة نشر معلومات خاطئة.

وفي بعض الأحيان، فشلت الحكومة الانتقالية في التعامل بحزم مع الاعتداءات على حرية التعبير. على سبيل المثال، تجمع يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول مئات المحتجين تنديدًا بقرار قناة نسمة تي في الخاصة بعرض فيلم برسيبوليس الذي يروي قصة طفلة في إيران بعد الثورة. واعتبر بعض الأشخاص أن إحدى اللقطات تسيء إلى المبدأ الإسلامي الذي يحظر تجسيد الذات الإلهية. وبعد ذلك بيومين، أعلن المدعي العام في تونس العاصمة عن فتح تحقيق في قضية رُفعت ضد أصحاب قناة نسمة تي في عملا بالنصوص القانونية في مجلة الصحافة والمجلة الجزائية التي تجرم التشهير بالدين والاعتداء على الآداب العامة.

وفي 29 يونيو/حزيران، اقتحم عشرات المحتجين قاعة سينما كانت ستبث فيلماً حول الإلحاد في تونس. ورغم أن موقع قاعة السينما كان قريبًا من مركز للشرطة وأن القائمين على عرض الشريط قاموا بإعلام الشرطة وطلب الحماية، إلا أن قوات الأمن تقاعست في مواجهة الهجوم.

حقوق المرأة

حققت تونس، التي طالما أُعتبرت أكثر الدول العربية تقدما في مجال حقوق المرأة، مزيدًا من التقدم في هذا المجال. ونص القانون الانتخابي للمجلس الوطني التأسيسي على ضرورة اعتماد مبدأ المناصفة بين الجنسين في القوائم الانتخابية، ولكن عددا قليلا من الأحزاب عيّن نساءً على رأس بعض القوائم، وهو ما أدى إلى انتخاب 49 امرأة فقط من أصل 217 نائبًا في المجلس الوطني التأسيسي.

في 16 أغسطس/آب، تبنى مجلس الوزراء مشروع مرسوم رفعت تونس بمقتضاه تحفظاتها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. ولكن الحكومة حافظت على "إعلان عام" ينص على إمكانية عدم تطبيق الإصلاحات التي تتعارض مع الإسلام.

تمنع مجلة الأحوال الشخصية التونسية تعدد الزوجات وطلاق المرأة بمجرد نطق الرجل بقراره. وتعطي هذه المجلة الرجل والمرأة حقوقًا متساوية في الطلاق وتفرض عل كلاهما التوجه إلى المحاكم للتحصل عليه. كما تنص مجلة الأحوال الشخصية على أن السن الأدنى للزواج يقدر بـ 18 سنة للجنسين. ومنح قانون تم تبنيه سنة 1993 المرأة حق تمرير لقبها وجنسيتها لأبنائها، غير أن التمييز لا يزال قائمًا في مسائل الميراث والحضانة.

الانتهاكات المرتكبة في حق المحتجين

بعد أن أحرق محمد البوعزيزي نفسه، نزل آلاف التونسيين إلى الشوارع للتظاهر ضد الحكومة. كانت الاحتجاجات في أغلبها سلمية، رغم أن بعض المحتجين ألقى الحجارة و الزجاجات الحارقة. واجه التونسيون بشجاعة القوة القاتلة التي استعملتها قوات الأمن التي أطلقت النار على جموع المتظاهرين وتسببت في مقتل أكثر من مائتي شخص، كان أغلبهم من تونس العاصمة والمناطق الداخلية مثل القصرين، وتالة، والرقاب.

وواصلت الشرطة استعمال العنف بعد خلع زين العابدين بن علي، وخاصة أيام 29 يناير/كانون الثاني، و27 و28 فبراير/شباط، وأوائل مايو/أيار عندما قامت الشرطة بالاعتداء على المتظاهرين والمارة، واعتقالهم بشكل تعسفي، وتعريضهم للمعاملة القاسية التي قد ترقى إلى مستوى التعذيب. وكان هذا التعامل بمثابة تذكير للتونسيين، الذين صاروا يتمتعون بقدر أكبر من حق التظاهر مقارنة بالماضي، بأن جهاز الأمن لا زال يعتمد على المقاربة العنيفة التي طالما اعتمدها في الماضي وأنه صار الآن مطالبًا باعتماد تقنيات جديدة لمواجهة التجمهر تُقلّص من اللجوء إلى العنف.

اللاجئون والمهاجرون

منذ أواخر فبراير/شباط 2011، مع بداية الانتفاضة الليبية، واجهت تونس أزمة إنسانية جراء تدفق اللاجئين والمهاجرين عبر حدودها مع ليبيا. والى غاية 30 يونيو/حزيران، استقبلت تونس ما لا يقل عن 195241 مواطنًا أجنبيًا. وفي العموم، بذلت السلطات العسكرية، بمساعدة المجتمع المدني في تونس، والمنظمات الدولية، والمتطوعين، جهودًا كبيرة للاستجابة إلى الاحتياجات الإنسانية. ولكن في مايو/أيار جدّت أحداث عنيفة في مخيمات اللاجئين قرب رأس اجدير، وهو ما تسبب في مقتل ما لا يقل عن ستة مهاجرين وإحراق أجزاء من المخيم. وفشل الجيش التونسي، الذي كان يِحرس المخيم، في منع أعمال العنف وربما شارك في بعض الهجمات على سكان المخيم.

الأطراف الدولية الرئيسية

لا زالت فرنسا أهم شريك أوروبي لتونس رغم تدهور العلاقات بين البلدين أثناء الثورة مع تقاعس السلطات الفرنسية في إدانة قمع المتظاهرين. وفي يناير/كانون الثاني، قرر الاتحاد الأوروبي تجميد أصول مالية لستة وأربعين شخصًا من أقارب زين العابدين بن علي وزوجته.

ورحبت السلطات الانتقالية بزيارة مقرري الأمم المتحدة المعنيين بالتعذيب ومكافحة الإرهاب ومكنتهم من دخول مراكز الاعتقال، التي واصلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارتها بشكل منتظم. كما منحت السلطات تراخيص قانونية لعمل فروع المنظمات الحقوقية الدولية، بما في ذلك هيومن رايتس ووتش، وسمحت لمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة بفتح مكتب في تونس.