صورة بواسطة طائرة بدون طيار التقطها المجلس النرويجي في مدينة البصرة في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

© 2018 المجلس النرويجي للاجئين

تملك البصرة من احتياطي النفط العراقي أكثر من أي محافظة أخرى. بحلول ديسمبر/كانون الأول الماضي، كان العراق يُصدّر 3.726 مليون برميل من النفط يومياً، مما يحقق للدولة إيرادات بقيمة 6.1 مليار دولار أمريكي شهرياً. مع ذلك، لم تُمكّن هذه الثروة البصراويين من التمتع بأبسط حقوقهم الأساسية – مياه كافية ومأمونة ومتاحة بأسعار معقولة.

منذ ما يقرب من 30 عاماً، تقاعست السلطات العراقية عن تزويد الكثير من العراقيين بمياه شرب مأمونة. أدى هذا التقاعس إلى أزمة مياه حادة في البصرة العام الماضي دخل إثرها ما لا يقل عن 118 ألف شخص المستشفى، وأدت إلى احتجاجات في جميع أنحاء المدينة الصيف الماضي وأخرى هذا الصيف.

هذا الوضع هو نتيجة عوامل معقدة تجعل حدوث أزمات مستقبلية شبه مؤكد إذا لم يتم التصدي لها، من بينها انخفاض تدفق المياه وتسرّب مياه البحر والتلوّث وسوء إدارة المجاري المائية. لكن السلطات المحلية والاتحادية لم تفعل الكثير لمعالجة هذه المشكلات الخطيرة، حيث اتخذ بعضها ارتفاع معدلات تساقط الأمطار هذا الربيع ذريعة للانتظار عاما آخر.

من الجوانب الأكثر إثارة للصدمة في أزمة العام الماضي في البصرة هو عدم وجود أي تفسير رسمي لسبب مرض الناس أو طبيعة المشاكل المتعلقة بالمياه. أرسل مكتب رئيس الوزراء السابق و “جامعة النهرين” و”منظمة الصحة العالمية” فرقاً إلى البصرة لتحليل عينات من المياه، لكن تقاريرهم ظلت سرية. لذلك ذهبنا إلى البصرة في يناير/كانون الثاني للتحقيق في الأمر.

قابلنا مسؤولين في قطاع المياه وفي “الأمم المتحدة”، لكن يبدو أن كل ما أمكنهم إخبارنا به هو أن المياه كانت “ملوّثة”. لكن عندما بحثتُ أكثر فيما كان يوجد في الماء والذي تسبب للناس في القيء والإسهال وآلام حادة في المعدة – لم يكن بإمكان أحد تحديد المادة الملوِّثة.

لذلك حاولنا على الأقل تحديد الأسباب المحتملة. نظر فريقنا في الطرق التي ساهمت بها سوء الإدارة الحكومية في التلوث، وتأثيره على حياة الناس في البصرة. وجدنا أدلة على أن السكان والصناعات والمزارع، في البصرة وإلى الشمال منها، يلقون نفايات غير مُعالجة مباشرة في الأنهار وأن الحكومة لم تضع تدابير قوية لوقفها.

راجعنا صور الأقمار الصناعية، فوجدنا أيضا دليلا على حدوث تسرُّبَين نفطيين كبيرين على الأقل في 2018 بلغا شط العرب وسط مدينة البصرة ولم يتم الإبلاغ عنهما على الإطلاق. شط العرب، حيث يلتقي الفرات ودجلة، هو المصدر الرئيسي للمياه في المدينة ومحطات معالجة المياه فيها. قد يفسر هذا قولَ بعض البصراويين إن رائحة البنزين كانت تنبعث من مياه الصنبور، وإنه كان يمكنهم إشعال النار فيها. أظهرت صور الأقمار الصناعية أيضا أدلة على تكاثر مُحتمل للطحالب الضارة، في وسط مدينة البصرة خلال الأزمة، وهو أمر لم تُجرِ السلطات اختبارات للمياه للتحقق منه للأسف على حد قولها.

كانت هناك أيضا عوامل أخرى، مثل انخفاض تساقط الأمطار، على الأرجح بسبب تغيّر المناخ، وبناء السدود في أعلى النهر، بما في ذلك في تركيا وإيران. أدت هذه العوامل إلى اضمحلال الأنهار المؤدية إلى شط العرب، مما سمح لمزيد من المياه المالحة بالتسرب من الخليج في أشهر الصيف. خلال الأزمة، كل ما فعلته معظم محطات معالجة المياه العامة في البصرة أنها أضافت بعض الكلور إلى مياه النهر، وهي طريقة غير فعالة للتخلص من الملوّثات في المياه المالحة.

لماذا استمرت السلطات في تزويد منازل البصراويين بالمياه الملوّثة من شط العرب؟ لأنه لا يوجد ما يكفي من المياه العذبة الآتية إلى البصرة من القنوات التي بنتها الحكومة. ومن الأسباب أن السلطات كانت تسمح لرجال الأعمال والمزارعين باستغلال هذه القنوات مباشرة وسرقة المياه لسنوات، قبل اتخاذ إجراءات صارمة.

قد تكون أسباب تلوّث المياه في البصرة والأزمة الحادة في عام 2018 معقدة، لكن التأثير واضح بشكل مؤلم. كفّ سكان البصرة منذ زمن طويل عن استخدام مياه الصنبور للشرب والطهي، واستعاضوا عنها بشراء المياه من محطات التحلية والتي تنقلها سيارات حوضية. عانى ذوو الدخل المنخفض لتسديد تكلفة مياه الشرب هذه.

لكن يبدو الآن أن سكان البصرة معرّضين للمرض بمجرد استخدام الماء لغسل طعامهم أو للاستحمام، ولم تُطبّق السلطات المعايير حتى على المياه المخصّصة لهذه الأغراض.

كما أن نقص المياه الكافية والعذبة كلّف البصرة لقبها كأكبر منتج للتمور في البلاد. فقد ظل المزارعون يروون أراضيهم بالمياه المالحة من شط العرب لسنوات عديدة، مما أدى إلى موت معظم محاصيلهم وماشيتهم.

يجب أن يسأل العراقيون الحكومة الاتحادية ومسؤولي البصرة عن السبب الذي أدى إلى مرضهم من الماء. من حقّهم أن يعرفوا نتائج تحقيقات السلطات في الأزمة ومن واجب السلطات الإفصاح عنها. يتعيّن عليها اتخاذ إجراءات لمعالجة الأسباب الكامنة للأزمة وإبلاغ الناس بالخطوات التي اتخذتها لضمان عدم حدوثها مرة أخرى.

على الحكومة أيضا إنشاء نظام إنذار وطني للصحة العامة، لتحذير السكان في حالة وجود ملوّث محدد في مياههم أو بيئتهم، وإرشادهم إلى كيفية الحفاظ على سلامتهم. على العراقيين مطالبة السلطات بأخذ حقوقهم في المياه والصحة والصرف الصحّي على محمل الجد، وإصلاح إمدادات المياه، وتنبيههم عند حدوث مشاكل.