فتاة تقف في ملحق مخيم الهول في شمال شرق سوريا، الذي يضم أكثر من 11 ألف امرأة وطفل من 50 جنسية تقريبا من عائلات أفراد مشتبه بانتمائهم إلى داعش. يريد التحالف الكردي الذي يسيطر على شمال سوريا أن تستعيد بلدان الأصل النساء والأطفال. غير أن أغلب الحكومات استعادت عددا قليلا من مواطنيها فقط.

© 2019 سام تارلينغ

"لن يُطلقوا النار علينا يا حبيبي. أمك هنا معك، لا تقلق".

كلمات الأم الألمانية، التي تحدثت بصوت هامس تقريبا، لم تُوقف نُواح ابنها الصغير.

بدأت الرسائل النصية والصوتية اليائسة تخرج من مخيم الهول، وهو مخيم موحش يضم حوالي 70 ألف امرأة وطفل مشتبه في صلتهم بـ"تنظيم الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ"داعش"). يقع المخيم شمال شرق سوريا، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي بحكم الأمر الواقع وسيطر عليها تحالف بقيادة الأكراد إلى أن غزتها تركيا من الشمال في 9 أكتوبر/تشرين الأول.

تحدثت النساء المحتجزات بدون تهم في المخيم في الهواء الطلق عن حراس مسلحين ملثمين من "قوات سوريا الديمقراطية" ("قسد") التي يقودها الأكراد - والذين ما زالوا، حتى يوم الإثنين، يسيطرون على الهول - يختطفون الأبناء فوق 12 عاما من خيامهم خلال الليل. كتبن إن العيادة الطبية داخل ملحق يضم 11 ألف أجنبي من أكثر من 40 دولة قد أغلقت منذ أيام - وهذه حقيقة أكدها عمال الإغاثة. وصفن فيضان المراحيض وتناقص إمدادات الغذاء والمياه. توسّلن لإعادتهن إلى ديارهن حتى لو كان السجن في انتظارهن، وكتبن إنهن خائفات من نقلهن إلى السجون السورية، التي تشتهر بالوفيات الجماعية والتعذيب، بموجب اتفاق أُعلن عنه يوم الأحد وافقت فيه السلطات الكردية على السماح لقوات الرئيس السوري بشار الأسد بالتقدم إلى شمال شرق سوريا لصد الهجوم التركي.

لكن أيا من الرسائل النصية أو الصوتية التي تلقيتُها لم تنقل اليأس الذي تشعر به النساء بشكل أوضح من المحادثةة بين الأم وابنها. كان الخوف يخنق ويكتم صوت المرأة ونواح الطفل، كما لو أن القتال سيكتسح المخيم القاحل في أي لحظة، مثلما تترك العواصف الرملية الأطفال في الهول محاطين برمال قاتمة.

على مدار أشهر، أطلقت "هيومن رايتس ووتش" ومجموعة من المدافعين الآخرين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب، نداءات إلى الحكومات لإعادة مواطنيها المحتجزين في الهول وفي مخيمين صغيرين في شمال شرق سوريا تُستخدم لإيواء أفراد عائلات المشتبه بانتمائهم لـ "داعش". لكن النداءات ذهبت أدراج الرياح إلى حد كبير.

أكثر من ثلثي المعتقلين في المخيمات هم أطفال صغار لم يختاروا قط أن يُجروا إلى دولة الخلافة المزعومة أو يولدوا فيها. بين ديسمبر/كانون الأول 2018 وسبتمبر/أيلول 2019، توفي حوالي 340 طفلا في الهول - معظمهم بسبب أمراض يمكن تفاديها مثل الإسهال الحاد أو سوء التغذية، وفقا لـ "لجنة الإنقاذ الدولية".

لم أتمكن من الوصول إلى المخيمات منذ بدء الهجوم العسكري التركي، ولا يمكنني التحقق من جميع قصص النساء الأخيرة. لكن خلال ثلاث زيارات إلى الهول في أواخر يونيو/حزيران، كانت الظروف قاسية. كان كل طفل رأيته تقريبا نحيفا ببطن منتفخ، وسعال حاد ونظرات تعبر عن صدمة شديدة. سحب العديد منهم أوعية مياه أكبر حجما من أجسامهم النحيفة تحت شمس حارقة. شاهدت صبيا وفتاة يمشون بمشقة على عكازات على طرق وعرة، كل منهما بُترت ساقه من أعلى الركبة. يرقد الرضع دون ضجيج على أرضيات الخيام البالية، والذباب يُغطي وجوههم.

وقف صبي بشعر أشقر كثيف بدا عمره نحو خمس سنوات ولفحته أشعة الشمس، بمفرده على كومة من القمامة النتنة، يرتدي قميصا أصفرا متسخا مكتوبا عليه عبارة "من أنا"؟ الجواب واضح: هؤلاء الأطفال هم ضحايا، ليس فقط لداعش، بل أيضا لظروف احتجازهم الحالية.

"إدارة الحكم الذاتي" بقيادة الأكراد في شمال شرق سوريا والتي كانت تحكم المنطقة حتى غزو تركيا، والمحاصرة حاليا، دعت مرارا وتكرارا جميع الدول الأخرى التي لديها رعايا في المخيمات إلى إعادتهم إلى أوطانهم. في العديد من البلدان، يتوسل الأجداد وأفراد الأسرة الآخرين إلى حكوماتهم للسماح لهم باستقبال ورعاية النساء والأطفال العالقين في المخيمات.

لكن معظم الحكومات، بما فيها حكومات أوروبا الغربية، تدّعي بأنها ليست مسؤولة عن معظم هؤلاء المواطنين إلا إذا استطاعوا، بمعجزة ما، مغادرة معسكراتهم المُغلقة وعبور مناطق الصراع والحدود للوصول إلى القنصليات التي تبعد في كثير من الأحيان مئات الكيلومترات. كما امتنعت هذه الحكومات عن تحمل مسؤولية مواطنيها المشتبه بانتمائهم إلى داعش، بمن فيهم فتيان لا تتجاوز أعمارهم 12 عاما، والذين تحتجزهم قسد في سجون مؤقتة مكتظة وغير إنسانية. تُصر هذه الحكومات على أن المخاوف الأمنية والصعوبات اللوجستية تمنع العودة السريعة باستثناء عودة عدد قليل من الأيتام.

غير أن رفض الحكومات الغربية تحمل مسؤولية رعاياها قد يؤدي إلى هروب مجرمي داعش وأفراد المخيم، بما أن قسد حولت قواتها لمحاربة الجيش التركي. في الأيام الأخيرة، هرب العديد من المشتبه بانتمائهم لداعش من سجن تحت سيطرة قسد، وهرب مئات من النساء والأطفال من عين عيسى، وهو مخيم آخر لأفراد عائلات المشتبه بانتمائهم لداعش، بعد أن قصفتهما المدفعية التركية.

استعاد عدد قليل من الحكومات الأجنبية، بما فيها كازاخستان وكوسوفو، مواطنين محتجزين في شمال شرق سوريا، وفي بعض الحالات، سجناء ذكور عبر طائرات، مما يدل على أنه حيثما توجد إرادة سياسية لإعادة المواطنين إلى بلدانهم من أجل إعادة التأهيل والإدماج، هناك سبيل. كما عمل التحالف الذي يقوده الأكراد مع السلطات المحلية في سوريا لإعادة العديد من النساء والأطفال السوريين، الذين يشكلون نحو نصف المحتجزين في المخيم، وكذلك الرجال والأطفال السوريين الذين سُجنوا بشكل منفصل أو حوكموا، إلى مجتمعاتهم.

لدى عودتهم إلى الوطن، يُمكن التحقيق مع المحتجزين السابقين، وإذا لزم الأمر، يمكن مراقبتهم أو محاكمتهم بما يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.  ينبغي عدم محاكمة الأطفال إلا في ظروف استثنائية، وكحلّ أخير.

 مساعدة هؤلاء النساء والأطفال على العودة إلى الوطن تدعم التزامين قانونيين أساسيين: ضمان حق كل فرد في العودة إلى وطنه، دون أن تضع دولته الأصلية حواجز مباشرة أو غير مباشرة، وضمان العدالة للجرائم الخطيرة التي ارتكبها داعش من خلال محاكمات عادلة للمسؤولين أكثر من غيرهم عن الجرائم.

مع احتدام المعركة شمال شرق سوريا، أصبحت الحاجة أكبر من أي وقت مضى لأن تستجيب الدول لمحنة مواطنيها العالقين في المخيمات ومراكز الاحتجاز، بمن فيهم الأطفال الصغار الذين يخافون بشدة البكاء بدل النحيب والتذمر.