الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. خلال رئاسته، ضايقت مصر العشرات من المنظمات الحقوقية والمدافعين الحقوقيين، ولاحقتهم، واعتقلتهم وجمّدت أصولهم.

© 2017 وكالة أنباء الشرق الأوسط عبر أسوشيتد برس

يتعرض الشجعان الذين يعملون من أجل حماية المصريين من الانتهاكات لهجوم عنيف ومتسارع. مهاجموهم من الحكومة، وأتباعها في وسائل الإعلام، وقوات الأمن، وحتى من القضاء الذي يُفترض أن يكون مستقلا. الهدف؟ تحييد حركة حقوق الإنسان في البلاد، وخلق بيئة يحكم فيها القادة دون مساءلة وتعتدي فيها قوات الأمن على المصريين دون عقاب.

يؤدي ذلك إلى حرمان المصريين من حقهم في مساءلة حكومتهم، وتعزيز الفساد المدمِّر، وتقويض الاستقرار اللازم لتشجيع استثمارات القطاع الخاص.

أنا فخور بأصولي المصرية. أنا أيضا عضو في مجلس إدارة "هيومن رايتس ووتش" منذ 12 سنة، ورئيسا مشاركا للمجلس منذ 6 سنوات. في هذه اللحظة الخطيرة والحرجة لحقوق الإنسان في بلدي، ينبغي عليّ أن أتحدث.

مقارنة بالحقوقيين المصريين الذين يواجهون المحاكمة والسجن، ما تواجهه هيومن رايتس ووتش يَسيرٌ نسبيا. فنحن نتعرض فقط لهجمات مستمرة على سمعتنا وعملنا، ومنع ممثلينا من دخول البلاد، بمن فيهم مديرنا التنفيذي. لكن في الآونة الأخيرة، تكثفت حملات التشهير التي تشنها وسائل الإعلام الموالية للحكومة، والأخطر من ذلك أنها وصفت منظمات حقوق الإنسان والناشطين الحقوقيين بأنهم "إرهابيون".

دعا أحد هؤلاء الصحفيين، وهو من المقربين لدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكثيرا ما يرافقه على متن طائرته الرئاسية، إلى "إعدام" موظفنا عمرو مجدي لـ"جريمة" المشاركة في إنجاز تقرير عن انتهاكات الحكومة و[تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف أيضا بـ]"داعش" في سيناء. هذا تحريض مُخزي ضد شخص وطني يقوم بعمل جيد نيابة عن إخوته المصريين. 

استراتيجية الحكومة الهدامة، تهدف إلى بث الشكوك في دوافع حركة حقوق الإنسان بأكملها مما يؤثر علينا جميعا. هذه الاستراتيجية مبنية على كذبة أن حقوق الإنسان غريبة على مصر، وأن الذين يروّجون لهذه الحقوق يعملون من أجل "أجندة أجنبية" خبيثة.

بالطبع، ذلك بعيد كل البعد عن الحقيقة. فحركة حقوق الإنسان في مصر لها تاريخ طويل ومجيد يعود إلى نضال البلاد من أجل الاستقلال. وهناك منظمات محلية، مثل "المنظمة المصرية لحقوق الإنسان" و"مركز النديم" لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، تعمل في مصر منذ سنوات طويلة، وفي بعض الأحيان قبل أن تعمل هيومن رايتس ووتش في مصر.

ليس في عمل هذه المنظمات ما هو خطأ أو غير وطني. بل على العكس تماما: يضمن الدستور المصري للمجتمع المدني العمل بحرية وبمعزل من التدخل الحكومي المُعطّل. وكذلك المعاهدات الدولية التي صدقت عليها مصر ومئات الدول الأخرى. ومع ذلك، فإن السلطات المصرية تستخدم القوانين القمعية والغامضة كأداة طيّعة ضد هذه المنظمات ولتقويض أوجه الحماية هذه.

على سبيل المثال، أغلقت السلطات الحكومية في فبراير/شباط 2017 مقر مركز النديم، الذي كان يقدم خدمة علاجية هامة لضحايا التعذيب، بحجة أن تقارير المركز التي توثق وتنتقد التعذيب انتهكت شروط ترخيصه. مركز النديم هو واحد من عشرات المنظمات المصرية التي تواجه حاليا تحقيقات بسبب مزاعم حصولها على تمويل أجنبي غير قانوني، وهي جريمة جعل الرئيس السيسي عقوبتَها السجن 25 سنة.

في السنوات الأخيرة، واجه العديد من المصريين المتهمين بـ"جريمة" الدفاع عن حقوق المواطنين ملاحقات لا حصر لها، كما وُجّهت إليهم تُهم وأُطلق سراحهم فقط بعد دفع كفالات باهظة. وهم يعيشون الآن في حالة لا اطمئنان مستمر من أن يُزجّ بهم في السجن بعد أن منعتهم الحكومة من السفر وجمّدت أصول بعضهم.

من المثير للدهشة أن الحكومة اختارت فرض مثل هذه العقوبات القاسية على تلقي التمويل الأجنبي، لأن مصر تتلقى مليارات الدولارات من السعودية، والإمارات، والولايات المتحدة، والدول الأعضاء في "الاتحاد الأوروبي" وغيرها. كلاّ، لا أعتقد أن الحكومة تهتم حقّا بالتمويل. بل تستخدمه حجّة بشكل انتقائي وخادع لبث الخوف وخلق الانقسام.

الحقيقة أن معظمنا يرنو إلى نفس المتطلبات. كلنا نريد عملا، ومكانا للعيش، ومصدرا لإعالة أسرنا. نريد أن نعامَل معاملة عادلة ونريد أن تحترم الحكومة حقوقنا وكرامتنا. كيف يمكن إذن للمنظمات غير الحكومية التي تدافع عن هذه الأمور أن تكون غير قانونية؟

الانتقادات المدعومة حكوميا نادرا ما تشكك في الحقائق الواردة في تقارير هيومن رايتس ووتش لأنهم لا يستطيعون ذلك - فالحقائق متينة. فيزعمون بدلا من ذلك أننا نركّز على مصر بشكل غير عادل.

لكن إذا كان أحد بصدد البحث عن دليل على استقلالنا، ما عليه إلا الاطلاع على انتقاداتنا للولايات المتحدة أو إسرائيل أو تركيا أو فرنسا أو أي دولة أخرى. مصر ليست حالة خاصة: نحن نعمل في 100 دولة تقريبا حول العالم لنفس الهدف. ليس دورنا مجرد الإشارة إلى مكامن السوء، بل أيضا اقتراح الحلول الممكنة. ولذا، يتضمن كل تقرير نُصدره توصيات للحكومة بشأن كيفية تحسين الوضع.

عندما نرتكب الأخطاء، ننشر تصحيحات. عندما نتلقى معلومات جديدة أو ردودا جديدة من الحكومة المصرية، فإننا نأخذ بها. ولكن رغم جهودنا المستمرة لطلب اللقاءات والتماس الردود، ترفض الحكومة فتح قنوات حقيقية للتواصل والمناقشة بجدية.

لماذا إذن يهاجمون حامل الرسالة؟ ببساطة لأنه من الأسهل مهاجمة المدافعين عن حقوق الإنسان ومعاقبتهم بدلا من شرح مجهودات الحكومة للوفاء بالتزاماتها والتحقيق علنا في الانتهاكات. التشكيك في دوافع الحركة الحقوقية طريقة تنجح أحيانا لصرف الانتباه عن الانتهاكات المفصّلة بالأدلة في تقاريرنا دون وضع حد لتلك الانتهاكات. بعبارة أخرى، هي طريقة سهلة للتهرب من الحقيقة.

لكنها ليست حلا للمصريين.