وزارة الداخلية المصرية تعزل المحتجزين في مصر عن العالم الخارجي منذ 10 مارس/آذار 2020. منعت السلطات جميع السجناء، بمن فيهم المحتجزون في سجن طرة في القاهرة (في الصورة)، من استقبال زيارات، أو إجراء/تلقّي مكالمات هاتفية أو مراسلات مكتوبة. 

© 2020 خالد دسوقي/وكالة الصحافة الفرنسية عبر غيتي إيمدجز

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن السلطات المصرية احتجزت المئات، وعلى الأرجح الآلاف، في الحبس الاحتياطي دون أن تتظاهر حتى بإجراء مراجعة قضائية لاحتجازهم، فيما يُعَدّ انحطاطا جديدا للنظام القضائي في البلاد.

استخدمت السلطات الأمنية والقضائية تفشّي وباء كورونا كذريعة لتعليق الجلسات المخصصة لنظر تجديد الحبس، بينما لجأت المحاكم والنيابات إلى تمديد الحبس الاحتياطي بشكل شبه تلقائي منذ منتصف مارس/آذار 2020. على القضاة أن يراجعوا فورا قانونية احتجاز جميع المحتجزين في الحبس الاحتياطي المطوّل وأن يأمروا فورا بإخلاء سبيلهم في انتظار محاكماتهم، إلا إذا كان هناك أدلة واضحة على وجود ضرورة قانونية لحبسهم احتياطيا على ذمة القضية، مثل وجود تهديد واضح للشهود أو خطر الهرب. جميع المحتجزين في الحبس الاحتياطي لديهم الحق في محاكمة ضمن إطار زمني معقول، أو الإفراج عنهم.

قال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "نزع فيروس "كورونا" آخر ورقة تغطي عورات نظام الحبس الاحتياطي المجحف للغاية في مصر، إذ توقف معه حتى التظاهر الشكلي بإجراء مراجعة مستقلة. على السلطات المصرية أن تُنهي الاستخدام المُفرِط للحبس الاحتياطي بدلا من جعله القاعدة".

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى خمسة محامين حقوقيين وناشط في القاهرة، فضلا عن محام في الإسكندرية وآخر خارج البلاد. قالوا إن نيابة أمن الدولة العليا وقضاة المحاكم الجنائية جددوا أوامر الحبس الاحتياطي، بما يشمل تلك الخاصة بموكليهم، دون نقل المحتجزين إلى الجلسات أو إتاحة فرصة للمحامين لتقديم دفوعهم.

قال المحامون إن السلطات لم تعقد جلسات تجديد للحبس منذ منتصف مارس/آذار وحتى بداية مايو/أيار، وهي الفترة التي شهدت الإغلاق الجزئي للمحاكم ضمن التدابير المتصلة بفيروس كورونا. بين 2 و9 مايو/أيار، مددت نيابات أمن الدولة العليا والمحاكم الجنائية – وهي مسؤولة عن مراجعة الحبس الاحتياطي عندما يتخطى خمسة أشهر– الحبس الاحتياطي بشكل شبه تلقائي لجميع المحتجزين الذين كان من المقرر النظر في تجديد حبسهم.

قال محام بارز بمنظمة حقوقية محلية إن في 4 و5 و6 مايو/أيار، جددت دوائر الإرهاب في القاهرة والجيزة (جزء من المحاكم الجنائية) احتجاز نحو 485 و745 و414 مدعى عليهم في أكثر من مئة قضية. لم يحضر أي من المتهمين. ذكر هذا المحامي ومحامون آخرون ما وصفوه بالبيئة "الفوضوية" التي شابت تلك العملية، إذ وصل القضاة بعد الظهيرة، ولم يعقدوا جلسات أو يقابلوا المحامين، وغادروا دون إخطار المحامين بقراراتهم. علِم المحامون القرارات بشكل غير رسمي من موظفين في المحاكم أو في اليوم التالي من خلال موظفين في النيابات.

تُوجب القوانين الدولية والأفريقية على السلطات أن تستخدم الحبس الاحتياطي كاستثناء، لا كقاعدة، وفقط عند وجود ضرورة واضحة لأسباب محددة، من ضمنها خطر الهرب والتهديدات التي قد تلحق بالشهود، ولأقصر فترة ممكنة. لكن في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لجأ القضاة ووكلاء النيابات بشكل تلقائي إلى إبقاء آلاف الأشخاص رهن الحبس الاحتياطي، غالبا دون أدلة على ارتكابهم مخالفات، ولمجرد ممارستهم حقهم في التجمع السلمي وحرية التعبير. تسمح القوانين المصرية لنيابات أمن الدولة العليا المكلفة بالنظر في معظم القضايا السياسية، بحبس المحتجزين 15 يوما، قابلة للتجديد لمدد مماثلة وحتى خمسة أشهر دون مراجعة قضائية، وبعد ذلك يمكن أن يأمر القضاة بحبسهم 45 يوما، قابلة للتجديد مددا مماثلة لفترة أقصاها عامين من دون محاكمة.

العملية التي اتُخِّذت من خلالها قرارات تجديد الحبس الأخيرة – دون جلسات – تُخالف أيضا قانون الإجراءات الجنائية المصري، الذي يطالب القضاة ووكلاء النيابة بالاستماع إلى دفوع المدعى عليهم قبل الأمر بالحبس الاحتياطي أو تجديده. يطالب القانون أيضا بأن تذكر تلك القرارات مواد قانون العقوبات ذات الصلة، مع ذكر مبرر الحبس الاحتياطي بالتفصيل، والذي يقتصر بموجب القانون على حالات محددة، مثل الاشتباه في تأثير المدعى عليه على عملية جمع الأدلة.

قال محام بارز في "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان" في القاهرة لـ هيومن رايتس ووتش إن نيابات أمن الدولة العليا لجأت منذ 2 مايو/أيار – مثل المحاكم الجنائية – إلى تجديد الحبس الاحتياطي لكافة المدعى عليهم تقريبا في القضايا التي تتابعها، دون عقد جلسات. قال إنه لم يُسمح له بدخول مبنى النيابة في التجمّع الخامس – من ضواحي القاهرة – وعرف بقرارات النيابة فقط من حراس الأمن عند بوابة المبنى، أو من خلال محامين آخرين لديهم "صلات" داخل النيابة.

قال محام من "المركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية" إن حراس مبنى الشرطة منعوه بدوره من الدخول. قال: "أخبروني أن موكلي لن يحضر، بالتالي لا حاجة لي لمقابلة وكيل النيابة".

قال محامون إن بعض قرارات تجديد الاحتجاز صدرت بأثر رجعي، لتغطية الفترة منذ منتصف مارس/آذار حتى 2 مايو/أيار، أيْ الفترة التي لم تُراجَع خلالها أي قضايا. قالت منى سيف، شقيقة الناشط المحتجز علاء عبد الفتاح، إنه حضر أخر جلسة لنظر حبسه في محكمة الجنايات في 18 فبراير/شباط. لم تنعقد جلسة مراجعة حبسه التي كانت مُقرَّرة في مطلع أبريل/نيسان، لكن في 5 مايو/أيار أمرت محكمة جنايات باحتجازه 45 يوما، بأثر رجعي. في 12 مايو/أيار، جددت المحكمة دون جلسة احتجازه لفترة 45 يوما جديدة.

قال محمد الحلو، المستشار القانوني في "المفوضية المصرية للحقوق والحريات"، إن نشطاء محتجزين آخرين جُدِّد احتجازهم أيضا "بأثر رجعي"، ومنهم النشطاء هيثم محمدين وماهينور المصري ومحمد الباقر.

لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من العثور على أي سجلات تُفيد باتخاذ وزارة العدل قرارات بإرجاء أو إلغاء جلسات تجديد الحبس الاحتياطي. في 15 مارس/آذار، أعلن وزير العدل عمر مروان عن الإغلاق الجزئي لأغلب المحاكم لمدة أسبوعين، ومددها لاحقا إلى مطلع مايو/أيار. قال ثلاثة محامين إنهم فهموا أن الإغلاق الجزئي لا يُفترَض أن يؤثر على جلسات تجديد الحبس. قالوا إن جلسات التجديد تمت في مواعيدها في عدة نيابات، باستثناء نيابة أمن الدولة العليا.

قالت هيومن رايتس ووتش إن نظام الحبس الاحتياطي في مصر لطالما استُخدِم تعسفا، لا سيما في نيابة أمن الدولة العليا. تُراجع محاكم الجنايات قرارات الاحتجاز هذه بعد 150 يوما. حتى قبل إغلاق المحاكم والنيابات بسبب كورونا، كانت هذه المراجعات القضائية عادة غير كافية. قال محام يمثل عدة نشطاء سياسيين محتجزين إنه توقّف عن حضور جلسات تجديد حبس موكليه. قال إن" الأمر أصبح غير مُجد ومهين للمحامين". وذكر ذلك المحامي ومحامون آخرون أن القضاة، عندما يكون عليهم مراجعة احتجاز مئات المحتجزين في غضون ساعات قليلة، يختارون محام واحد ليتكلم نيابة عن جميع المحتجزين في كل قضية يُراجعونها في ذلك اليوم.

نادرا ما تُفرج نيابات أمن الدولة العليا والمحاكم الجنائية عن المحتجزين رهن الحبس الاحتياطي أو تعرض أدلة تبرر استمرار احتجازهم. كما يحتجزون الكثير من المتهمين دون محاكمة لأكثر من عامين، وهي أقصى مدة يسمح بها القانون المصري للحبس الاحتياطي. كان الفنان شادي حبش (24 عاما) الذي توفي في سجن طرة بالقاهرة في 1 مايو/أيار، قد أمضى أكثر من 26 شهرا في الحبس الاحتياطي بسبب دوره في إعداد فيديو لأغنية تسخر من الرئيس السيسي. بعد وفاة حبش، أمر النائب العام حمادة الصاوي النيابة بعد فوات الأوان بـ "فحص أحوال المتهمين الصادرة أوامر بحبسهم احتياطيا" و"إنجاز قضايا المحبوسين على ذمتها في آجال مناسبة".

في بعض القضايا عندما تأمر السلطات بإخلاء سبيل الشخص، تسارع النيابة إلى إضافته إلى قضية جديدة، وهي عملية وصفتها جماعات حقوقية مصرية بـ "التدوير"، مثلما حدث مع الصحفيين مصطفى الأعصر ومعتز ودنان. قال المحامون إن النيابة تستخدم هذه الطريقة بشكل متزايد لتجنب الإفراج عمن تجاوزت مدة حبسهم العامين دون محاكمة، أو من قضوا مدة عقوبتهم. قال المحامون إن مئات المحتجزين يقبعون في السجن لأكثر من فترة العامين المحددة للحبس الاحتياطي.

عمدت وزارة الداخلية بشكل عام إلى عزل المحتجزين عن العالم الخارجي منذ 10 مارس/آذار عبر منع كافة الزيارات عن السجون وعدم السماح للمحتجزين بتلقي مكالمات هاتفية أو مراسلات كتابية.

في 6 مايو/أيار، وافق الرئيس السيسي على تعديلات على قانون الطوارئ تشمل التصريح بإغلاق المحاكم، لكن التعديلات تنص على أن الإغلاق ينبغي ألا يحول دون الالتزام بالمواعيد القانونية لمراجعة الحبس الاحتياطي. بدءا من 9 مايو/أيار أو نحوه، قال المحامون، إن قضاة محاكم الجنايات بدأوا في عقد جلسات وسمحوا للمحامين بعرض دفوعهم دون حضور المدعى عليهم. جاء هذا إثر قرار من رئيس محكمة استئناف القاهرة في 28 أبريل/نيسان والذي يبدو أنه سمح بعقد الجلسات في غياب المدعى عليهم والمشتبه فيهم. في 13 مايو/أيار، قال المستشار الصاوي إنه أمر مكتبه بدراسة فكرة نظام الفيديو كونفرانس لمقابلة المشتبه فيهم "افتراضيا" دون جلبهم للمثول أمام النيابة من الحجز.

قال جو ستورك: " قَبِل الكثير من القضاة ووكلاء النيابة المصريين بفكرة عدم حضور المحتجزين لجلساتهم بدلا من التحقيق في العزلة التي فرضتها وزارة الداخلية عليهم".