(بيروت) ـ السلطات العراقية تمنع آلاف العائلات الفارة من القتال في الرمادي من الوصول إلى أجزاء أكثر أمناً من البلاد. وتتحمل الحكومة العراقية مسؤولية أولية عن حماية الأشخاص النازحين، وينبغي لها أن تسمح للفارين من الخطر في الرمادي أو غيرها بالدخول إلى مناطق أكثر أمناً.

وكانت الحكومة قد قامت منذ أبريل/نيسان 2015 بفرض قيود على الدخول إلى محافظتي بغداد وبابل، وقد تأثر بها ما يقترب من مئتي ألف شخص من الفارين من القتال بين تنظيم الدولة الإسلامية المسلح المتطرف، والمعرف أيضاً باسم داعش، والقوات الحكومية والقبلية في الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار ذات الأغلبية السنية. كما تفرض السلطات الكردية بدورها قيوداً على الأشخاص الذين يحاولون الدخول براً إلى مناطق خاضعة لسيطرتها. وتعمل القيود عملياً، باشتراطها لإتيان الوافدين بكفلاء محليين، على التمييز ضد العرب السنة. ويظل آلاف الأشخاص عالقين في محافظة الأنبار مما يعرضهم للخطر إذا قامت داعش بالزحف مجدداً. علاوة على هذا فإن السنّة في بغداد أفادوا بوقوع اعتداءات وتهديدات بحقهم.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "يفرض القانون الدولي حظراً على التمييز العرقي والديني حتى في أوقات النزاع. وعلى رئيس الوزراء العبادي أن يأمر فوراً برفع تلك القيود، حتى يتسنى لجميع العراقيين التماس الأمن في بغداد، بغض النظر عن المنشأ أو الانتماء الديني".

ولا تسمح السلطات المحلية للنازحين بالدخول إلا إذا استطاعوا تقديم أحد السكان المحليين كضامن أو كفيل عند نقاط التفتيش، وهذا بحسب تصريح صباح كرحوت عضو مجلس محافظة الأنبار لوسائل الإعلام.

وقد قال نازحان يفران من الرمادي إن أفراد قوات الأمن عند أحد نقاط التفتيش أخبروهما بأن الغرض من القيود هو "حماية بغداد" من مقاتلي داعش المتسللين إلى العاصمة لتنفيذ هجمات بالسيارات المفخخة. وقالت هيومن رايتس ووتش إن بوسع السلطات استجواب المشتبه في أنهم من أفراد داعش فردياً عند نقاط التفتيش، ولا ينبغي لها فرض حظر شامل.

ويمكن للكفيل الواحد، الذي يتعين عليه الحضور شخصياً إلى نقاط العبور، أن يضمن حتى 4 عائلات، كما قالت لهما قوات الأمن. وقد عرض أحدهما على هيومن رايتس ووتش نسخة من شهادة كفالة ـ وهي عبارة عن ورقة لاصقة عليها ختم باهت للجيش العراقي، واسم رأس العائلة الوافدة بخط اليد، وعدد أفراد العائلة المصاحبين له، وتوقيع أحد ضباط الجيش، ولكن بدون ظهور اسم الكفيل، الذي يتم إدخاله في قاعدة بيانات إلكترونية.

وقد قال أشخاص نزحوا من الرمادي في منتصف أبريل/نيسان لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يبلغوا نقطة أبعد من الجسر الذي يعبر نهر الفرات عند بزيبز، على مسافة 80 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من الرمادي على الحدود بين محافظتي الأنبار وبغداد. ولا يُفتح الجسر حالياً سوى ساعة واحدة في اليوم، كما قال مناف المعاني عضو مجلس محافظة الأنبار لـ هيومن رايتس ووتش هاتفياً من إربيل، مضيفاً أن المئات ما زالوا عالقين.

وقال أب لطفلين، كان قد أخرج عائلته من الأنبار قبل شهور، إنه تسلل داخلاً عن طريق الاندساس وسط عائلة أخرى لأنه لم يجد كفيلاً.

وقال وهو يصف مشهد الفوضى عند الجسر: "كنت على الجسر في نحو الثالثة أو الرابعة من عصر 17 أبريل/نيسان، حين رأيت 3 أشخاص يبدو أنهم فارقوا الحياة بسبب ظروف الازدحام. كانوا من كبار السن. وقد شاهدت من بعيد كيف قام أب متين البنيان برفع طفليه الصغيرين، ولعلهما كانا في الخامسة أو السادسة، وإلقائهما في الفرات قبل أن يقفز وراءهما. ارتفع الكثير من الصراخ، لكن الازدحام كان من الشدة بحيث لم يقو أحد على التحرك. ولم تحاول قوات الأمن إنقاذهم".

وعند سقوط الرمادي في يد داعش في 17 مايو/أيار، فر 69000 شخصاً آخرين بحسب الأمم المتحدة. وفي غضون يوم واحد قامت سلطات بغداد بإغلاق الجسر تماماً حتى في وجه ذوي الكفلاء، تاركة الآلاف عالقين، قبل أن تعيد العمل بنظام الكفالة بعد أيام قليلة، وهذا بحسب قول أبو لجن، الكهربائي الذي فر من الرمادي، لـ هيومن رايتس ووتش.

ويبقى أغلب سكان الرمادي داخل محافظة الأنبار، كما قالت الأمم المتحدة. وقال أبو لجن إنه في بلدة عامرية الفلوجة لأنه لم يستطع بلوغ بغداد بدون كفيل. وقد تمكنت الأمم المتحدة من الوصول إلى بعض النازحين وإقامة مخيمات وتوزيع المعونات عليهم.

كما أقرت محافظتا بابل وواسط، إلى الجنوب من بغداد، قيوداً تمنع الفارين من الأنبار من الدخول، كما قال لـ هيومن رايتس ووتش ثلاثة عراقيين على دراية مباشرة بالوضع.

ويحتاج العرب السنة الذين يحاولون الدخول إلى المنطقة الكردية في العراق، بطريق البر ولكن ليس بطريق الجو من مطاري إربيل والسليمانية، يحتاجون بدورهم إلى كفيل محلي. وقد تركت هذه القيود آلاف النازحين من منطقة تكريت بمحافظة صلاح الدين عالقين في كركوك، حيث تظل العلاقات متوترة بين الأكراد والتركمان والعرب السنة. وقد تحدثت هيومن رايتس ووتش مع سبعة نازحين من محافظة صلاح الدين في كركوك في أبريل/نيسان ومايو/أيار.

وبحسب مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن التشريد الداخلي، يكون للمشردين الداخليين  "الحق في التماس الأمان في مكان آخر من البلد" و"الحق في الحماية من العودة القسرية إلى أي مكان تكون فيه حياتهم أو سلامتهم أو حريتهم و/أو صحتهم معرضة للخطر، أو التوطن القسري في ذلك المكان". وقد قام تشالوكا بياني، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان للمشردين الداخليين، قام في 15 مايو/أيار باختتام زيارته للعراق، قائلاً إنه انزعج من "التقارير التي تفيد بحظر دخول النازحين الداخليين" إلى بغداد ومناطق أخرى "على أساس هويتهم" وإنه يشعر "بقلق عميق" من اشتراط الكفالة.

وقد فر عدة آلاف من الأشخاص الذين نجحوا في دخول بغداد منها إلى إربيل، لأنهم فيما يبدو لم يشعروا بالأمن في العاصمة. وقال خمسة من سكان الأنبار لـ هيومن رايتس ووتش إنهم كسُنّة شعروا بالتهديد من قِبل المليشيات الشيعية وقوات الأمن الحكومية في بغداد.

وفي 14 مايو/أيار مر حجاج من الشيعة، في طريقهم إلى مرقد الإمام كاظم، عبر حي الأعظمية ذي الأغلبية السنية في بغداد. وتظهر أدلة مستمدة من مقاطع فيديو راجعتها هيومن رايتس ووتش أن بعضهم هتف بشعارات معادية للسنة. كما أُشعلت النيران في منازل للسنة وفي مبنى تابع للأوقاف السنية، مما استتبع إدانة من الأمم المتحدة.

وقد علمت هيومن رايتس ووتش من أقارب الضحية بحالة اختطاف مقابل فدية لنازحين من الرمادي عند نقطة تفتيش في بغداد في أبريل/نيسان، ويبدو أن الجناة ممن يصفون أنفسهم بأنهم من أفراد المليشيات الشيعية، لكن العائلة لا تريد الإعلان عن التفاصيل مخافة المزيد من الهجمات.

وقد تحدثت هيومن رايتس ووتش مع سيدتين من الرمادي نجيتا من هجوم مميت منفصل على منزل عائلتهما في بغداد. وكانت العائلة المنتمية إلى قبيلة البونمر في الرمادي قد غادرت الرمادي في أكتوبر/تشرين الأول 2014 وانتقلت إلى حي الجهاد في بغداد في أواخر يناير/كانون الثاني بعد العثور على كفيل والتسجيل لدى الشرطة المحلية.

وفي 28 أبريل/نيسان دخل إلى المنزل أربعة رجال لم يكشفوا عن هويتهم، وكان يبدو أنهم من ضباط الأمن، قائلين إنهم جاءوا للتفتيش. قال أفراد العائلة إن الرجال كانوا ملثمين وإن بعضهم كانوا بالزي الأزرق للشرطة الاتحادية، وآخرين بزي الصحراء العسكري المموه.

وقد جمع الدخلاء جميع الممتلكات الثمينة من السيدتين، وأخذوا معهم 8 رجال معصوبي الأعين، ثم أطلقوا النار على رؤوسهم في مدرسة العباسي القريبة، واتصلوا بالشرطة لرفع الجثث، بحسب رواية الشرطة للسيدتين ونقلاً عنهما ونجا من الهجوم فلاح صبر نجراس، 48 سنة.

وقالت السيدتان من زوجات رجال عائلة نجراس إنهما رحلتا إلى المنطقة الكردية بعد أيام قليلة، وأشرفتا على نقل فلاح إلى المستشفى حيث يرقد عاجزاً عن النطق، لكنه يستطيع الكتابة والإشارة. لم تأخذ الشرطة العراقية أقوالهما، كما قالتا، ولم يبلغ إلى علمهما إجراء تحقيق في واقعة القتل. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات العراقية فتح تحقيق فوري في الاعتداء.

وقال جو ستورك: "يتعين على السلطات العراقية أن تفعل المزيد لحماية السنّة من العنف، سواء كان من جانب المليشيات أو العصابات الإجرامية. وعلى الحكومة العراقية أن تضمن للفارين من الأنبار الوصول إلى حيث الأمان، لا العيش في خوف من القتال أو من جرائم الكراهية المرتكبة بحقهم".