Saudi


السعودية
Saudi
   تقرير
صادر في 1998
تدابير لتحسين أوضاع العمال المهاجرين
والحفاظ على حقوقهم الإنسانية وكرامتهم

بيان من منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" مقدَّم إلى لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة (الدورة الرابعة والخمسون)
لبحثه في إطار البند 11 من مسودة جدول الأعمال المؤقت للدورة الرابعة والخمسين للجنة حقوق الإنسان

يتعرض العمال المهاجرون، على وجه الخصوص، لانتهاكات حقوق الإنسان في شتى أنحاء العالم؛ ويتزايد خطر التعرض لهذه الانتهاكات إذا كان القانون المحلي في البلد المستقبل لا يتسم فحسب بنقص خطير في الضمانات اللازمة لحماية حقوق العمال، بل ولا يفي بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، كما هو الحال في العديد من بلدان شبه الجزيرة العربية
وتُعقد جلسات المحاكم سراً خلف أبواب مغلقة، وليس للمتهم الحق في الاستعانة بمحامين أو مترجمين أو الاتصال بمسؤولي سفارة بلده خلال الاستجواب أو المحاكمة؛ وليس من حقه أيضاً استدعاء شهود أو استجواب شهود الإثبات. وقد يكون السند الوحيد لقرار الإدانة أو الحكم هو الاعترافات التي انتُزعت خلال الاستجواب، وهو الأمر الذي يشجع السلطات على احتجاز المتهمين لفترات طويلة في عزلة عن العالم الخارجي، وممارسة ضغوط بدنية ونفسـية عليهم للحصول على اعترافات منهم

. ولما كانت المملكة العربية السعودية هي أبرز قوة سياسية في الجزيرة، كما أنها من أكثر البلدان استعانةً بالعمال الأجانب من مصر والهند وإندونيسيا وباكستان والفلبـين والصومال وسري لنكا واليمن، فقد كان من الطبيعي أن يكون لسياساتها الخاصة بالعمالة الأجنبية آثارٌ بعيدة تتجاوز حدود المملكة، حيث تؤثر على سياسات العمل في الدول المجاورة، كما تؤدي إلى الحيلولة دون صدور أية شكاوى من البلدان المصدرة للعمالة، بما تنطوي عليه من تهديد ضمني بترحيل العمال القادمين من هذه البلدان بشكل جماعي. وقد اتخذت السعودية في عام 1997 عدة خطوات من شأنها أن تصرف أرباب العمل السعوديين عن إعادة بيع تأشيرات الدخول للبلاد بغرض العمل، وعن تشغيل العمال الذين دخلوا البلاد بصورة غير شرعية؛ إلا إن ثمة مراسيم جديدة تزيد بشكل ملحوظ من فرض عقوبات الغرامة والسجن على من يبقون في البلاد بعد انقضاء مدة تأشيرة دخولهم، وعلى غيرهم من المهاجرين غير الشرعيين. والأهم من ذلك أنه لم يطرأ أي تغيير على المثالب العامة التي تشوب نظام العمل والنظـام القانوني؛ كما إن الجهود الراميـة إلى معالجة أوجه القصور هذه، من خلال "الإجراء 1503" السري الذي اعتمدته الأمم المتحدة، لم تسفر عن أي تحسن ذي بال في وضع حقوق الإنسان. ومن بين المؤشرات التي تعكس فداحة المشكلة أن أكثر من نصف الأشخاص الذين عُلم أنهم أُعدموا في السعودية منذ عام 1990، والذين يربو عددهم على 630، كانوا من العمال الأجانب.

وتكفل القوانين السعودية لأرباب العمل سلطات هائلة على العمال الأجانب لديهم، كما تضع قيوداً كبيرة على حرية العمال في التنقل، بينما لا تكاد تنص على أي ضمانات تتيح لهؤلاء العمال الحصول على تعويض أو إنصـاف عما يلحق بهم من انتهاكات. إذ يتعين على العامل الأجنبي في السعودية أن يكون له كفيلٌ سعودي، كما يجب عليه الحصول على تصريـح كتابي من الكفيل ليتسنى له مغادرة البلاد أو السفر خارج المدينة التي يوجد فيها مقر عمله، أو تغيير وظيفته، أو استئجار مسكن. وكثيراً ما يقوم أرباب العمل بمصادرة جوازات السفر الخاصة بالعمال، مما يجعلهم عرضة للقبض عليهم وترحيلهم باعتبارهم أجانب بلا وثائق هوية. وفي بعض الأحيان، تؤدي هذه القيود المفروضة على حرية التنقل إلى إرغام العمال على أعمال السخرة، ولا سيما إذا كان هؤلاء العمال يقيمون ويعملون في مناطق ريفية أو في مبانٍ أو مساكن خاصة. وتتعرض النساء اللائي يعملن خادمات في المنازل، على وجه الخصوص، لخطر تشغيلهن بالسخرة، فضلاً عن تعرضهن لصنوف الإيذاء البدني والجنسي؛ كما تُفرض على جميع النساء قيود إضافية تمنعهم من قيادة السيارات أو دخول بعض الأماكن العامة أو إتيان بعض التصرفات التي تُوصَف بأنها من قبيل "السلوك غير الأخلاقي"، مثل سير المرأة بمفردها، أو عدم ارتداء الحجاب، أو التواجد بصحبة رجل لا يمت لها بصلة قرابة؛ وتُفرض على من يمارس هذا النوع من السلوك عقوبات شديدة من بينها السجن والجلد.

ومن شأن هذه القيود أن تفضي إلى انتهاكات أخرى، فهي تمنح أرباب العمل صلاحيات تتيح لهم إرغام العمال الأجانب على قبول أجور وأوضاع عمل تختلف عن تلك المنصوص عليها في العقود. وعادة ما يذكر العمال الأجانب أن أصحاب الأعمال لم يحترموا بنود العقود الموقعة في بلدانهم الأصلية، بما في ذلك عدم دفع أجور العمال لعدة شهور، أو إرغامهم على أداء وظائف أقل مهارة وأدنى راتباً، أو مطالبتهم بالعمل لساعات أطول مما ينص عليه العقد، أو عدم الوفاء بما وعدوا به العمال من امتيازات، مثل الامتيازات الخاصة بالسكن أو العطلات أو العودة إلى الوطن.
    بل حتى العقود التي يتم الالتزام بها عادةً ما تتضمن نصوصاً تسهل إساءة تطبيقها، ومن قبيل ذلك مطالبة العامل بدفع نفقات سفره إلى وطنه في حالة فصله من العمل لعدم كفاءته، وإجباره على قبول أي عمل آخر يكلفه به صاحب العمل، والامتناع عن العمل في أي وظيفة خارجية، وإرغامه على العمل لأية ساعات إضافية وفقاً لرغبة صاحب العمل، والاشتراط بألا تكون العاملة حبلى أو مطالبتها بالتعهد بعدم الحمل مستقبلاً.
ورغم أنه من الناحية النظرية يُعَدُّ مكتب العمل في السعودية بمثابة جهة محايدة تتولى الفصل والبت في منازعات العمل بالنسبة للعمال المحليين والأجانب على حد سواء، فإن قرارات هذا المكتب كثيراً ما تأتي في صالح أصحاب الأعمال على نحو غير عادل، كما إن نطاق صلاحياته لا يشمل قطاعات كبيرة من العاملين، مثل الخدم ومن يعملون بصورة غير قانونية. ويُضاف إلى ذلك أنه قد يصعب الوصول إلى فروع هـذا المكتب، ولا سيما بالنسبة للنساء، فضلاً عن أن متابعة أية شكوى قد تتطلب التردد على المكتب عدة مرات، وهو أمر باهظ التكاليف وينطـوي على مخـاطر جمَّة بالنسبة للعامل الذي لا يحمل جواز سفر أو تصريحاً كتابياً بالسفر إلى مدينة أخرى. أما العامل الذي يتقدم بشكوى إلى مكتب العمل فقد يُترَك بلا مورد رزق إلى أجل غير مسمىً، إذا ما رفض صاحب العمل السماح له بالعمل في أية جهة أخرى أو بمغادرة البلاد. ففي أغسطس/آب 1997، ذكرت "بعثة دول آسيا والمحيط الهادئ المعنية بالمهاجرين الفلبينيين" أن ما يزيد عن 500 عامل فلبيني قد تُركوا في الرياض بلا أي مورد للرزق بعدما رفض أرباب الأعمال التوقيع على تأشيرات مغادرتهم البلاد. وأضافت البعثة قائلة إن "معظم هؤلاء العمال كانوا قد تقدموا بشكاوى أمام المحاكم السعودية ضد أصحاب العمل أو الكفلاء بسبب مخالفات لنصوص العقود المبرمة معهم، من قبيل عدم دفع أجورهم، أو تشغيلهم لساعات أطول، أو سوء ظروف العمل والمعيشة، فضلاً عن صنوف الإيذاء الجنسي والبدني".
    أما العمال الأجانب المتهمون بارتكاب أي جرائم فيُقَدَّمون للمحاكمة أمام المحاكم العادية في السعودية، والتي قد تصل أحكامها إلى السجن أو الجلد أو بتر اليد أو اليد والساق أو الإعدام بقطع الرأس. وفي كثير من المنازعات القانونية، يتحيز القانون السعودي للمسلمين على حساب غير المسلمين وللرجال على حساب النساء. وكثيراً ما يميل القضاة في الواقع الفعلي إلى إصدار أحكام لصالح المواطنين السعوديين عند البت في المنازعات التي يكون أحد أطرافها من الأجانب. وتُعقد جلسات المحاكم سراً خلف أبواب مغلقة، وليس للمتهم الحق في الاستعانة بمحامين أو مترجمين أو الاتصال بمسؤولي سفارة بلده خلال الاستجواب أو المحاكمة؛ وليس من حقه أيضاً استدعاء شهود أو استجواب شهود الإثبات. وقد يكون السند الوحيد لقرار الإدانة أو الحكم هو الاعترافات التي انتُزعت خلال الاستجواب، وهو الأمر الذي يشجع السلطات على احتجاز المتهمين لفترات طويلة في عزلة عن العالم الخارجي، وممارسة ضغوط بدنية ونفسـية عليهم للحصول على اعترافات منهم. كما أوردت منظمات حقوق الإنسان الدولية تفاصيل موثقة عن حالات عديدة أُرغم فيها متهمون من غير الناطقين باللغة العربية على التوقيع على محاضر اعترافات ظناً منهم أنها إشعارات بالإفراج عنهم. وفي ظل القانون السعودي، يصعب بوجه خاص تقديم أدلة تثبت ادعاءات التعرض للاعتـداء الجنسي والاغتصاب؛ بل وقد يتعرض الضحايا الذين يبلغون عن هذه الاعتداءات لتهم جنائية أخرى. وهذه المثالب المتعددة في النظام القانوني السعودي تشجع فاقدي الضمير من أرباب العمل على اللجوء إلى تهديد العمال بالقبض عليهم بتهم ملفقة مثل الكفر أو القذف، وذلك لإرغامهم على التنازل عن مطالبهم القانونية بالحصول على تعويض لإنهاء الخدمة أو غير ذلك من المستحقات. وقد يلجأ صاحب العمل إلى التخلص من العامل تماماً بأن يشهد ضده في إحدى القضايا التي تؤدي الإدانة فيها إلى ترحيل العامل أو ما هو أسوأ من ذلك؛ كما يفقد هذا العامل، بمجرد صدور الحكم بإدانته، الحق في المطالبة بأية أجور أو مستحقات لم يسددها صاحب العمل.
وبالرغم من جواز استئناف الأحكام أمام محكمة أعلى، فإن المحكوم عليهم لا يتيسر لهم عادة المشاركة في إجراءات الاستئناف؛ بل في كثير من القضايا التي تصدر فيها أحكام بالإعدام، قد لا يعلم المتهم أو ذووه بصدور الحكم حتى يوم تنفيذه. وهذا ما حدث مثلاً في حالة عبدالكريم النقشبندي، وهو مواطن سوري يبلغ من العمر 40 عاماً، قُبض عليه في 13 فبراير/شباط 1994، واُعدم في 13 ديسمبر/كانون الأول 1996؛ فقد ذكر أفراد أسرته الذين زاروه في السجن يومي 9 و10 ديسمبر/كانون الأول 1996، أنه لم يُبلَّـغ مطلقاً بحكم الإعدام الصادر ضده، وأنهم علموا بنبأ تنفيذ الحكم من مقالة في إحدى الصحف. وكان الاتهام الرسمي الذي وُجِّه إلى النقشبندي هو "ممارسة أعمال السحر والشعوذة وحيازة مجموعة من الكتب الشركية والخرافية"، إلا إنه قدم إلى القاضي أثناء المحاكمة وثائق تتضمن تفاصيل عدد من منازعات العمل بينه وبين وصاحب العمل، وهو الأمير السعودي سلمان بن سعود بن عبد العزيز، ومن بينها امتناع صاحب العمل عن دفع متأخرات رواتب للنقشبندي تزيد قيمتها عن 224870 ريالاًً سعودياً (أي ما يعادل 59816 دولاراً أمريكياً)، بالإضافة إلى امتناعه عن سداد تعويض إنهاء الخدمة وغير ذلك من الأموال المستحقة للنقشبندي، والتي زُعم أن الأمير أرغمه على التنازل عنها في حضور شهود قبيل القبض عليه. ولم تستطع أسرة النقشبندي استرداد هذه المبالغ أو حتى استلام جثته؛ كما بذل بعض أفراد الأسرة الذين يعملون في السعودية جهوداً مضنية للحصول على تعويض أو إنصاف، ولكنها لم تسفر عن شيء سوى إلقاء القبض على أحد أشقاء عبد الكريم النقشبندي ثم ترحيله إلى سوريا بعد أن ظل عدة شهور قيد الإقامة الجبرية.

أما المهاجرون الذين تصدر ضدهم أوامر بالترحيل فكثيراً ما يجدون أنفسهم في مراكز ترحيل لا تتوافر فيها أدنى المعايير الدولية، حيث تفتقر أماكن الاحتجاز المكتظة فيها إلى وسائل التهوية أو المرافق الصحية الملائمة. وتزداد هذه الأوضـاع سوءاً إبَّان الحملات الدورية التي تشنها السلطات السعودية للقبض على الأشخاص الذين يبقون في البلاد بعد انقضاء مدة تأشيرات الإقامة الممنوحة لهم، وعلى غيرهم من المهـاجرين غير الشـرعيين؛ فحينئذٍ تفوق أعداد المقبوض عليهم ما يمكن أن تستوعبه مراكز الترحيل، ومن ثمَّ تُحتَجز الأعداد الزائدة في مراكز الشرطة الأكثر ازدحاماً ريثما يتوفر لهم مكان في مراكز الترحيل. وقد يُضطر أولئك الذين لا يمتلكون المال اللازم لدفع نفقات ترحيلهم إلى الانتظار قيد الاعتقال شهوراً أو سنوات قبل أن تتسنى لهم العودة للوطن؛ أما أولئك الذين ليست لديهم جوازات سفر فينتظرون هم الآخرون ريثما تصدر لهم سفارات بلدانهم وثائق سفر جديدة، الأمر الذي قد يستغرق أيضاً عدة شهور.

توصيات:

إن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" تدعو لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة إلى اتخاذ الخطوات التالية:
  • مطالبة كل من المقرر الخاص المعني بالتمييز العنصري والمقرر الخاص المعني بالعنف ضد المرأة بإعداد دراسة مشتركة عن القوانين والأوضاع السائدة في المملكة العربية السعودية، والتي من شأنها أن تؤدي إلى ممارسات تنطوي على التمييز ضد النساء والعمال الأجانب.
  • حث حكومة المملكة العربية السعودية وحكومات البلدان التي يعمل بعض مواطنيها في السعودية على القيام بما يلي:
  • التصديق على الاتفاقية الدولية الخاصة بحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم.
  • التأكد من أن ضمانات حماية العمال المنصوص عليها في قوانين العمل المحلية تنطبق على جميع أنواع الوظائف التي يشغلها العمال المهاجرون، بما في ذلك وظائف الخدم.
  • ضمان إحاطة مسؤولي السفارات الأجنبية علماً بحقوق رعاياهم من العمال الأجانب وبالصعوبات التي تصادفهم، مع وضع إجراءات تتيح لهم تقديم المساعدة لمن يحتاجها من هؤلاء الرعايا، سواء أكانوا ممن يعملون بصورة قانونية أو غير قانونية.
  • تبني سياسة تكفل حماية جميع العمال، بما في ذلك من يعملون بصفة غير قانونية، والذين يرغبون في رفع دعاوى قضائية ضد أصحاب الأعمال الذين تعدوا على حقوقهم.

  •