بعد أشهر من الاحتجاجات، أُطيح بعمر البشير، الذي رأس السودان مدى 30 عاما، في أبريل/نيسان وحل محله "المجلس العسكري الانتقالي". ثم أدت المفاوضات بين الجماعات المعارضة وقادة الجيش إلى حكومة انتقالية بقيادة "مجلس السيادة"، المؤلف من مدنيين وعسكريين، والذي حل محل المجلس العسكري في أغسطس/آب.

تميزت فترات الاحتجاج، قبل إسقاط البشير وبعده، بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد المحتجين منذ ديسمبر/كانون الأول 2018. استخدمت قوات الأمن الحكومية الذخيرة الحية بانتظام ضد المحتجين العزَّل، واحتجزت ناشطين، ومعارضين سياسيين، وفرضت الرقابة على الإعلام، ومنعت الوصول إلى الإنترنت. بعد 11 أبريل/نيسان، واصلت "قوات الدعم السريع" – المجموعة شبه العسكرية المشهورة بالهجمات على المدنيين في دارفور منذ 2012 – تنفيذ هجماتها. كانت أكثرها دموية الهجمة على المحتجين السلميين في اعتصام في الخرطوم في 3 يونيو/حزيران.

استمرت النزاعات في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق بمستوى متدنٍ، بالإضافة إلى القيود على وصول المساعدات الإنسانية. في دارفور، هاجمت القوات الحكومية عدة قرى في جبل مرّة. أوقفت "بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة إلى دارفور" (يوناميد) مؤقتا انسحابها الذي كان مقررا في يونيو/حزيران، على ضوء تغيرات في السياسة الوطنية وورود أخبار عن سيطرة قوات الدعم السريع على قواعد عسكرية كانت يوناميد سلمتها إلى الحكومة. في مايو/أيار، أصدر المجلس العسكري الحاكم مرسوما ينص على تسليم جميع قواعد اليوناميد إلى قوات الدعم السريع، في مخالفة لقواعد الأمم المتحدة وإجراءاتها.

تضمن اتفاق الحكومة الانتقالية إجراء تحقيق وطني مستقل بأحداث 3 يونيو/حزيران. كما يدعو الاتفاق إلى محاسبة جميع الانتهاكات في فترة حكم البشير. أعربت مجموعات تدافع عن حقوق المرأة  عن خيبة أملها من قلة عدد النساء في الحكومة الانتقالية رغم الدور المحوري الذي لعبنه في الاحتجاجات. حتى الآن، لم تتعاون الحكومة مع "المحكمة الجنائية الدولية" في ما يخص قضايا ضد البشير وأربعة رجال آخرين بتهم التطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب ارتُكبت في دارفور.

هجمات ضد المحتجين

خرج السودانيون إلى الشارع في جميع أنحاء البلاد في ديسمبر/كانون الأول احتجاجا على ارتفاع الأسعار وطالبوا بتنحي الرئيس عمر البشير. ردت قوات الأمن الحكومية بالعنف القاتل مستخدمة الذخير الحية ضد المحتجين العزَّل، وضربت واعتقلت المئات وقتلت أعدادا كبيرة منهم بين ديسمبر/كانون الأول وأبريل/نيسان. طاردت قوات الأمن المحتجين حتى داخل المستشفيات وألقت القنابل المسيلة للدموع في غرف العمليات، فمنعت العناية الطبية عن المحتجين المصابين. قُتل طبيب واحد على الأقل بينما اعتُقل العديد منهم لتقديمهم الخدمات الطبية.

أعلن البشير حالة الطوارئ في 22 فبراير/شباط، ومنع الاحتجاجات، وسمح "لمحاكم الطوارئ" بمحاكمة غير الملتزمين في محاكمات سريعة. اعتُقل العديد من المحتجين، وحوكموا في محاكمات بإجراءات موجزة، وسجنوا أو غُرموا، بدون احترام الإجراءات الواجبة.

في 11 أبريل/نيسان، أعلن وزير الدفاع والنائب الأول للرئيس عوض بن عوف اعتقال البشير. في 12 أبريل/نيسان، استلم السلطة الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد السابق للقوات البرية، وشكّل المجلس العسكري الانتقالي وعيّن قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي"  نائبا له.

رغم وعود المجلس العسكري الانتقالي بحماية مخيم المحتجين بالقرب من مقر القيادة العامة للجيش، واصلت القوى الأمنية استخدام الذخيرة الحية ضد المحتجين العزَّل المطالبين بالانتقال إلى حكم مدني.

في 3 يونيو/حزيران، أطلقت القوات الحكومية بقيادة قوات الدعم السريع الرصاص الحي على المتظاهرين وضربتهم بالعصي والقضبان، واعتقلت المئات منهم وعرضتهم للإذلال، بما في ذلك الضرب، والاغتصاب، والاعتداء الجنسي. كما هاجمت المستشفيات والعيادات ومنعت المحتجين المصابين من الحصول على العناية الطبية اللازمة. قُتل نحو 10 شخصا وجُرح المئات؛ رُميت بعض الجثث في نهر النيل وأُبلغ عن فقدان عدد غير محدد من الأشخاص.

نفى الناطق باسم قوات الدعم السريع هجمات قوات الحكومة على المتظاهرين، وزعم أن العمليات كانت ضد نشاطات إجرامية بالقرب من الاعتصام. قال لاحقا إن التفريق كان مخططا وإن بعض الأخطاء ارتُكبت. أطلق النائب العام تحقيقا في العنف وأوصى باتهام ثمانية جنود لجرائم منها جرائم ضد الإنسانية.

في 30 يونيو/حزيران، ذكرى استلام البشير للسلطة، فتحت قوات الدعم السريع النيران على المتظاهرين المطالبين بالعدالة لضحايا 3 يونيو/حزيران عند عبورهم الجسر الواصل بين الخرطوم وأم درمان، فقتلت ثمانية أشخاص. وُجدت ثلاث جثث أخرى في اليوم التالي في أم درمان وكانت مغطاة بيافطات استُخدمت خلال التظاهرات وبالدماء، ووُجد أيضا ميغافون بالقرب من الجثث. قال والد أحد الضحايا إنه يعتقد أن ابنه مات تحت التعذيب.

في 29 يوليو/تموز، وبحسب تقارير إعلامية، أطلق جنود قوات الدعم السريع النيران على طلاب في الأُبيض، شمالي كردفان، كانوا يحتجون على ارتفاع الأسعار وسوء المواصلات العامة، فقتلوا خمسة منهم. في 1 أغسطس/آب، نقلت تقارير أن جنود قوات الدعم السريع قتلوا أربعة متظاهرين في أم درمان. استنكرت قوات الدعم السريع على الفور العنف واعترفت بأن تسعة من جنودها كانوا متورطين في إطلاق النيران في أم درمان والأُبيض وأنه تم تسريحهم وإحالتهم إلى القضاء.

الاحتجاز التعسفي والتعذيب

بعد اندلاع الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأول، قام مسؤولو "جهاز الأمن والمخابرات الوطني" (المخابرات) باعتقال المتظاهرين، والمعارضين، والناشطين. أخضع عناصر الأمن المحتجزين للعديد من الانتهاكات خلال الاحتجاز مثل الضرب والاحتجاز في ظروف غير إنسانية في منشأة معروفة بـ "البراد"، والشتم والضرب خلال الاستجواب. مُنع العديد من المحتجزين من زيارة الأسرة أو الوصول إلى محامين. قالت النساء المفرج عنهن لـ"هيومن رايتس ووتش" إنهن تعرضن للضرب والتحرش الجنسي والتهديد بالاغتصاب.

اعتُقل عشرات الطلاب في دارفور في منتصف ديسمبر/كانون الأول من مساكنهم، وضُربوا بقسوة وأُجبروا على "الاعتراف" في مقاطع مصورة بانتمائهم إلى "حركة تحرير السودان"، وهي جماعة متمردة يقودها عبد الواحد النور. أُفرج عنهم لاحقا بدون توجيه تهم.

في 3 فبراير/شباط، توفي أحمد الخير، أستاذ في شرق السودان، في عهدة المخابرات. وبحسب تقارير إعلامية وجد أهله وشهود عيان آثار تعذيب على جسده. لاحقا، اتهمت السلطات 40 عنصرا من المخابرات بعلاقتهم بالقتل.

لم يحقق السودان في مزاعم تعذيب أخرى على يد مسؤولين أمنيين، ولم يصادق بعد على "اتفاقية مناهضة التعذيب" التي وقعها في 1986. وفي مخالفة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ما يزال يعتمد عقوبة الإعدام والعقاب الجسدي للعديد من الجرائم، بما فيها ممارسة الجنس المثلي بالتراضي.

حرية الإعلام

منذ اندلاع الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأول 2018، فرضت السلطات قيودا جديدة على الإعلام، وصادرت صحفا أو وضعت يدها عليها، واعتقلت صحفيين يغطون الاحتجاجات، وأغلقت مكاتبهم، وحجبت الإنترنت.

في 26 ديسمبر/كانون الأول، اعتقلت المخابرات تسعة صحفيين لوقت قصير بعدما تجمعوا خارج مكاتب صحيفة "التيار" السودانية المستقلة احتجاجا على المضايقات ضد الإعلام. اعتُقل العديد من الصحفيين الآخرين بينما كانوا يغطون الاحتجاجات أو يشاركون في إضرابات الصحفيين. أواخر ديسمبر/كانون الأول، قيدت السلطات الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي لعدة أيام.

في 25 ديسمبر/كانون الأول، منعت السلطات صحفيي "التلفزيون العربي" الذي يبث من لندن من تغطية الاحتجاجات ورحّلتهم. في 22 يناير/كانون الثاني، ألغت السلطات تصاريح عمل صحفيين يعملون لحساب "الجزيرة"، و"العربية"، و"وكالة الأناضول".

في 22 فبراير/شباط، اعتقل مسؤولو المخابرات محرر صحيفة التيار بعد انتقاده حالة الطوارئ التي أعلنها البشير. أُفرج عنه في 30 مارس/آذار بدون توجيه تهمة.

بعد إسقاط البشير، سمحت السلطات لوسائل الإعلام بتغطية الاحتجاجات لعدة أسابيع، لكنها أقفلت مكاتب الجزيرة في 31 مايو/أيار. حاولت السلطات حجب المعلومات حول عنف 3 يونيو/حزيران عبر تقييد وصول الإعلام إلى البلاد، وعبر قطع الإنترنت بشكل كامل لعدة شهور في 10 يونيو/حزيران.

النزاع والانتهاكات في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق

في يناير/كانون الثاني، أعلن السودان وقف إطلاق نار من طرف واحد في دارفور ومناطق النزاع الأخرى. لكن نقلت تقارير أن القوات الحكومية، بما فيها قوات الرد السريع، واصلت هجماتها على مواقع في جبل مرة وتدمير عشرات القرى بين يوليو/تموز 2018 وفبراير/شباط 2019.

أوقفت يوناميد خطتها بتقليص عدادها والانسحاب من السودان بحلول 2020، بعد تشكيل الحكومة الانتقالية التي أعقبت إسقاط البشير وسيطرة جنود قوات الدعم السريع على قواعد البعثة. واصلت السلطات تقييد وصول قوات حفظ السلام ومجموعات الإغاثة إلى النازحين والمناطق المتأثرة بالنزاعات.

بعد ثماني سنوات من اندلاع النزاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق، لم تتوصل الحكومة والمعارضة المسلحة إلى الاتفاق على وسيلة لإيصال المساعدات المنقذة للحياة إلى المدنيين الذين يحتاجونها. غير أن المفاوضات بين الحكومة والجماعات المسلحة استُؤنفت في جوبا في سبتمبر/أيلول، ما أدى إلى اتفاق جديد حول الوصول.

اللاجئون والمهاجرون

يستقبل السودان نحو 1.1 مليون لاجئ ومهاجر من المنطقة، أغلبهم من جنوب السودان – 858 ألف في سبتمبر/أيلول. كما أعلنت السلطات عن ارتفاع عدد اللاجئين الإريتريين، وأن نصفهم تقريبا يهاجرون إلى بلدان أخرى، ما يعرضهم إلى خطر الاتجار بالبشر والتهريب. يعيش مئات آلاف اللاجئين السودانيين من دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق في مخيمات في تشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا.

الأطراف الدولية الرئيسية

بعد هجمة 3 يونيو/حزيران بساعات، أدان "الاتحاد الأفريقي" العنف ودعا إلى "تحقيقات فورية وشفافة" في الأحداث ومحاسبة المسؤولين. في 6 يونيو/حزيران علّق الاتحاد عضوية السودان، ثم رفع التعليق في سبتمبر/أيلول.

أدانت حكومات الترويكا – الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، والنرويج – الهجمات على المتظاهرين وحمّلت المجلس العسكري الانتقالي المسؤولية بسبب إصدار الأوامر. وعدت الولايات المتحدة، التي رفعت العقوبات الاقتصادية عن السودان في 2017، بمراجعة سياستها حول السودان لدعم الحكومة الانتقالية.

"الاتحاد الأوروبي"، أيضا، أدان العنف ضد المحتجين في 3 يونيو/حزيران وجمّد أواخر يوليو/تموز مشاريع متعلقة بالهجرة ومراقبة الحدود التي تشكل جزءا من مبادرة طريق الهجرة بين الاتحاد الأوروبي والقرن الأفريقي المعروفة باسم "عملية الخرطوم". وكان البرنامج قد سبّب مخاوف من أن يكون الاتحاد الأوروبي يدعم القوات الدعم السريع للسيطرة على الهجرة.

دعا الأمين العام للأمم المتحدة، بعد إنشاء الحكومة الانتقالية في أغسطس/آب، إلى رفع جميع العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على السودان بالإضافة إلى حذف السودان من لائحة الولايات المتحدة للدول الداعمة للإرهاب.

في سبتمبر/أيلول، اتخذ "مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" قرارا بمواصلة عمل الخبير المستقل في حقوق الإنسان في السودان لعام جديد. كما دعم القرار إنشاء مكتب لمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الخرطوم.

في أكتوبر/تشرين الأول، اتخذ "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة" (مجلس الأمن) قرارا يمدد ولاية يوناميد لمدة عام ويطلب إلى الأمين العام ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي أن يقدما إلى مجلس الأمن تقريرا خاصا حول الخيارات المتعلقة بالوجود اللاحق للعملية المختلطة استنادا إلى احتياجات الحكومة السودانية بعد مارس/آذار. ستحافظ البعثة على حماية المدنيين ومراقبة حقوق الإنسان حتى نهاية تفويضها.

رفض المجلس العسكري الانتقالي تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية ودعا إلى محاكمته في السودان بتهم الفساد وتبييض الأموال. لم يتمكن مجلس الأمن من الضغط على السودان للتعاون مع المحكمة الدولية لتسليم البشير وأربعة فارّين آخرين على خلفية جرائم دارفور، رغم إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية في 2005. وكانت المحكمة قد أعلنت التهم في 2007.