رجال يشتبه بانتمائهم إلى "تنظيم الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ"داعش") في زنزانة أحد السجون في مدينة الحسكة، شمال شرق سوريا، في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2019. 

©فاضل السنا/آيه إف بي/ غيتي إيمادجز

تأتي وفاة زعيم تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش") أبو بكر البغدادي بعد عامين من خسارة داعش معظم أراضيه في العراق وبعد أقل من عام على آخر معركة كبيرة خيضت ضده في سوريا. وبينما تعني وفاة البغدادي عدم قدرة ضحاياه على رؤيته يُحاسب أمام محكمة قانونية على الجرائم المُتهم بها، لا يزال الآلاف من المشتبه بانتمائهم لداعش محتجزين في السجون في العراق وسوريا. رغم احتجازهم التعسفي الذي طال أمده، لم يتم التحقيق مع هؤلاء المعتقلين جنائيا على جرائم محددة ارتكبوها.

تتحفظ "قوات سورية الديمقراطية" ("قسد")، بقيادة الأكراد، في شمال شرق سوريا على حوالي 12 ألف رجل وصبي يشتبه بانتمائهم لداعش في سجون مكتظة، منهم ألفين إلى 4 آلاف أجنبي من حوالي 50 دولة مختلفة. كما تحتجز قسد حوالي 100 ألف امرأة وطفل سوريين وأجانب في معسكرات قذرة، هؤلاء هم أفراد عائلات المشتبه بانتمائهم لداعش، وبعضهم ربما يكونون أعضاء في داعش. ناشد التحالف بقيادة الأكراد الدول مرارا لاستعادة مواطنيها. ومع رفض معظم الدول، دعت السلطات الكردية في وقت سابق من هذا العام إلى إنشاء محكمة دولية لمحاكمة المشتبه بانتمائهم لداعش. أثار الاقتراح عددا من الصعوبات القانونية والسياسية والعملية، ولم يتم تناوله بشكل جدي.

رغم اللقاءات الدولية المختلفة للنظر في خيارات عدالة أكثر جدوى بعد طلب تشكيل المحكمة، يبدو أن المحادثات توقفت منذ شن تركيا عملياتها العسكرية في شمال شرق سوريا في 9 أكتوبر/تشرين الأول. لكن خلف الكواليس، تقيم بعض الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا، والدنمارك، وفرنسا، والسويد، والمملكة المتحدة، وهولندا على ما يبدو مفاوضات مسرّعة مع السلطات في بغداد تنص على نقل القوات الكردية آلاف الأجانب المشتبه بانتمائهم لداعش من شمال شرق سوريا إلى العراق لمقاضاتهم هناك لانتمائهم للتنظيم. قام العراق بالفعل بمقاضاة عدد صغير من الأسرى الأجانب المشتبه بانتمائهم لداعش، وأعدادا أقل من الأجانب الذين نُقلوا بالفعل من شمال شرق سوريا إلى العراق في 2018 ومطلع 2019.

وما يزيد الوضع السياسي تعقيدا في العراق خروج آلاف المتظاهرين في جميع أنحاء وسط وجنوب العراق مطالبين باستقالة رئيس الوزراء وحكومته. في الواقع، ليس هناك ما يضمن قيام أي حكومة مستقبلية باحترام أي اتفاق سيتم التوصل إليه مع الحكومة الحالية.

للمحاكم الأوروبية قدرة أكبر من نظيراتها العراقية على إجراء محاكمات ذات مصداقية تفي بالمعايير الدولية، لكن لا رغبة لتلك الحكومات في اتخاذ قرار لا يحظى بشعبية كبيرة يتمثل في استعادة المشتبه بانتمائهم لداعش وعائلاتهم، ناهيك عن المخاوف الأمنية، وصعوبة تأكيد هويتهم وإيجاد أدلة لإجراء ملاحقات جنائية ناجحة. أخبرني مسؤولون في خمس عواصم أوروبية غربية في أوائل أكتوبر/تشرين الأول عدم وجود نية لديهم في استعادة مواطنيهم المشتبه بانتمائهم لداعش، وكما قال أحدهم بصراحة، "سيكون ذلك بمثابة انتحار سياسي".

تقول معظم الدول الأوروبية إنها مستعدة فقط للنظر في استعادة الأطفال. ركّزت معظم دول أوروبا الغربية وأستراليا وكندا، على إعادة أعداد صغيرة فقط من الأيتام إلى وطنهم، خوفا من أنها إذا أحضرت أطفالا لأبوين حيين، قد تجبرها المحاكم على إعادة الأمهات أيضا.

وبينما من المفهوم تخوف الحكومات الغربية من المخاطر الأمنية المحتملة المرتبطة باستعادة المشتبه بانتمائهم لداعش وأفراد عائلاتهم، استعادت بلدان عديدة، وخاصة في آسيا الوسطى، مواطنيها من شمال شرق سوريا والعراق بأعداد كبيرة. قامت كازاخستان وحدها بنقل 524 مواطنا جوا من شمال شرق سوريا، معظمهم من الأطفال بالإضافة إلى الرجال والنساء، لإعادة تأهيلهم وللملاحقة القضائية في بعض الحالات. من الواضح أنه ينبغي مراقبة معاملة هؤلاء العائدين عن كثب لضمان عدم تعرضهم للإساءة.

تدحض عمليات الاستعادة هذه حجج بعض الحكومات الغربية بأن الاستعادة مستحيلة لوجستيا. قال عشرات المحتجزين من مواطني أوروبا الغربية، الذين قابلتهم "هيومن رايتس ووتش" في مخيمات في شمال شرق سوريا، إنهم يريدون العودة إلى بلادهم، حتى لو توجب عليهم قضاء فترة في السجن لصلتهم بداعش.

الحقيقة هي أن آلاف الأجانب يشكلون مخاوف أمنية خطيرة لاحتجازهم في ظروف مهينة للغاية، وفي حالات كثيرة، ظروف غير إنسانية في منطقة غير مستقرة. تحدثت تقارير عن فرار أكثر من 100 من المشتبه بانتمائهم لداعش وعدة مئات من أفراد عائلاتهم منذ بدء الهجوم التركي وسط الغارات الجوية التركية وتركيز قوات قسد على محاربة القوات التركية بدلا من السجون والمخيمات. يمكن لبعض الهاربين من داعش إعادة تنظيم صفوفهم والتخطيط لهجمات. كما تزيد ظروف السجن والمخيمات القاسية من إمكانية التطرف.

وثّقت بحوثنا أن الإجراءات العراقية المتعلقة بداعش غير عادلة بطبيعتها ومليئة بانتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة. يواجه المشتبه بهم، بمن فيهم المواطنون الغربيون، خطرا حقيقيا بالتعرض للتعذيب في الحجز. تُحاكم السلطات العراقية جميع المشتبه بانتمائهم لداعش بموجب قانون مكافحة الإرهاب العراقي الذي يجيز عقوبة الإعدام والسجن مدى الحياة للانتماء لداعش فقط. تقوم العديد من المحاكمات بناءً على اعتراف. ولأن القانون لا يشترط على النيابة توجيه تهم بارتكاب جرائم عنف محددة إلى المشتبه بهم، فلا توجد حاجة لإشراك الضحايا والشهود في المحاكمات. لذا، فإن المحاكمات العراقية، بالإضافة إلى كونها غير عادلة، فهي تحرم ضحايا داعش من الحصول على العدالة.

وعلى الرغم من هذه المخاوف الموثقة جيدا، ظهرت تقارير تفيد بأن بعض الأجانب المشتبه بانتمائهم لداعش ربما يكونون قد نُقلوا بالفعل إلى العراق في الفترة التي سبقت الهجوم العسكري التركي.

أخبرني دبلوماسيون على اطلاع على المحادثات أن المسؤولين الأوروبيين حددوا ثلاثة شروط مسبقة للموافقة على النقل إلى العراق. أولا، يصرون على إلغاء عقوبة الإعدام، وهي خط أحمر مطلق للدول الأطراف في "الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان". بالنسبة لبعض الدول، يعني هذا عدم قدرة العراق على إيقاع عقوبة الإعدام على مواطنيها؛ وبالنسبة لدول لأخرى، قيل لي إن الضمانات بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام تكفي.

والشرطين الآخرين هما استيفاء المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، والسماح بوصول قنصلي منتظم لمواطنيها. طرح العراقيون بدورهم مطالبهم على الأوروبيين، منها تحمّل الأوروبيين تكاليف الإجراءات. أخبرني قاض عراقي رفيع المستوى مطلع على المحادثات أن العراق طالب الدول أن تتعهد بعدم انتقاد المحاكمات بمجرد البدء بها.

قال كل مسؤول حكومي عراقي تحدثتُ معه إن تعليق عقوبة الإعدام ليس خيارا مطروحا. تعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في جميع البلدان وتحت جميع الظروف بسبب طبيعة قسوتها وحتميتها. يثير تطبيق عقوبة الإعدام في العراق القلق بشكل خاص بسبب عدم تلبية محاكمات داعش أبسط شروط الإجراءات القانونية الواجبة. ومع ذلك، سيغضب عراقيون كُثر إذا تم إعفاء المشتبه بانتمائهم لداعش، بمن فيهم أولئك الذين يُقال إنهم الأكثر مسؤولية عن تنظيم عمليات القتل الرهيبة والعبودية الجنسية لداعش، من عقوبة الإعدام – على عكس طبيب الموصل الذي حُكم عليه بالإعدام لمجرد أنه واصل عمله خلال احتلال داعش للمدينة وقدم العلاج لجميع المرضى بمن فيهم أعضاء من داعش.

أكبر الصعوبات التي يجب التغلب عليها تتمثل في ضمان حصول المشتبه بانتمائهم لداعش على إجراءات عادلة وإمكانية حصولهم على دفاع مناسب والقدرة على الطعن في قانونية اعتقالهم. يجب أن يكون هناك افتراض بالبراءة، وتفحص حقيقي للأدلة، ومشاركة للضحايا، وعدم التعرض للتعذيب على أيدي المحققين الذين يحاولون انتزاع الاعتراف. لكي نكن واضحين، يُدرج القانون العراقي الكثير من هذه الحماية القانونية، إنما لا تُطبق عمليا. تتطلب المعايير الدولية أيضا معاملة خاصة للأطفال، مع إعطاء الأولوية لإعادة تأهيلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع.

أثارت محاكمات 11 مشتبها بهم فرنسيين في العراق في مايو/أيار هذه المخاوف، ليس فقط للمشتبه بهم الأجانب بل للعراقيين أيضا. أدرجنا في تقريرنا في 2017 المتعلق بالإجراءات الجنائية ضد المشتبه بانتمائهم لداعش في العراق توصيات في 6 صفحات من شأنها العمل على تحسين المحاكمات. تشمل مراقبة المحاكمات، وآليات منع التعذيب، وإنشاء شبكات للنشر والنقل لتسهيل وصول الضحايا إلى المحاكم. بحسب علمي، لم تختر أي من الدول التي لديها رعايا معرضون لخطر النقل إلى العراق، دعم العراق في تنفيذ تلك التوصيات أو التوصيات المماثلة خلال العامين الماضيين.

يصعب أن نتخيل، في السباق الحالي مع الزمن، كيف يمكن للدول الأوروبية دعم إنشاء البرامج وأنظمة الرصد اللازمة لمعالجة الفجوات الكثيرة في الإجراءات القضائية في العراق. لكن طالما أنهم يصرون على رغبتهم في نقل رعاياهم إلى العراق، فليس لديهم خيار آخر.

في تطور مثير للقلق، في منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول، أخبرني مسؤولون حكوميون أوروبيون أنه قد ظهر بديل جديد لعدة دول أوروبية، وهو ترك مواطنيها شمال شرق سوريا لكي تقبض عليهم السلطات السورية التي قد تستعيد سيطرتها على الأراضي التي يحتجزون فيها حاليا. ويعد هذا الخيار الأسوأ من بين جميع الخيارات المطروحة. كما وثقت هيومن رايتس ووتش، تشتهر السجون التي تسيطر عليها الحكومة السورية بالقتل الجماعي والتعذيب. قامت السلطات السورية باعتقال وتعذيب وإخفاء عشرات الآلاف من الناس، ولا يزال مصيرهم مجهولا.

بينما يكمن الحل المثالي في التأكد من احترام الأنظمة التي تحتجز جميع المشتبه بانتمائهم لداعش المبادئ الأساسية للإنسانية بغض النظر عن الجنسية، ينبغي للدول التي تدعم سيادة القانون، على المدى القصير وبالنظر إلى إلحاح الوضع، القيام بكل ما يلزم لاستعادة مواطنيها. وبمجرد استعادتهم، يمكن التحقيق مع المشتبه بهم وأفراد أسرهم، ومراقبتهم أو محاكمتهم بما يتماشى مع المعايير الدولية الحقوقية إذا لزم الأمر.